التكوير
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُ كَانَت تأتيهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات الواضحات.
وَقَوله: ﴿فَقَالُوا أبشر يهدوننا﴾ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا منع النَّاس أَن يُؤمنُوا إِذْ جَاءَهُم الْهدى إِلَّا أَن قَالُوا أبْعث الله بشرا رَسُولا﴾ .
وَقَوله: ﴿فَكَفرُوا وتولوا﴾ أَي: جَحَدُوا وأعرضوا.
وَقَوله: ﴿وَاسْتغْنى الله﴾ يَعْنِي: أَن الله غَنِي عَن طاعتهم وعبادتهم وتوحيدهم.
وَقَوله: ﴿وَالله غَنِي حميد﴾ أَي: مستغني عَن أَفعَال الْعباد، مستحمد إِلَى خلقه بالإنعام عَلَيْهِم.
وَيُقَال: حميد أَي: مُسْتَحقّ للحمد.
وَيُقَال حميد أَي: يحب أَن يحمد.
وَقد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ: " مَا من أحد [أغير] من الله وَمَا أحب أحد إِلَيْهِ
﴿زعم الَّذين كفرُوا أَن لن يبعثوا قل بلَى وربي لتبعثن ثمَّ لتنبؤن بِمَا عملتم وَذَلِكَ على الله يسير (7) فآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله والنور الَّذِي أنزلنَا وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير (8) يَوْم يجمعكم ليَوْم الْجمع ذَلِك يَوْم التغابن﴾ الْحَمد من الله، وَمَا أحد أحب إِلَيْهِ الْعذر من الله ".
وَقَوله تَعَالَى: ﴿زعم الَّذين كفرُوا﴾ حُكيَ عَن مُجَاهِد أَنه كَانَ يكره لَفْظَة زَعَمُوا، وَكَذَلِكَ حُكيَ عَن ابْن مَسْعُود.
وَفِي بعض التفاسير عَن ابْن عمر قَالَ: كنية الْكَذِب.
وَنَحْو ذَلِك عَن شُرَيْح.
فزعموا هَاهُنَا بِمَعْنى قَالُوا وأخبروا، قَالَ الشَّاعِر:
(أَلا زعمت بسباسة الْيَوْم أنني ... كَبرت وَألا يحسن السِّرّ أمثالي)
وَقَوله: ﴿أَن لن يبعثوا﴾ يَعْنِي: بعد الْمَوْت.
وَقَوله: ﴿قل بلَى وربي لتبعثن﴾ قَوْله: ﴿بلَى﴾ فِي هَذَا الْموضع لتكذيب الْقَوْم فِيمَا زَعَمُوا، وَهُوَ مثل قَول الْقَائِل لغيره: وَقد أَمرتك بِكَذَا وَكَذَا، فَيَقُول الرجل: مَا سَمِعت وَمَا أَمرتنِي بِهِ، فَيَقُول: بلَى، أَي: وكذبت، قد سَمِعت وَقد أَمرتك.
وَقَوله: ﴿ثمَّ لتنبؤن بِمَا عملتم وَذَلِكَ على الله يسير﴾ أَي: هَين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله والنور الَّذِي أنزلنَا﴾ أَي: الْقُرْآن الَّذِي أَنزَلْنَاهُ على مُحَمَّد ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ أَي: عليم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يجمعكم ليَوْم الْجمع﴾ أَي: يَوْم الْقِيَامَة، وَسمي يَوْم الْجمع؛ لِأَنَّهُ يجْتَمع فِيهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ، ويجتمع أهل السَّمَوَات وَأهل الأَرْض.
وَقَوله: ﴿ذَلِك يَوْم التغابن﴾ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هُوَ اسْم ليَوْم الْقِيَامَة.
وَفِي التغابن مَعْنيانِ: أَحدهمَا: أَن أهل الْحق يغبنون أهل الْبَاطِل، وَأهل الْإِيمَان يغبنون أهل الْكفْر.
﴿وَمن يُؤمن بِاللَّه وَيعْمل صَالحا يكفر عَنهُ سيئاته ويدخله جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم (9) وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار خَالِدين فِيهَا وَبئسَ الْمصير (10) مَا أصَاب من مُصِيبَة إِلَّا بِإِذن الله وَمن﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الله تَعَالَى سمى لكل أحد من خلقه منزلا فِي النَّار ومنزلا فِي الْجنَّة، فَمن كَانَ مُؤمنا يَرث منزلَة الْكَافِر فِي الْجنَّة، وَمن كَانَ كَافِرًا يَرث منزل الْمُؤمن فِي النَّار، وَهُوَ معنى التغابن يَوْم الْقِيَامَة.
وَعَن بَعضهم: أَن الْغبن هُوَ أَخذ الشَّيْء بِدُونِ قِيمَته، فبالتفاوت الَّذِي يَقع بَين الْقيمَة وَمَا دونهَا يحصل التغابن، فالمؤمنون لما عمِلُوا للجنة وللنعيم الْبَاقِي فقد غبنوا أهل النَّار، وَالْكفَّار لما اخْتَارُوا النَّعيم الْمُنْقَطع على النَّعيم الْبَاقِي، وَالدَّار الَّتِي تفنى على الدَّار الَّتِي لَا تفنى؛ فقد غبنوا.
قَالَ زيد بن عَليّ: غبنوا أنفسهم.
والغبن هَاهُنَا يَعْنِي الخسران فِي (غير) هَذَا الْموضع.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمن يُؤمن بِاللَّه وَيعْمل صَالحا يكفر عَنهُ سيئاته ويدخله جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار خَالِدين فِيهَا وَبئسَ الْمصير﴾ أَي: الْمرجع والمنقلب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة إِلَّا بِإِذن الله﴾ أَي: بِعِلْمِهِ وقضائه وَتَقْدِيره.
وَقَوله: ﴿وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه﴾ قَالَ عَلْقَمَة: وَمن يُؤمن بِاللَّه فِي الْمُصِيبَة أَي: يعلم أَنَّهَا من الله يهد قلبه للاسترجاع وَالتَّسْلِيم لأمر الله تَعَالَى.
وَمثله عَن سعيد بن جُبَير.
وَعَن بَعضهم: يهد قلبه أَي: للصبر إِذا ابْتُلِيَ، وللشكر إِذا انْعمْ عَلَيْهِ، وللعفو إِذا [ظلم] وَقَالَ عِكْرِمَة: يهد قلبه لليقين، فَيعلم أَن مَا أخطأه لم يكن ليصيبه، وَأَن مَا أَصَابَهُ لم يكن ليخطئه.
وَذكر الْأَزْهَرِي فِي كِتَابه أَن معنى قَوْله: ﴿يهد قلبه﴾ أَي: يَجعله مهتديا، وَقد أيد هَذَا القَوْل مَا حُكيَ عَن ابْن جريج أَنه قَالَ: من عرف الله فَهُوَ مهتدي الْقلب.
﴿يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه وَالله بِكُل شَيْء عليم (11) وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول فَإِن توليتم فَإِنَّمَا على رَسُولنَا الْبَلَاغ الْمُبين (12) الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ (13) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن من أزواجكم وَأَوْلَادكُمْ عدوا لكم فاحذروهم وَإِن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فَإِن الله غَفُور رَحِيم (14) إِنَّمَا أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة﴾ وَقَوله: ﴿وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول فَإِن توليتم فَإِنَّمَا على رَسُولنَا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ أَي: الْبَين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن من أزواجكم وَأَوْلَادكُمْ عدوا لكم فاحذروهم﴾ أَي: أَعدَاء لكم فاحذروهم.
قَالَ ابْن عَبَّاس: نزلت الْآيَة فِي قوم أَسْلمُوا بِمَكَّة، وَكَانُوا يُرِيدُونَ أَن يهاجروا إِلَى الْمَدِينَة فيمنعهم أَوْلَادهم وَأَهْلُوهُمْ وَيَقُولُونَ: فارقتمونا بدينكم فَلَا تفارقونا بِأَنْفُسِكُمْ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَعَن مُجَاهِد قَالَ: نزلت الْآيَة فِي عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ، وَكَانَ قد لَقِي جفَاء من أَهله وَولده.
وَقَوله: ﴿وَإِن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: لما تخلف هَؤُلَاءِ بِسَبَب أَهْليهمْ ثمَّ هَاجرُوا من بعد فَرَأَوْا قوما قد أَسْلمُوا من قَومهمْ، وتقدموا فِي الْهِجْرَة وتفقهوا فِي الدّين، حزنوا لذَلِك حزنا شَدِيدا، وهموا أَن يعاقبوا أَهْليهمْ وبنيهم ويتركوا الْإِنْفَاق عَلَيْهِم، فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿وَإِن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة﴾ أَي: بلَاء ومحنة، وَمعنى الْبلَاء والمحنة من الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد أَنه يشْتَغل بهم عَن طَاعَة الله تَعَالَى، ويحمله طلب المَال ورضا الْأَوْلَاد على مَعْصِيّة الله تَعَالَى.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الْوَلَد مَبْخَلَة مَجْبَنَة مَحْزَنَة مجهلَة ". وَمَعْنَاهُ: أَنه يحمل على الْبُخْل والجبن والحزن
﴿وَا لله عِنْده أجر عَظِيم (15) فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم واسمعوا وَأَطيعُوا وأنفقوا خيرا﴾ وَالْجهل.
وَعَن عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: من اتخذ أَهلا ومالا وَولدا كَانَ للدنيا عبدا.
وروى عبد الله بن بُرَيْدَة [عَن أَبِيه] " أَن النَّبِي كَانَ يخْطب فَدخل الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله عَنْهُمَا وَعَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثرَانِ فِي ذَلِك، فَنزل النَّبِي عَن الْمِنْبَر وحملهما وَوَضعهمَا بَين يَدَيْهِ، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة﴾ ثمَّ قَالَ: رَأَيْت هذَيْن الصَّبِيَّيْنِ يَعْثرَانِ فِي قميصهما، فَمَا ملكت نَفسِي حَتَّى نزلت وحملتهما ".
وأنشدوا فِي لفظ الْفِتْنَة لبَعْضهِم:
(قد فتن النَّاس فِي دينهم ... وخلى ابْن عُثْمَان شرا طَويلا)
يَعْنِي: قد ابْتُلِيَ النَّاس.
وَقَوله: ﴿وَالله عِنْده أجر عَظِيم﴾ أَي: كثير.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ قَالَ ربيع بن أنس: بجهدكم وطاقتكم.
وروى معمر، عَن قَتَادَة أَن هَذِه الْآيَة نسخت قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ وَمثل هَذَا عَن جمَاعَة من التَّابِعين.
وَقَالَ جمَاعَة من أهل الْعلم: الأولى أَن يُقَال: هَذِه الْآيَة رخصَة وَلَيْسَت بناسخة.
وَذكر الْقفال أَن هَذِه الْآيَة مبينَة لقَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ لِأَن الله تَعَالَى لَا يُكَلف نفسا إِلَّا وسعهَا.
وَذكر مثل ذَلِك على ابْن عِيسَى وَغَيره.
﴿لأنفسكم وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون (16) إِن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم وَيغْفر لكم وَالله شكور حَلِيم (17) ﴾ وَالْمُخْتَار مَا عَلَيْهِ السّلف، وَهُوَ القَوْل الأول.
وَقد ذكرنَا عَن ابْن مَسْعُود فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ هُوَ أَن يطاع فَلَا يعْصى، وَيذكر وَلَا ينسى، ويشكر فَلَا يكفر.
وَقَوله: ﴿واسمعوا وَأَطيعُوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم﴾ نصب قَوْله: ﴿خيرا﴾ على تَقْدِير: اتَّقوا فِي الْإِنْفَاق خيرا.
وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿انْتَهوا خيرا لكم﴾ .
وَقَوله: ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه﴾ أَي: بخل نَفسه، وَيُقَال: الشُّح هُوَ منع حُقُوق الله الْوَاجِبَة.
وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: الشُّح هَاهُنَا هُوَ الظُّلم دون الْبُخْل؛ لِأَن الله تَعَالَى قد قَالَ: ﴿وَمن يبخل فَإِنَّمَا يبخل عَن نَفسه﴾ .
وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن تقرضوا الله قرضا حسنا﴾ قَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ: هُوَ الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله.
وَيُقَال: هُوَ جَمِيع حُقُوق المَال، وَسمي ذَلِك قرضا؛ لِأَن الله تَعَالَى يثيبهم عَلَيْهِ ويعطيهم عوضه، فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْقَرْض.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَن الْإِقْرَاض هَاهُنَا هُوَ قَول الْقَائِل: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر.
وَذكر الْقفال: أَن بعض السّلف كَانَ إِذا سمع سَائِلًا يَقُول: من يقْرض الله قرضا حسنا يَقُول: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر.
وَأما قَوْله: ﴿حسنا﴾ أَي: طيبَة بهَا أَنفسكُم.
وَيُقَال: من خِيَار المَال لَا من رذاله.
وَقَوله: ﴿يضاعفه لكم﴾ أَي: يَجْعَل الْوَاحِد عشرا.
وَيُقَال: يُضَاعف لَا إِلَى عدد مَعْلُوم.
وَقَوله: ﴿وَيغْفر لكم وَالله شكور حَلِيم﴾ الشُّكْر من الله هُوَ جَزَاؤُهُ الْمُحْسِنِينَ جَزَاء
﴿عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْعَزِيز الْحَكِيم (18) ﴾ من يشكرهم على إحسانهم.
وَيُقَال: الشُّكْر من الله هُوَ الْعَفو عَن السَّيِّئَات وَقبُول الْحَسَنَات.
وَيُقَال: هُوَ الْعَفو عَن الْكثير وَقبُول الْقَلِيل.
وَقَوله: ﴿حَلِيم﴾ مَعْنَاهُ: إمهال الْعباد وَترك معالجتهم بالعقوبة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن لعدتهن﴾ تَفْسِير سُورَة الطَّلَاق
وَهِي مَدَنِيَّة فِي قَول الْجَمِيع
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ فَإِن قيل: كَيفَ خَاطب النَّبِي وَحده فِي الِابْتِدَاء ثمَّ قَالَ: ﴿إِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ ؟ وَالْجَوَاب من أوجه: أَحدهَا: أَن خطاب النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام خطاب لأمته، مثل خطاب الرئيس يكون خطابا للأتباع وَكَأَنَّهُ قَالَ: يَا أَيهَا النَّبِي والمؤمنون إِذا طلّقْتُم النِّسَاء.
وَالْجَوَاب الثَّانِي أَن قَوْله: ﴿إِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ على تَحْويل الْخطاب إِلَى الْغَيْر مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم برِيح طيبَة وفرحوا بهَا.
.﴾ .
وَالْجَوَاب الثَّالِث: أَن فِيهِ تَقْدِير مَحْذُوف، وَتَقْدِيره: يَا أَيهَا النَّبِي قل للْمُؤْمِنين إِذا طلّقْتُم النِّسَاء.
وروى قَتَادَة عَن أنس أَن النَّبِي طلق حَفْصَة، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: يَقُول لَك رَبك: رَاجعهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَة قَوَّامَة، وَهِي من أَزوَاجك فِي الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ مَعْنَاهُ: لزمان عدتهن وَهُوَ الطُّهْر، وَفِيه دَلِيل على أَن الْأَقْرَاء الَّتِي تنقض بهَا الْعدة هِيَ الْأَطْهَار، وَهَذَا قَول أهل الْحجاز.
وَأما من قَالَ: إِن الْأَقْرَاء هِيَ الْحيض، قَالَ معنى قَوْله: ﴿لعدتهن﴾ أَي: ليعتددن مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا﴾ أَي: ليحزنوا، ذكره النّحاس، وَقَرَأَ فِي الشاذ: " فطلقوهن لقبل عدتهن " وَقيل: إِنَّهَا قِرَاءَة النَّبِي، فَمن قَالَ: إِن الْأَقْرَاء هِيَ الْحيض اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْقِرَاءَة، لِأَن هَذِه اللَّفْظَة تَقْتَضِي أَن يكون زمَان
قبل
﴿وأحصوا الْعدة وَاتَّقوا الله ربكُم﴾ زمَان الْعدة، وَأَن زمَان الْعدة يتعقب زمَان الطَّلَاق.
وَأما من قَالَ: بِأَن الْأَقْرَاء هن الْأَطْهَار، قَالَ فَمَعْنَى قَوْله: " لقبل عدتهن " أَي: لوجه عدتهن؛ فَإِن قيل: إِن قبل الشَّيْء وَجهه، وَالْمرَاد فِي أول زمَان الطُّهْر، فَإِن قيل: أول زمَان الطُّهْر وَآخره وَاحِد فِي الطَّلَاق؛ فَلَيْسَ الْمَعْنى إِلَّا مَا ذكرنَا.
قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِك، بل الأولى أَن يُطلق فِي أول زمَان الطُّهْر إِذا أَرَادَ الطَّلَاق؛ لِأَنَّهُ إِذا أخر لم يَأْمَن أَن يُجَامِعهَا ثمَّ يُطلق، فَيكون قد طلق طَلَاق الْبِدْعَة.
وَقد رُوِيَ عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَغَيره من التَّابِعين معنى قَوْله: ﴿لعدتهن﴾ أَي: طَاهِرا من غير جماع.
وَقد ثَبت هَذَا اللَّفْظ عَن النَّبِي بِرِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر أَنه طلق امْرَأَته فِي حَال الْحيض، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: " رَاجعهَا ثمَّ أمْسكهَا حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر ثمَّ إِن شِئْت طَلقهَا طَاهِرا من غير جماع ". وَتلك الْعدة الَّتِي أَمر الله تَعَالَى أَن يُطلق لَهَا النِّسَاء.
وَفِي رِوَايَة: أَنه قَالَ لعمر: " مره فَلْيُرَاجِعهَا ". وَفِي رِوَايَة " ثمَّ إِذا طهرت إِن شَاءَ طَلقهَا طَاهِرا من غير جماع " وَلم يذكر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر.
وَعَن أنس [و] ابْن سِيرِين أَنه قَالَ لِابْنِ عمر: " احتسبت بِتِلْكَ الطَّلقَة؟ قَالَ: نعم.
(وَفِي رِوَايَة: خَمْسَة) . وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة: قَالَ: نعم وَإِن عجزت واستحمقت.
وَقَوله: ﴿وأحصوا الْعدة﴾ هَذَا خطاب للأزواج، أَمرهم أَن يحصوا الْعدة ليعرفوا زمَان الرّجْعَة وَمُدَّة انقطاعها.
وَيُقَال: ليعرفوا مُدَّة الْإِنْفَاق عَلَيْهِنَّ.
وَقَوله: ﴿وَاتَّقوا الله ربكُم﴾ يَعْنِي: طلقوا للسّنة، وَلَا تطلقوا للبدعة.
وَيُقَال: اتَّقوا ربكُم فِي ترك إخراجهن من الْبيُوت، وَأما صفة طَلَاق السّنة فَهُوَ من حَيْثُ الْوَقْت أَن
﴿لَا تخرجوهن من بُيُوتهنَّ وَلَا يخْرجن إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة﴾ يطلقهَا طَاهِرا من غير جماع، وَأما من حَيْثُ الْعدة، فمذهب مَالك وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَكثير من الْعلمَاء أَنه يكره الطَّلَاق ثَلَاثًا جملَة، وَالسّنة أَن يطلقهَا وَاحِدَة وَيَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا، هَذِه هُوَ الأولى، قَالَه مَالك.
وَإِن أَرَادَ أَن يُطلق ثَلَاثًا فرق على الْأَطْهَار، فيطلق لكل طهر طَلْقَة، وَأما مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله أَنه لَيْسَ فِي الْجمع والتفريق سنة وَلَا بِدعَة.
وَقد ذكر الْأَصْحَاب الأولى أَن يُطلق وَاحِدَة وَإِن لم يكره الْجمع بَين الثَّلَاث، قَالُوا: وَهُوَ الْمَذْهَب.
وَفِي الْآيَة دَلِيل (الشَّافِعِي) على قَوْله؛ لِأَن الله تَعَالَى أَبَاحَ الطَّلَاق بقوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ مُطلقًا وَلم يفرق بَين أَن يُطلق وَاحِدَة أَو أَكثر مِنْهَا، وَلِأَن الله تَعَالَى بَين وَقت الطَّلَاق وَلم يبين عدده، وَالْآيَة وَردت لبَيَان الْمسنون من الطَّلَاق، فَلَو كَانَ فِي عدد الطَّلَاق سنة لم يُؤَخر بَيَانهَا.
وَقَوله: ﴿لَا تخرجوهن من بُيُوتهنَّ﴾ أَي: فِي زمَان الْعدة، وَنسب الْبيُوت إلَيْهِنَّ لأجل السُّكْنَى.
وَقَوله: ﴿وَلَا يخْرجن﴾ أَي: لَا يخْرجن بِأَنْفُسِهِنَّ.
وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة﴾ اخْتلف القَوْل فِي معنى الْفَاحِشَة هَاهُنَا، فأظهر الْأَقَاوِيل: أَنَّهَا الزِّنَا، وَهَذَا قَول ابْن مَسْعُود وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ قَول الْحسن وَالشعْبِيّ وَعِكْرِمَة و (حَمَّاد بن أبي سَلمَة) وَاللَّيْث وَجَمَاعَة كَثِيرَة، وَالْمرَاد من الْآيَة على هَذَا إِلَّا أَن تَزني فَتخرج لإِقَامَة الْحَد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْفَاحِشَة هِيَ أَن تبذو على أَهلهَا، قَالَه ابْن عَبَّاس فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَيُقَال فِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب: " إِلَّا أَن يفحشن " وَهَذِه الْقِرَاءَة تقَوِّي هَذَا القَوْل.
وَرُوِيَ عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت لفاطمة بنت قيس: اتقِي الله فَإنَّك تعلمين أَن
﴿وَتلك حُدُود الله وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا (1) فَإِذا بلغن أَجلهنَّ فأمسكوهن بِمَعْرُوف أَو فارقوهن﴾ الرَّسُول أخرجك، يَعْنِي: من بَيت زَوجهَا، وَكَانَت تبذو بلسانها.
وَالْقَوْل الثَّالِث مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: الْفَاحِشَة نفس الْخُرُوج.
وَهُوَ محكي عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ.
فعلى هَذَا تَقْدِير الْآيَة إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة بخروجهن.
وَقَالَ بَعضهم: الْفَاحِشَة هَاهُنَا جَمِيع الْمعاصِي.
وَأولى الْأَقَاوِيل هُوَ الأول لِكَثْرَة من قَالَ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مُوَافق لقَوْله: ﴿واللاتي يَأْتِين الْفَاحِشَة﴾ وَأَجْمعُوا على أَن المُرَاد بِهِ الزِّنَا.
وَقَوله: ﴿وَتلك حُدُود الله﴾ قَالَ السدى: هِيَ شُرُوط الله.
وَيُقَال: شرع الله، وَقيل: أمره وَنَهْيه.
وَقَوله: ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ أَي: أهلك نَفسه وأوبقها.
وَقَوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا﴾ القَوْل الْمَعْرُوف فِي هَذَا أَنه الرَّغْبَة فِي الْمُرَاجَعَة، وَفِيه دَلِيل على أَن المُرَاد بقوله: ﴿فطلقوهن﴾ فِي ابْتِدَاء الْآيَة هُوَ الطَّلقَة والطلقتان دون الثَّلَاثَة، وَيُقَال: إِن المُرَاد مِنْهُ الْوَاحِدَة وَالثَّلَاث جَمِيعًا.
قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا﴾ قَالَ: هُوَ النّسخ؛ وَمَعْنَاهُ: لَعَلَّ الله ينْسَخ هَذَا الحكم وَيَرْفَعهُ.
وَقيل: هُوَ الرَّغْبَة فِي ابْتِدَاء النِّكَاح بعد زوج آخر.
وَقَوله: ﴿فَإِذا بلغن أَجلهنَّ﴾ أَي: قاربن بُلُوغ أَجلهنَّ، وَهُوَ انْقِضَاء الْعدة.
وَقَوله: ﴿فأمسكوهن بِمَعْرُوف﴾ أَي: راجعوهن بِمَعْرُوف، وَمَعْنَاهُ: على أَمر الله تَعَالَى.
وَيُقَال: الْمَعْرُوف هَاهُنَا: هُوَ أَن يُرَاجِعهَا ليمسكها لَا أَن يُرَاجِعهَا فيطلقها، فَيطول الْعدة عَلَيْهَا على مَا كَانَ يَفْعَله أهل الْجَاهِلِيَّة.
وَقَوله: ﴿أَو فارقوهن بِمَعْرُوف﴾ مَعْنَاهُ: أَن يَتْرُكهَا لتنقضي الْعدة فَتَقَع الْفرْقَة.
وَالْمَعْرُوف: هُوَ مَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ من إِيصَال حَقّهَا إِلَيْهَا من السُّكْنَى وَالنَّفقَة فِي
﴿بِمَعْرُوف وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم وَأقِيمُوا الشَّهَادَة لله ذَلِكُم يوعظ بِهِ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا (2) وَيَرْزقهُ من﴾ مَوضِع الْوُجُوب، وَيُقَال: بِمَعْرُوف أَي: من غير قصد مضارة.
قَوْله: ﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الْإِشْهَاد وَاجِب فِي الطَّلَاق وَالرَّجْعَة بِظَاهِر الْآيَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْإِشْهَاد يجب فِي الرّجْعَة وَلَا يجب فِي الْمُفَارقَة وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ قَول طَاوس من التَّابِعين.
وَالْقَوْل (الثَّانِي) : أَنه ينْدب إِلَى الْإِشْهَاد فِي الرّجْعَة، وَلَا يجب، وَعَلِيهِ أَكثر أهل الْعلم، وَهُوَ قَول آخر الشَّافِعِي رَحمَه الله عَلَيْهِ.
وَأما الْعدْل هُوَ مُسْتَقِيم الْحَال فِي معاملات الشَّرْع وأوامره.
وَقَالَ مَنْصُور: سَأَلت إِبْرَاهِيم عَن الْعدْل فَقَالَ: هُوَ الَّذِي لم يظْهر فِيهِ رِيبَة.
وَقَوله: ﴿وَأقِيمُوا الشَّهَادَة لله﴾ هُوَ خطاب للشهداء بأَدَاء الشَّهَادَات على وجوهها.
وَقَوله: ﴿ذَلِكُم يوعظ بِهِ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾
وَقَوله: ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: من كل أَمر ضَاقَ على النَّاس.
وَعنهُ قَالَ: إِذا اتَّقى الله فِي الطَّلَاق على وَجه السّنة بِأَن طلق وَاحِدَة، جعل لَهُ مخرجا مِنْهُ فِي جَوَاز الرّجْعَة وَرُوِيَ أَن رجلا أَتَاهُ وَقَالَ: إِن عمي طلق امْرَأَته ثَلَاثًا فَهَل لَهُ مخرج؟ فَقَالَ: إِن عمك عصى الله فأثم، وأطاع الشَّيْطَان فَلم يَجْعَل لَهُ مخرجا.
وَفِي بعض الْأَخْبَار بِرِوَايَة ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي قَالَ فِي قَوْله: " ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا﴾ قَالَ: " من غموم الدُّنْيَا وغمرات الْمَوْت وشدائد الْآخِرَة ".