تفسير السمعانيصفحات 291-307
أهل الأثرالأرشيف العلمي

البقرة

صفحات 291-307
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن نكثوا أَيْمَانهم من بعد عَهدهم﴾ هَذَا فِي الْعَهْد الَّذِي كَانَ بَين رَسُول الله وَبَين قُرَيْش، فنقضوا الْعَهْد، وَكَانَ نقضهم: أَنهم عاونوا بني بكر على خُزَاعَة، وَكَانَت بَنو بكر حلفاء قُرَيْش، وخزاعة حلفاء النَّبِي، فجَاء رجل من خُزَاعَة إِلَى النَّبِي بِالْمَدِينَةِ، وأنشده: (لاهم إِنِّي نَاشد مُحَمَّدًا ... حلف أَبينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا) (وَإِن قُريْشًا نقضوك الْمَوْعِدَا ... وبيتونا بالوثير هُجَّدا) (وَقَتَلُونَا ركعا وَسجدا ... ) فِي أَبْيَات كَثِيرَة، فَقَالَ رَسُول الله: " لانصرت إِن لم أَنْصُركُمْ ".

﴿إِنَّهُم لَا أَيْمَان لَهُم لَعَلَّهُم ينتهون (12) أَلا تقاتلون قوما نكثوا أَيْمَانهم وهموا بِإِخْرَاج الرَّسُول وهم بدءوكم أول مرّة أتخشونهم فَالله أَحَق أَن تخشوه إِن كُنْتُم مُؤمنين (13) قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ ويخزهم وينصركم عَلَيْهِم ويشف﴾ وروى أَنه رأى سَحَابَة تبرق، فَقَالَ رَسُول الله: " إِن هَذِه السحابة لتستهل بنصر خُزَاعَة "، وَكَانَ هَذَا ابْتِدَاء الْقَصْد لفتح مَكَّة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وطعنوا فِي دينكُمْ﴾ هَذَا دَلِيل على أَن الذِّمِّيّ إِذا طعن فِي دين الْإِسْلَام ظَاهرا لَا يبْقى لَهُ عهد، وَيجوز قَتله.
قَوْله: ﴿فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر﴾ يَعْنِي: رُءُوس الْكفْر، ورءوس الْكفْر هم: أَبُو سُفْيَان، وَسُهيْل بن عَمْرو، وَأُميَّة بن صَفْوَان، وَعِكْرِمَة بن أبي جهل ﴿إِنَّهُم لَا أَيْمَان لَهُم﴾ يَعْنِي: لَا عهود لَهُم.
وَقَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ: " إِنَّهُم لَا إِيمَان لَهُم " وَهُوَ اخْتِيَار ابْن عَامر، وَيجوز أَن تكون الْأَيْمَان هَاهُنَا بِمَعْنى الْإِيمَان، تَقول الْعَرَب: أمنته إِيمَانًا، فَذكر الْمصدر وَأَرَادَ بِهِ الِاسْم ﴿لَعَلَّهُم ينتهون﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا تقاتلون قوما نكثوا أَيْمَانهم﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
قَوْله ﴿وهموا بِإِخْرَاج الرَّسُول﴾ مَعْلُوم ﴿وهم بدءوكم أول مرّة﴾ أَرَادَ بِهِ أَنهم بدءوا بِالْقِتَالِ فِي حَرْب بدر.
قَالَ أَبُو جهل - لَعنه الله -: لَا نرْجِع حَتَّى نستأصل مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه ﴿أتخشونهم فَالله أَحَق أَن تخشوه إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ مَعْنَاهُ: ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ ويخزهم وينصركم عَلَيْهِم﴾ معنى الْآيَة ظَاهر.
وَقَوله: ﴿ويشف صُدُور قوم مُؤمنين﴾ يَعْنِي: خُزَاعَة.

﴿وَيذْهب غيظ قُلُوبهم﴾ أَي: خُزَاعَة {وَيَتُوب الله على من يَشَاء وَالله عليم

﴿صُدُور قوم مُؤمنين (14) وَيذْهب غيظ قُلُوبهم وَيَتُوب الله على من يَشَاء وَالله عليم حَكِيم (15) أم حسبتم أَن تتركوا وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ (16) مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد الله شَاهِدين على أنفسهم بالْكفْر أُولَئِكَ﴾ حَكِيم) رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ يَوْم فتح مَكَّة: " ارْفَعُوا السَّيْف إِلَّا خُزَاعَة عَن بني بكر إِلَى الْعَصْر ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسبتم أَن تتركوا وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم﴾ الْآيَة، قَالَ أهل التَّفْسِير: لما أَمر الله تَعَالَى نبيه بِالْقِتَالِ ظهر المُنَافِقُونَ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ﴿أم حسبتم أَن تتركوا وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم﴾ وَالْمرَاد من الْعلم هَاهُنَا: الْعلم الَّذِي يَقع الْجَزَاء عَلَيْهِ، وَهُوَ الْعلم بعد الْوُجُود لاعلم الْغَيْب الَّذِي لَا يَقع الْجَزَاء عَلَيْهِ ﴿وَلما يعلم الله﴾ يَعْنِي: وَلم يعلم الله ﴿وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة﴾ قَالَ الْفراء: الوليجة: البطانة، وَهُوَ خَاصَّة الْإِنْسَان الَّذِي يفشي سره إِلَيْهِ، فَصَارَ معنى الْآيَة ﴿وَلما يعلم الله﴾ وَلم يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم، وَلم يعلم الَّذين امْتَنعُوا أَن يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة ﴿وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد الله﴾ معنى الْآيَة: نفي أَهْلِيَّة عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام عَن الْمُشْركين.
قَوْله ﴿شَاهِدين على أنفسهم بالْكفْر﴾ و " شَاهِدين " نصب على الْحَال، وَأما شَهَادَتهم على أنفسهم بالْكفْر: هِيَ سجودهم للأصنام، وَقَوْلهمْ فِي التَّلْبِيَة: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، لَا شريك لَك، إِلَّا شَرِيكا هُوَ لَك تملكه وَمَا ملكك.

﴿حبطت أَعْمَالهم وَفِي النَّار هم خَالدُونَ (17) إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَلم يخْش إِلَّا الله فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا من المهتدين (18) أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه﴾ وَفِيه قَول آخر: أَن معنى قَوْله: ﴿شَاهِدين على أنفسهم بالْكفْر﴾ هُوَ أَنَّك تَقول لِلْيَهُودِيِّ: مَا أَنْت؟ فَيَقُول: يَهُودِيّ، وَتقول لِلنَّصْرَانِيِّ: مَا أَنْت؟ فَيَقُول: نَصْرَانِيّ، وَكَذَلِكَ الْمَجُوسِيّ والمشرك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم وَفِي النَّار هم خَالدُونَ﴾ الحبوط: هُوَ الْبطلَان، وخالدون: دائمون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن الْعَبَّاس - رَضِي الله عَنهُ - لما أسر يَوْم بدر عيره أَصْحَاب رَسُول الله بترك الْإِسْلَام وَالْهجْرَة، فَقَالَ: نَحن عمار الْمَسْجِد الْحَرَام وسقاة الحجيج.
وَفِي رِوَايَة: أَنه لما أسلم قَالَ للْمُسلمين: لَئِن سبقتمونا بِالْإِسْلَامِ فقد كُنَّا نعمر الْمَسْجِد الْحَرَام، ونسقي الحجيج، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَلم يخْش إِلَّا الله﴾ مَعْنَاهُ: لم يتْرك الْإِيمَان بِاللَّه من خشيَة أحد ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا من المهتدين﴾ وَعَسَى من الله وَاجِب.
فَإِن قَالَ قَائِل: أتقولون: إِن كل من عمر مَسْجِدا بِكَوْن هَكَذَا على مَا قَالَ الله تَعَالَى؟ قُلْنَا: معنى الْآيَة - وَالله أعلم - أَن من كَانَ بِهَذِهِ الْأَوْصَاف كَانَ أهل عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام، وَلَا يعمر الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَّا من استجمع هَذِه الْأَوْصَاف، وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام بِذكر الله، وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ، وَالدُّعَاء، وَالصَّلَاة وَغَيره.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله لَا يستوون عِنْد الله﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي عَليّ وَالْعَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - وَكَانَ الَّذِي عير الْعَبَّاس بترك الْإِسْلَام

وَالْهجْرَة هُوَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - فَقَالَ الْعَبَّاس: نَحن عمار الْمَسْجِد الْحَرَام، وسقاة الحجيج، فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿أجعلتم سِقَايَة الْحَاج﴾ وَمَعْنَاهُ: أجعلتم أهل سقاة الْحَاج وَأهل عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه.
وقرىء: " أجعلتم سقاة الْحَاج وَعمرَة الْمَسْجِد الْحَرَام " وعَلى هَذِه الْقِرَاءَة لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير الْأَهْل ﴿لَا يستوون عِنْد الله﴾ مَعْنَاهُ: لَا يَسْتَوِي من عبد الله وَهُوَ مُؤمن، وَمن عمر الْمَسْجِد وَهُوَ مُشْرك ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَقد وَردت أَخْبَار فِي التَّرْغِيب فِي عمَارَة الْمَسَاجِد: روى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِي الله عَنهُ - أَن النَّبِي قَالَ: " من رَأَيْتُمُوهُ يعْتَاد الْمَسَاجِد؛ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَان، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه﴾ . وروى أَبُو هُرَيْرَة - رَضِي الله عَنهُ - أَن النَّبِي قَالَ: " من غَدا أَو رَاح إِلَى الْمَسْجِد أعد الله لَهُ نزلا كلما غَدا أَو رَاح ". وروى جَابر - رَضِي الله عَنهُ - أَن النَّبِي قَالَ: " الْمَسْجِد سوق من أسواق الْجنَّة، من دخله كَانَ ضيف الله، قراه: الْمَغْفِرَة، وتحيته: الْكَرَامَة؛ فَإِذا دَخَلْتُم فارتعوا.
قيل: يَا رَسُول الله، وَمَا الرتاع؟ قَالَ: الابتهال إِلَى الله وَالرَّغْبَة ". وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ مثله فِي الْجنَّة ".

﴿وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله لَا يستوون عِنْد الله وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين (19) الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله وَأُولَئِكَ هم الفائزون (20) يبشرهم رَبهم برحمة مِنْهُ﴾ وَفِي رِوَايَة عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَن النَّبِي قَالَ " من بنى مَسْجِدا وَلَو كمفحص قطاة؛ بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿أعظم دَرَجَة عِنْد الله﴾ وَلَيْسَ للْمُشْرِكين دَرَجَة أصلا؟ الْجَواب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أعظم دَرَجَة من درجتهم على تقديرهم فِي أنفسهم؛ وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَصْحَاب الْجنَّة يَوْمئِذٍ خير مُسْتَقرًّا وَأحسن مقيلا﴾ وَمَعْنَاهُ: على تقديرهم فِي أنفسهم.
وَالثَّانِي: أَن هَؤُلَاءِ الصِّنْف من الْمُؤمنِينَ أعظم دَرَجَة عِنْد الله من غَيرهم.
ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هم الفائزون﴾ الفائز: الَّذِي ظفر بأمنيته.

ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يبشرهم رَبهم برحمة﴾ الْآيَة.
والبشارة: خبر سَار صدق؛ يُسمى بِشَارَة لِأَنَّهُ تَتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه.

﴿ورضوان وجنات لَهُم فِيهَا نعيم مُقيم (21) خَالِدين فِيهَا أبدا إِن الله عِنْده أجر عَظِيم (22) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُم وَإِخْوَانكُمْ أَوْلِيَاء إِن استحبوا الْكفْر على الْإِيمَان وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ (23) قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة﴾ قَوْله ﴿برحمة مِنْهُ ورضوان وجنات لَهُم فِيهَا نعيم مُقيم﴾ النَّعيم هُوَ الْعَيْش اللذيذ، والمقيم: الدَّائِم، وَهُوَ من لَا يظعن أبدا

﴿خَالِدين فِيهَا أبدا إِن الله عِنْده أجر عَظِيم﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُم وَإِخْوَانكُمْ أَوْلِيَاء﴾ الْآيَة: نزلت الْآيَة فِي قو م أَسْلمُوا بِمَكَّة، فَلَمَّا هَاجر الْمُسلمُونَ لم يهاجروا.
قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ الرجل إِذا أَرَادَ أَن يُهَاجر تعلق بِهِ أَهله وَولده، وَقَالُوا: أتضيعنا وتتركنا، فيقيم شَفَقَة عَلَيْهِم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن استحبوا الْكفْر على الْإِيمَان﴾ مَعْنَاهُ: أَي: اخْتَارُوا الْكفْر على الْإِيمَان.
قَوْله: ﴿وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت لَا يقبل الْإِيمَان إِلَّا من مهَاجر؛ فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم﴾ رُوِيَ أَن الْآيَة الأولى لما نزلت قَالَ أُولَئِكَ الَّذين أَسْلمُوا وَلم يهاجروا: إِن نَحن هاجرنا ضَاعَت أَمْوَالنَا وَخَربَتْ دُورنَا، وقطعنا أرحامنا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وعشيرتكم﴾ قُرِئت بقراءتين: " عشيرتكم " و " عشيراتكم " وَالأَصَح: " عشيرتكم " فَإِن جمع الْعَشِيرَة هُوَ عشائر، والعشيرات قَالُوا: ضَعِيف فِي اللُّغَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأموال اقترفتموها﴾ أَي: اكتسيتموها، وَمثله قَوْله تَعَالَى: {وَمن

﴿تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين (24) لقد نصركم الله﴾ يقترف حَسَنَة) يَعْنِي: يكْتَسب.
قَوْله: ﴿وتجارة تخشون كسادها﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن الْمُبَارك أَنه قَالَ فِي قَوْله: ﴿وتجارة تخشون كسادها﴾ قَالَ: هِيَ الْأَخَوَات وَالْبَنَات إِذا لم يُوجد لَهُنَّ خَاطب.
حَكَاهُ النقاش فِي تَفْسِيره.
قَوْله: ﴿ومساكن ترضونها﴾ يَعْنِي: تستطيبونها.
قَوْله: ﴿أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا﴾ مَعْنَاهُ: فانتظروا.
قَوْله ﴿حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد مِنْهُ: فتح مَكَّة، وَهَذَا أَمر تهديد وَلَيْسَ بِأَمْر حتم وَلَا ندب وَلَا إِبَاحَة.
قَوْله: ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد نصركم الله فِي مَوَاطِن كَثِيرَة وَيَوْم حنين إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم﴾ الْآيَة.
حنين وَاد بَين مَكَّة والطائف ﴿إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم﴾ رُوِيَ أَن النَّبِي كَانَ فِي اثْنَي عشر ألفا، وَالْمُشْرِكُونَ أَرْبَعَة آلَاف، عَلَيْهِم مَالك بن عَوْف النصري، فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: سَلمَة بن سَلامَة وقش: لن نغلب الْيَوْم عَن قلَّة، فَلم يرض الله تَعَالَى قَوْله، ووكلهم إِلَى أنفسهم، فَحمل الْمُشْركُونَ حَملَة انهزم الْمُسلمُونَ كلهم سوى نفر يسير بقوا مَعَ رَسُول الله فيهم الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب ". وَذكر البُخَارِيّ فِي " الصَّحِيح " بِرِوَايَة الْبَراء بن عَازِب: " أَن أَبَا سُفْيَان بن الْحَارِث

﴿فِي مَوَاطِن كَثِيرَة وَيَوْم حنين إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم فَلم تغن عَنْكُم شَيْئا وَضَاقَتْ عَلَيْكُم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ ثمَّ وليتم مُدبرين (25) ثمَّ أنزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ وَأنزل جُنُودا لم تَرَوْهَا وَعَذَاب الَّذين كفرُوا وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافرين﴾ كَانَ آخِذا بِرَأْس بغلة النَّبِي يَوْم حنين، وَالنَّبِيّ يَقُول: أَنا النَّبِي لَا كذب، أَنا ابْن عبد الله بن عبد الْمطلب "، ثمَّ إِن الْعَبَّاس - رَضِي الله عَنهُ - نَادَى الْمُسلمين بِأَمْر رَسُول الله - وَكَانَ رجلا صيتًا - فَجعل يُنَادي يَا أَصْحَاب سُورَة الْبَقَرَة، يَا أنصار الله وأنصار رَسُول الله، يَا أَصْحَاب الشَّجَرَة، هَذَا رَسُول الله، فَرَجَعُوا وقاتلوا وَوَقعت الْهَزِيمَة على الْكفَّار ... الْقِصَّة إِلَى آخرهَا " فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَيَوْم حنين إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم فَلم تغن عَنْكُم شَيْئا﴾ يَعْنِي: أَن الظفر لَيْسَ بِالْكَثْرَةِ، بل بنصرة الله تَعَالَى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ﴾ قَالَ الْفراء: الْبَاء هَاهُنَا بِمَعْنى " فِي " مَعْنَاهُ: فِي رحبها وسعتها.
وَقيل الْمَعْنى: برحبها وسعتها.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ وليتم مُدبرين﴾ أَي: مُتَفَرّقين، أَي: منهزمين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أنزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ﴾ الْآيَة.
السكينَة: الرَّحْمَة.
وَقيل: السكينَة: الآمنة، وَهِي فعيلة من السّكُون، وَهَاهُنَا هِيَ بِمَعْنى النَّصْر، قَالَ الشَّاعِر: (لله قبر بالبسيطة غالها ... مَاذَا أجن سكينَة ووقارا) قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأنزل جُنُودا لم تَرَوْهَا﴾ يَعْنِي: الْمَلَائِكَة، وَنزلت لَا لِلْقِتَالِ، وَلَكِن لتجبين الْكفَّار وتشجيع الْمُسلمين، فَإِن الْمَرْوِيّ أَن الْمَلَائِكَة لم تقَاتل إِلَّا فِي يَوْم بدر.

﴿ثمَّ يَتُوب الله من بعد ذَلِك على من يَشَاء وَالله غَفُور رَحِيم (27) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا وَإِن﴾ قَوْله تَعَالَى: ﴿وعذب الَّذين كفرُوا﴾ يَعْنِي: بِالْقَتْلِ والأسر، ﴿وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافرين﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ يَتُوب الله من بعد ذَلِك على من يَشَاء وَالله غَفُور رَحِيم﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر وَهَذَا فِي الَّذين كفوا عَن الْقَتْل.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس﴾ معنى قَوْله ﴿نجس﴾ قذر، فَإِذا ضم إِلَى غَيره قيل: رِجْس نجس، وَإِذا أفرد قيل: نجس.
رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ: نجاستهم كنجاسة الْكَلْب وَالْخِنْزِير.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: إِذا صَافح مُسلم كَافِرًا يجب عَلَيْهِ غسل يَده.
وَالصَّحِيح أَن المُرَاد من الْآيَة: أَنه يجب الاجتناب مِنْهُم كَمَا يجب الاجتناب من النَّجَاسَات.
وَقيل إِن معنى قَوْله ﴿نجس﴾ : أَنهم يجنبون فَلَا يغتسلون، ويحدثون فَلَا يَتَوَضَّئُونَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا﴾ هَذَا خبر بِمَعْنى أَمر، وَمَعْنَاهُ: لَا تخلوهم أَن يدخلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا.
وَمذهب الْمَدَنِيين: أَن الْمَسْجِد الْحَرَام هُوَ جَمِيع الْحرم، وَلَا يتْرك كَافِر يدْخلهُ، وَإِن كَانَ معاهدا أَو عبدا، وَهَذَا قَول عمر بن عبد الْعَزِيز وَجَمَاعَة.
وَمذهب الْكُوفِيّين: أَنه يجوز أَن يدْخلهُ الْمعَاهد وَالْعَبْد، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن جَابر.
وَقَوله: ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة﴾ يَعْنِي: فقرا.
وَفِي مصحف عبد الله بن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ -: " وَإِن خِفْتُمْ عائلة " يَعْنِي: أمرا شاقا، يُقَال: عالني الْأَمر، أَي: شقّ عَليّ.
وَسبب نزُول الْآيَة: أَن أهل مَكَّة إِنَّمَا كَانَت مَعَايشهمْ من التِّجَارَات والأرباح، فَلَمَّا أَمر الله تَعَالَى الْمُسلمين أَن لَا يخلوا الْكفَّار أَن يدخلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام، قَالُوا: فَكيف

﴿خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ إِن الله عليم حَكِيم (28) قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله وَلَا يدينون دين الْحق من الَّذين أُوتُوا الْكتاب حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم﴾ أَمر مَعَايِشنَا؟ وخافوا الْفقر وضيق الْعَيْش، فَقَالَ الله تَعَالَى لَهُم: ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ﴾ فَروِيَ أَنه أسلم أهل جرش - بِالْجِيم مُعْجمَة - وَصَنْعَاء، وَسَائِر نواحي الْيمن، وجلبوا الْميرَة الْكَثِيرَة إِلَى أهل مَكَّة، ووسع الله عَلَيْهِم ﴿إِن الله عليم حَكِيم﴾ وَمَعْنَاهُ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: إِن أهل الْكِتَابَيْنِ يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، فَكيف معنى الْآيَة؟ الْجَواب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنهم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر كَإِيمَانِ الْمُؤمنِينَ؛ فَإِنَّهُم قَالُوا: عُزَيْر ابْن الله، وَقَالُوا: الْمَسِيح ابْن الله، وَقَالَت الْيَهُود: لَا أكل وَلَا شرب فِي الْجنَّة.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن كفرهم ككفر من لَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فِي عظم الجرم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يدينون دين الْحق﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَلَا يطيعون الله كطاعة أهل الْحق.
قَوْله: ﴿من الَّذين أُوتُوا الْكتاب حَتَّى يطعوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ قَالَ قَتَادَة: " عَن يَد ": عَن قهر وذل.
وَقَالَ غَيره: " عي يَد " أَي يُعْطي بِيَدِهِ.
وَفِيه قَول ثَالِث: " عَن يَد " أَي: عَن إِقْرَار بإنعام أهل الْإِسْلَام عَلَيْهِم ﴿وهم صاغرون﴾ رُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: مَعْنَاهُ: وهم مذمومون.
وَعَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَنه قَالَ: يُؤْخَذ ويوجأ فِي عُنُقه، فَهَذَا معنى الصغار.
وَقَالَ غَيره: يُؤْخَذ مِنْهُ وَهُوَ قَائِم، والآخذ جَالس.
وَقيل: إِنَّه يلبب ويجر إِلَى مَوضِع الْإِعْطَاء بعنف.
وَعند الشَّافِعِي - رَضِي الله عَنهُ - معنى الصغار: هُوَ جَرَيَان أَحْكَام الْإِسْلَام

﴿صاغرون (29) وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله﴾ عَلَيْهِم.
وَهَذَا معنى حسن.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله﴾ هَذَا فِي قوم بأعيانهم كَانُوا بِالْمَدِينَةِ أفناهم السَّيْف، مِنْهُم: سَلام بن مشْكم، وَمَالك بن " الضَّيْف "، وفنحاص الْيَهُودِيّ، وَأما الْآن فَلَا يَقُول مِنْهُم أحد هَذَا.
وَيُقَال: إِن الْقَائِلين لهَذِهِ الْمقَالة قوم من سلفهم ومتقدميهم.
وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْيَهُود لما بدلُوا وخالفوا شَرِيعَة التَّوْرَاة نسخ الله تَعَالَى التَّوْرَاة من صُدُورهمْ، فَخرج عُزَيْر يسيح فِي الأَرْض يطْلب الْعلم، فَلَقِيَهُ جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - فَعلمه التَّوْرَاة.
وَرُوِيَ أَنه نزل نور فَدخل جَوْفه فَقَرَأَ التَّوْرَاة عَن ظهر قلبه، فَرجع وأملى التَّوْرَاة على الْيَهُود، فَقَالَ جمَاعَة مِنْهُم هَذِه الْمقَالة يَعْنِي: عُزَيْر ابْن الله.
﴿وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله﴾ هم على ذَلِك الْآن.
قَوْله: ﴿ذَلِك قَوْلهم بأفواههم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: الْإِنْسَان لَا يَقُول قولا إِلَّا بفمه، فَكيف يكون معنى هَذَا الْكَلَام؟ الْجَواب: أَن مَعْنَاهُ: أَنهم قَالُوا هَذَا القَوْل بِلَا حجَّة وَلَا بَيَان وَلَا برهَان، وَإِنَّمَا كَانَ مُجَرّد قَول بِلَا أصل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يضاهئون﴾ قرئَ بقراءتين، و ﴿يضاهئون﴾ يَعْنِي: يشابهون، والمضاهاة: المشابهة والمماثلة، تَقول الْعَرَب: امْرَأَة ضهياء إِذا كَانَت لَا تحيض، فَهِيَ تشبه الرِّجَال.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَول الَّذين كفرُوا من قبل﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: قَول الَّذين أشركوا من قبل؛ فَإِن الْمُشْركين كَانُوا يَقُولُونَ: مَنَاة وَاللات والعزى بَنَات الله.

﴿ذَلِك قَوْلهم بأفواههم يضاهئون قَول الَّذين كفرُوا من قبل قَاتلهم الله أَنى يؤفكون (30) اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا﴾ وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن النَّصَارَى قَالُوا فِي الْمَسِيح مَا قَالَت الْيَهُود فِي عُزَيْر، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿يضاهئون قَول الَّذين كفرُوا من قبل﴾ . ﴿قَاتلهم الله﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لعنهم الله، وَقيل: قَتلهمْ الله، كَمَا تَقول الْعَرَب: عافاه الله، أَي: أَعْفَاهُ الله.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَن هَذِه كلمة تعجب، قَالَ الشَّاعِر: (فيا قَاتل الله ليلى كَيفَ تعجبنى ... وَأخْبر النَّاس أَنى لَا أباليها) وَلَيْسَ الْمَعْنى تَحْقِيق الْمُقَاتلَة؛ وَلكنه كلمة تعجب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنى يؤفكون﴾ مَعْنَاهُ: أَنى يصرفون، يُقَال: أَرض مأفوكة إِذا صرف عَنْهَا الْمَطَر، وَقَول مأفوك إِذا كَانَ مصروفا عَن الْحق.

قَوْله تَعَالَى ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾ يُقَال: الْأَحْبَار من الْيَهُود، والرهبان من النَّصَارَى، وَقد بَينا فِيهَا أقوالا من قبل.
فَإِن قَالَ قَائِل: إِنَّهُم لم يعبدوا الْأَحْبَار والرهبان، فأيش معنى قَوْله ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾ ؟ قُلْنَا: مَعْنَاهُ: أَنهم استحلوا مَا أحلُّوا، وحرموا مَا حرمُوا؛ فَهَذَا معنى عباداتهم لَهُم.
وَقد صَحَّ هَذَا الْمَعْنى بِرِوَايَة عدي بن حَاتِم، عَن النَّبِي.

﴿إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ (31) يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ (33) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن كثيرا من الْأَحْبَار والرهبان ليأكلون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ ويصدون عَن سَبِيل الله وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي﴾ قَوْله: ﴿والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم﴾ مَعْنَاهُ: يُرِيدُونَ أَن يخمدوا نور الله، وَالْمرَاد من النُّور: الْقُرْآن، وَقيل: هُوَ مُحَمَّد.
وَقَوله: ﴿بأفواههم﴾ مَعْنَاهُ: بتكذيبهم.
قَوْله: ﴿ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذَا عِنْد نزُول عِيسَى ابْن مَرْيَم - عَلَيْهِ السَّلَام لَا يبْقى فِي الأَرْض أحد إِلَّا أسلم.
وَفِي قَوْله: ﴿لِيظْهرهُ على الدّين كُله﴾ قَول آخر: وَهُوَ أَنه الْإِظْهَار بِالْحجَّةِ؛ فدين الْإِسْلَام ظَاهر على كل الْأَدْيَان بِالدَّلِيلِ وَالْحجّة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن كثيرا من الْأَحْبَار والرهبان ليأكلون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ ويصدون عَن سَبِيل الله﴾ الْآيَة، وَقد بَينا معنى الْأَحْبَار والرهبان من قبل وَقَوله: ﴿ليأكلون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: إِن المُرَاد مِنْهُ أَخذ الرشاء فِي الْأَحْكَام والمآكل الَّتِي كَانَت لعلمائهم على سفلتهم ﴿ويصدون عَن سَبِيل الله﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم يمْنَعُونَ النَّاس عَن الْإِسْلَام، وَقَوله: ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله﴾ الْكَنْز هُوَ المَال الْمَجْمُوع، قَالَ الشَّاعِر:

﴿سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم (34) (لَا در درى إِن أطعمت نازلهم ... قرف الحتى وَعِنْدِي الْبر مكنوز﴾ والحتى قَالُوا: هُوَ الْمقل.
وَاخْتلف أهل الْعلم فِي من نزلت هَذِه الْآيَة، قَالَ بَعضهم: نزلت فِي أهل الْكتاب، وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّهَا نزلت فِي الْكل.
وَاخْتلفُوا فِي الْكَنْز، رُوِيَ عَن ابْن عمر، وَجَمَاعَة: أَن الْكَنْز كل مَال لم تُؤَد زَكَاته، وَأما الَّذِي أدّيت زَكَاته فَلَيْسَ بكنز، وَإِن كَانَ مَدْفُونا.
وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم نَفَقَة وَمَا فَوْقهَا كنز.
وَقَالَ بَعضهم: مَا فضل عَن الْحَاجة فَهُوَ كنز.
وَقَوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله﴾ فَإِن سَأَلَ سَائل وَقَالَ: إِنَّه تقدم ذكر الذَّهَب وَالْفِضَّة جَمِيعًا، فَكيف قَالَ: وَلَا يُنْفِقُونَهَا، وَلم يقل: وَلَا ينفقونهما؟ الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْمَعْنى: وَلَا يُنْفقُونَ الْكُنُوز فِي سَبِيل الله.
وَالثَّانِي: أَن معنى الْآيَة: يكنزون الذَّهَب وَلَا ينفقونه، ويكنزون الْفضة وَلَا يُنْفِقُونَهَا، فَاكْتفى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر، قَالَ الشَّاعِر: (نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا ... عنْدك رَاض والرأي مُخْتَلف) مَعْنَاهُ: نَحن بِمَا عندنَا راضون، وَأَنت بِمَا عنْدك رَاض.
وَفِي مثل هَذَا قَول الشَّاعِر: (إِن شرخ الشَّبَاب وَالشعر الْأسود ... مَا لم يعاض كَانَ جنونا) يَعْنِي: مَا لم يعاضيا.
قَوْله: ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ مَعْنَاهُ: ضع هَذَا الْوَعيد مَوضِع الْبشَارَة، وَإِلَّا فالوعيد لَا يكون بِشَارَة حَقِيقَة.

{يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون (35)

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم﴾ أَي: يُوقد عَلَيْهَا حَتَّى تصير نَارا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لَا يوضع دِرْهَم مَكَان دِرْهَم، وَلَا دِينَار مَكَان دِينَار؛ وَلَكِن يُوسع جلده حَتَّى يوضع كل دِينَار وَدِرْهَم فِي مَوْضِعه.
وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ (رَضِي عَنهُ) : " أَن رجلا من أهل الصّفة مَاتَ وَترك دِينَارا، فَقَالَ النَّبِي: كيه.
وَمَات آخر وَترك دينارين فَقَالَ: كَيَّتَانِ ". وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يَجْعَل الذَّهَب وَالْفِضَّة صَفَائِح، فيكوى بهَا فِي كل يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة، ثمَّ يرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار ". وروى ثَوْبَان: " أَن الله تَعَالَى لما أنزل هَذِه الْآيَة شقّ على الْمُسلمين مشقة شَدِيدَة فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، أَي المَال نتَّخذ، وَقد أنزل فِي المَال مَا أنزل؟ فَقَالَ: ليتَّخذ أحدكُم قلبا شاكرا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَة تعينه على دينه ".

﴿إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ذَلِك الدّين الْقيم فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة﴾ وَفِي الْأَخْبَار - أَيْضا - عَن النَّبِي: " أَن الْكَنْز يتبعهُ حَتَّى يلقمه يَده فيقضمها، ثمَّ يتبع سَائِر جسده ". وَقد رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز - رَحمَه الله - أَنه قَالَ: الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة الزَّكَاة.
وَقَالَ سَائِر الْعلمَاء: لَيست بمنسوخة.
وَعَن أبي بكر الْوراق - رَحمَه الله - أَنه قَالَ: إِنَّمَا ذكر الْجَبْهَة وَالْجنب وَالظّهْر؛ لِأَن الْغَنِيّ إِذا رأى الْفَقِير قبض جَبهته، وزوى مَا بَين عَيْنَيْهِ، وولاه ظَهره، وَأعْرض عَنهُ كشحه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون﴾ وَعِيد وتهديد.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل