تفسير السمعانيصفحات 336-351
أهل الأثرالأرشيف العلمي

البقرة

صفحات 336-351
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَكِن الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه جاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُم الْخيرَات﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الْخيرَات: هِيَ الْغَنَائِم، وَالْآخر: أَن الْخيرَات: هِيَ الْحور فِي الْجنَّة، وواحدتها: خيرة؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ خيرات حسان﴾ يَعْنِي: الْحور.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْخيرَات لَا يعلم مَعْنَاهَا إِلَّا الله.
حُكيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَمثل هَذَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أخْفى لَهُم من قُرَّة أعين﴾ . ﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ قد بَينا الْمَعْنى.

﴿فِيهَا ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم (89) وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب ليؤذن لَهُم وَقعد الَّذين كذبُوا الله وَرَسُوله سيصيب الَّذين كفرُوا مِنْهُم عَذَاب أَلِيم (90) لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى وَلَا على الَّذين لَا يَجدونَ مَا يُنْفقُونَ حرج إِذا نصحوا﴾

ثمَّ قَالَ: ﴿أعد الله لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم﴾ وَمَعْنَاهُ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب ليؤذن لَهُم﴾ قرىء بقراءتين " المعذرون " و " المعذرون "؛ وَفِي المعذرين قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المعذرين هم المعتذرون، أدغمت التَّاء فِي الذَّال.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المعذرين: هم المقصرون، والتعذير فِي اللُّغَة: هُوَ التَّقْصِير.
وَأما المعذرون: فهم الَّذين بالغوا فِي الْعذر، يُقَال فِي الْمثل: لقد أعذر من أنذر.
يَعْنِي: بَالغ فِي إِظْهَار الْعذر من قدّم فِي النذارة، قَالَ لبيد شعرًا: (إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا ... وَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذر) يَعْنِي: بَالغ فِي الْعذر.
وَاعْلَم أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْمُنَافِقين، وَقد اعتذروا وَلم يكن لَهُم عذر.
وَأما الْأَعْرَاب: هم الَّذين يسكنون الْبَادِيَة، والعربي: اسْم لمن لَهُ نسب من الْعَرَب.
وَقَوله: ﴿وَقعد الَّذين كذبُوا الله وَرَسُوله﴾ هَذَا فِي الْمُنَافِقين؛ وَمعنى ﴿كذبُوا الله وَرَسُوله﴾ يَعْنِي: لم يَأْتُوا بِعُذْر صَادِق، ثمَّ قَالَ: ﴿سيصيب الَّذين كفرُوا مِنْهُم عَذَاب أَلِيم﴾ وَمَعْنَاهُ مَعْلُوم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى﴾ اخْتلفُوا فِي الضُّعَفَاء، قَالَ بَعضهم: هم المجانين، والضعف: نُقْصَان عُقُولهمْ.
وَقَالَ بَعضهم: هم الصّبيان.
وَقَالَ بَعضهم: هم النسوان.
وَأما المرضى: فمعلوم.
وَقَوله: ﴿وَلَا على الَّذين لَا يَجدونَ مَا يُنْفقُونَ حرج﴾ الَّذين لَا يَجدونَ: هم الْفُقَرَاء، والحرج: الضّيق.
وَقَوله: {إِذا نصحوا

﴿لله وَرَسُوله مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل وَالله غَفُور رَحِيم (91) وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم قلت لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ توَلّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أَلا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يَسْتَأْذِنُونَك وهم أَغْنِيَاء رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف وطبع الله على قُلُوبهم فهم لَا يعلمُونَ (93) ﴾ لله وَرَسُوله) يَعْنِي: أَخْلصُوا الْعَمَل لله وَلِرَسُولِهِ، وإخلاص الْعَمَل لله بِالْعبَادَة، وَلِلرَّسُولِ بالمتابعة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل﴾ مَعْنَاهُ: لَيْسَ على من أحسن بالإخلاص سَبِيل، والسبيل: هُوَ الْعقُوبَة ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ . وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ: " وَالله لأهل الْإِسَاءَة غَفُور رَحِيم ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم﴾ مَعْنَاهُ: لَا سَبِيل على الْأَوَّلين وَلَا على هَؤُلَاءِ، قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: نزلت الْآيَة فِي سَبْعَة نفر، مِنْهُم عبد الله بن الْمُغَفَّل الْمُزنِيّ، والعرباض بن سَارِيَة، وَأَبُو (ليلى) عبد الرَّحْمَن بن كَعْب، سموا البكائين.
وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ هَذَا فِي أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأَصْحَابه.
وَاخْتلف القَوْل فِي قَوْله: ﴿لتحملهم﴾ أحد الْقَوْلَيْنِ - وَهُوَ الْمَعْرُوف -: أَنهم طلبُوا الْإِبِل ليركبوها.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم طلبُوا النِّعَال.
هَذَا قَول الْحسن بن صَالح.
وَقَوله: ﴿قلت لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ توَلّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أَلا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن النَّبِي قَالَ: " لَا يزَال أحدكُم رَاكِبًا مادام متنعلا ".

ثمَّ قَالَ ﴿إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يَسْتَأْذِنُونَك وهم أَغْنِيَاء رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف﴾ الْخَوَالِف: النِّسَاء وَالصبيان؛ يُقَال: خَالف وخوالف، كَمَا يُقَال: فَارس وفوارس، وهالك وهوالك.
﴿طبع الله على قُلُوبهم فهم لَا يعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم إِذا رجعتم إِلَيْهِم قل لَا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله ثمَّ تردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (94) سيحلفون بِاللَّه لكم إِذا انقلبتم إِلَيْهِم لتعرضوا عَنْهُم فأعرضوا عَنْهُم إِنَّهُم رِجْس ومأواهم جَهَنَّم جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يحلفُونَ لكم لترضوا عَنْهُم فَإِن ترضوا عَنْهُم فَإِن الله لَا يرضى عَن الْقَوْم الْفَاسِقين﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم إِذا رجعتم إِلَيْهِم﴾ رُوِيَ أَن الْمُنَافِقين الَّذين تخلفوا كَانُوا بضعَة وَثَمَانِينَ نَفرا، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُول الله من غَزْوَة تَبُوك جَاءُوا يَعْتَذِرُونَ، فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم هَذِه الْآيَة ﴿قل لاتعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم﴾ يَعْنِي: فِيمَا سلف ﴿وسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله﴾ يَعْنِي: فِي المستأنف ﴿ثمَّ تردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ .

ثمَّ قَالَ فِي شَأْنهمْ: ﴿سيحلفون بِاللَّه لكم إِذا انقلبتم إِلَيْهِم لتعرضوا عَنْهُم﴾ الانقلاب: هُوَ الرُّجُوع إِلَى الْمَكَان الَّذِي خَرجُوا مِنْهُ ﴿فأعرضوا عَنْهُم إِنَّهُم رِجْس﴾ الرجس: هُوَ النتن والقذر ﴿ومأواهم جَهَنَّم جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ فِي الْآيَة: ﴿سيحلفون بِاللَّه لكم إِذا انقلبتم إِلَيْهِم لتعرضوا عَنْهُم﴾ إِذا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ مُقْبِلين عَلَيْهِم حَتَّى يَقُول: ﴿لتعرضوا عَنْهُم﴾ ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: ذكر الْأَزْهَرِي فِي كِتَابه " التَّقْرِيب " معنى الْآيَة: سيحلفون بِاللَّه لكم لإعراضكم عَنْهُم لتقبلوا عَلَيْهِم؛ فأعرضوا عَنْهُم.

ثمَّ قَالَ: ﴿يحلفُونَ لكم لترضوا عَنْهُم﴾ الرِّضَا ضد الْكَرَاهَة ﴿فَإِن ترضوا عَنْهُم فَإِن الله لَا يرضى عَن الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ . وَفِي الْقِصَّة: " أَن أَبَا خَيْثَمَة رجل من أَصْحَاب رَسُول الله كَانَ قد تخلف، وَكَانَت لَهُ امْرَأَتَانِ، فَذهب إِلَيْهِمَا وَقد هيأت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا طَعَاما، وَبَردت شرابًا وَبسطت لَهُ فِي الظل، فَنظر إِلَى ذَلِك وَقَالَ: رَسُول الله فِي الضح وَالذّبْح، وَأَبُو خَيْثَمَة فِي الظل! مَا هَذَا بِنصْف، ثمَّ ركب نَاقَته وَاتبع رَسُول الله، فَأدْرك النَّبِي وَقد نزل

( ﴿96) الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقا وأجدر أَلا يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله وَالله عليم حَكِيم (97) وَمن الْأَعْرَاب من يتَّخذ مَا ينْفق مغرما ويتربص بكم﴾ بتبوك، فَقَالَ النَّاس: يَا رَسُول الله، هَذَا رَاكب قد أقبل، فَقَالَ رَسُول الله: كن أَبَا خَيْثَمَة فَقَالَ النَّاس: هُوَ أَبُو خَيْثَمَة ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقا وأجدر أَلا يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله﴾ معنى أَجْدَر: أخلق وَأَحْرَى أَن لَا يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله ﴿على رَسُوله﴾ وَهَذَا لبعدهم من سَماع الْقُرْآن وَمَعْرِفَة السّنَن.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أهل الكفور هم أهل الْقُبُور ". وَفِي آثَار التَّابِعين عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: أَن أَعْرَابِيًا جلس عِنْد زيد بن صوحان - وَكَانَت شِمَاله أُصِيبَت يَوْم نهاوند فِي حَرْب الْعَجم - فَجعل يكلمهُ وَيذكر لَهُ الْعلم، فَقَالَ لَهُ الْأَعرَابِي: إِنَّه ليؤنسني علمك وتريبني يدك، فَقَالَ لَهُ زيد: وَمَا يريبك مني وَإِنَّهَا الشمَال؟ فَقَالَ الْأَعرَابِي: إِنِّي مَا أَدْرِي الشمَال تقطع أم الْيَمين؟ فَقَالَ زيد بن صوحان: صدق الله تَعَالَى: ﴿الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقا﴾ . وَزيد بن صوحان من كبار التَّابِعين، وَهُوَ الَّذِي ذكر رَسُول الله فِي شَأْنه أَن يَده تسبقه إِلَى الْجنَّة.
﴿وَالله سميع عليم﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن الْأَعْرَاب من يتَّخذ مَا ينْفق مغرما﴾ المغرم: الْتِزَام مَا لَا يلْزم، قَالَ الشَّاعِر: (فمالك مسلوب العدا كَأَنَّمَا ترى ... هجر ليلى مغرما أَنْت غارمه) قَوْله: ﴿ويتربص بكم الدَّوَائِر﴾ أَي: ينْتَظر بكم الدَّوَائِر، والدوائر: جمع الدائرة،

﴿الدَّوَائِر عَلَيْهِم دَائِرَة السوء وَالله سميع عليم (98) وَمن الْأَعْرَاب من يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ويتخذ مَا ينْفق قربات عِنْد الله وصلوات الرَّسُول أَلا إِنَّهَا قربَة لَهُم سيدخلهم الله فِي رَحمته إِن الله غَفُور رَحِيم (99) وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من﴾ والدائرة: انْتِقَال المحبوب إِلَى الْمَكْرُوه، وَقيل: الدَّوَائِر: صروف الدَّهْر.
ثمَّ قَالَ: ﴿عَلَيْهِم دَائِرَة السوء﴾ وقرىء: " دَائِرَة السوء " وَمَعْنَاهُ: أَن الْمَكْرُوه الْعَظِيم مَا يلحقهم.
وَقَوله: ﴿وَالله سميع عليم﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن الْأَعْرَاب من يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم ﴿ويتخذ مَا ينْفق قربات عِنْد الله وصلوات الرَّسُول﴾ القربات جمع الْقرْبَة، والصلوات جمع الصَّلَاة؛ وَمعنى القربات: أَنه يطْلب الْقرْبَة إِلَى الله تَعَالَى، وَمعنى الصَّلَوَات: أَنه يطْلب الدُّعَاء من رَسُول الله.
وَاعْلَم أَن الصَّلَاة من الله الرَّحْمَة، وَمن الْمُؤمنِينَ الدُّعَاء، وَمن الْمَلَائِكَة الاسْتِغْفَار، قَالَ الْأَعْشَى: (تَقول بِنْتي وَقد قربت مرتحلا ... يَا رب جنب أَبى الأوصاب والوجعا) (عَلَيْك مثل الَّذِي صليت فاغتمضي ... عينا فَإِن لجنب الْمَرْء مُضْطَجعا) ثمَّ قَالَ: ﴿أَلا إِنَّهَا قربَة لَهُم سيدخلهم الله فِي رَحمته﴾ أَي: فِي جنته ﴿إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ مَعْلُوم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار﴾ هَذِه الْآيَة فِي السَّابِقين الْأَوَّلين، وَفِيهِمْ أَقْوَال: أَحدهَا: قَول سعيد بن الْمسيب وَابْن سِيرِين وَجَمَاعَة، أَنهم قَالُوا: هم الَّذين صلوا إِلَى الْقبْلَتَيْنِ.

﴿الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ وَأعد﴾ وَقَالَ عَطاء: هم أهل بدر.
وَقَالَ الشّعبِيّ: هم أهل بيعَة الرضْوَان، وبيعة الرضْوَان كَانَت بِالْحُدَيْبِية.
وَالْقَوْل الرَّابِع: السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين: هم الَّذين أَسْلمُوا قبل الْهِجْرَة، وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْأَنْصَار: هم الَّذين بَايعُوا مَعَ رَسُول الله لَيْلَة الْعقبَة.
وَرُوِيَ عَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَرَأَ: " وَالْأَنْصَار " بِالرَّفْع.
وَفِي هَذِه الْقِرَاءَة السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين خَاصَّة.
وَالْمَعْرُوف " وَالْأَنْصَار " وَمَعْنَاهُ: وَمن الْأَنْصَار: والمهاجرين هم الَّذين هَاجرُوا من أوطانهم وَقدمُوا الْمَدِينَة مَعَ رَسُول الله، وَالْأَنْصَار هم أهل الْمَدِينَة الَّذين أنزلوا رَسُول الله والمهاجرين فِي دُورهمْ.
وَأما قَوْله: ﴿وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم بَقِيَّة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار سوى السَّابِقين الْأَوَّلين مِنْهُم.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم الْمُؤْمِنُونَ إِلَى قيام السَّاعَة.
وَعَن أبي صَخْر حميد بن زِيَاد قَالَ: أتيت مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ فَقلت لَهُ: مَا قَوْلك فِي أَصْحَاب رَسُول الله؟ فَقَالَ: جَمِيع أَصْحَاب رَسُول الله فِي الْجنَّة، مسيئهم ومحسنهم، فَقلت لَهُ: من أَيْن تَقول هَذَا؟ فَقَالَ: اقْرَأ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار﴾ إِلَى أَن قَالَ: ﴿رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ وَأعد لَهُم جنَّات﴾ ثمَّ قَالَ: شَرط للتابعين شريطة، وَهُوَ قَوْله: ﴿اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان﴾ وَمَعْنَاهُ: أَنهم اتَّبَعُوهُمْ فِي أفعالهم الْحَسَنَة دون السَّيئَة.
قَالَ أَبُو صَخْر: وَكَأَنِّي لم أَقرَأ هَذِه الْآيَة قطّ.
وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف بِرِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي قَالَ: " لَا تسبوا أَصْحَابِي؛ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم ملْء الأَرْض ذَهَبا لم يدْرك مد أحدهم

﴿لَهُم جنَّات تجْرِي تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم (100) وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم (101) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ وَلَا نصيفه " قَوْله: ﴿رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾ أَي: رَضِي الله عَنْهُم بطاعتهم ﴿وَرَضوا عَنهُ﴾ بثوابه، وَبَاقِي الْآيَة مَعْلُوم ﴿وَأعد لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: هم مزينة وجهينة وَأَشْجَع وغفار وَأسلم ﴿وَمن أهل الْمَدِينَة﴾ قوم من الْأَوْس والخزرج ﴿مَرَدُوا على النِّفَاق﴾ قَالَ الْفراء: مرنوا على النِّفَاق.
وَقَالَ ثَعْلَب: استنمروا على النِّفَاق.
وَفِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، كَأَنَّهُ قَالَ: وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ مَرَدُوا على النِّفَاق وَمن أهل الْمَدِينَة، هَكَذَا قَالَه أهل الْمعَانِي ﴿لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ﴾ هَذَا دَلِيل على أَن الرَّسُول لم يعلم جَمِيع الْمُنَافِقين.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا الفضيحة فِي الدُّنْيَا، وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة.
وَفِي الْخَبَر " أَن النَّبِي قَامَ خَطِيبًا على الْمِنْبَر، وَقَالَ: اخْرُج يَا فلَان، فَإنَّك مُنَافِق، اخْرُج يَا فلَان، فَإنَّك مُنَافِق " هَكَذَا حَتَّى أخرجهم جَمِيعًا من الْمَسْجِد.

﴿بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم إِن الله غَفُور﴾ وَالْقَوْل الثَّانِي: قو مُجَاهِد، وَهُوَ الْخَوْف فِي الدُّنْيَا، وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْعَذَاب الأول: هُوَ الْقَتْل، وَالْعَذَاب الثَّانِي: هُوَ عَذَاب الْقَبْر.
وَالرَّابِع: قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْعَذَاب الأول: هُوَ السَّبي، وَالْعَذَاب الثَّانِي: هُوَ الْقَتْل.
﴿ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم﴾ يَعْنِي: إِلَى جَهَنَّم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَة نزلت فِي قوم من الْمُؤمنِينَ تخلفوا عَن رَسُول الله بِغَيْر عذر، فيهم أَو لبَابَة بن عبد الْمُنْذر وَغَيره، فَلَمَّا قفل رَسُول الله من الْغَزْو، وَقرب من الْمَدِينَة جَاءُوا فربطوا أنفسهم بسوارى الْمَسْجِد وَقَالُوا: لَا نحل أَنْفُسنَا حَتَّى يَتُوب الله علينا، فَدخل رَسُول الله الْمَسْجِد، وَكَانَ من عَادَته أَنه كَانَ إِذا خرج إِلَى سفر صلى رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِد، ثمَّ يخرج، وَإِذا رَجَعَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يدْخل منزله، فَلَمَّا دخل الْمَسْجِد وَرَأى هَؤُلَاءِ النَّفر قد ربطوا أنفسهم بالسوارى سَأَلَ وَقَالَ: " مَا شَأْنهمْ؟ فَقيل: إِنَّهُم حلفوا أَلا يحلوا أنفسهم حَتَّى يَتُوب الله عَلَيْهِم، فَقَالَ رَسُول الله: وَإِنِّي أَحْلف أَن لَا أحلّهُم حَتَّى يقْضِي الله فيهم بأَمْره، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ". وَقَوله تَعَالَى: ﴿خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا﴾ الْعَمَل السيء هُوَ التَّخَلُّف عَن الْغَزْو بِلَا إِشْكَال، وَأما الْعَمَل الصَّالح فَفِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: ندامتهم وربطهم أنفسهم بالسوارى.
وَالثَّانِي: الْعَمَل الصَّالح: هُوَ غزواتهم مَعَ رَسُول الله من قبل.
وَفِي الْأَخْبَار، عَن سَمُرَة بن جُنْدُب أَن النَّبِي قَالَ: " أَتَانِي اللَّيْلَة آتيان فَانْطَلقَا بِي إِلَى مَدِينَة مَبْنِيَّة لبنة من الذَّهَب ولبنة من الْفضة، فتلقاني رجال شطر خلقهمْ كأحسن مَا أَنْت رَاء، وَشطر خلقهمْ كأقبح مَا أَنْت رَاء، فَقيل لَهُم: قعوا فِي ذَلِك

﴿رَحِيم (102) خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم وَالله سميع عليم (103) ﴾ النَّهر، فوقعوا فِي النَّهر، فَخَرجُوا وَقد ذهب عَنْهُم السوء، فَسَأَلت عَن أُولَئِكَ الْقَوْم، فَقيل لي: أما الْمَدِينَة فَهِيَ الْجنَّة، [وهذاك] مَنْزِلك، وَهَؤُلَاء الْقَوْم خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا؛ فَتَجَاوز الله عَنْهُم ". وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره: عَسى من الله وَاجِب.
فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة أَمر رَسُول الله أَن يحل أُولَئِكَ الْقَوْم من السوارى.
وَرُوِيَ عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ أَنه قَالَ: أرجي آيَة فِي الْقُرْآن هَذِه الْآيَة.
﴿إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لما تَابَ الله على أُولَئِكَ الْقَوْم جَاءُوا بِأَمْوَالِهِمْ إِلَى النَّبِي وَقَالُوا: خُذْهَا صَدَقَة لله، فَأبى أَن يَأْخُذهَا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿خُذ من أَمْوَالهم﴾ . وَقَوله: ﴿تطهرهُمْ﴾ أَي: من الذُّنُوب.
وَقَوله: ﴿وتزكيهم بهَا﴾ أَي: وترفعهم بهَا من منَازِل الْمُنَافِقين إِلَى منَازِل المخلصين ﴿وصل عَلَيْهِم﴾ وادع لَهُم ﴿إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ أَي: دعاؤك سكن لَهُم، أَي: سُكُون لَهُم، أَي: دعاؤك سكن لَهُم وطمأنينة وتثبيت.
وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: إِنَّه يجب على الإِمَام أَن يَدْعُو للَّذي جَاءَ بِالصَّدَقَةِ.
وَقَالَ بَعضهم: يسْتَحبّ، وَلَا يجب.
وَقَالَ بَعضهم: يجب فِي الْفَرْض وَيسْتَحب فِي النَّفْل.
وَقَالَ بَعضهم: يجب على الإِمَام أَن يَدْعُو للمعطي، وَيسْتَحب للْفَقِير أَن يَدْعُو.
وَمِنْهُم من قَالَ: إِن التمس الْمُعْطِي أَن يَدْعُو لَهُ يجب؛ وَإِلَّا فَلَا يجب.

﴿ألم يعلمُوا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَأْخُذ الصَّدقَات وَأَن الله هُوَ التواب الرَّحِيم (104) ﴾ وَقد ثَبت الْخَبَر بِرِوَايَة عبد الله بن أبي أوفى قَالَ: " كَانَ الرجل إِذا جَاءَ بِصَدَقَتِهِ إِلَى النَّبِي دَعَا لَهُ؛ فجَاء أبي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ النَّبِي: أللهم صل على آل أبي أوفى.
﴿وَالله سميع عليم﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يعلمُوا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده﴾ هَذَا ظَاهر.
وَقَوله: ﴿وَيَأْخُذ الصَّدقَات﴾ مَعْنَاهُ: يقبل الصَّدقَات.
وَقَالَ بعض أهل الْمعَانِي قَوْله: ﴿ألم يعلمُوا﴾ هُوَ بِمَعْنى الْأَمر؛ كَأَنَّهُ قَالَ: اعلموا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده.
وَفِي الْخَبَر الْمَشْهُور الْمَعْرُوف عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي قَالَ: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، مَا من عبد يتَصَدَّق بِصَدقَة من كسب طيب - وَلَا يقبل الله إِلَّا طيبا - إِلَّا أَخذهَا الله بِيَمِينِهِ فيربيها كَمَا يربى أحدكُم فلوه، حَتَّى إِن اللُّقْمَة تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة مثل أحد، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يعلمُوا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَأْخُذ الصَّدقَات﴾ ". وَالْخَبَر صَحِيح.
وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: إِن الصَّدَقَة تقع فِي يَد الله قبل أَن تقع فِي يَد الْفَقِير.
وَرُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي.
قَوْله: ﴿وَأَن الله هُوَ التواب الرَّحِيم﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون﴾ فِي الْآيَة

﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون وستردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (105) وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله إِمَّا يعذبهم﴾ معنى التهديد.
فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى رُؤْيَة الرَّسُول وَالْمُؤمنِينَ؟ قُلْنَا: رُؤْيَة الرَّسُول: هِيَ بإعلام الله إِيَّاه عَمَلهم، ورؤية الْمُؤمنِينَ: بإيقاع الْمحبَّة فِي قُلُوبهم لأهل الصّلاح، وإيقاع البغضة فِي قُلُوبهم لأهل الْفساد.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " لَو عمل الْمُؤمن فِي صَخْرَة لَيْسَ لَهَا بَاب [لأظهره] الله إِذا عمله ". قَوْله تَعَالَى: ﴿وستردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة ... .﴾ الْآيَة، مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله﴾ الإرجاء: التَّأْخِير، وَمَعْنَاهُ: مؤخرون لأمر الله، وَأمر الله تَعَالَى هُنَا: حكم الله.
وَالْآيَة نزلت فِي كَعْب بن مَالك، وهلال بن أُميَّة، ومرارة بن الرّبيع؛ وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة الَّذين تَأتي قصتهم من بعد.
وَقَوله ﴿إِمَّا يعذبهم وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم وَالله عليم حَكِيم﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا وَكفرا﴾ نزلت الْآيَة فِي قوم من الْمُنَافِقين مِنْهُم: وَدِيعَة بن ثَابت، وثعلبة بن حَاطِب، (وَجَارِيَة بن يزِيد) ، وَابْنه

﴿وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم وَالله عليم حَكِيم (106) وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا وَكفرا وَتَفْرِيقًا بَين الْمُؤمنِينَ وَإِرْصَادًا لمن حَارب الله وَرَسُوله من قبل وَلَيَحْلِفُنَّ إِن أردنَا إِلَّا الْحسنى وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ (107) لَا تقم فِيهِ أبدا لمَسْجِد أسس على﴾ مجمع بن جَارِيَة، وحزام بن مَالك، وَأَبُو حَبِيبَة بن الأزعر، وَعباد بن حنيث، وَرجل يُقَال لَهُ: يخرج إِلَى تَمام اثنى عشر نَفرا، بنوا هَذَا الْمَسْجِد بِقصد مَا ذكره الله فِي كِتَابه، وَهُوَ قَوْله: ﴿ضِرَارًا﴾ يَعْنِي: مضارة بالرسول ﴿وَكفرا﴾ بِاللَّه ﴿وَتَفْرِيقًا بَين الْمُؤمنِينَ وَإِرْصَادًا لمن حَارب الله وَرَسُوله﴾ والإرصاد: الإعداد، وَالَّذِي حَارب الله وَرَسُوله هَاهُنَا هُوَ أَبُو عَامر الراهب، وَكَانَ مِمَّن يطْلب الدّين فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ تنصر وتحزب الْأَحْزَاب على رَسُول الله، ثمَّ لحق بقيصر يستنجده على رَسُول الله وَأَصْحَابه، فَهَؤُلَاءِ بنوا هَذَا الْمَسْجِد وَقَالُوا: نَبْنِي هَذَا الْمَسْجِد فنخلوا بأمرنا، ونتحدث بِمَا نُرِيد، وننتظر رُجُوع أبي عَامر الراهب.
وَكَانَ هَذَا الْمَسْجِد بني قَرِيبا من مَسْجِد قبَاء.
وَقَوله: ﴿من قبل﴾ رَاجع إِلَى أبي عَامر ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِن أردنَا إِلَّا الْحسنى﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا الرِّفْق بِالْمُسْلِمين ﴿وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

ثمَّ قَالَ: ﴿لَا تقم فِيهِ ابدا﴾ رُوِيَ أَنهم طلبُوا من النَّبِي أَن يَأْتِي فَيصَلي فِيهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿لَا تقم فِيهِ أبدا﴾ مَعْنَاهُ: لَا تصل فِيهِ أبدا ﴿لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى﴾ اخْتلفُوا فِي هَذَا الْمَسْجِد؛ قَالَ ابْن عمر، وَزيد بن ثَابت، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: هُوَ مَسْجِد النَّبِي بِالْمَدِينَةِ.
وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: " أَن رجلَيْنِ تماريا فِي الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى، فسألا رَسُول الله فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَام -: هُوَ مَسْجِدي هَذَا ". وَأوردهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه ".

﴿التَّقْوَى من أول يَوْم أَحَق أَن تقوم فِيهِ فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين (108) أَفَمَن أسس بُنْيَانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس﴾ وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه مَسْجِد قبَاء.
هَذَا قَول سعيد بن جُبَير، وَقَتَادَة، وَجَمَاعَة من التَّابِعين.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه جَمِيع مَسَاجِد الْمَدِينَة وَالْأولَى هُوَ القَوْل الأول.
وَقَوله: ﴿أسس على التَّقْوَى﴾ أَي: ليتقى فِيهِ من الشّرك.
وَقَوله: ﴿من أول يَوْم﴾ مَعْنَاهُ: من ابْتِدَاء أَيَّام الْإِسْلَام ﴿أَحَق أَن تقوم فِيهِ﴾ أَي: أولى أَن تقوم فِيهِ، أَي: تصلي فِيهِ، قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
وَقد رُوِيَ أَن النَّبِي قَالَ لأهل قبَاء: " إِن الله تَعَالَى قد أحسن الثَّنَاء عَلَيْكُم، فَمَاذَا تَعْمَلُونَ؟ فَقَالُوا: نَتَوَضَّأ من الْحَدث ونغتسل من الْجَنَابَة.
فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَام -: فَهَل شَيْء غير هَذَا؟ فَقَالُوا: إِن أَحَدنَا إِذا استنجى أحب أَن يتبع أثر الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: هُوَ ذَاك، فَعَلَيْكُم بِهِ ".

ثمَّ قَالَ: ﴿أَفَمَن أسس﴾ وقرىء: " أَفَمَن أسس " ﴿بُنْيَانه على تقوى من الله ورضوان خير﴾ أَي: على طلب التَّقْوَى وَطلب الرِّضَا من الله خير {أم من أسس بُنْيَانه على

﴿بُنْيَانه على شفا جرف هار فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين (109) لَا يزَال بنيانهم الَّذِي بنوا رِيبَة فِي قُلُوبهم إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم وَالله عليم﴾ شفا جرف) الشفا: هُوَ الْحَرْف وَالْحَد، والجرف: هُوَ مَا تجرف من السَّيْل، أَي: تقطع من السَّيْل، فَصَارَ لرخاوته لَا يثبت عَلَيْهِ بِنَاء.
قَوْله: ﴿هار﴾ مَعْنَاهُ: هائر، والهائر: السَّاقِط ﴿فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
وَاعْلَم أَن المُرَاد من الْآيَة: هُوَ التَّمْثِيل والتشبيه فِي قلَّة الثَّبَات والقرار وَسُوء الْعَاقِبَة.
وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي كَانَت عَاقِبَة مَسْجِد الضرار؛ فالأكثرون على أَن النَّبِي دَعَا مَالك بن الدخشم، وَعَاصِم بن عدي، وَأَمرهمَا أَن يهدما ذَلِك الْمَسْجِد ويحرقاه ففعلا ذَلِك.
وَالْقَوْل الآخر: أَن ذَلِك الْمَسْجِد انهار بِنَفسِهِ من غير أَن يمسهُ أحد.
وَفِي بعض التفاسير أَنه خسف بِهِ.
وَرُوِيَ أَنه لما خسف بِهِ سَطَعَ مِنْهُ دُخان فِي السَّمَاء، وَالله أعلم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يزَال بنيانهم الَّذِي بنوا رِيبَة فِي قُلُوبهم﴾ يَعْنِي: شكا واضطرابا فِي قُلُوبهم.
وَقَالَ السدى: حرازة فِي قُلُوبهم.
وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: حَتَّى يموتوا.
وقرىء فِي الشاذ: " إِلَى أَن تقطع قُلُوبهم ". وَالْقَوْل الثَّانِي: حَتَّى يتوبوا، فَجعل الندامة فِي الْقلب بِمَنْزِلَة تقطع فِي الْقلب.
﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ عليم بخلقه، حَكِيم فِي تَدْبيره.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة﴾ معنى الْآيَة: أَن الله تَعَالَى أَمر (الْمُسلمين) بِأَن يجاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله، وَجعل لَهُم الْجنَّة ثَوابًا عَلَيْهِ، فَجعل هَذَا بِمَنْزِلَة الشِّرَاء وَالْبيع.
قَوْله: ﴿يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا﴾ مَعْنَاهُ: أَن ثَوَاب الْجنَّة وعد حق.
ثمَّ قَالَ: ﴿فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن أهل

﴿حَكِيم (110) إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَمن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ الْملَل كلهم أمروا بِالْجِهَادِ وَجعل ثوابهم الْجنَّة، وَقد بَينا معنى التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿وَمن أوفى بعهده من الله﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم ﴿فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ﴾ مَعْنَاهُ: فافرحوا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ . رُوِيَ فِي الْأَخْبَار أَن هَذِه الْآيَة: لما نزلت قَالَ أَصْحَاب رَسُول الله: ربح البيع، لَا نقِيل وَلَا نَسْتَقِيل.
وَعَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: إِن الله بَايَعَك وَجعل الصفقتين لَك.
وَعَن بعض التَّابِعين أَنه قَالَ: ثامن فأغلى فِي الثّمن، وَبَايع فأغلى فِي الْعِوَض.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: إِن الله تَعَالَى أَعْطَاك الدُّنْيَا فاشتر الْجنَّة بِبَعْضِهَا من الله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿التائبون العابدون﴾ الْآيَة التائبون: هم الَّذين تَابُوا من الشّرك.
وَقيل: هم الَّذين تَابُوا من جَمِيع الْمعاصِي.
والعابدون: هم الَّذين عبدُوا الله بِالتَّوْحِيدِ، وَقيل: بِسَائِر الطَّاعَات.
و ﴿الحامدون﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم [هم] الَّذين يحْمَدُونَ الله على كل حَال فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم الَّذين يحْمَدُونَ الله على الْإِسْلَام.
وَقَوله: ﴿السائحون﴾ فِيهِ أَقْوَال: (أَحدهمَا) : أَنهم الصائمون.
هَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود، وَابْن عَبَّاس.
وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " سياحة أمتِي: الصّيام ". (وَقَالَ) سُفْيَان بن عُيَيْنَة: سمى الصَّائِم سائحا؛ لِأَنَّهُ ترك الْمطعم وَالْمشْرَب والمنكح.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن السائحين: هم المجاهدون فِي سَبِيل الله.
وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل