التوبة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم استحبوا الْحَيَاة الدُّنْيَا على الْآخِرَة﴾ يَعْنِي: آثروا الْحَيَاة الدُّنْيَا على الْآخِرَة.
وَاعْلَم أَن الْمُؤمن يجوز أَن يطْلب الدُّنْيَا، وَيطْلب الْآخِرَة، وَلَكِن لَا يُؤثر الدُّنْيَا على الْآخِرَة إِلَّا الْكَافِر.
وَقَوله: ﴿وَأَن الله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين﴾ لَا يرشد الْقَوْم الْكَافرين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين طبع الله على قُلُوبهم وسمعهم وأبصارهم وَأُولَئِكَ هم الغافلون﴾ أَي: عَمَّا يُرَاد بهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا جرم أَنهم فِي الْآخِرَة هم الخاسرون﴾ أَي: حَقًا أَنهم فِي الْآخِرَة هم المغبونون.
﴿الخاسرون (109) ثمَّ إِن رَبك للَّذين هَاجرُوا من بعد مَا فتنُوا ثمَّ جاهدوا وصبروا إِن رَبك من بعْدهَا لغَفُور رَحِيم (110) يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا وَتوفى كل﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِن رَبك للَّذين هَاجرُوا من بعد فتنُوا﴾ نزلت الْآيَة فِي قوم كَانُوا بقوا بِمَكَّة من الْمُسلمين، وعذبهم الْمُشْركُونَ حَتَّى ذكرُوا كلمة الْكفْر بلسانهم، مِنْهُم عمار وخباب وصهيب وَغَيرهم.
وَقَوله: ﴿من بعد مَا فتنُوا﴾ أَي: عذبُوا حَتَّى وَقَعُوا فِي الْفِتْنَة، ثمَّ إِنَّهُم بعد ذَلِك هَاجرُوا، وَلَحِقُوا بِالنَّبِيِّ.
وَقَوله: ﴿ثمَّ جاهدوا وصبروا﴾ يَعْنِي: على الْجِهَاد وَالْإِيمَان.
وَقَوله: ﴿إِن رَبك من بعْدهَا لغَفُور رَحِيم﴾ أَي: من بعد فعلتهم الَّتِي فَعَلُوهَا من إِعْطَاء الْكفَّار بعض مَا أَرَادوا مِنْهُم.
فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا كَانَ ذَلِك رخصَة، فَلَا يحْتَاج إِلَى الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة؟ وَالْجَوَاب: أَنه يحْتَمل أَنهم فعلوا مَا فعلوا ذَلِك قبل نزُول الرُّخْصَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا﴾ . فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: تجَادل، وَقد سبق ذكر كل، وَلَفظ كل مُذَكّر؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه عَاد كلمة كل على الْمُؤَنَّث؛ فَلهَذَا الْمَعْنى أنث، وَهَذَا كَمَا يُقَال: كل امْرَأَة قَائِمَة، وَمَا أشبه هَذَا.
وَقَوله: ﴿تجَادل عَن نَفسهَا﴾ أَي: تخاصم عَن نَفسهَا، ومجادلتهم هِيَ قَوْلهم: وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين، وَقَوْلهمْ: رَبنَا هَؤُلَاءِ شركاؤنا الَّذين كُنَّا ندعوا من دُونك، وَمَا أشبه هَذَا من الْأَقْوَال الَّتِي ذكرت فِي الْقُرْآن.
وَقيل: تجَادل عَن نَفسهَا: تدفع عَن نَفسهَا.
وَرُوِيَ عَن كَعْب الْأَحْبَار أَنه قَالَ: تزفر جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة زفرَة، فَلَا يبْقى ملك مقرب، وَلَا نَبِي مُرْسل إِلَّا خر وجثى على رُكْبَتَيْهِ، وَيَقُول: نَفسِي نَفسِي حَتَّى إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن فَيَقُول: رَبِّي لَا أُرِيد إِلَّا نجاة نَفسِي، قَالَ كَعْب: وَهُوَ فِي كتاب الله تَعَالَى: ﴿يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا﴾ .
﴿نفس مَا عملت وهم لَا يظْلمُونَ (111) وَضرب الله مثلا قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة يَأْتِيهَا رزقها رغدا من كل مَكَان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف بِمَا كَانُوا﴾
وَرُوِيَ أَنه قَالَ هَذَا بَين يَدي عمر - رَضِي الله عَنهُ - وَقد كَانَ عمر قَالَ لَهُ: حَدثنَا، ذكرنَا.
وَقَوله: ﴿وَتوفى كل نفس مَا عملت وهم لَا يظْلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَضرب الله مثلا قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة﴾ الْآيَة.
أَكثر أهل التَّفْسِير: أَن الْقرْيَة هَا هُنَا هِيَ مَكَّة - وَقَوله: ﴿يَأْتِيهَا رزقها رغدا من كل مَكَان﴾ هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ .
وَقَوله: ﴿فكفرت بأنعم الله﴾ الأنعم: جمع النِّعْمَة.
وَقَوله: ﴿فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف﴾ ذكر الذَّوْق، لِأَن المُرَاد من لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف التعذيب، ويستقيم أَن يُقَال فِي التعذيب: ذُقْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم﴾ .
وَالْمعْنَى: أَن الْعَذَاب يَتَجَدَّد إِدْرَاكه كل سَاعَة كالذوق.
رُوِيَ أَن الله تَعَالَى سلط عَلَيْهِم الْقَحْط سبع سِنِين حَتَّى أكلُوا (الطَّعَام) الْمُحْتَرِقَة وَالْعِلْهِز، وَهُوَ الْوَبر بِالدَّمِ، حَتَّى كَانَ ينظر أحدهم إِلَى السَّمَاء فَيرى كشبه الدُّخان من الْجُوع ".
﴿وَالْخَوْف﴾ هُوَ الْخَوْف من الْقَتْل، وَمن سَرَايَا النَّبِي.
وَالْمرَاد من الْقرْيَة: أهل الْقرْيَة، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿آمِنَة﴾ أَي: آمن أَهلهَا، وَكَذَلِكَ مطمئنة.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَنه كل بلد من بلدان الْكفَّار.
﴿يصنعون (112) وَلَقَد جَاءَهُم رَسُول مِنْهُم فَكَذبُوهُ فَأَخذهُم الْعَذَاب وهم ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رزقكم الله حَلَال طيبا واشكروا نعمت الله إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ (114) إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَإِن الله غَفُور رَحِيم (115) وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا﴾
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَنَّهَا الْمَدِينَة، وكفران أَهلهَا بأنعم الله هُوَ مَا فعلوا بعد النَّبِي من قتل عُثْمَان، وَمَا يعقبه من الْأُمُور، وَهُوَ قَول ضَعِيف.
وَأما ذكر اللبَاس فِي الْآيَة، فَلِأَن من جَاع لحقه من الهزال والشحوب والتغير مَا يزِيد ظَاهره عَمَّا كَانَ من قبل؛ فَجعل ذَلِك كاللباس لجلوده.
وَقَوله: ﴿بِمَا كَانُوا يصنعون﴾ أَي: يكفرون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد جَاءَهُم رَسُول مِنْهُم﴾ أَي: مُحَمَّد، وَقَوله: ﴿مِنْهُم﴾ أَي: نسبهم، وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وَقَوله: ﴿فَكَذبُوهُ﴾ أَي: كفرُوا بِهِ.
وَقَوله: ﴿فَأَخذهُم الْعَذَاب وهم ظَالِمُونَ﴾ أَي: كافرون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رزقكم الله حَلَال طيبا واشكروا نعْمَة الله إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ﴾ قد بَينا الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد﴾ معنى قَوْله: ﴿بَاغ﴾ أَي: طَالب بذلك ليتقوى على الْمعْصِيَة ﴿وَلَا عَاد﴾ أَي: لَا يتَعَدَّى الْقدر الَّذِي جوز لَهُ من التَّنَاوُل، وَهَذَا دَلِيل على أَن العَاصِي فِي السّفر لَا يترخص بِهَذِهِ الرُّخْصَة.
وَقَوله: ﴿فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله: ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب﴾ يَعْنِي: لوصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب.
وَقَوله: ﴿هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام﴾ المُرَاد مِنْهُ: مَا ذَكرُوهُ فِي الْبحيرَة والسائبة
﴿حرَام لتفتروا على الله الْكَذِب إِن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب لَا يفلحون (116) مَتَاع قَلِيل وَلَهُم عَذَاب أَلِيم (117) وعَلى الَّذين هادوا حرمنا مَا قَصَصنَا عَلَيْك من قبل وَمَا ظلمناهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ (118) ثمَّ إِن رَبك للَّذين عمِلُوا السوء بِجَهَالَة ثمَّ تَابُوا من بعد ذَلِك وَأَصْلحُوا إِن رَبك من بعْدهَا لغَفُور رَحِيم (119) إِن﴾ والوصيلة والحام، وَقد كَانُوا يحلونها لقوم، ويحرمونها على قوم.
وَقَوله: ﴿لتفتروا على الله الْكَذِب﴾ أَي: لتختلقوا على الله الْكَذِب.
وَقَوله: ﴿إِن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب لَا يفلحون﴾ أَي: لَا يفوزون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَتَاع قَلِيل وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: عيشهم فِي الدُّنْيَا مَتَاع قَلِيل، ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: وجيع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الَّذين هادوا حرمنا مَا قَصَصنَا عَلَيْك من قبل﴾ مَعْنَاهُ: مَا ذكره فِي سُورَة الْأَنْعَام، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الَّذين هادوا حرمنا كل ذِي ظفر﴾ . وَقَوله: ﴿وَمَا ظلمناهم﴾ أَي: مَا نقصنا من حَقهم ﴿وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ أَي: هم الَّذين نَقَصُوا من حُقُوقهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِن رَبك للَّذين عمِلُوا السوء بِجَهَالَة﴾ قَالَ أهل الْعلم: وكل من عمل بِمَعْصِيَة، فَهُوَ من دَاعِي الْجَهَالَة.
وَقَوله: ﴿ثمَّ تَابُوا من بعد ذَلِك وَأَصْلحُوا﴾ شَرط الصّلاح هَاهُنَا، وَمَعْنَاهُ: الاسْتقَامَة على التَّوْبَة.
وَقَوله: ﴿إِن رَبك من بعْدهَا لغَفُور رَحِيم﴾ أَي: من بعد الفعلة الَّتِي تَابُوا عَنْهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة﴾ فِي الْأمة أَقْوَال، أحسن الْأَقَاوِيل مَا حَكَاهُ مَسْرُوق عَن ابْن مَسْعُود أَنه الْمعلم للخير، وَهُوَ الَّذِي يقْتَدى بِهِ ويؤتم؛ وَرُوِيَ أَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ بعد موت معَاذ بن جبل: كَانَ معَاذ بن جبل أمة، وَأَرَادَ بِهِ هَذَا الْمَعْنى.
القَوْل الثَّانِي: كَانَ أمة، أَي: إِمَام هدى، وَالْقَوْل الثَّالِث: كَانَ أمة أَي: كَانَ مُؤمنا
﴿إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا وَلم يَك من الْمُشْركين (120) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين (122) ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن ابتع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين (123) إِنَّمَا جعل السبت على الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ وَإِن رَبك ليحكم بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا﴾ بِاللَّه، وَجَمِيع النَّاس كافرون.
وَقَوله: ﴿قَانِتًا لله﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: مُطيعًا لله، وَقَالَ غَيره: قَائِما بأوامر الله، وَقيل: دَائِما على الْعِبَادَة.
وَقَوله: ﴿حَنِيفا﴾ أَي: مخلصا، وَقيل: مُسْتَقِيمًا على الدّين.
قَوْله: ﴿وَلم يَك من الْمُشْركين﴾ أَي: مِمَّن يعبد الْأَصْنَام، وَقَالَ بعض أهل الْمعَانِي: كَانَ يرى الْعَطاء وَالْمَنْع من الله.
قَوْله: ﴿شاكرا لأنعمه﴾ أَي: لنعمه.
وَقَوله: ﴿اجتباه وهداه﴾ أَي: اخْتَارَهُ وأرشده.
وَقَوله: ﴿إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: إِلَى دين الْحق.
قَوْله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ قيل: هِيَ النُّبُوَّة، وَقيل: لِسَان الصدْق، وَقيل: التنويه لذكره بِطَاعَتِهِ لرَبه، وَقيل: قبُول كل أهل الْملَل لَهُ، وَقيل: ضيافته وَدُعَاء النَّاس لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ هَذَا دَلِيل على أَنه يجوز للفاضل أَن يتبع الْمَفْضُول.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقد قَالَ بعض أهل الْأُصُول: إِن النَّبِي كَانَ مَأْمُورا بشريعة إِبْرَاهِيم إِلَّا مَا نسخ فِي شَرِيعَته بِدَلِيل هَذِه الْآيَة، وَقد قيل غير هَذَا، وَالصَّحِيح أَنه كَانَ مَأْمُورا بِاتِّبَاع شَرِيعَته فِي بعض الْأَشْيَاء، وَصَارَ ذَلِك شَرِيعَة لَهُ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جعل السبت على الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّمَا جعل السبت لعنة على الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ.
وَقَوله: ﴿اخْتلفُوا فِيهِ﴾ أَي: خالفوا فِيهِ، وَقَالَ
﴿كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) ادْع إِلَى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين (125) وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهو خير للصابرين﴾ بَعضهم: اخْتلفُوا فِيهِ أَي: حرم بَعضهم، وَأحل بَعضهم يَعْنِي: السبت.
وَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ الله تَعَالَى أَمرهم بِالْجمعَةِ فَأَبَوا، وطلبوا السبت فَشدد عَلَيْهِم فِيهِ، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى أمروا بِالْجمعَةِ فَأَبَوا، وطلبوا الْأَحَد، وَأعْطى الله تَعَالَى الْجُمُعَة لهَذِهِ الْأمة فقبلوا، وبورك لَهُم فِيهَا، وَفِي الْبَاب خبر صَحِيح قد بَيناهُ من قبل.
قَوْله: ﴿وَإِن رَبك ليحكم بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْع إِلَى سَبِيل رَبك﴾ إِلَى دين رَبك.
وَقَوله: ﴿بالحكمة﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ، وَقيل: الْحِكْمَة معرفَة الْأَشْيَاء على مراتبها فِي الْحسن والقبح، وَقيل: الدُّعَاء بالحكمة هُوَ الرَّد عَن الْقَبِيح إِلَى الْحسن بِشَرْط الْعلم.
وَقَوله: ﴿وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة﴾ الموعظة هِيَ الدُّعَاء إِلَى الله بالترغيب والترهيب، وَقيل: الموعظة الْحَسَنَة هِيَ القَوْل اللين الرَّقِيق من غير غلظة وَلَا تعنيف.
وَقَوله: ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ أَي: مَعَ الْإِعْرَاض عَن أذاهم لَك وَالصَّبْر على مكروههم، وَقد نسخ هَذَا بِآيَة السَّيْف.
وَقَوله: ﴿إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِيمَا فعله الْمُشْركُونَ بِحَمْزَة وَأَصْحَابه؛ فَإِنَّهُ يرْوى: " أَن النَّبِي - مر عَلَيْهِ، وَقد بقر بَطْنه، وَأخذ كبده، وَقطعت مذاكيره وَجعلت فِي فِيهِ؛ فَرَأى أمرا فظيعا؛ فَقَالَ: لَئِن قدرت عَلَيْهِم لَأُمَثِّلَن بسبعين مِنْهُم، وَرُوِيَ أَن الصَّحَابَة قَالُوا قَرِيبا
﴿واصبر وَمَا صبرك إِلَّا بِاللَّه وَلَا تحزن عَلَيْهِم وَلَا تَكُ فِي ضيق مِمَّا يمكرون (127) إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون (128) ﴾ من هَذَا القَوْل فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ".
وَقد قَالَ زيد بن أسلم وَالضَّحَّاك: إِن الْآيَة مَكِّيَّة، وَلَيْسَت فِي حَمْزَة وَأَصْحَابه، وَالأَصَح هُوَ الأول.
وَقَوله: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهو خير للصابرين﴾ يَعْنِي: لَئِن عفوتم ﴿لَهو خير للصابرين﴾ أَي: خير للعافين، وَقد تحقق هَذَا الْعَفو فِي حق وَحشِي قَاتل حَمْزَة بَعْدَمَا أسلم، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كل الْمُشْركين الَّذين أَسْلمُوا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿واصبر وَمَا صبرك إِلَّا بِاللَّه﴾ أَي: بمعونة الله.
وَقَوله: ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم﴾ أَي: لَا تحزن على أفعالهم وإبائهم لِلْإِسْلَامِ.
وَقَوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضيق مِمَّا يمكرون﴾ قرئَ: " فِي ضيق " وَمعنى الْقِرَاءَتَيْن: لَا يضيقن صدرك ﴿مِمَّا يمكرون﴾ أَي: يشركُونَ، وَقيل: مِمَّا فعلوا من الأفاعيل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ يَعْنِي: اتَّقوا المناهي ﴿وَالَّذين هم محسنون﴾ بأَدَاء الْفَرَائِض، [وَقَوله] : ﴿مَعَ﴾ بِالْحِفْظِ والنصرة والمعونة، وَالله أعلم.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى﴾ تَفْسِير سُورَة بني إِسْرَائِيل
وَهِي مَكِّيَّة إِلَّا خمس آيَات، سنذكرها فِي موَاضعهَا.
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: سُورَة بني إِسْرَائِيل والكهف وَمَرْيَم وطه من تلادي، وَهن من الْعتاق الأول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ سُبْحَانَ: تَنْزِيه الله من كل سوء، وَحَقِيقَته تَعْظِيم الله بِوَصْف الْمُبَالغَة، وَوَصفه بِالْبَرَاءَةِ من كل نقص.
وَكلمَة سُبْحَانَ؛ كلمة ممتنعة لَا يحوز أَن يُوصف بهَا غير الله؛ لِأَن الْمُبَالغَة فِي التَّعْظِيم لَا تلِيق لغير الله، وَلَا تَنْصَرِف حسب مَا ينْصَرف كثير من المصادر؛ لِأَنَّهُ لما لم يستقم الْوَصْف بِهِ لغير الله، وَلم تتصرف جهاته لزم أَيْضا منهاجا وَاحِدًا فِي الصّرْف.
وَأما التَّسْبِيح فِي الْقُرْآن على وُجُوه: قد ورد بِمَعْنى الصَّلَاة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فلولا أَنه كَانَ من المسبحين﴾ أَي: من الْمُصَلِّين.
وَورد بِمَعْنى الِاسْتِثْنَاء، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قَالَ أوسطهم ألم أقل لكم لَوْلَا تسبحون﴾ أَي: تستثنون.
وَورد بِمَعْنى التَّنْزِيه.
وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ ، وَورد فِي الْخَبَر بِمَعْنى النُّور، وَهُوَ فِي الْخَبَر الَّذِي قَالَ: " لأحرقت سبحات وَجهه مَا أدْركهُ بَصَره " أَي: نور وَجهه، وَقد ورد فِي الْخَبَر عَن النَّبِي " أَنه فسر سُبْحَانَ الله
﴿بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ بتنزيه الله من كل سوء ".
وَقَوله: ﴿أسرى بِعَبْدِهِ﴾ يُقَال: أسرى بِهِ إِذا سيره لَيْلًا، وَكَذَا سرى بِهِ.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَلَيْلَة ذَات ندى سريت ... وَلم يلتني عَن سراها لَيْت)
وَقَوله: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ أَي: بِمُحَمد، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن الله اتَّخَذَنِي عبدا قبل أَن يتخذني رَسُولا ".
وَقَوله: ﴿لَيْلًا﴾ ذكر لَيْلًا؛ لينبه أَنه كَانَ فِي طَائِفَة مِنْهُ.
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " أسرى بِعَبْدِهِ من اللَّيْل ". وَقَوله: ﴿من الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ اخْتلفُوا فِي الْموضع الَّذِي أسرِي مِنْهُ برَسُول الله؛ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنه من الْمَسْجِد الْحَرَام، وَعَلِيهِ يدل ظَاهر الْآيَة.
وَعَن مُحَمَّد بن عَليّ الباقر: أَن النَّبِي قَالَ: " كنت نَائِما فِي الْحجر، فَأَتَانِي جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - وحركني حَرَكَة لَطِيفَة، وَقَالَ: يَا مُحَمَّد، قُم وافدا إِلَى رَبك ".
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه أسرى بِهِ من بَيت أم هَانِيء بنت أبي طَالب، وَهَذَا فِي رِوَايَة أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس.
﴿إِلَى الْمَسْجِد الأقصا الَّذِي باركنا حوله لنريه من آيَاتنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير (1) ﴾
وَاخْتلف القَوْل فِي الْوَقْت الَّذِي أسرى بِهِ؛ قَالَ مقَاتل: كَانَ قبل الْهِجْرَة بِسنة، وَيُقَال: إِنَّه كَانَ فِي رَجَب، وَيُقَال: فِي رَمَضَان.
وَقَالَ بَعضهم أسرى بِهِ وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَخمسين سنة وَتِسْعَة أشهر وَثَمَانِية وَعشْرين يَوْمًا، وَالله أعلم.
وَقَوله ﴿إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ يَعْنِي: إِلَى مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، وَسَماهُ الْأَقْصَى لبعده من الْمَسْجِد الْحَرَام.
وَقَوله: ﴿الَّذِي باركنا حوله﴾ يَعْنِي: بِالْمَاءِ وَالشَّجر، وَقيل: باركنا حوله؛ لِأَنَّهُ (مَوَاضِع) الْأَنْبِيَاء ومهبط الْمَلَائِكَة.
قَوْله: ﴿لنريه من آيَاتنَا﴾ أَي: من عجائب قدرتنا، وَقد رأى هُنَاكَ الْأَنْبِيَاء، وَرَأى آثَارهم.
وَقَوله: ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ - ذكر السَّمِيع هَا هُنَا لينبه على أَنه الْمُجيب لدعائه، وَذكر الْبَصِير لينبه على أَنه كَانَ الْحَافِظ لَهُ فِي ظلمَة اللَّيْل.
وَأما الْكَلَام فِي الْإِسْرَاء فَاخْتلف القَوْل على أَنه أسرِي بجسمه وروحه أم بِرُوحِهِ؟ فالأكثرون على أَنه أسرِي بجسمه وروحه جَمِيعًا.
وَعَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَت: مَا فقد جسم رَسُول الله وَإِنَّمَا أسرِي بِرُوحِهِ؟
وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار الصَّحِيحَة على مَا يُوَافق القَوْل الأول، وأتمها حَدِيث أنس عَن مَالك بن صعصعة، عَن النَّبِي، وَفِيه: أَنه أسرِي بِهِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ مِنْهُ إِلَى السَّمَاء، واستفتح جِبْرِيل السَّمَاء الدُّنْيَا، فَقيل لَهُ: وَمن مَعَك؟ فَقَالَ: مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام.
فَقَالُوا: أوبعث؟ قَالَ: نعم.
قَالُوا: مرْحَبًا بِهِ، فَنعم الْمَجِيء جَاءَ، وَهَكَذَا فِي كل سَمَاء، وَذكر فِيهِ: أَنه رأى فِي السَّمَاء الدُّنْيَا آدم - عَلَيْهِ السَّلَام - وَفِي السَّمَاء الثَّانِيَة ابْني الْخَالَة عِيسَى وَيحيى، وَفِي السَّمَاء الثَّالِثَة يُوسُف، وَفِي السَّمَاء الرَّابِعَة إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام، وَفِي السَّمَاء الْخَامِسَة هَارُون، وَفِي السَّمَاء السَّادِسَة مُوسَى، وَفِي السَّمَاء السَّابِعَة إِبْرَاهِيم، وَفِيه أَنه قَالَ: " رفعت إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهى، فَإِذا أوراقها كآذان الفيلة، وَإِذا نبقها كقلال هجر، وَرَأَيْت أَرْبَعَة أَنهَار يخرج من أَصْلهَا نهران باطنان ونهران ظاهران؛ فَأَما الباطنان فِي الْجنَّة، وَأما الظاهران: فالنيل والفرات وَذكر فِيهِ أَن الله تَعَالَى فرض عَلَيْهِ خمسين صَلَاة.
. الْقِصَّة بِطُولِهَا إِلَى أَن ردَّتْ إِلَى الْخمس.
وَقد روى شبها بِهَذِهِ الْقِصَّة جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم: ابْن عَبَّاس، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَغَيرهم.
وروى معمر عَن قَتَادَة عَن أنس عَن النَّبِي " أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام جَاءَ بِالْبُرَاقِ مسرجا مُلجمًا، فَأَرَادَ الرَّسُول أَن يركبهَا فاستعصت عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا جِبْرِيل: وَالله مَا ركبك أحد أكْرم على الله مِنْهُ فَارْفض بِهِ عرقا ". ذكره أَبُو عِيسَى فِي جَامعه.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أتيت بِدَابَّة دون البغلة وَفَوق الْحمار، خطوها عِنْد مُنْتَهى بصرها ". وَثَبت أَيْضا عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " رَأَيْت مُوسَى لَيْلَة أسرِي بِي، كَأَنَّهُ من رجال شنُوءَة، وَرَأَيْت عِيسَى ربعَة أَحْمَر، كَأَنَّهُ خرج من ديماس، وَرَأَيْت
﴿وآتينا مُوسَى الْكتاب﴾ إِبْرَاهِيم وصاحبكم أشبه النَّاس بِهِ ".
وَفِي هَذَا الْخَبَر أَنه قَالَ: " أتيت بإناءين فِي أَحدهمَا لبن، وَفِي الآخر خمر، فَأخذت اللَّبن وشربته، فَقَالَ جِبْرِيل: أصبت الْفطْرَة، أما إِنَّك لَو أخذت الْخمر غوت أمتك ".
وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما أصبح تحدث النَّاس بمسراه، [ففتن] كثير من النَّاس، وارتد جمَاعَة مِمَّن آمن بِهِ وَصدق، وَجَاء الْمُشْركُونَ إِلَى أبي بكر - رَضِي الله عَنهُ - وَقَالُوا لَهُ: أَلا ترى إِلَى صَاحبك يحدث أَنه أسرِي بِهِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَرجع من ليلته، وَنحن نضرب أكباد الْإِبِل شهرا حَتَّى نصل إِلَيْهِ! فَقَالَ أَبُو بكر: إِن كَانَ قَالَ ذَلِك فقد صدق، فَقَالُوا لَهُ: أَتصدق بِمثل هَذَا؟ قَالَ: نعم، وَأكْثر مِنْهُ، فَأَنا أصدقه أَنه يَأْتِيهِ خبر السَّمَاء فِي غدْوَة أَو رَوْحَة.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كنت قَائِما فِي الْحجر، فَرفع لي بَيت الْمُقَدّس (فَجعلت أنعته) لَهُم " وَهَذَا حِين سَأَلُوهُ عَن وَصفه.
وَفِي الْقِصَّة: أَن الْمُشْركين سَأَلُوهُ عَن ركب لَهُم فِي الطَّرِيق فَقَالَ: قد بلغ مَوضِع كَذَا، ويقدمه جمل أَوْرَق، قَالُوا: وَمَتى يصل؟ قَالَ: مَعَ طُلُوع الشَّمْس، فَخرج بَعضهم يرتقبون العير، وَبَعْضهمْ يرتقبون طُلُوع الشَّمْس، فَقَالَ أُولَئِكَ: هَذَا العير قد أقبل، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: هَذِه الشَّمْس قد طلعت.
﴿وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل أَلا تَتَّخِذُوا من دوني وَكيلا (2) ذُرِّيَّة من حملنَا مَعَ نوح إِنَّه كَانَ عبدا شكُورًا (3) وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض﴾ وَرُوِيَ أَنه قَالَ: " مَرَرْت بِإِنَاء مغطى وَهُوَ ملآن مَاء فَشَرِبت بعضه وَتركته " فَسئلَ الركب عَن ذَلِك فَأخْبرُوا بصورته.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وآتينا مُوسَى الْكتاب﴾ الْآيَة يَعْنِي: أعطينا مُوسَى الْكتاب، وَهُوَ التَّوْرَاة.
وَقَوله: ﴿وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل﴾ أَي: يَهْتَدِي بِهِ بَنو إِسْرَائِيل.
وَقَوله: ﴿أَلا تَتَّخِذُوا﴾ قرئَ بقراءتين: بِالتَّاءِ، وَالْيَاء، فَمن قَرَأَ بِالتَّاءِ فَمَعْنَاه: وآتينا مُوسَى الْكتاب آمرين أَلا تَتَّخِذُوا، وَمن قَرَأَ بِالْيَاءِ فَمَعْنَاه: وعهدنا إِلَيْهِم أَلا يتخذوا.
قَوْله: ﴿من دوني وَكيلا﴾ أَي: شَرِيكا، وَقيل مَعْنَاهُ: أمرناهم أَن لَا يتوكلوا على غَيْرِي، وَلَا يتخذوا أَرْبَابًا دوني.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذُرِّيَّة من حملنَا مَعَ نوح﴾ مَعْنَاهُ: يَا ذُرِّيَّة من حملنَا مَعَ نوح، وَقَرَأَ مُجَاهِد بِنصب الذَّال.
وَعَن زيد بن ثَابت فِي بعض الرِّوَايَات: " ذُرِّيَّة من حملنَا مَعَ نوح " بِكَسْر الذَّال.
وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿ذُرِّيَّة من حملنَا مَعَ نوح﴾ لِأَن الْخلق الْآن من أَوْلَاد نوح على مَا بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿من حملنَا﴾ أَي: فِي السَّفِينَة.
وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ عبدا شكُورًا﴾ سمي نوحًا لِكَثْرَة نوحه على نَفسه، وَقيل: كَانَ اسْمه عبد الْغفار.
ذكره النقاش فِي تَفْسِيره.
وَأما شكره: فَروِيَ أَنه كَانَ إِذا أكل قَالَ: الْحَمد لله، وَإِذا شرب قَالَ: الْحَمد الله،
﴿مرَّتَيْنِ ولتعلن علوا كَبِيرا (4) فَإِذا جَاءَ وعد أولاهما بعثنَا عَلَيْكُم عبادا لنا أولي بَأْس﴾ وَإِذا لبس قَالَ: الْحَمد الله، وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَنه إِذا دخل قَالَ: الْحَمد الله، وَإِذا خرج قَالَ: الْحَمد الله، وَكَذَا فِي الْقيام وَالْقعُود.
وَرُوِيَ أَنه لم يخط خطْوَة إِلَّا ذكر الله تَعَالَى، فَقَالَ: ﴿إِنَّه كَانَ عبدا شكُورًا﴾ أَي: كثير الشُّكْر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب﴾ الْآيَة.
الْقَضَاء: فصل الْأَمر بِالْأَحْكَامِ، وَمعنى قضينا هَا هُنَا أَي: أَوْحَينَا، وَأَعْلَمنَا.
وَقيل مَعْنَاهُ: وقضينا على بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب.
وَقَوله: ﴿لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ﴾ أَي لتعصن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ.
وَقَوله: ﴿ولتعلن﴾ أَي: لتتعظمن وتبغن وتتكبرن.
وَقَوله: ﴿علوا كَبِيرا﴾ أَي: كبرا عَظِيما.