الحشر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن كل شَيْء خلقنَا زَوْجَيْنِ﴾ أَي: صنفين.
وَيُقَال: مَعْنَاهُ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ، وَذَلِكَ مثل: السَّمَاء وَالْأَرْض، وَاللَّيْل وَالنَّهَار، والنور والظلمة، وَالذكر وَالْأُنْثَى، وَالْبر وَالْبَحْر، وَعَن مُجَاهِد قَالَ: الْكفْر وَالْإِيمَان، والشقاوة والسعادة، وَالْهدى والضلالة.
وَعَن الْكَلْبِيّ قَالَ: السَّمَاء وَالْأَرْض زوج، وَاللَّيْل وَالنَّهَار زوج، وَالشَّمْس وَالْقَمَر زوج، وعد بِهِ أَشْيَاء من ذَلِك، ثمَّ قَالَ: وَالله هُوَ الْوتر.
وروى حُذَيْفَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن الله خَالق كل شَيْء، صانع وصنعته ".
وَفِي بعض الْأَخْبَار أَيْضا عَن النَّبِي مخبرا عَن الله تَعَالَى: " لَا إِلَه إِلَّا أَنا،
﴿لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ (49) فَفرُّوا إِلَى الله إِنِّي لكم مِنْهُ نَذِير مُبين (50) وَلَا تجْعَلُوا مَعَ الله إِلَهًا آخر إِنِّي لكم مِنْهُ نَذِير مُبين (51) كَذَلِك مَا أَتَى الَّذين من قبلهم من رَسُول إِلَّا قَالُوا سَاحر أَو مَجْنُون (52) ﴾ خلقت الشَّرّ، وخلقت من يجْرِي على يَده الشَّرّ، فويل لمن خلقته للشر وأجريت الشَّرّ على يَده، وخلقت الْخَيْر، وخلقت من يجْرِي الْخَيْر على يَده، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الْخَيْر على يَده " وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره بِرِوَايَة سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن الله خلق الْإِيمَان وحفه بالسماحة وَالْحيَاء، وَخلق الْكفْر وحفه بالشح والجفاء ".
وَفِي بعض الْأَخْبَار أَيْضا: أَن الله خلق الرِّفْق فَلَو رَأَيْته رَأَيْت شَيْئا حسنا، وَخلق الْخرق فَلَو رَأَيْته رَأَيْت شَيْئا قبيحا.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ أَي: تتعظون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَفرُّوا إِلَى الله﴾ أَي: من مَعْصِيَته إِلَى طَاعَته، وَيُقَال: من سخطه إِلَى رَحمته، وَمن عِقَابه إِلَى عَفوه.
وَقَوله: ﴿إِنِّي لكم مِنْهُ نَذِير مُبين﴾ قد بَينا من قبل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تجْعَلُوا مَعَ الله إِلَهًا آخر إِنِّي لكم مِنْهُ نَذِير مُبين﴾ الْآيَة.
قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك مَا أَتَى الَّذين من قبلهم من رَسُول إِلَّا قَالُوا سَاحر أَو مَجْنُون﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَهَذَا تَسْلِيَة للنَّبِي أَي: كَمَا قيل لَك فقد قيل لمن قبلك من الرُّسُل.
﴿أتواصوا بِهِ بل هم قوم طاغون (53) فتول عَنْهُم فَمَا أَنْت بملوم (54) وَذكر فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ (55) وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون (56) مَا أُرِيد مِنْهُم من رزق وَمَا أُرِيد أَن يطْعمُون (57) ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿أتواصوا بِهِ﴾ أَي: أوصى بَعضهم بَعْضًا بِهَذَا القَوْل، وَيُقَال: أوصى الأول الْأَخير بالتكذيب.
قَوْله: ﴿بل هم قوم طاغون﴾ أَي: عاصون يبالغون فِي الْعِصْيَان.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتول عَنْهُم فَمَا أَنْت بملوم﴾ فِي بعض الْآثَار عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة حزن أَصْحَاب رَسُول الله حزنا شَدِيدا، وظنوا أَنه لَا ينزل الْوَحْي بعد ذَلِك حَيْثُ أَمر النَّبِي بِالْإِعْرَاضِ والتولي، وَعذر بقوله: ﴿فَمَا أَنْت بملوم﴾
فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَذكر فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ﴾ فَفَرِحُوا، وَقيل: إِن هَذِه الْآيَة قبل نزُول آيَة السَّيْف، ثمَّ نسخت بِآيَة السَّيْف.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ فِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب " وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس من الْمُؤمنِينَ إِلَّا ليعبدون " وَهُوَ تَفْسِير الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة.
قَالَ الضَّحَّاك: الْآيَة عَامَّة أُرِيد بهَا الْخَاص، وهم الْمُؤْمِنُونَ، وَهَذَا القَوْل اخْتِيَار الْفراء والقتيبي وَغَيرهمَا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون أَي: لآمرهم بِالْعبَادَة.
وَقَالَ مُجَاهِد: لآمرهم وأنهاهم، وَحكى بَعضهم هَذَا عَن عَليّ.
وَالْقَوْل الثَّالِث: وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون أَي: لينقادوا ويخضعوا لي، وانقيادهم وخضوعهم هُوَ استمرارهم على مَشِيئَته وَحكمه، وَهُوَ معنى خضوع السَّمَوَات وَالْأَرضين وطواعيتها وانقيادها، وَالْمُخْتَار هُوَ القَوْل الأول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أُرِيد مِنْهُم من رزق﴾ أَي: أَن يرزقوا عبَادي، وَيُقَال: أَن يرزقوا أنفسهم.
﴿وَمَا أُرِيد أَن يطْعمُون﴾ هُوَ على الْمَعْنيين الْأَوَّلين، أَي: يطعموا عبَادي، أَو يطعموا أنفسهم، فَإِذا قلت فِي الأول هُوَ رزق أنفسهم فَمَعْنَى هَذَا إطْعَام الْعباد، وَإِذا
﴿إِن الله هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة المتين (58) فَإِن للَّذين ظلمُوا ذنوبا مثل ذنُوب أَصْحَابهم فَلَا يستعجلون (59) فويل للَّذين كفرُوا من يومهم الَّذِي يوعدون (60) ﴾ قلت فِي الأول رزق الْعباد فَمَعْنَى هَذَا إطعامهم أنفسهم، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿يطْعمُون﴾ لِأَن الْخلق عباد الله، فَإِذا أطْعمهُم (فَكَأَنَّهُ) أطْعم الله على الْمجَاز.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ حاكيا عَن الله تَعَالَى فِيمَا يَقُول لعَبْدِهِ يَوْم الْقِيَامَة: " استطعمتك فَلم تطعمني، فَيَقُول: يَا رب، وَكَيف أطعمك، وَأَنت رب الْعَالمين؟ فَيَقُول: استطعمك عَبدِي فلَان فَلم تطعمه وَلَو أطعمته لوجدته عِنْدِي ... الْخَبَر إِلَى آخِره ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة المتين﴾ ، الرَّزَّاق بِمَعْنى الرازق، وَيُقَال: يَقْتَضِي مُبَالغَة وتكثيرا.
وَقَوله: ﴿ذُو الْقُوَّة المتين﴾ أَي: الْقُوَّة الْبَالِغَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن للَّذين ظلمُوا ذنوبا مثل ذنُوب أَصْحَابهم﴾ أَي: نصيب من الْعَذَاب مثل نصيب أَصْحَابهم، أَي: أمثالهم من الْمُشْركين الَّذين تقدمُوا، فجعلهم أَصْحَابهم لما اجْتَمعُوا فِي الْكفْر، وَإِن تَفَرَّقت بهم الْقُرُون.
والذنُوب فِي اللُّغَة: هُوَ الدَّلْو لعَظيم، وَمِنْه أَخذ النَّصِيب.
وَقَوله: ﴿فَلَا يستعجلون﴾ أَي: الْعَذَاب نَازل بهم فَلَا يَنْبَغِي أَن يستعجلوا، وَقد تقدم ذكر استعجالهم فِيمَا سبق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فويل للَّذين كفرُوا من يومهم الَّذِي يوعدون﴾ قد بَينا معنى الويل.
وَقَوله: ﴿من يومهم الَّذِي الَّذِي يوعدون﴾ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة، وَهُوَ الْيَوْم الْمَوْعُود المنتظر لجزاء الْعباد، ونسأل الله حسن الْعَاقِبَة بفضله وَمِنْه (آمين) .
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿وَالطور (1) وَكتاب مسطور (2) ﴾ تَفْسِير سُورَة الطّور
وَهِي مَكِّيَّة.
وَقد ثَبت بِرِوَايَة جُبَير بن مطعم أَنه قَالَ: " سَمِعت النَّبِي يقْرَأ فِي الْمغرب سُورَة الطّور ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَ
﴾ قَالَ مُجَاهِد: هُوَ بالسُّرْيَانيَّة اسْم للجبل.
وَالأَصَح أَنه اسْم الْجَبَل بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَحكي عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: كل جبل ينْبت فَهُوَ طور، وكل مَا لَا ينْبت فَلَيْسَ بطور.
وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار وَغَيره: هُوَ الطّور الَّذِي كلم الله عَلَيْهِ مُوسَى.
وَقد رُوِيَ هَذَا القَوْل عَن قَتَادَة وَعِكْرِمَة.
وَعَن نوف الْبكالِي: أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى الْجبَال أَنِّي منزل على جبل مِنْكُن، فشمخت الْجبَال بأنفسها، وتواضع الطّور وَقَالَ: أَنا رَاض بِمَا قسم الله لي، وَكَانَ عَلَيْهِ الْأَمر.
وَقَوله: ﴿وَكتاب مسطور﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَنه الْقُرْآن، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ.
وَالْآخر: أَنه التَّوْرَاة كتبهَا الله تَعَالَى فِي الألواح.
وَالثَّالِث أَنه الْكتاب الَّذِي أثبت الله فِيهِ أَعمال بني آدم، وَيخرج يَوْم الْقِيَامَة وفيكون صَحَائِف، فآخذ بِيَمِينِهِ وآخذ بِشمَالِهِ، وآخذ وَرَاء ظَهره، وَهَذَا قَول مَعْرُوف ذكره الْفراء وَغَيره.
وَيُقَال: إِن المُرَاد مِنْهُ الصُّحُف الَّتِي تقْرَأ مِنْهَا الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء الْقُرْآن على مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي صحف مكرمَة مَرْفُوعَة مطهرة بأيدي سفرة﴾ وَيُقَال: إِنَّه اللَّوْح الْمَحْفُوظ قد كتب فِيهِ مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
{فِي رق منشور (3) وَالْبَيْت الْمَعْمُور (4)
وَقَوله: ﴿فِي رق منشور﴾ وَالرّق: هُوَ الْأَدِيم الَّذِي يكْتب فِيهِ الشَّيْء.
وَقَوله: ﴿منشور﴾ أَي: مَبْسُوط، وَهَذَا يُؤَيّد القَوْل الَّذِي قُلْنَا إِن الْكتاب هُوَ صَحَائِف الْأَعْمَال فِي الْآخِرَة، لِأَن الله تَعَالَى قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَإِذا الصُّحُف نشرت﴾ وَالْمرَاد مِنْهُ صَحَائِف الْأَعْمَال فِي الْآخِرَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْبَيْت الْمَعْمُور﴾ قَالَ بَعضهم: هُوَ الْكَعْبَة، وعمارته بِالْحَجِّ وَالطّواف.
وَالْقَوْل الْمَعْرُوف أَنه بَيت فِي السَّمَاء، قَالَه ابْن عَبَّاس وَعَامة الْمُفَسّرين وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أَيْضا.
وَاخْتلفُوا فِي مَوْضِعه، فروى أنس بن مَالك بن صعصعة عَن النَّبِي فِي قصَّة الْمِعْرَاج أَنه قَالَ: " رفع لي الْبَيْت الْمَعْمُور فِي السَّمَاء السَّابِعَة ".
وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه فِي السَّمَاء السَّادِسَة.
وَعَن الرّبيع بن أنس وَغَيره أَنه فِي السَّمَاء الدُّنْيَا بحيال الْكَعْبَة لَو سقط سقط عَلَيْهِ.
وَفِي الْقِصَّة: أَن الْبَيْت الْمَعْمُور [أنزلهُ] الله تَعَالَى من السَّمَاء لآدَم، وَوَضعه مَكَان الْكَعْبَة فَلَمَّا كَانَ زمَان نوح رَفعه الله تَعَالَى إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَهُوَ مَوضِع حج الْمَلَائِكَة وحرمته كَحُرْمَةِ الْكَعْبَة فِي الأَرْض.
قَالَ عَليّ وَغَيره: اسْمه الضراح يدْخلهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك لَا يعودون إِلَيْهِ أبدا وَقد أسْند هَذَا اللَّفْظ إِلَى الرَّسُول.
وَعَن بَعضهم أَنه فِي السَّمَاء الرَّابِعَة.
وَفِي بعض المسانيد " أَن الله تَعَالَى خلق نَهرا
﴿والسقف الْمَرْفُوع (5) وَالْبَحْر الْمَسْجُور (6) ﴾ تَحت الْعَرْش يُسمى نهر الْحَيَوَان فيدخله جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام كل يَوْم حِين تطلع الشَّمْس ثمَّ يخرج، وينتفض انتفاضة فيقطر مِنْهُ سَبْعُونَ ألف قَطْرَة يخلق الله تَعَالَى من كل قَطْرَة مِنْهَا ملكا فهم الْعباد فِي الْبَيْت الْمَعْمُور ". وَهَذَا خبر غَرِيب.