تفسير السمعانيالجاثية
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجاثية

عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿وَمن يقترف حَسَنَة نزد لَهُ فِيهَا حسنا إِن الله غَفُور شكور (23) ﴾ الْمعَانِي؛ لِأَن قَوْله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ لَيْسَ باستثناء صَحِيح حَتَّى يكون مُخَالفا لقَوْله: ﴿إِن أجري إِلَّا على الله﴾ بل هُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: قل لَا أسالكم عَلَيْهِ أجرا أَي: مَالا، وَتمّ الْكَلَام.
وَمعنى قَوْله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ لَكِن صلوا قَرَابَتي بالاستجابة لي أَو تكفوا أذاكم عني.
وَفِي بعض التفاسير: أَن أهل الْجَاهِلِيَّة لما علمُوا جد النَّبِي ظنُّوا انه يطْلب مَالا، فَجمعُوا لَهُ شَيْئا حسنا من أَمْوَالهم، وَقَالُوا: نعطيك هَذَا المَال، وكف عَمَّا أَنْت عَلَيْهِ، فَأنْزل الله الْآيَة على الْمَعْنى الَّذِي قدمنَا.
وَالْقَوْل الرَّابِع: مَا روى فِي بعض الغرائب من الرِّوَايَات بِرِوَايَة سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن معنى قَوْله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ أَن تودوا أقربائي وتحبوهم.
وَحكى بَعضهم: أَن النَّبِي سُئِلَ عَن هَذِه، وَعَن معنى الْقُرْبَى فَقَالَ: " عَليّ وَفَاطِمَة وولدهما "، وَهَذَا أغرب الْأَقَاوِيل وأضعفها.
وَقَوله: ﴿وَمن يقترف حَسَنَة﴾ أَي: يكْتَسب حَسَنَة أَي: طَاعَة ﴿نزد لَهُ فِيهَا حسنا﴾ أَي: نضاعف لَهُ الْحَسَنَة.
وَقَوله: ﴿إِن الله غَفُور شكور﴾ أَي: غَفُور للكثير من الذُّنُوب، شكور لليسير فِي الطَّاعَات.

﴿أم يَقُولُونَ افترى على الله كذبا فَإِن يَشَأْ الله يخْتم على قَلْبك ويمح الله الْبَاطِل ويحق الْحق بكلماته إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور (24) وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يَقُولُونَ افترى على الله كذبا﴾ أَي: يَقُول على الله مَا لم يقلهُ وَلم ينزله.
وَقَوله: ﴿فَإِن يَشَأْ الله يخْتم على قَلْبك﴾ أَي: ينْسك الْقُرْآن حَتَّى لَا تذكر مِنْهُ حرفا، قَالَه قَتَادَة، وَالْقَوْل الثَّانِي: يخْتم على قَلْبك أَي: يرْبط بِالصبرِ على أذاهم، وَهَذَا قَول مَعْرُوف أوردهُ الْفراء والزجاج وَغَيرهمَا.
وَقَول: ﴿ويمح الله الْبَاطِل﴾ قيل: هَذَا ابْتِدَاء كَلَام، وَمَعْنَاهُ: ويمحو الله الْكفْر ويزيله.
وَقَوله: ﴿ويحق الْحق بكلماته﴾ أَي: ينصر دينه بالمعجزات الَّتِي يظهرها، وَقيل: بتحقيق وعده، وَقيل: بنصرة رَسُوله بِإِظْهَار دينه على الدّين كُله.
وَقَوله: ﴿إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور﴾ أَي: بِمَا فِي الصُّدُور.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات﴾ أَي: الذُّنُوب ﴿وَيعلم مَا تَفْعَلُونَ﴾ أَي: تَعْمَلُونَ، وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة الزُّهْرِيّ، عَن [أبي] سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: قَالَ: " لله أفرح بتوبة عَبده من أحدكُم يضل بعيره بفلاة وَعَلِيهِ مَتَاعه وَطَعَامه فيطلبه وَلَا يجده، ثمَّ ينَام نومَة فينتبه فَإِذا هُوَ عِنْد رَأسه ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله ابْن أَحْمد أخبرنَا أَبُو سهل عبد الصَّمد بن عبد الرَّحْمَن الرَّازِيّ، أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد ابْن زَكَرِيَّا العذافري، أخبرنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الدبرِي، عَن عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ الْخَبَر.

﴿عَن السَّيِّئَات وَيعلم مَا تَفْعَلُونَ (25) ويستجيب الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات ويزيدهم من فَضله والكافرون لَهُم عَذَاب شَدِيد (26) وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ لبغوا فِي الأَرْض وَلَكِن ينزل بِقدر مَا يَشَاء إِنَّه بعباده خَبِير بَصِير (27) وَهُوَ الَّذِي ينزل﴾ وَعَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه سُئِلَ عَن رجل زنى بِامْرَأَة ثمَّ تزَوجهَا، هَل يجوز؟ قَالَ: نعم، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده﴾ إِلَى آخر الْآيَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ويستجيب الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ أَي: يُجيب دعاءهم.
وَقَوله: ﴿ويزيدهم من فَضله﴾ أَي: الثَّنَاء الْحسن فِي الدُّنْيَا، وَقيل: الشَّفَاعَة فِي الْآخِرَة، وَالْمَعْرُوف مضاعفة الْحَسَنَات.
وَقَوله: ﴿والكافرون لَهُم عَذَاب شَدِيد﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ﴾ أَي: وسع عَلَيْهِم الرزق، وَقيل: أَعْطَاهُم كل مَا يتمنونه.
وَقَوله: ﴿لبغوا فِي الأَرْض﴾ أَي: عصوا وطغوا فِي الأَرْض، وَالْبَغي فِي الأَرْض هُوَ الْعَمَل فِيهَا بِغَيْر حق (وَقيل: هُوَ) البطر والأشر.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن ينزل بِقدر مَا يَشَاء أى بِقدر كَمَا تشَاء.
وَقَوله: {إِنَّه بعباده خَبِير بَصِير﴾ أَي: خَبِير بِمَا يصلحهم، بَصِير بِمَا يَفْعَلُونَهُ ويطلبونه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ينزل الْغَيْث من بعد مَا قَنطُوا﴾ أَي: أيسوا، وَفِي بعض الْأَخْبَار، أَن رجلا اتى النَّبِي وَقَالَ: يَا رَسُول الله، قد اجدبت الأَرْض، وَقَنطَ النَّاس، فَادع الله ينزل الْغَيْث لنا فَقَالَ [لَهُ] : " ارْجع إِلَى قَوْمك فقد مطرتم ". فَكَانَ

﴿الْغَيْث من بعد مَا قَنطُوا وينشر رَحمته وَهُوَ الْوَلِيّ الحميد (28) وَمن آيَاته خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَث فيهمَا من دَابَّة وَهُوَ على جمعهم إِذا يَشَاء قدير (29) وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير (30) ﴾ كَمَا قَالَ.
﴿وينشر رَحمته﴾ أَي: بإنزال الْغَيْث.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْوَلِيّ الحميد﴾ أَي: الْمَالِك لما يَفْعَله، الْمُسْتَحق للحمد فِيمَا ينزله من الْغَيْث.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَث فيهمَا من دَابَّة﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد بِهِ وَمَا بَث فِي الأَرْض من دَابَّة، فَذكر السَّمَاء وَالْأَرْض، وَالْمرَاد أَحدهمَا، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان﴾ وَإِنَّمَا يسْتَخْرج من أَحدهمَا، وَهُوَ المالح دون العذب.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿وَمَا بَث فيهمَا من دَابَّة﴾ وَهُوَ على حَقِيقَته، وَالدَّابَّة كل مَا يدب، وَالْمَلَائِكَة مِمَّا يدب، قَالَه مُجَاهِد وَغَيره.
﴿وَهُوَ على جمعهم إِذا يَشَاء قدير﴾ أَي: قَادر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد نرى من تصيبه الْمُصِيبَة بِغَيْر ذَنْب سبق مِنْهُ، فَكيف وَجه الْآيَة؟ وَالْجَوَاب من وُجُوه: أَحدهَا: أَن قَوْله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة﴾ هِيَ الْحُدُود تُقَام إِلَّا على العَاصِي وَلَا تُقَام على العاصين، وَهَذَا قَول حسن.

﴿وَمَا انتم بمعجزين فِي الأَرْض وَمَا لكم من دون الله من ولي وَلَا نصير (31) وَمن آيَاته﴾ وَالثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة﴾ يُرَاد بهَا المعاقبة فِيمَا كسبت أَيْدِيكُم، فعلى هَذَا يجوز أَن يُصِيب الْإِنْسَان مُصِيبَة من غير ذَنْب وَلَا كسب إِذا لم يرد بهَا المعاقبة.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْآيَة على الْعُمُوم، وَلَا يُصِيب أحدا بلَاء وَشدَّة إِلَّا بذنب سبق مِنْهُ، أَو تَنْبِيه لِئَلَّا يعْمل ذَنبا، أَو ليعتبر بِهِ ذُو ذَنْب.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي [أَنه] أَنه قَالَ: " مَا من خدش أَو عَثْرَة قدم أَو اخْتِلَاج عرق إِلَّا بذنب، وَمَا يغْفر الله أَكثر ". وَعَن الْعَلَاء بن بدر: مَا يُصِيب أحدا مُصِيبَة إِلَّا بذنب مِنْهُ، فَقيل لَهُ: كَيفَ هَذَا، وَقد عميت صَغِيرا، وَمَا كنت أعمى؟ فَقَالَ: بذنب وَالِدي.
تعلق بِهَذِهِ الْآيَة بعض من يَقُول بالتناسخ، وَقَالَ: إِنَّا نرى الْبلَاء يُصِيب الْأَطْفَال وَلم يكن مِنْهُم ذَنْب، فَدلَّ انه سبق مِنْهُم ذنُوب من قبل وعوقبوا بهَا.
وَتعلق بِهَذِهِ الْآيَة أَيْضا من يَقُول إِن الْأَطْفَال لَا يألمون أصلا فَكَذَلِك الْبَهَائِم، وَإِنَّمَا صِيَاحهمْ لأَذى قُلُوب الْوَالِدين.
وكلا الْقَوْلَيْنِ بَاطِل، وَيجوز عِنْد أهل السّنة أَن يُوجد الله الْأَلَم إِلَى مَا يَشَاء من عباده بِغَيْر ذَنْب سبق مِنْهُ، وَكَذَلِكَ على جَمِيع الْحَيَوَانَات، وَأما وَجه الْآيَة قد بَينا، وَكَذَلِكَ قَول من يَقُول: إِن الْأَطْفَال لَا يألمون بَاطِل؛ لِأَنَّهُ دفع الْحس والعيان.

وَقَوله: ﴿وَمَا انتم بمعجزين فِي الأَرْض﴾ أَي: بمعجزين الله فِي الأَرْض، وَقد بَينا مَعْنَاهُ فِيمَا سبق.

﴿الْجوَار فِي الْبَحْر كالأعلام (32) إِن يَشَأْ يسكن الرّيح فيظللن رواكد على ظَهره إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور (33) أَو يوبقهن بِمَا كسبوا ويعف عَن كثير (34) ﴾ وَقَوله: ﴿وَمَا لكم من دون الله من ولي وَلَا نصير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته الْجوَار فِي الْبَحْر كالأعلام﴾ أَي: السفن، وَقَوله: ﴿كالأعلام﴾ أَي: كالجبال، قَالَت الخنساء تمدح أخاها صخرا: (وَإِن صخرا لتأتم الهداة ... بِهِ كَأَنَّهُ علم فِي رَأسه نَار) أَي: جبل.

وَقَوله: ﴿إِن يَشَأْ يسكن الرّيح﴾ مَعْنَاهُ: إِن يَشَأْ تسكين الرّيح يسكن الرّيح، قَالَ قَتَادَة: إِن السفن تجْرِي بالرياح؛ فَإِذا هبت سَارَتْ، وَإِذا سكنت وقفت.
وَقَوله: ﴿فيظللن رواكد على ظَهره﴾ أَي: ثوابت على ظهر الْبَحْر، وَمَعْنَاهُ: الرّيح إِذا سكنت بقيت السفن ثوابت على ظهر الْبَحْر، لَا تجرى.
قَوْله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور﴾ أَي: صبار على البلايا، شكور للنعم، وَعَن بَعضهم: إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور أَي: الْمُؤمن؛ لِأَن الْمُؤمن هُوَ الصبار الشكُور، قَالَ مطرف: نعم العَبْد الْمُؤمن إِذا ابْتُلِيَ صَبر، وَإِذا أعطي شكر.
وَعَن عون بن عبد الله قَالَ: رب منعم عَلَيْهِ غير شكور، ومبتلى غير صبور.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو يوبقهن بِمَا كسبوا﴾ أَي: يهْلك السفن بِمن فِيهَا، وَقيل: أهل السفن.
وَقَوله: ﴿بِمَا كسبوا﴾ أَي: بِمَا كسبوا من الذُّنُوب، وَقَوله: ﴿أَو﴾ مَعْنَاهُ: أَو إِن يَشَأْ يوبقهن.
وَقَوله: ﴿ويعف عَن كثير﴾ أَي: يتَجَاوَز عَن كثير من الذُّنُوب، وَحكى أَن شريحا رُؤِيَ وَفِي يَده (قرحَة) فَقيل لَهُ: مَا هَذَا يَا أَبَا أُميَّة؟ فَقَالَ: وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير.

﴿وَيعلم الَّذين يجادلون فِي آيَاتنَا مَا لَهُم من محيص (35) فَمَا أُوتِيتُمْ من شَيْء فمتاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمَا عِنْد الله خير وَأبقى للَّذين آمنُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش وَإِذا مَا غضبوا وهم يغفرون (37) وَالَّذين اسْتَجَابُوا﴾

وَقَوله: ﴿وَيعلم الَّذين يجادلون فِي آيَاتنَا﴾ وَقُرِئَ: " وَيعلم " بِضَم الْمِيم، فَأَما الْقِرَاءَة بِنصب الْمِيم فبتقدير أَن، وَأما بِالرَّفْع فَمَعْنَاه وَسَيعْلَمُ الَّذين يجادلون فِي آيَاتنَا.
﴿مَا لَهُم من محيص﴾ أَي: ملْجأ ومهرب، قَالَه السدى وَغَيره.

وَقَوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ من شَيْء فمتاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: مَنْفَعَة الْحَيَاة الدُّنْيَا.
وَقَوله: ﴿وَمَا عِنْد الله خير وَأبقى﴾ أَي: الْجنَّة خير وأدوم.
وَقَوله: ﴿للَّذين آمنُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم﴾ وَقُرِئَ: " كَبِير الْإِثْم "، وَقد بَينا تَفْسِير الْكَبَائِر من قبل.
وَفِي التَّفْسِير: أَن قتل النَّفس، وَقذف الْمُحْصنَات، والإشراك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين والفرار من الزَّحْف، وَأكل مَال الْيَتِيم، والتأفيف، وَالسحر، وَشرب الْخمر؛ من الْكَبَائِر، وَيُقَال: كل مَا أوعد الله عَلَيْهِ فِي النَّار فَهُوَ من الْكَبَائِر.
وَأما إِضَافَة الْكَبَائِر إِلَى الْإِثْم فَيُقَال: إِنَّمَا أضافها إِلَيْهِ؛ لِأَن فِي الْإِثْم كَبِيرا وصغيرا.
وَيُقَال: إِضَافَة الْكَبَائِر إِلَى الْإِثْم كإضافة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف.
وَقَوله: ﴿وَالْفَوَاحِش﴾ الْفَوَاحِش: هِيَ القبائح من الزِّنَا وَغَيره.
وَقَوله: ﴿وَإِذا مَا غضبوا هم يغفرون﴾ أَي: يتجاوزون، وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف أَن النَّبِي قَالَ: " أَلا أنبئكم بالشديد؟ قَالُوا: نعم.
قَالَ: من ملك نَفسه عِنْد الْغَضَب ".

﴿لرَبهم وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَأمرهمْ شُورَى بَينهم وَمِمَّا رزقتاهم يُنْفقُونَ (38) وَالَّذين إِذا﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين اسْتَجَابُوا لرَبهم﴾ يُقَال: إِن الْآيَة نزلت فِي الْأَنْصَار، وَيُقَال: إِنَّهَا عَامَّة.
وَقَوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاة﴾ إِقَامَة الصَّلَاة إتيانها بشرائطها وحفظها بحدودها.
وَقَوله: ﴿وَأمرهمْ شُورَى بَينهم﴾ ذكر النقاش: أَن هَذَا فِي الْأَنْصَار وَكَانُوا يتشاورون فِي الْأَمر بَينهم؛ فمدحهم الله على ذَلِك، وَذَلِكَ دَلِيل على اتِّفَاق الْكَلِمَة، وَترك الاستبداد بِالرَّأْيِ، وَالرُّجُوع إِلَى الرَّأْي عِنْد نزُول الْحَادِثَة.
وَقيل: إِن الْأَنْصَار تشاوروا فِيمَا بَينهم حِين دعاهم النَّبِي إِلَى الْإِيمَان، ثمَّ أجابوا إِلَى الْإِيمَان.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: مَا تشَاور قوم إِلَّا هُدُوا إِلَى ارشد أُمُورهم.
والشورى مَأْخُوذَة من قَوْلهم: شرت الدَّابَّة أشورها إِذا سيرتها مقبلة، ومدبرة لاستخراج السّير مِنْهَا.
وَيُقَال: لذَلِك الْموضع المشوار.
وَالْعرب تَقول: إياك والخطب فَإِنَّهَا مشوار كثير العناد.
وَفِي الْخَبَر بِرِوَايَة [أبي] عُثْمَان النَّهْدِيّ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا كَانَت أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياؤكم وأمركم شُورَى بَيْنكُم، فَظهر الأَرْض خير لكم، من بَطنهَا، وَإِذا كَانَت أمراؤكم شِرَاركُمْ، وأغنياؤكم (بخلاؤكم) ، وأمركم إِلَى نِسَائِكُم؛ فبطن الأَرْض خير لكم من ظهرهَا ". وَاعْلَم أَن هَذِه السُّورَة تسمى سُورَة الشورى.
وَقَوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ﴾ أَي: يتصدقون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون﴾ أَي: الظُّلم، وَقَوله:

﴿أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون (39) وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا فَمن عَفا وَأصْلح فَأَجره على﴾ ﴿ينتصرون﴾ أَي: يتناصرون، فينتصر بَعضهم بَعْضًا لرفع الْبَغي، وَهُوَ من بَاب الْحِسْبَة، ينتصرون بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ.
وَقيل: ينتصرون أَي: ينتصرون من الظَّالِم، والانتصار من الظَّالِم هُوَ أَخذ الْحق مِنْهُ.
وَفِي التَّفْسِير عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره قَالَ: كَانُوا يكْرهُونَ أَن يذلوا أنفسهم حَتَّى لَا يجترئ عَلَيْهِم الْفُسَّاق.
وَذكر الْكَلْبِيّ: أَن الْآيَة نزلت فِي شَأْن ابي بكر الصّديق، فروى أَن رجلا من الْأَنْصَار سبّ أَبَا بكر عِنْد النَّبِي، فَسكت أَبُو بكر وَسكت التبي، ثمَّ إِن أَبَا بكر أَجَابَهُ، فَقَامَ النَّبِي مغضبا، وَذهب فَتَبِعَهُ أَبُو بكر، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِن الَّذِي فعلت بِي أَشد مِمَّا فعله الْأنْصَارِيّ، سبني فَسكت، وَلم تنكر عَلَيْهِ، ثمَّ لما أجبْت قُمْت مغضبا، فَقَالَ: كَانَ الْملك يرد عَلَيْهِ حِين سكت؛ فَلَمَّا أجبْت ذهب الْملك؛ فَذَهَبت، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون﴾ فَيجوز للمظلوم الِانْتِصَار من ظالمه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ سمى الثَّانِي [سَيِّئَة] على ازدواج الْكَلَام، وَعند الْفُقَهَاء أَن الْآيَة فِي الْقَتْل والجراحات؛ فَإِذا قَتله يقْتله وليه، وَإِذا حرجه.
يجرحه، وَذهب جمَاعَة من السّلف إِلَى أَن هَذَا فِي غير الْقَتْل والجراحات أَيْضا فَإِذا قَالَ: أخزاك الله، يَقُول: أخزاك الله، وَإِذا قَالَ: لعنك الله، يَقُول: لعنك الله، وَلَا يزِيد عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا: إِذا سبّ سبه، وَهَذَا فِيمَا لَا يدْخلهُ الْكَذِب، فَأَما مَا يدْخلهُ الْكَذِب فَلَا يَنْبَغِي أَن يكذب عَلَيْهِ، وَمَا ذكرنَا مَرْوِيّ عَن مُجَاهِد وَغَيره.

﴿الله إِنَّه لَا يحب الظَّالِمين (40) وَلمن انتصر بعد ظلمه فَأُولَئِك مَا عَلَيْهِم من سَبِيل (41) إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم (42) وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور (43) وَمن يضلل الله﴾ قَوْله: ﴿فَمن عَفا وَأصْلح فَأَجره على الله﴾ يَعْنِي: عَفا عَن الظَّالِم وَأصْلح الْأَمر بَينه وَبَينه ﴿فَأَجره على الله﴾ أَي: ثَوَابه على الله، وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن الله تَعَالَى يَقُول يَوْم الْقِيَامَة:: أَلا ليقمْ من أجره على الله فَلَا يقوم إِلَّا من عَفا ". وَقَوله: ﴿إِنَّه لَا يحب الظَّالِمين﴾ أَي: من يتَجَاوَز عَن الْحق إِلَى غير الْحق.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلمن انتصر بعد ظلمه فَأُولَئِك مَا عَلَيْهِم من سَبِيل﴾ أَي: من سَبِيل فِي الْقِيَامَة.

وَقَوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ أَي: يطْلبُونَ زِيَادَة لَيست لَهُم، وَقيل: يسعون فِي الأَرْض بِالْمَعَاصِي.
وَقَوله: ﴿أولائك لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: مؤلم موجع.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلمن صَبر وَغفر﴾ أَي: صَبر على الْأَذَى، وَغفر للمؤذي، وَيُقَال: صَبر عَن الْمعاصِي وَغفر لمن يَظْلمه.
وَيُقَال: صَبر عَن ظلم النَّاس، وَمن ظلمه عَفا عَنهُ.
وَقَوله: ﴿إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ أَي: من حق (الْأُمُور) ، وَقيل: من عزائم الله الَّتِي ندب إِلَيْهَا عباده.
وَيُقَال: من ثَابت الْأُمُور الَّتِي لَا تنسخ.
قَالَ الزّجاج: ندب الله تَعَالَى الْمَظْلُوم أَن (يعْفُو) عَن الظَّالِم، ويصبر عَن الظُّلم؛ لينال الثَّوَاب فِي

﴿فَمَا لَهُ من ولي من بعده وَترى الظَّالِمين لما رَأَوْا الْعَذَاب يَقُولُونَ هَل إِلَى مرد من سَبِيل (44) وتراهم يعرضون عَلَيْهَا خاشعين من الذل ينظرُونَ من طرف خَفِي وَقَالَ الَّذين آمنُوا إِن الخاسرين الَّذين خسروا أنفسهم وأهليهم يَوْم الْقِيَامَة أَلا إِن الظَّالِمين فِي﴾ الْآخِرَة، فَمن كَانَ أَرغب فِي ثَوَاب الْآخِرَة فَهُوَ أتم عزما على الصَّبْر.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من ولي من بعده﴾ أَي: يضلله الله.
وَقَوله: ﴿فَمَا لَهُ من ولي من بعده﴾ أَي: لَا يجد من بعد الله من يهديه.
وَقَوله: ﴿وَترى الظَّالِمين لما رَأَوْا الْعَذَاب يَقُولُونَ هَل إِلَى مرد من سَبِيل﴾ أَي: من رُجُوع إِلَى الدُّنْيَا ليتوب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وتراهم يعرضون عَلَيْهَا﴾ أَي: على النَّار، وَيُقَال: إِن الْآيَة فِي آل فِرْعَوْن، وَيُقَال: فِي آل فِرْعَوْن وَغَيرهم.
وَالأَصَح أَن هَذَا فِي الْقِيَامَة، ويعرضون على النَّار ليدخلوا فِيهَا.
وَقَوله: ﴿خاشعين من الذل﴾ أَي: خاضعين من الذل، وَمَعْنَاهُ: [الانكسار] وذلة النَّفس حِين يرَوْنَ الْعَذَاب وتنزل بهم الندامة.
قَوْله: ﴿ينظرُونَ من طرف خَفِي﴾ أَي: يسارقون النّظر إِلَى النَّار، وَيُقَال: ينظرُونَ بأنصاف عيونهم، وَلَا يفتحون أَعينهم عَلَيْهَا خوفًا مِنْهَا.
وَعَن بَعضهم قَالَ: ينظرُونَ بقلوبهم؛ لأَنهم يحشرون عميا، فالطرف الْخَفي هُوَ رُؤْيَة الْقلب.
وَقَوله: ﴿وَقَالَ الَّذين آمنُوا إِن الخاسرين الَّذين خسروا أنفسهم وأهليهم يَوْم الْقِيَامَة﴾ أما خسرانهم أنفسهم فبدخولهم النَّار، وَأما خسرانهم أَهْليهمْ فلأنهم لَو آمنُوا أَصَابُوا أَهلا فِي الْجنَّة، فَلَمَّا كفرُوا ودخلوا النَّار فاتهم أهلوهم فِي الْجنَّة، فَهُوَ خسران الْأَهْل.
وَيُقَال: لكل وَاحِد من الْكفَّار أهل مُسَمّى فِي الْجنَّة لَو آمن.
وَقَوله: ﴿أَلا إِن الظَّالِمين فِي عَذَاب مُقيم﴾ أَي: دَائِم.

﴿عَذَاب مُقيم (45) مَا كَانَ لَهُم من أَوْلِيَاء ينصرونهم من دون الله وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من سَبِيل (46) اسْتجِيبُوا لربكم من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا مرد لَهُ من الله مَا لكم من ملْجأ يَوْمئِذٍ وَمَا لكم من نَكِير (47) فَإِن أَعرضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِم حفيظا إِن عَلَيْك إِلَّا الْبَلَاغ وَإِنَّا إِذا أذقنا الْإِنْسَان منا رَحْمَة فَرح بهَا وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم﴾

قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم من أَوْلِيَاء ينصروهم من دون الله﴾ أَي: يمْنَعُونَ عَنْهُم عَذَاب الله.
وَقَوله: ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من سَبِيل﴾ أَي: من طَرِيق إِلَى الْجنَّة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتجِيبُوا لربكم﴾ أَي: اسْتجِيبُوا لربكم بقول: لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله.
وَقَوله: ﴿من قبل أَن ياتي يَوْم لَا مرد لَهُ من الله﴾ أَي: لَا رد لَهُ.
وَقَوله: ﴿مَا لكم من ملْجأ يَوْمئِذٍ﴾ أَي: مهرب وملاذ.
وَقَوله: ﴿وَمَا لكم من نَكِير﴾ أَي: إِنْكَار، وَيُقَال: لَيْسَ لكم من أَن تنكروا الْعقُوبَة الَّتِي تنالكم.
وَقيل: مَا لكم من نَكِير أَي: تَغْيِير.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل