الحجر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعوَاهُم﴾ أَي: دعاؤهم وَقَوْلهمْ.
وَقَوله: ﴿حَتَّى جعلناهم حصيدا خامدين﴾ الحصيد: هُوَ المستأصل.
وَقَوله: ﴿خامدين﴾ أَي: ميتين، وَمعنى الْآيَة: جعلناهم كَأَن لم يَكُونُوا.
قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين﴾ أَي:
﴿جعلناهم حصيدا خامدين (15) وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين (16) لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إِن كُنَّا فاعلين (17) بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه فَإِذا هُوَ زاهق وَلكم الويل مِمَّا تصفون (18) وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ للعب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهوا﴾ اخْتلفُوا فِي اللَّهْو هَاهُنَا على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن اللَّهْو هُوَ الْمَرْأَة، وَالْآخر: أَن اللَّهْو هُوَ الْوَلَد، وَهُوَ فِي الْمَرْأَة أظهر؛ فَإِن الْوَطْء يُسمى لهوا فِي اللُّغَة، وَالْمَرْأَة مَحل الْوَطْء، قَالَ الشَّاعِر:
(أَلا زعمت بسباسة الْيَوْم أنني ... كَبرت وَألا يحسن اللَّهْو أمثالي)
وَعَن بَعضهم: أَن اللَّهْو هُوَ الْغناء، وَهُوَ ضَعِيف فِي هَذَا الْموضع.
وَقَوله: ﴿لاتخذناه من لدنا﴾ أَي: لاتخذناه من عندنَا لَا من عنْدكُمْ، وَيُقَال: اتخذناه بِحَيْثُ لَا ترَوْنَ) .
وَقَوله: ﴿إِن كُنَّا فاعلين﴾ أَي: مَا كُنَّا فاعلين، وَيُقَال: إِن كُنَّا فاعلين، وَلم نفعله؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيق بِنَا.
قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل﴾ الْحق هَاهُنَا: قَول الله تَعَالَى: " إِنَّه لَا ولد لَهُ " وَالْبَاطِل قَوْلهم: إِن الله اتخذ ولدا، وَيُقَال: إِن الْحق هُوَ الْقُرْآن، وَالْبَاطِل هُوَ الشَّيْطَان.
وَقَوله: ﴿نقذف﴾ أَي: نلقي.
وَقَوله: ﴿فيدمغه﴾ أَي: يُزِيلهُ، يُقَال: دمغت فلَانا إِذا كسرت دماغه وقتلته.
وَقَوله: ﴿فَإِذا هُوَ زاهق﴾ أَي: ذَاهِب، وَهَذَا من حَيْثُ بَيَان الدَّلِيل وَالْحجّة، لَا من حَيْثُ إِزَالَة الْكفْر أصلا، فَإِن الْكفْر وَالْبَاطِل فِي الْعَالم كثير.
وَقَوله: ﴿وَلكم الويل مِمَّا تصفون﴾ قَالَ قَتَادَة: مِمَّا تكذبون، وَقَالَ الْحسن: هُوَ لكل واصف كذبا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
﴿وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون (19) يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون (20) أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون (21) لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض عبيدا وملكا.
وَقَوله: ﴿وَمن عِنْده﴾ أَي: الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته﴾ . أَي: لَا يتعظمون عَن عِبَادَته، وَذكر ابْن فَارس فِي تَفْسِيره فِي خبر: أَن الله تَعَالَى لما اسْتَوَى على عَرْشه، سجد ملك فَلَا يرفع رَأسه من السُّجُود إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَإِذا رفع رَأسه يَوْم الْقِيَامَة قَالَ: سُبْحَانَكَ، مَا عبدتك حق عبادتك غير أَنِّي لم أشرك بك، وَلم أَتَّخِذ لَك ندا.
وَقَوله: ﴿وَلَا يستحسرون﴾ أَي: لَا يعيون، يُقَال: دَابَّة حسيرة إِذا كَانَت عيية، قَالَ كَعْب الْأَحْبَار: التَّسْبِيح لَهُم كالتنفس لبني آدم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون﴾ يَعْنِي: يسبحون دَائِما، لَا يضعفون وَلَا يفنون، وَاعْلَم أَنه لَيْسَ عِنْد الْمَلَائِكَة ليل وَلَا نَهَار؛ وَإِنَّمَا المُرَاد بِذكر اللَّيْل وَالنَّهَار هَاهُنَا: هُوَ الدَّوَام على التَّسْبِيح.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون﴾ معنى قَوْله: ﴿من الأَرْض﴾ أَي: من الْخشب وَالْحِجَارَة، (وَقد كَانَت عَامَّة أصنام الْمُشْركين من الْخشب وَالْحِجَارَة) ، وهما من الأَرْض.
وَقَوله: ﴿هم ينشرون﴾ أَي: يحيون، وَلَا يسْتَحق الإلهية إِلَّا من يقدر على الْإِحْيَاء والإيجاد من الْعَدَم؛ لِأَنَّهُ الإنعام بأبلغ وُجُوه النعم، وَهَذَا لَا يَلِيق بِوَصْف الْبشر وكل مُحدث.
وأنشدوا للأعشى فِي الانتشار:
(لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرها ... عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر)
(حَتَّى يَقُول النَّاس مِمَّا رَأَوْا ... أيا عجبا للْمَيت الناشر)
﴿لفسدتا فسبحان الله رب الْعَرْش عَمَّا يصفونَ (22) لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وقرىء: " ينشرون " بِفَتْح الْيَاء أَي: يحيون أبدا، وَمعنى الْآيَة هُوَ الْإِنْكَار على متخذ الْأَصْنَام آلِهَة، وَبَيَان أَنه لَا يَلِيق بهَا الإلهية.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ قَالَ أَكثر أهل التَّفْسِير: " إِلَّا " هَاهُنَا بِمَعْنى " غير "، قَالَ الشَّاعِر:
(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لعَمْرو أَبِيك إِلَّا الفرقدان)
يَعْنِي: غير الفرقدين، وَهَذَا على مَا اعتقدوا من دوَام السَّمَاء وَالْأَرْض.
وَقَالَ بَعضهم: ﴿إِلَّا الله﴾ " إِلَّا " بِمَعْنى " الْوَاو " هَاهُنَا، وَمَعْنَاهُ: لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة وَالله (أَيْضا) لفسدتا، وَمعنى الْفساد فِي السَّمَاء وَالْأَرْض إِذا كَانَ الْإِلَه اثْنَيْنِ، هُوَ فَسَاد التَّدْبِير وَعدم انتظام الْأُمُور بِوُقُوع الْمُنَازعَة والمضادة، وَهُوَ أَيْضا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ولعلا بَعضهم على بعض﴾ .
وَقَوله: ﴿فسبحان الله رب الْعَرْش عَمَّا يصفونَ﴾ نزه نَفسه عَمَّا يصفه بِهِ الْمُشْركُونَ من الشَّرِيك وَالْولد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم (يسْأَلُون﴾ ) يَعْنِي: لَا يسْأَل عَمَّا يحكم على خلقه، والخلق يسْأَلُون عَن (أفعالهم وأعمالهم) ، وَقيل: لَا يسْأَل عَمَّا يفعل؛ لِأَنَّهُ كُله حِكْمَة وصواب، وهم يسْأَلُون عَمَّا يَفْعَلُونَ لجَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِم، وَقيل: معنى لَا يسْأَل عَمَّا يفعل: لَا يُقَال لَهُ: لم؟ ، ولماذا؟ بِخِلَاف الْخلق، وَفِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة، وَقطع شبهتهم بِالْكُلِّيَّةِ.
وَقد روى أَبُو الْأسود الدؤَلِي أَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ لَهُ: أَرَأَيْت مَا يسْعَى فِيهِ النَّاس ويكدحون، أهوَ أَمر قضي عَلَيْهِم أَو شَيْء يستأنفونه؟ فَقلت: لَا، بل أَمر قضي عَلَيْهِم، قَالَ: أَفلا يكون ظلما؟ قلت: سُبْحَانَ الله {لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم
( ﴿23) أم اتَّخذُوا من دونه آلِهَة قل هاتوا برهانكم هَذَا ذكر من معي وَذكر من قبلي بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ الْحق فهم معرضون (24) وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي﴾ يسْأَلُون) فَقَالَ لي: أصبت يَا أَبَا الْأسود، وَقد أجزت عقلك، ثمَّ روى عمرَان أَن رجلا من جُهَيْنَة - أَو مزينة - أَتَى النَّبِي قَالَ لَهُ: عَمَّا يفعل النَّاس أَو يكدحون فِيهِ، أهوَ شَيْء قضي عَلَيْهِم؟ أم شَيْء يستأنفونه؟ فَقَالَ النَّبِي: " هُوَ شَيْء قضي عَلَيْهِم، فَقَالَ ذَلِك الرجل: يَا رَسُول الله، أَفلا يكون ظلما؟ قَالَ: لَا، ثمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ " قَالَ الشَّيْخ: وَقد ذكرنَا هَذَا الْخَبَر فِي كتاب " مُسْند الْقدر ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم اتَّخذُوا من دونه آلِهَة قل هاتوا برهانكم﴾ أَي: حجتكم.
وَقَوله: ﴿هَذَا ذكر من معي﴾ أَي: ذكر من معي (بِمَا) أمروا من الْحَلَال وَالْحرَام.
وَقَوله: ﴿وَذكر من قبلي﴾ أَي: من يحيى مِنْهُم بِالطَّاعَةِ وَهلك بالمعصية، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: ذكر من معي فَهُوَ الْقُرْآن، وَذكر من قبلي هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَمَعْنَاهُ: راجعوا الْقُرْآن والتوراة وَالْإِنْجِيل وَسَائِر الْكتب، هَل تَجِدُونَ فِيهَا أَن الله اتخذ ولدا؟
وَقَوله: ﴿بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ الْحق فهم معرضون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون﴾ أَي: وحدون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا﴾ قَالَ قَتَادَة: قَالَ طَائِفَة من الْمُشْركين: إِن الله تَعَالَى صاهر الْجِنّ، فالملائكة بَنَاته.
﴿إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون (25) وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون (26) لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ (27) يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون (28) وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي﴾
وَقَوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزه نَفسه عَمَّا قَالُوا.
وَقَوله: ﴿بل عباد مكرمون﴾ أَي: عبيد مكرمون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسبقونه بالْقَوْل﴾ هَذَا ثَنَاء من الله على الْمَلَائِكَة، وَمعنى قَوْله: ﴿لَا يسبقونه بالْقَوْل﴾ أَنهم لَا يَقُولُونَ قولا بِخِلَافِهِ، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ أَي: لَا تَقولُوا قولا بِخِلَاف الْكتاب وَالسّنة، وَقد ثَبت بِرِوَايَة عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أحدث فِي ديننَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد ". والإحداث فِي الدّين أَن يَقُول بِخِلَاف الْكتاب وَالسّنة.
وَقَوله: ﴿وهم بأَمْره يعْملُونَ﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم لَا يخالفونه، لَا قولا، وَلَا عملا، وَيُقَال مَعْنَاهُ: إِذْ أَمر بِأَمْر أطاعوا، فَإِذا قَالَ لَهُم: افعلوا قَالُوا: طَاعَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم﴾ أَي: مَا قدمُوا وأخروا، وَقيل: مَا بَين أَيْديهم هُوَ الْآخِرَة، وَمَا خَلفهم أَعْمَالهم.
وَقَوله: ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا لمن قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَيُقَال: إِلَّا لمن رَضِي الله عَنهُ عمله.
وَقَوله: ﴿وهم من خَشيته مشفقون﴾ أَي: من عَذَابه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي إِلَه من دونه فَذَلِك نجزيه جَهَنَّم كَذَلِك نجزي الظَّالِمين﴾ . فَإِن قيل: هَل قَالَ أحد من الْمَلَائِكَة إِنِّي إِلَه من دونه؟ (قُلْنَا) مَعْنَاهُ: لَو
﴿إِلَه من دونه فَذَلِك نجزيه جَهَنَّم كَذَلِك نجزي الظَّالِمين (29) أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقا ففتقناهما وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ أَفلا يُؤمنُونَ﴾ قَالُوا، وَلم يَقُولُوا، وَالْجَوَاب الْمَعْرُوف: أَن المُرَاد مِنْهُ إِبْلِيس لَعنه الله؛ فَإِنَّهُ دَعَا النَّاس إِلَى طَاعَته، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي إِلَه﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن من دَعَا إنْسَانا إِلَى طَاعَته فِي مَعْصِيّة الْخَالِق فَكَأَنَّهُ قَالَ: اعبدني أَو اتَّخَذَنِي إِلَهًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقا ففتقناهما﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ: أَو لم ير الْكفَّار، [و] لم يرَوا شَيْئا من هَذَا وَلَا الْمُسلمُونَ! وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن مَعْنَاهُ أَو لم يعلمُوا بإخبارك إيَّاهُم، وَقيل: أَو لم يخبروا.
وَأما الرتق فِي اللُّغَة هُوَ السد، والفتق هُوَ الشق، قَالَ الشَّاعِر:
(يهون عَلَيْهِم إِذا يغضبون ... سخط العداة وإرغامها)
(ورتق الفتوق وفتق الرتوق ... وَنقض الْأُمُور وإبرامها)
وَأما معنى الْآيَة: قَالَ ابْن عَبَّاس: قَوْله: ﴿كَانَتَا رتقا﴾ أَي: كَانَ السَّمَاء وَالْأَرْض ملتصقين، ففتقناهما بالهواء، وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: كَانَ السَّمَاء شَيْئا وَاحِدًا، ففتقناها، وجعلناها سبع سموات، وَكَانَت الأَرْض شَيْئا وَاحِدًا ففتقناها، وجعلناها سبع أَرضين، وَالْقَوْل الثَّالِث قَالَه مُجَاهِد: فتقنا السَّمَاء بالمطر، وَالْأَرْض بالنبات.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد خلق بعض مَا هُوَ حَيّ من غير المَاء، فَكيف يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ ؟ وَأَيْضًا فَإِن الْإِنْسَان قد يَمُوت بِالْمَاءِ، وَالشَّجر والنبات قد يهْلك بِالْمَاءِ؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن المَاء هَاهُنَا هُوَ النُّطْفَة، والحي هُوَ الْآدَمِيّ، وَمَعْنَاهُ: كل شَيْء حَيّ من الْآدَمِيّ.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن هَذَا على وَجه التكثير، وَأكْثر الْأَحْيَاء فِي الأَرْض إِنَّمَا هُوَ مَخْلُوق من المَاء أَو بَقَاؤُهُ بِالْمَاءِ، فاستقام معنى الْآيَة من هَذَا الْوَجْه.
( ﴿30) وَجَعَلنَا فِي الأَرْض رواسي أَن تميد بهم وَجَعَلنَا فِيهَا فجاجا سبلا لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلنَا السَّمَاء سقفا مَحْفُوظًا وهم عَن آياتها معرضون (32) وَهُوَ الَّذِي خلق اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر كل فِي فلك يسبحون (33) ﴾ وَقَوله: ﴿أَفلا يُؤمنُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا فِي الأَرْض رواسي﴾ أَي: جبالا ثوابت، وَقيل: ثقالا، قَالَ الشَّاعِر:
(رسا أَصله تَحت الثرى وسمائه ... إِلَى النَّجْم فرع لَا ينَال طَوِيل)
وَقَوله: ﴿أَن تميد بهم﴾ . أَي: كَرَاهَة أَن تميد بهم، والميد: الْحَرَكَة.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا فِيهَا فجاجا سبلا﴾ الْفَج هُوَ الْوَاسِع بَين الجبلين.
وَقَوله: ﴿سبلا﴾ أَي: طرقا مسلوكة.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ﴾ أَي: يَهْتَدُونَ إِلَى الْحق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا السَّمَاء سقفا مَحْفُوظًا﴾ أَي: مَحْفُوظًا من وُقُوعه على الأَرْض، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يمسك السَّمَوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا﴾ وَيُقَال مَعْنَاهُ: مَحْفُوظًا عَن الشَّيَاطِين بِالشُّهُبِ.
وَقَوله: ﴿وهم عَن آياتها معرضون﴾ آياتها: شمسها وقمرها ونجومها وارتفاعها واستمساكها بِغَيْر عمد، وَغير ذَلِك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر﴾ الْمَعْرُوف عَن ابْن عَبَّاس بِرِوَايَة عِكْرِمَة أَنه قَالَ: إِن الله تَعَالَى خلق اللَّيْل قبل النَّهَار، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقا﴾ أَي: كَانَتَا مظْلمَة بالرتق ففتقتا بالضياء.
وَقَوله: ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر كل فِي فلك يسبحون﴾ أَي: يجرونَ، وَيُقَال يَدُور
﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد أَفَإِن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ بهم فلك دون السَّمَاء، وَيُقَال: يَدُور بهم السَّمَاء، وَالله أعلم؛ وَإِنَّمَا ذكر ﴿يسبحون﴾ وَلم يقل: يسبح على مَا يُقَال لما لَا يعقل؛ لِأَنَّهُ ذكر عَنْهُم مَا يذكر من الْعُقَلَاء، وَهُوَ الجري والسبح، فَذكر على مَا يعقل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد﴾ كَانُوا يَقُولُونَ: نتربص بِمُحَمد ريب الْمنون، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد﴾ يَعْنِي: أَن الْمَوْت طَرِيق مَعْهُود مسلوك لَا بُد مِنْهُ لكل حَيّ.
وَقَوله: ﴿أَفَإِن مت فهم الخالدون﴾ مَعْنَاهُ: أفهم الخالدون إِن مت؟ وَقد رُوِيَ " أَن النَّبِي لما توفّي دخل أَبُو بكر - رَضِي الله عَنهُ - وَوضع فَمه بَين عَيْنَيْهِ وَيَده على جَانب رَأسه، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، طبت حَيا وَمَيتًا، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد أَفَإِن مت فهم الخالدون﴾ وَقد كَانَ عمر يَقُول: إِنَّه لم يمت، فَلَمَّا تَلا أَبُو بكر هَذِه الْآيَة، فَكَأَن النَّاس لم يسمعوا هَذِه الْآيَة إللا ذَلِك الْوَقْت، وأعرضوا عَن عمر (وَقَوله) ، وَعَلمُوا أَنه قد مَاتَ ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ قد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر﴾ أَي: بالرخاء والشدة، وَالصِّحَّة والسقم، وبالإشقاء والإسعاد، وَغير ذَلِك مِمَّا يخْتَلف على الْإِنْسَان، وَقيل: بِالشَّرِّ وَالْخَيْر أَي: بِمَا يحبونَ ويكرهون، وَيُقَال: الشَّرّ غَلَبَة الْهوى على الْإِنْسَان، وَالْخَيْر الْعِصْمَة من الْمعاصِي، قَالَه سهل بن عبد الله.
﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة وإلينا ترجعون (35) وَإِذا رآك الَّذين كفرُوا إِن يتخذونك إِلَّا هزوا أَهَذا الَّذِي يذكر آلِهَتكُم وهم بِذكر الرَّحْمَن هم كافرون (36) خلق الْإِنْسَان﴾
وَقَوله: ﴿فتْنَة﴾ أَي: محنة وخبرة.
وَقَوله: ﴿وإلينا ترجعون﴾ أَي: تردون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا رآك الَّذين كفرُوا إِن يتخذونك إِلَّا هزوا﴾ أَي: مَا يتخذونك إِلَّا هزوا.
وَقَوله: ﴿أَهَذا الَّذِي يذكر آلِهَتكُم﴾ أَي: يعيب آلِهَتكُم، يُقَال: فلَان يذكر فلَانا أَي: يعِيبهُ، وَفُلَان يذكر الله أَي: يعظمه ويجله.
وَقَوله: ﴿وهم بِذكر الرَّحْمَن هم كافرون﴾ قَالَ هَذَا؛ لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: لَا نَعْرِف الرَّحْمَن إِلَّا مُسَيْلمَة، وهم " الثَّانِيَة صلَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: سرعَة وتعجيل، وَالْإِنْسَان هُوَ آدم - صلوَات الله عَلَيْهِ - وَقد خلقه الله تَعَالَى من غير تَرْتِيب خلق سَائِر الْآدَمِيّين من النُّطْفَة، والعلقة، والمضغة، وَغَيره، وَهَذَا قَول حسن.
وَالْقَوْل الثَّانِي: من عجل أَي: عجولا، وَيجوز أَن يكون المُرَاد من الْإِنْسَان جَمِيع بني آدم، وَأما ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ آدم لما نفخ الله فِيهِ الرّوح وَبلغ صَدره، أَرَادَ أَن يقوم، فَهُوَ عجلته.
وَذكر الْكَلْبِيّ: أَنه لما نفخ فِيهِ الرّوح نظر إِلَى الشَّمْس فَإِذا هِيَ تغرب، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أتم خلقي قبل أَن تغرب الشَّمْس، فَهُوَ عجلته.
وَالْقَوْل الثَّالِث: خلق الْإِنْسَان والعجلة مِنْهُ، وَقيل: والعجلة فِيهِ، وَهَذَا على طَرِيق الْمُبَالغَة، وَالْعرب تَقول للشرير: خلقت من الشَّرّ، وَكَذَلِكَ تَقول: خلق فلَان من الْخَيْر إِذا ذكر على طَرِيق الْمُبَالغَة.
وَالْقَوْل الرَّابِع: قَوْله: ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ أَي: من طين.
قَالَ الشَّاعِر:
(والنبع فِي الصَّخْرَة الصماء منبته ... وَالنَّخْل ينْبت بَين المَاء والعجل)
أَي: الطين.
﴿من عجل سأريكم آياتي فَلَا تَسْتَعْجِلُون (37) وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين (38) لَو يعلم الَّذين كفرُوا حِين لَا يكفون عَن وُجُوههم النَّار وَلَا عَن ظُهُورهمْ وَلَا هم ينْصرُونَ (39) بل تأتيهم بَغْتَة فتبهتهم فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ردهَا وَلَا هم ينظرُونَ (40) ﴾
وَقَوله: ﴿سأريكم آياتي فَلَا تَسْتَعْجِلُون﴾ هَذَا فِي الْمُشْركين، فَإِنَّهُم كَانُوا يستعجلون الْقِيَامَة على مَا قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع آخر: ﴿يستعجل بهَا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بهَا﴾ وَقَالَ بَعضهم: ﴿سأريكم آياتي﴾ أَي: مواعدي.
وَقَوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُون﴾ أَي: لَا تَطْلُبُوا الْعَذَاب مني قبل وقته، وَإِنَّمَا نزلت هَذِه الْآيَة؛ لِأَن النَّضر بن الْحَارِث كَانَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء أَو ائتنا بِعَذَاب أَلِيم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو يعلم الَّذين كفرُوا حِين لَا يكفون﴾ أَي: لَا يدْفَعُونَ.
وَقَوله: ﴿عَن وُجُوههم النَّار وَلَا عَن ظُهُورهمْ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: (وَلَا هم ينْصرُونَ) . أَي: لَا يمْنَعُونَ من الْعَذَاب، وَفِي الْآيَة جَوَاب مَحْذُوف وَمَعْنَاهُ: لعلموا صدق وعدنا.
وَقَوله: ﴿لَو يعلم﴾ فِي ابْتِدَاء الْآيَة مَعْنَاهُ: لَو يرى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل تأتيهم بَغْتَة﴾ أَي: الْقِيَامَة فَجْأَة.
وَقَوله: ﴿فتبهتهم﴾ . أَي: تحيرهم، يُقَال: فلَان مبهوت أَي: متحير، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فبهت الَّذِي كفر﴾ .
وَقَوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ردهَا وَلَا هم ينظرُونَ﴾ أَي: يمهلون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد استهزىء برسل من قبلك﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
﴿وَلَقَد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا مِنْهُم مَا كَانُوا بِهِ يستهزءون (41) قل من يكلؤكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار من الرَّحْمَن بل هم عَن ذكر رَبهم معرضون (42) أم لَهُم آلِهَة تمنعهم من دُوننَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نصر أنفسهم وَلَا هم منا يصحبون (43) بل متعنَا هَؤُلَاءِ وآباءهم حَتَّى طَال عَلَيْهِم الْعُمر أَفلا يرَوْنَ أَنا نأتي الأَرْض ننقصها من أطرافها﴾
وَقَوله: ﴿فحاق بالذين سخروا مِنْهُم﴾ أَي: نزل بالذين سخروا مِنْهُم.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ أَي: جَزَاء استهزائهم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل من يكلؤكم﴾ أَي: يحفظكم.
قَالَ الشَّاعِر:
(إِن سليمى فَالله يكلؤها ... ضنت بِشَيْء مَا كَانَ يرزؤها)
وَقَوله: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار من الرَّحْمَن﴾ أَي: من عَذَاب الرَّحْمَن، وَالله تَعَالَى يحفظ الْعباد من عَذَاب نَفسه.
وَقَوله: ﴿بل هم عَن ذكر رَبهم معرضون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم لَهُم آلِهَة تمنعهم من دُوننَا﴾ أَي: تمنع الْعَذَاب عَنْهُم من دُوننَا.
وَقَوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ نصر أنفسهم﴾ أَي: منع أنفسهم.
وَقَوله: ﴿وَلَا هم منا يصحبون﴾ أَي: يجارون، يُقَال: أجارك الله أَي: حفظك، وَتقول الْعَرَب: صحبك الله أَي: حفظك ونصرك، وَقد قيل: يصحبون أَي: ينْصرُونَ.