الرحمن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلفُونَ إِذا انطلقتم إِلَى مَغَانِم لتأخذوها﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: هُوَ أَن الله تَعَالَى وعد أهل الْحُدَيْبِيَة غَنَائِم خَيْبَر، وَقد كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاب الَّذين تخلفوا عَن رَسُول الله وظنوا ظن السوء طمعوا فِي غَنَائِم خَيْبَر وَكَانَ الله قد جعل غَنَائِم خَيْبَر لأهل الْحُدَيْبِيَة خَاصَّة، فَلَمَّا رَجَعَ النَّبِي وَأَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة، وتوجهوا قبل خَيْبَر جَاءَ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاب، وَاسْتَأْذَنُوا رَسُول الله أَن يَكُونُوا مَعَه فِي هَذِه الْغَزْوَة، وَقَالُوا: ذرونا نتبعكم.
وَقَوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾ يَعْنِي: حكم الله الَّذِي حكم فِي غَنَائِم
﴿ذرونا نتبعكم يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله قل لن تبعونا كذلكم قَالَ الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كَانُوا لَا يفقهُونَ إِلَّا قَلِيلا (15) قل للمخلفين من الْأَعْرَاب﴾ خَيْبَر أَنَّهَا لأهل (الْمَدِينَة) خَاصَّة، حَيْثُ طمعوا أَن يُصِيبُوا مِنْهَا، وَيُقَال معنى قَوْله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾ هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لن تخْرجُوا معي أبدا وَلنْ تقاتلوا معي عدوا﴾ فأرادوا [أَن] يبدلوا هَذَا الْكَلَام الَّذِي قَالَه الله، ويظهروا أَنا خرجنَا وقاتلنا خلاف مَا قَالَه الله.
وَفِي التَّفْسِير: أَنهم لما قَالُوا: ذرونا نتبعكم، قَالَ لَهُم أَصْحَاب رَسُول الله: نَأْذَن لكم فِي الْقِتَال على أَن تَكُونُوا متطوعين فِي الْقِتَال لَا سهم لكم فِي الْغَنِيمَة؛ لِأَن غنيمَة خَيْبَر لأهل الْحُدَيْبِيَة خَاصَّة.
وَقَوله: ﴿قل لن تتبعونا كذلكم قَالَ الله من قبل﴾ فعلى القَوْل الأول [لن] تتبعونا أصلا، وعَلى القَوْل الثَّانِي قل لن تتبعونا لأخذ الْغَنِيمَة.
وَقَوله: ﴿كذلكم قَالَ الله من قبل﴾ أَي: حكم الله من قبل.
وَقَوله: ﴿فسيقولون بل تحسدوننا﴾ أَي: لم تأذنوا لنا فِي اتباعكم [حسدا] مِنْكُم لنا لِئَلَّا نصيب مَا تصيبون.
وَقَوله: ﴿بل كَانُوا لَا يفقهُونَ إِلَّا قَلِيلا﴾ أَي: لَا يعلمُونَ مَا لَهُم وَمَا عَلَيْهِم فِي الدّين إِلَّا قَلِيلا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل للمخلفين من الْأَعْرَاب ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد﴾ أصح الْأَقَاوِيل أَنهم بَنو حنيفَة، أولُوا بَأْس شَدِيد حَيْثُ قَاتلُوا الْمُسلمين مَعَ مُسَيْلمَة الْكذَّاب.
قَالَ رَافع بن خديج: مَا كُنَّا نعلم معنى قَوْله: ﴿أولي بَأْس شَدِيد﴾ حَتَّى
﴿ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد تقاتلونهم أَو يسلمُونَ فَإِن تطيعوا يُؤْتكُم الله أجرا﴾ دَعَانَا أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ إِلَى قتال مُسَيْلمَة، وَكَانَ ذَلِك الْحَرْب حَربًا شَدِيدا على الْمُسلمين، اسْتشْهد فِيهِ كثير من الصَّحَابَة.
وَيُقَال: اسْتشْهد فِيهِ سَبْعمِائة نفر من أَصْحَاب رَسُول الله فيهم زيد بن الْخطاب أَخُو عمر بن الْخطاب وعكاشة بن [مُحصن] .
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿أولي بَأْس شَدِيد﴾ هُوَ هوَازن وَثَقِيف، قَالَه الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنهم فَارس، وَكَانَ الْحَرْب مَعَهم أَشد حَرْب على الْمُسلمين فِي زمَان عمر رَضِي الله عَنهُ.
وَفِي القَوْل الأول، وَفِي هَذَا القَوْل دَلِيل على خلَافَة ابي بكر وَعمر، لِأَنَّهُمَا دعوا الْمُسلمين إِلَى قتال مُسَيْلمَة وقتال فَارس، وَقد كَانَ مَعَ فَارس وقْعَة الْقَادِسِيَّة، وفيهَا قتل رستم صَاحب جَيش الْعَجم، ووقعة جلولا ووقعة نهاوند، وَهِي تسمى فتح الْفتُوح، وَلم تقم بعْدهَا قَائِمَة، وتمزق ملكهم، وَصدق الله دَعْوَة النَّبِي حَيْثُ قَالَ: " اللَّهُمَّ فمزق ملك فَارس ". وَرُوِيَ أَن أَن كسْرَى لما مزق كتاب النَّبِي وَبلغ ذَلِك رَسُول الله فَقَالَ: " مزق ملكه ". وَعَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ فِي قَوْله: ﴿إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد﴾ قَالَ: هم الرّوم وَمَعَهُمْ الملحمة الْكُبْرَى فِي آخر الزَّمَان.
﴿حسنا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا توليتم من قبل يعذبكم عذَابا أَلِيمًا (16) لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج وَلَا على الْمَرِيض حرج وَمن يطع الله وَرَسُوله يدْخلهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار وَمن يتول يعذبه عذَابا أَلِيمًا (17) لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ﴾
وَأَصَح الْأَقَاوِيل هُوَ القَوْل الأول؛ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿تقاتلونهم أَو يسلمُونَ﴾ وَمَعْنَاهُ: أَو يسلمُوا، وَهَذَا إِنَّمَا يكون فِي الْمُرْتَدين الَّذين لَا يجوز أَخذ الْجِزْيَة مِنْهُم، فأنما الْمَجُوس وَالنَّصَارَى فَيجوز أَخذ الْجِزْيَة مِنْهُم.
وَأما مُجَاهِد حمل الْآيَة على أهل الْأَوْثَان.
وَقَوله: ﴿فَإِن تطيعوا يُؤْتكُم الله أجرا حسنا﴾ أَي: الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا توليتم من قبل﴾ أَي: تعرضوا كَمَا أعرضتم من قبل.
وَقَوله: ﴿يعذبكم عذَابا أَلِيمًا﴾ أَي: وجيعا.
فَإِن قيل: ذكر فِي هَذِه الْآيَة قَوْله: ﴿ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد﴾ وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿قل لن تخْرجُوا معي أبدا وَلنْ تقاتلوا معي عدوا﴾ وَإِنَّمَا قَاتلُوا مَعَ أبي بكر وَعمر وَلم يقاتلوا مَعَ الرَّسُول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج وَلَا على الْمَرِيض حرج﴾ يَعْنِي: لَا حرج على من تخلف عَنْك بِهَذِهِ الْأَعْذَار عَن غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة.
والحرج: الْإِثْم، وَمعنى الْآيَة: أَن الله تَعَالَى أَبَاحَ غَنَائِم خَيْبَر لقوم تخلفوا عَن غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة بِهَذِهِ الْأَعْذَار.
وَقيل: إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم: أَبُو أَحْمد بن جحش، وَأمه آمِنَة بنت عبد الْمطلب، وَعبد الله بن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى، وَغَيرهم.
وَقَوله: ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله يدْخلهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار وَمن يتول يعذبه عذَابا أَلِيمًا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
﴿إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ القَوْل الْمَعْرُوف فِي الْآيَة أَنه لما توجه إِلَى مَكَّة عَام الْحُدَيْبِيَة مُعْتَمِرًا هُوَ وَأَصْحَابه، وَسَاقُوا الْهَدْي مَعَ أنفسهم، فَلَمَّا بلغُوا الْحُدَيْبِيَة، وَهِي بِئْر بمَكَان مَعْلُوم على طرف الْحرم، وَتلك الْبقْعَة سميت باسم الْبِئْر، وَقد ظَهرت معْجزَة لرَسُول الله فِي هَذَا الْبِئْر؛ " فَإِن أَصْحَاب رَسُول الله وَرَضي [الله] عَنْهُم لما وصلوا إِلَيْهَا نزحوها حَتَّى لم يبْق من المَاء شَيْء فشكوا إِلَى رَسُول الله الْعَطش؛ فجَاء رَسُول الله وَقعد على شَفير الْبِئْر ودعا بِمَاء فَتَمَضْمَض بِهِ وصبه فِي الْبِئْر، فَجَاشَتْ الْبِئْر بالروى، فاستقى النَّاس، وَسقوا الركاب، وَلم ينزف بعد ".
رَجعْنَا إِلَى أصل الْقِصَّة: " فَلَمَّا بلغُوا الْحُدَيْبِيَة بَركت نَاقَة النَّبِي وَهِي الْقَصْوَاء، فبعثوها فَلم (تنبعث) ، فَقَالُوا: خلأت الْقَصْوَاء.
فَقَالَ رَسُول الله: " مَا خلأت، وَلَا هُوَ لَهَا بِخلق، وَلكنهَا حَبسهَا حَابِس الْفِيل، وَالله لَا يَسْأَلُونِي خطة فِيهَا تَعْظِيم حرم الله إِلَّا أَعطيتهم إِيَّاهَا "، ثمَّ دَعَا عمر وَأَرَادَ أَن يَبْعَثهُ إِلَى أهل مَكَّة يستأذنهم فِي الدُّخُول، ليقضي عمرته، وينحر هَدْيه، فَقَالَ عمر: يَا رَسُول الله، مَا لي بهَا من حميم وَلَا عشيرة وَقد عرفُوا شدَّة عَدَاوَتِي لَهُم، وَإِنِّي أَخَافهُم على نَفسِي، وَلَكِن أدلك على من هُوَ أعز مني بهَا عسيرة، قَالَ: " وَمن ذَلِك؟ "، قَالَ: عُثْمَان، فَأرْسلهُ إِلَى مَكَّة.
ثمَّ إِنَّه بلغ النَّبِي أَن عُثْمَان قتل، وَعَن بَعضهم أَن إِبْلِيس خرج وَقَالَ: إِن عُثْمَان قتل فَحِينَئِذٍ قَامَ النَّبِي واستند إِلَى الشَّجَرَة وَهِي شَجَرَة سَمُرَة فَبَايع مَعَ أَصْحَابه وَهِي بيعَة الرضْوَان، وَكَانَ بَايع على الْقِتَال إِلَى أَن يموتوا، وَيُقَال: بَايع على أَلا يَفروا " وَاخْتلف القَوْل فِي عدد الْقَوْم، قَالَ ابْن أبي أوفى:
﴿فَعلم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم وأثابهم فتحا قَرِيبا (18) ﴾ ألف وثلثمائة.
وَقَالَ جَابر: ألف وَأَرْبَعمِائَة، وَهُوَ الْأَصَح.
وَعَن ابْن عَبَّاس: ألف وَخَمْسمِائة.
ثمَّ ظهر أَن عُثْمَان لم يقتل.
وَفِي الْآيَة قَول آخر، رَوَاهُ ابْن أبي زَائِدَة عَن الشّعبِيّ قَالَ: " مُرَاد الله من الْبيعَة الْمَذْكُور فِي الْآيَة بيعَة رَسُول الله مَعَ السّبْعين من الْأَنْصَار لَيْلَة الْعقبَة، والقصة فِي ذَلِك: أَنه قدم سَبْعُونَ نَفرا من أهل الْمَدِينَة ليلقوا النَّبِي فِي أَيَّام الْحَج قبل الْهِجْرَة، ورأسهم أَبُو أُمَامَة أسعد بن زُرَارَة، فَخرج النَّبِي وَمَعَهُ الْعَبَّاس لَيْلًا حَتَّى أَتَوا الْعقبَة، وَحضر من أهل الْمَدِينَة هَؤُلَاءِ السبعون، فَقَالَ الْعَبَّاس لَهُم: ليَتَكَلَّم متكلمكم وَلَا يطول، فَإِن عَلَيْكُم عينا، وَإِن تعرف قُرَيْش بمكانكم يؤذوكم.
فَقَالَ أسعد بن زُرَارَة: يَا رَسُول الله، اشْترط لِرَبِّك، وَاشْترط لنَفسك، وَاذْكُر مالنا إِذا قبلنَا، فَقَالَ النَّبِي: " اشْترط لربى أَن لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا، وَاشْترط لنَفْسي أَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ أَنفسكُم وَأَوْلَادكُمْ.
قَالَ: فَمَا لنا إِذا فعلنَا ذَلِك؟ قَالَ: الْجنَّة، قَالَ: رَضِينَا ".
رُوِيَ أَن إِبْلِيس صرخَ على الْعقبَة: يَا معشر قُرَيْش، هَؤُلَاءِ الصباة قد اجْتَمعُوا مَعَ مُحَمَّد يبايعون عَلَيْكُم.
فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك تفرق النَّبِي وَأُولَئِكَ، فجَاء الْمُشْركُونَ فَلم يَجدوا أحدا، وَالصَّحِيح هُوَ القَوْل الأول.
وَقَوله: ﴿فَعلم مَا فِي قُلُوبهم﴾ أَي: من الصدْق وَالْوَفَاء.
وَقيل: هُوَ الْإِخْلَاص.
وَقَوله: ﴿فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم﴾ أَي: الطُّمَأْنِينَة.
وَيُقَال: الثِّقَة بوعد الله، وَالصَّبْر على أَمر الله، وَيُقَال: اعْتِقَاد الْوَفَاء.
وَقَوله: ﴿وأثابهم فتحا قَرِيبا﴾ أَي: فتح خَيْبَر، وَيُقَال: فتح مَكَّة، وَالْأول هُوَ الْمَعْرُوف.
﴿ومغانم كَثِيرَة يأخذونها وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما (19) وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة تأخذذونها فَعجل لكم هَذِه وكف أَيدي النَّاس عَنْكُم﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿ومغانم كَثِيرَة يأخذونها﴾ يَعْنِي: أَمْوَال خَيْبَر، وَكَانَت لَهُم أَمْوَال كَثِيرَة من العقارات والنخيل وَغَيرهَا.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة تأخذونها﴾ قَالَ مُجَاهِد مَعْنَاهَا: الْغَنَائِم الَّتِي تُؤْخَذ من الْكفَّار إِلَى قيام السَّاعَة.
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: غَنَائِم فَارس وَالروم.
وَقيل: فتح مَكَّة.
وَقَوله: ﴿فَعجل لكم هَذِه﴾ أَي: غَنَائِم خَيْبَر.
وَقَوله: ﴿وكف أَيدي النَّاس عَنْكُم﴾ فِي التَّفْسِير: أَن أَسد وغَطَفَان كَانُوا حلفاء يهود خَيْبَر، فَلَمَّا توجه رَسُول الله إِلَى خَيْبَر أَرَادَ أَسد وغَطَفَان أَن يُغيرُوا على الْمَدِينَة، فَألْقى الله الرعب فِي قُلُوبهم وَتَفَرَّقُوا.
وَرُوِيَ أَن رَسُول الله مَال إِلَيْهِم لِيُقَاتل مَعَهم أَولا، فَهَرَبُوا وَتَفَرَّقُوا وخلوا أهل خَيْبَر، فَرجع رَسُول الله إِلَى خَيْبَر وَفتحهَا.
وَيُقَال: كف أَيدي النَّاس عَنْكُم: جَمِيع الْمُشْركين، وَلم يكن فِي الْأُمَم أمة أذلّ وَأَقل من الْعَرَب فأعزهم الله بِالْإِسْلَامِ، وأغنمهم كنوز الْعَجم وَالروم، وأورثهم أَرضهم وديارهم وَأَمْوَالهمْ وَكَانَ أول مَا دخل الذل على الْعَجم حَرْب ذِي قار، وَهُوَ مَوضِع بعث كسْرَى بجُنُوده إِلَى بني شَيبَان لِيُقَاتِلُوا مَعَهم بِسَبَب قصَّة طَوِيلَة، فَقَاتلُوا بِذِي قار، وَجعل الْعَرَب شعارهم اسْم مُحَمَّد، قَالَ رئيسهم لَهُم: اجعلوا شِعَاركُمْ اسْم هَذَا الْقرشِي الَّذِي خرج يَدْعُو النَّاس إِلَى الله تَعَالَى، فَاقْتَتلُوا وَهزمَ الله الْمُشْركين، وَقتل أَكثر جنود كسْرَى، فَلَمَّا بلغ النَّبِي قَالَ: " الْيَوْم انتصفت الْعَرَب من الْعَجم، وَبِي نصروا، من ذَلِك الْوَقْت دخل الذل على الْعَجم وفني ملكهم.
﴿ولتكون آيَة للْمُؤْمِنين وَيهْدِيكُمْ صراطا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لم تقدروا عَلَيْهَا قد احاط الله بهَا وَكَانَ الله على كل شَيْء قَدِيرًا (21) وَلَو قاتلكم الَّذين كفرُوا لولوا الأدبار ثمَّ لَا يَجدونَ وليا وَلَا نَصِيرًا (22) سنة الله الَّتِي قد خلت من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا (23) وَهُوَ الَّذِي كف أَيْديهم عَنْكُم وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُم بِبَطن مَكَّة من بعد﴾
وَقَوله: ﴿ولتكون آيَة للْمُؤْمِنين﴾ أَي: معْجزَة، وَالْآيَة فِي دَعْوَة رَسُول الله فتح خَيْبَر وَغَنَائِم الْعَجم وَالروم، وَتحقّق ذَلِك عَن قريب.
وَقَوله: ﴿وَيهْدِيكُمْ صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ يؤديكم إِلَى رضَا الله تَعَالَى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُخْرَى لم تقدروا عَلَيْهَا﴾ أَي: أَرض الْعَجم.
وَيُقَال: أَرض مَكَّة.
وَيُقَال: جَمِيع مَا فتح الله من الْأَرَاضِي، ويفتحها إِلَى قيام السَّاعَة.
وَقَوله: ﴿قد أحَاط الله بهَا﴾ أَي: أحَاط علمه بهَا.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله على كل شَيْء قَدِيرًا﴾ أَي: قَادِرًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو قاتلكم الَّذين كفرُوا لولوا الأدبار﴾ أَي: انْهَزمُوا وَكَانَ الظفر لَهُم.
وَقَوله: ﴿ثمَّ لَا يَجدونَ وليا وَلَا نَصِيرًا﴾ قد بَينا من قبل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿سنة الله الَّتِي قد خلت من قبل﴾ أَي: سنّ الله هَذِه السّنة، وَهِي نصْرَة أوليائه وإهلاك أعدائه.
وَيُقَال: هِيَ أَن الْعَاقِبَة للْمُؤْمِنين، وَمَعْنَاهُ: أَن هَذِه السّنة الَّتِي سننتها لكم هِيَ سنتي فِيمَن خلا من قبلكُمْ.
وَقَوله: ﴿وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا﴾ أَي: تغييرا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كف أَيْديهم عَنْكُم وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُم بِبَطن مَكَّة﴾ روى
﴿أَن أَظْفَرَكُم عَلَيْهِم وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرًا (24) هم الَّذين كفرُوا وصدوكم عَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْهَدْي معكوفا أَن يبلغ مَحَله وَلَوْلَا رجال مُؤمنُونَ وَنسَاء مؤمنات لم﴾ عبد الله بن مغقل الْمُزنِيّ " أَن النَّبِي كَانَ جَالِسا تَحت الشَّجَرَة يُبَايع أَصْحَابه وَفِي رِوَايَة: وَعِنْده عَليّ بن أبي طَالب وَسُهيْل بن عَمْرو يكتبا كتاب الصُّلْح فثار فِي وُجُوهنَا ثَلَاثُونَ شَابًّا من الْمُشْركين قدمُوا من مَكَّة بِقصد رَسُول الله،
فَدَعَا رَسُول الله فَأخذ الله بِأَبْصَارِهِمْ فقمنا وَجِئْنَا بهم نقودهم إِلَى رَسُول الله فَقَالَ: " هَل لكم عهد؟ هَل لكم إِيمَان؟ " فَقَالُوا: لَا.
فخلى سبيلهم، فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كف أَيْديهم عَنْكُم وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُم﴾ ".
وروى حَمَّاد بن سَلمَة، عَن ثَابت، عَن أنس قَالَ: أهبط ثَمَانُون رجلا متسلحين من جبل التَّنْعِيم، فَأَخذهُم أَصْحَاب رَسُول الله وَجَاءُوا بهم إِلَى النَّبِي، فاستحياهم وخلى سبيلهم، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿بِبَطن مَكَّة﴾ يَعْنِي: الْحُدَيْبِيَة، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا بطن مَكَّة لقربها من مَكَّة.
وَقَوله ﴿من بعد أَن أطفركم عَلَيْهِم﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرًا﴾ أَي: عليما.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هم الَّذين كفرُوا وصدوكم عَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْهَدْي معكوفا﴾ أَي: وصدوا الْهَدْي معكوفا، ونصبه على الْحَال، وَمَعْنَاهُ: مَحْبُوسًا.
وَقَوله: ﴿أَن يبلغ مَحَله﴾ أَي: منحره، وَكَانَ رَسُول الله قد سَاق سبعين بَدَنَة.
وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا رجال مُؤمنُونَ وَنسَاء مؤمنات﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: معنى الْآيَة: أَنه
﴿تعلموهم أَن تطئوهم فتصيبكم مِنْهُم معرة بِغَيْر علم ليدْخل الله فِي رَحمته من يَشَاء لَو تزيلوا لعذبنا الَّذين كفرُوا مِنْهُم عذَابا أَلِيمًا (25) إِذْ جعل الَّذين كفرُوا فِي قُلُوبهم﴾ كَانَ قد أسلم رجال وَنسَاء (بِمَكَّة) ، وَأَقَامُوا هُنَالك مختلطين بالمشركين، وَلم يكن يعرف مكانهم، فَقَالَ الله تَعَالَى: وَلَوْلَا هم يَعْنِي الْقَوْم الَّذين ذكرنَا ﴿لم تعلموهم أَن تطئوهم﴾ يَعْنِي: توقعوا بهم وتصيبوهم بِغَيْر علم إِن دَخَلْتُم محاربين مقاتلين.
وَقَوله: ﴿فتصيبكم مِنْهُم معرة بِغَيْر علم﴾ أَي: سبة، وَيُقَال: عيب وملامة، وَمَعْنَاهُ: أَن الْكفَّار يعيبونكم، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُم يقتلُون أهل دينهم.
وَيُقَال فِي المعرة: هِيَ لُزُوم الدِّيَة عِنْد الْقَتْل.
وَقَوله: ﴿ليدْخل الله فِي رَحمته من يَشَاء﴾ فِيهِ تَقْدِير مَحْذُوف، وَمَعْنَاهُ: حَال بَيْنكُم وَبينهمْ؛ ليدْخل الله فِي رَحمته من يَشَاء أَي: فِي الْإِسْلَام من يَشَاء.
وَقَوله: ﴿لَو تزيلوا﴾ أَي: لَو تميزوا أَي: لَو فَارق الْمُسلمُونَ الْكَافرين ﴿لعذبنا الَّذين كفرُوا مِنْهُم عذَابا أَلِيمًا﴾ وَمَعْنَاهُ: لَوْلَا أَصَابَتْكُم المعرة واختلاط [الْمُسلمين] بالكفار لعذبنا الَّذين كفرُوا أَي: بِالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ جعل الَّذين كفرُوا فِي قُلُوبهم الحمية حمية الْجَاهِلِيَّة﴾ الحمية: الأنفة والامتناع عَن الشَّيْء غَضبا، وَمن الأنفة مَحْمُود ومذموم.
وَيُقَال: فلَان حام حومته أَي: مَانع لحوزته.
وَمعنى حمية الْجَاهِلِيَّة هَاهُنَا: هِيَ أَن الْكفَّار لم يتْركُوا النَّبِي أَن يدْخل [هُوَ] وَأَصْحَابه مَكَّة فِي ذَلِك الْعَام، وَقَالُوا: لَا يدْخل علينا مُحَمَّد أبدا على كره منا مَا بَقِي منا أحد، وَكَانَ ذَلِك أَنَفَة مِنْهُم وحمية، ثمَّ إِن الرَّسُول لما صَالح مَعَهم كَانَ فِي الصُّلْح أَن يرجع هَذَا الْعَام، وَيعود فِي الْعَام الْقَابِل فِي ذَلِك الشَّهْر بِعَيْنِه، وَيَقْضِي نُسكه، وَيُقِيم ثَلَاثًا وَيرجع.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن [معنى] حمية الْجَاهِلِيَّة: أَن سُهَيْل بن عَمْرو وَمَعَهُ حويطب بن عبد الْعُزَّى [جَاءُوا] ليعقدوا
﴿الحمية حمية الْجَاهِلِيَّة فَأنْزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ وألزمهم كلمة﴾ عقد الصُّلْح، فَلَمَّا كَانَ أَوَان (الكتبة) قَالَ النَّبِي لعَلي رَضِي الله عَنهُ: " اكْتُبْ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، فَقَالَ سُهَيْل: لَا نَعْرِف مَا الرَّحْمَن الرَّحِيم! اكْتُبْ كَمَا نكتب: بِاسْمِك اللَّهُمَّ.
فَقَالَ الْمُسلمُونَ: لَا إِلَه إِلَّا الله تَعَجبا من قَوْلهم ورجت بهَا جبال تهَامَة، ثمَّ إِنَّه قَالَ: اكْتُبْ هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله، فَقَالَ سُهَيْل: وَلَو علمنَا أَنَّك رَسُول الله مَا قَاتَلْنَاك؛ اكْتُبْ هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله، وَكتب عَليّ ذَلِك، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: أَنا مُحَمَّد رَسُول الله، وَأَنا مُحَمَّد بن عبد الله.
وَكَانَ فِي عقد الصُّلْح أَيْضا: أَن من جَاءَ إِلَى النَّبِي من الْمُشْركين مُسلما فِي مُدَّة الصُّلْح يرد إِلَيْهِم، وَمن ذهب من الْمُسلمين إِلَى الْكفَّار مُرْتَدا لم يردوه، وَكَانَ هَذَا كُله من حمية الْجَاهِلِيَّة، وَعند هَذِه الشُّرُوط وَقعت الْفِتْنَة لعمر، وأتى رَسُول الله وَقَالَ: أَلَسْت رَسُول الله؟ قَالَ: بلَى.
قَالَ: أولسنا على الْحق؟ قَالَ: بلَى.
قَالَ: علام نعطي الدنية فِي ديننَا؟ يَعْنِي: نرضى بالخصلة الْأَدْنَى لأنفسنا، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: أَنا رَسُول الله وَلَا يضيعني، وَذهب إِلَى أبي بكر وَذكر لَهُ مثل ذَلِك، فَقَالَ لَهُ: إِنَّه رَسُول الله، وَلنْ يضيعه الزم [الغرز] ، ثمَّ إِن سُهَيْل بن عَمْرو أسلم بعد ذَلِك وَحسن إِسْلَامه، وَقَامَ فِي الْإِسْلَام مقامات مَشْهُودَة.
وَقَوله: ﴿فَأنْزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ﴾ قد بَينا معنى السكينَة، وَالْمعْنَى هَاهُنَا: هُوَ الثَّبَات على الدّين مَعَ هَذِه الْأُمُور.
وَقَوله: ﴿وألزمهم كلمة التَّقْوَى﴾ روى ابْن الطُّفَيْل عَن أبي بن كَعْب عَن النَّبِي هِيَ: " لَا إِلَه إِلَّا الله ".
وَفِي الْخَبَر الْمَشْهُور عَن عمر قَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله يَقُول: " أَنا أعلم
﴿التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا وَكَانَ الله بِكُل شَيْء عليما (26) لقد صدق الله رَسُوله الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين مُحَلِّقِينَ رءوسكم وَمُقَصِّرِينَ لَا تخافون فَعلم مَا لم تعلمُوا فَجعل من دون ذَلِك فتحا قَرِيبا (27) ﴾ كلمة إِذا قَالَهَا العَبْد مخلصا من نَفسه دخل الْجنَّة، وَلَا أَدْرِي مَا هِيَ، فَقَالَ: أَنا اردري هِيَ الْكَلِمَة الَّتِي ألاص عَلَيْهَا عَمه أَي: ألح على عَمه أَن يَقُولهَا وَهِي لَا إِلَه إِلَّا الله ". وَعَن الزُّهْرِيّ: أَن كلمة التَّقْوَى بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا﴾ أَي: كَانُوا محلا لهَذِهِ الْكَلِمَة وَأهلا لَهَا، وَيُقَال: كَانُوا أَهلهَا فِي علم الله وَحكمه، وَهُوَ الْأَصَح.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله بِكُل شَيْء عليما﴾ أَي: عَالما.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد صدق الله رَسُوله الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ النَّبِي رأى فِي مَنَامه أَنه دخل مَكَّة مَعَ أَصْحَابه مُحَلِّقِينَ وَمُقَصِّرِينَ، فَقص ذَلِك على أَصْحَابه، وَلم يشكوا أَن ذَلِك حق، وظنوا أَن يكون فِي الْعَام الَّذِي هم فِيهِ، وَاعْتمر النَّبِي وَأَصْحَابه وَخَرجُوا على ذَلِك، فَلَمَّا صدهم الْمُشْركُونَ عَن الْبَيْت وَرَجَعُوا، اغتم الْمُسلمُونَ غما شَدِيدا، وظنوا أَنهم لَا يدْخلُونَ، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة.
وَمعنى قَوْله: ﴿لقد صدق الله﴾ أى حقق الله رَسُوله أَي: الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ.
وَقَوله ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين مُحَلِّقِينَ رءوسكم وَمُقَصِّرِينَ لَا تخافون﴾ وَهَذَا التَّحْقِيق حصل فِي الْعَام الثَّانِي حِين اعتمروا عمْرَة الْقَضَاء.
وَقَوله: ﴿فَعلم مَا لم تعلمُوا﴾ أَي: وَقت ظُهُور الرُّؤْيَا.
وَقَوله: ﴿فَجعل من دون ذَلِك فتحا قَرِيبا﴾ أَي: فتح خَيْبَر، وَفِي الْآيَة سُؤال
﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ مَعْرُوف، وَهُوَ على قَوْله: ﴿إِن شَاءَ الله﴾ مَا معنى قَوْله ﴿إِن شَاءَ الله﴾ وَالله تَعَالَى هُوَ الْمخبر، وَمَا يخبر عَنهُ كَائِن لَا محَالة، وَالِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا يدْخل على شَيْء يجوز أَن يكون، وَيجوز أَلا يكون؟ وَالْجَوَاب من وُجُوه: أَحدهَا: أَن معنى قَوْله: ﴿إِن شَاءَ الله﴾ إِذا شَاءَ الله.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الْآيَة على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَمَعْنَاهُ: لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام آمِنين مُحَلِّقِينَ رءوسكم وَمُقَصِّرِينَ لَا تخافون إِن شَاءَ الله.
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَنه كَانَ مَعَ النَّبِي قوم عِنْد نزُول هَذِه الْآيَة، مِنْهُم من غَابَ، وَمِنْهُم من مَاتَ قبل أَن يحصل الْمَوْعُود، فالاستثناء إِنَّمَا وَقع على هَذَا أَنه يدْخل بَعضهم أَو جَمِيعهم.
وَالْوَجْه الرَّابِع وَهُوَ الأولى أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿إِن شَاءَ الله﴾ هَاهُنَا على مَا أحب وَرَضي وَأمر بِهِ عباده، فَإِنَّهُ أَمرهم أَن يستثنوا فِيمَا يخبرون بِهِ من الْأُمُور الْمُسْتَقْبلَة، ويعدونه على مَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَهَذَا أَمر لَهُ وَلِجَمِيعِ الْأمة، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِن شَاءَ الله﴾ وَإِن علم وُقُوع الْفِعْل وَإِن علم وُقُوع الْفِعْل ليقتدي بِهِ الْمُؤْمِنُونَ وَلَا يتركون هَذِه الْكَلِمَة فِيمَا يخبرون بِهِ من الْأُمُور الَّتِي لم يعلمُوا وُقُوعهَا.
قَالَ الْأَزْهَرِي: وَكَأَنَّهُ قَالَ: لما قلت إِن شَاءَ الله فِيمَا علمت وُقُوعه، فَلِأَن تَقولُوا إِن شَاءَ الله فِيمَا لم تعلمُوا وُقُوعه أولى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله﴾ أَي: على الْأَدْيَان كلهَا، وَمن الْمَشْهُور أَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام ينزل من السَّمَاء، وَيكسر الصَّلِيب، وَيقتل الْخِنْزِير، وَلَا يبْقى يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ إِلَّا أسلم، وَحِينَئِذٍ تضع الْحَرْب أَوزَارهَا، وَيفِيض المَال حَتَّى لَا يقبله أحد.
وَقَوله: ﴿وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ أَي: شَاهدا.
((28} مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود ذَلِك مثلهم فِي)
قَوْله تَعَالَى: ﴿مُحَمَّد رَسُول الله﴾ هَذِه الْآيَة شَهَادَة من الله تَعَالَى لرَسُوله بِالْحَقِّ وَأَنه رَسُوله حَقِيقَة.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين مَعَه﴾ يَعْنِي: أَصْحَابه.
وَقَوله: ﴿أشداء على الْكفَّار﴾ أَي: غِلَاظ شَدَّاد عَلَيْهِم، وَهُوَ فِي معنى قَوْله: ( ﴿أعزة على الْكَافرين﴾ رحماء بَينهم) أَي: متوادون ومتواصلون بَينهم، وَهُوَ فِي معنى قَوْله: ﴿أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ﴾ .
وَقَوله: ﴿تراهم ركعا سجدا﴾ أَي: راكعين ساجدين.
وَقَوله: ﴿يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا﴾ أَي: الْجنَّة وَالثَّوَاب الْمَوْعُود.
وَقَوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ فِي الْقِيَامَة، وَذَلِكَ من آثَار الْوضُوء على مَا قَالَ: " أمتى غر محجلون من آثَار الْوضُوء " فعلى هَذَا يكون (الْمُؤْمِنُونَ) بيض الْوُجُوه من أثر الْوضُوء وَالصَّلَاة.
وَقَالَ عِكْرِمَة: من أثر السُّجُود: هُوَ التُّرَاب على الجباه، وَقد كَانُوا يَسْجُدُونَ على التُّرَاب، وَقَالَ الْحسن: هُوَ السمت الْحسن، وَعَن سعيد بن جُبَير: هُوَ الخضوع والتواضع، وَهُوَ رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَيُقَال: صفرَة الْوَجْه من سهر اللَّيْل، وَهَذَا قَول مَعْرُوف.
وَقَوله: ﴿ذَلِك مثلهم فِي التَّوْرَاة﴾ أَي: صفتهمْ فِي التَّوْرَاة.
وَقَوله: ﴿وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل﴾ مِنْهُم من قَالَ: الْوَقْف على قَوْله: ﴿ذَلِك مثلهم فِي التَّوْرَاة﴾ ، وَقَوله: ﴿وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل﴾ كَلَام مُبْتَدأ بِمَعْنى: صفتهمْ فِي الْإِنْجِيل كزرع، وَمِنْهُم من قَالَ: الْوَقْف على قَوْله: ﴿فِي الْإِنْجِيل﴾ .
﴿التَّوْرَاة وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فَاسْتَوَى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الْكفَّار وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما (29) ﴾
وَقَوله: ﴿كزرع﴾ مَعْنَاهُ: هم كزرع.
وَقَوله: ﴿أخرج شطأه﴾ أَي: فِرَاخه.
يُقَال: أشطأ الفزرع إِذا فرخ، وَمعنى الْفِرَاخ: هُوَ أَنه ينْبت من الْحبَّة الْوَاحِدَة عشر سنابل وَأَقل وَأكْثر.
وَقَوله: ﴿فآزره﴾ أَي: قواه، وَقُرِئَ: " فأزره " بِغَيْر مد، وَهُوَ بِمَعْنى الأول.
وَقَوله: ﴿فاستغلظ﴾ أَي: استحكم وَاشْتَدَّ وَقَوي.
وَقَوله: ﴿فَاسْتَوَى على سوقه﴾ أَي: انتصب على سَاق.
وَقَوله: ﴿يعجب الزراع﴾ أَي: الحراث.
وَهَذَا كُله ضرب مثل النَّبِي وَأَصْحَابه، وَذكر صفتهمْ وَمَا قوى الله بهم النَّبِي وَنَصره بهم.
وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق قَالَ: ﴿وَالَّذين مَعَه﴾ أَبُو بكر ﴿أشداء على الْكفَّار﴾ عمر ﴿رحماء بَينهم﴾ عُثْمَان) ﴿تراهم ركعا سجدا﴾ عَليّ رَضِي الله عَنْهُم ﴿يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا﴾ الْعشْرَة.
وَقَوله: ﴿كزرع﴾ مُحَمَّد ﴿أخرج شطأه﴾ أَبُو بكر ﴿فآزره﴾ بعمر ﴿فاستغلظ﴾ بعثمان ﴿فَاسْتَوَى على سوقه﴾ بعلي رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ، وَهَذَا قَول غَرِيب ذكره النقاش، وَالْمُخْتَار وَالْمَشْهُور هُوَ القَوْل الأول، أَن الْآيَة فِي جَمِيع أَصْحَاب النَّبِي من غير تعْيين، وَعَلِيهِ الْمُفَسِّرُونَ.
وَقَوله: ﴿ليغيظ بهم الْكفَّار﴾ أَي: ليدْخل الغيظ فِي قُلُوبهم.
وَقَوله: ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما﴾ اخْتلفُوا فِي قَوْله: ﴿مِنْهُم﴾ فَقَالَ قوم: من هَاهُنَا للتجنيس لَا للتَّبْعِيض.
قَالَ الزّجاج: هُوَ تَخْلِيص للْجِنْس، وَلَيْسَ المُرَاد بَعضهم؛ لأَنهم كلهم مُؤمنُونَ، وَلَهُم الْمَغْفِرَة وَالْأَجْر الْعَظِيم.
وَعَن ابْن عُرْوَة قَالَ: كُنَّا عِنْد مَالك بن أنس فَذكرُوا رجلا (يتبغض) أَصْحَاب رَسُول الله، فَقَالَ مَالك: من أصبح وَفِي قلبه غيظ على أَصْحَاب رَسُول الله فقد أَصَابَته هَذِه الْآيَة، وَهُوَ قَوْله: ﴿ليغيظ بهم الْكفَّار﴾ . وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿مِنْهُم﴾ أَي: من ثَبت مِنْهُم على الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح فَلهُ الْمَغْفِرَة وَالْأَجْر الْعَظِيم، أوردهُ النّحاس فِي تَفْسِيره.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ تَفْسِير سُورَة الحجرات
وَهِي مَدَنِيَّة بِاتِّفَاق الْقُرَّاء، وروى (ثَوْبَان) عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَعْطَيْت السَّبع الطول مَكَان التَّوْرَاة، وَأعْطيت المائين مَكَان الْإِنْجِيل، وَأعْطيت المثاني مَكَان الزبُور، وفضلني رَبِّي بالمفصل ". وَمِنْهُم من قَالَ: الْمفصل من سُورَة مُحَمَّد، وَالْأَكْثَرُونَ على أَن الْمفصل من هَذِه السُّورَة، وَالله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ روى عَليّ بن أبي طَلْحَة الْوَالِبِي عَن ابْن عَبَّاس أَن معنى قَوْله: ﴿لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ أَي: لَا تَقولُوا خلاف الْكتاب وَالسّنة.
وَقَالَ مُجَاهِد: لَا تفتاتوا على الله وَرَسُوله حَتَّى يقْضِي الله على لِسَان رَسُوله مَا شَاءَ.
قَالَ: وَمعنى " لَا تفتاتوا " أَي: لَا تعارضوا.
وَيُقَال مَعْنَاهُ: لَا تعجلوا بالْقَوْل قبل قَول الرَّسُول، وَلَا بِالْفِعْلِ قبل فعل الرَّسُول، وَهُوَ فِيمَا يُوجد عَنهُ من أَمر الدّين فعلا وقولا.
وَعَن قَتَادَة قَالَ: كَانَ نَاس يَقُولُونَ: لَو أنزل كَذَا، لَو أنزل كَذَا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: ذبح النَّاس أضحيتهم قبل صَلَاة النَّبِي يَوْم الْعِيد،
﴿وَاتَّقوا الله إِن الله سميع عليم (1) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت﴾ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن نَاسا صَامُوا يَوْم الشَّك، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَالَ الزّجاج مَعْنَاهُ: لَا تَفعلُوا الطَّاعَات قبل وَقت فعلهَا، وَهَذَا فِي جَمِيع الْعِبَادَات إِلَّا مَا قَامَ (على جَوَازه) دَلِيل من السّنة.
وروى عبد الله بن الزبير " أَن وَفد بني تَمِيم قدمُوا على النَّبِي، فَقَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله، أَمر عَلَيْهِم الْأَقْرَع بن حَابِس، وَقَالَ عمر: يَا رَسُول الله، أَمر عَلَيْهِم فلَانا غير الَّذِي قَالَ أَبُو بكر، وَيُقَال: إِن الرجل الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ عمر هُوَ الْقَعْقَاع بن معبد بن زُرَارَة، فَقَالَ أَبُو بكر لعمر رَضِي الله عَنْهُمَا مَا أردْت [إِلَّا خلافي] ، وَقَالَ عمر: مَا أردْت خِلافك، فتماريا عِنْد النَّبِي، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ".
وَقَرَأَ الضَّحَّاك: " لَا تقدمُوا " وَهِي قِرَاءَة يَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ، وَمَعْنَاهُ: لَا تتقدموا.
وَقَوله: ﴿وَاتَّقوا الله إِن الله سميع عليم﴾ أَي: سميع لقولكم، عليم لما أَنْتُم عَلَيْهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الْأَعْرَاب الْجُهَّال [كَانُوا يقدمُونَ] على النَّبِي، ويرفعون أَصْوَاتهم
﴿النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض﴾ فَوق صَوته، ويدعونه باسمه فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّد، يَا أَبَا الْقَاسِم، وَكَانَ ذَلِك نوع تهاون بِحقِّهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة؛ ليكلموه كَلَام المبجل الْمُعظم لَهُ الدَّال على تَوْفِيَة حَقه فِي الْخطاب.
وَرُوِيَ أَن ثَابت بن قيس بن شماس كَانَ بِهِ صمم، وَكَانَ جهير الصَّوْت، فَلَمَّا أنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة جلس فِي بَيته غما.
وَيُقَال: سمر بَابه بالحديد، وَقَالَ: أَخَاف أَن يكون قد حَبط عَمَلي، فَدَعَاهُ النَّبِي وَقَالَ: " أما ترْضى أَن تعيش حميدا وَتَمُوت شَهِيدا " قَالَ: نعم.
قَالَ: " تكون كَذَلِك " وَاسْتشْهدَ يَوْم الْيَمَامَة.
وَرُوِيَ أَنه قَالَ لَهُ: " أَنْت من أهل الْجنَّة ".
وَعَن أبي بكر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة: وَالله لَا أكلم رَسُول الله إِلَّا كأخى السرَار.
وَعَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ بعد نزُول هَذِه الْآيَة لَا يكلم رَسُول الله إِلَّا خَافِضًا صَوته حَتَّى كَانَ يَسْتَفْهِمهُ رَسُول الله مَا يَقُوله.
وَقَوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض﴾ وَهُوَ نهى عَن رفع الصَّوْت فِي حَضرته.
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ أَن تناديه باسمه، وَهُوَ أَن تَقول: يَا مُحَمَّد، يَا أَبَا الْقَاسِم، فَنهى الله تَعَالَى عَن ذَلِك، وَأمر ان يدعى باسم النُّبُوَّة والرسالة.
وَحكي عَن مَالك بن أنس أَنه قَالَ: من قَالَ إِن رَسُول الله وسخ يُرِيد بِهِ النَّقْص كفر بِاللَّه
﴿أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون (2) إِن الَّذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتهم عِنْد رَسُول الله أُولَئِكَ الَّذين امتحن الله قُلُوبهم للتقوى لَهُم مغْفرَة وَأجر عَظِيم (3) إِن الَّذين﴾ تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿أَن تحبط أَعمالكُم﴾ أَي: فتحبط أَعمالكُم، وَكَذَلِكَ قَرَأَ ابْن مَسْعُود، وَيُقَال: لِئَلَّا تحبط أَعمالكُم.
وَقَوله: ﴿وَأَنْتُم لَا تشعرون﴾ أَي: لَا تعلمُونَ بحبوط الْأَعْمَال.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتهم عِنْد رَسُول الله﴾ أَي: يخفضونها.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذين امتحن الله قُلُوبهم للتقوى﴾ أَي: أخْلص الله قُلُوبهم للتقوى.
وَيُقَال: امتحن الله قُلُوبهم فَوَجَدَهَا خَالِصَة.
وَيُقَال: إِن المُرَاد من الْقُلُوب أَرْبَاب الْقُلُوب يَعْنِي امتحنهم الله تَعَالَى وابتلاهم ليكونوا متقين، وَاللَّام لَام الصيرورة، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَهُم مغْفرَة وَأجر عَظِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يُنَادُونَك من وَرَاء الحجرات﴾ ذكر الْمُفَسِّرُونَ أَن وَفد تَمِيم قدمُوا على النَّبِي وَجعلُوا يُنَادُونَهُ من وَرَاء الحجرات يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد اخْرُج إِلَيْنَا، وَكَانَ فيهم قيس بن عَاصِم الْمنْقري، والزبرقان بن بدر، والأقرع بن حَابِس، والقعقاع بن معبد، وَغَيرهم.
وَرُوِيَ أَن الْأَقْرَع بن حَابِس قَالَ: يَا مُحَمَّد إِن مدحي زين، وذمي شين، فَقَالَ رَسُول الله: " ذَاك هُوَ الله ".
﴿يُنَادُونَك من وَرَاء الحجرات أَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ (4) وَلَو أَنهم صَبَرُوا حَتَّى تخرج إِلَيْهِم لَكَانَ خيرا لَهُم وَالله غَفُور رَحِيم (5) ﴾
وَقَوله: ﴿أَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ﴾ أَي: هم من قوم أَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ.
وَيُقَال: كَانَ فيهم من إِذا علم يعقل وَيعلم، وَكَانَ فيهم من لَا يعقل وَلَا يعلم وَإِن علم، فَلهَذَا قَالَ: ﴿أَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ﴾ وَإِن علمُوا وعقلوا.