الأنعام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل من رب السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: قل يَا مُحَمَّد: من رب السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ ثمَّ أمره بالإجابة، وَقَالَ: ﴿قل الله﴾ وَرُوِيَ أَنه إِنَّمَا قَالَ هَذَا للْمُشْرِكين، عطفوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: أجب أَنْت، فَأمره الله، وَقَالَ: ﴿قل الله﴾ وَإِنَّمَا صحت هَذِه الْإِجَابَة مَعَهم؛ لأَنهم كَانُوا يقرونَ أَن الله خالقهم وخالق السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿قل أفاتخذتم من دونه أَوْلِيَاء﴾ مَعْنَاهُ: أَنكُمْ مَعَ إقراركم أَن الله خالقكم وخالق السَّمَوَات وَالْأَرْض اتخذتم من دونه أَوْلِيَاء يَعْنِي: الْأَصْنَام.
﴿لَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نفعا وَلَا ضرا﴾ يَعْنِي: أَنهم عجزة، فَإِذا لم يملكُوا لأَنْفُسِهِمْ نفعا وَلَا ضرا، فَكيف يملكُونَ لكم؟ .
وَقَوله: ﴿قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير﴾ ضرب مثلا لِلْمُؤمنِ وَالْكَافِر وَالْإِيمَان وَالْكفْر؛ فَقَالَ: ( ﴿قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير﴾ أم هَل تستوي الظُّلُمَات ﴿والنور أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ الْوَاحِد القهار (16) أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا وَمِمَّا يوقدون عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع زبد مثله كَذَلِك يضْرب الله﴾ والنور) أَي: كَمَا لَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير والظالمات والنور؛ فَكَذَلِك لَا يَسْتَوِي الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْإِيمَان وَالْكفْر.
وَقَوله: ﴿أم جعلُوا لله شُرَكَاء﴾ يَعْنِي: أجعلوا لله شُرَكَاء ﴿خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم﴾ أَي: اشْتبهَ مَا خلقوه بِمَا خلقه الله، وَمعنى الْآيَة: أَنهم كَمَا عرفُوا أَن الْأَصْنَام لَا تخلق كخلق الله؛ فَلَا يَنْبَغِي أَن تعبد كعبادة الله.
وَقَوله: ﴿قل الله خَالق كل شَيْء﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله ﴿وَهُوَ الْوَاحِد القهار﴾ الْوَاحِد: هُوَ الشَّيْء الَّذِي لَا يَنْقَسِم، وَقد يكون شَيْئَيْنِ لَا يَنْقَسِم فِي معنى، وَيُسمى وَاحِد، مثل قَوْلهم: دِينَار وَاحِد؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَسِم فِي الدينارية.
والقهار: الْغَالِب الَّذِي لَا يغلبه شَيْء، وَفِي بعض الْأَخْبَار: " سُبْحَانَ من تعزز بقدرته وقهر عباده بِالْمَوْتِ ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿أنزل من السَّمَاء مَاء﴾ هَذَا مثل ضربه الله فِي الْقُرْآن، وَضرب الأودية مثلا للقلوب، فَقَوله: ﴿أنزل من السَّمَاء مَاء﴾ أَي: مَطَرا ﴿فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا﴾ قرئَ: " بِقَدرِهَا "، قَرَأَهَا أَبُو الْأَشْهب الْعقيلِيّ، وَالْمعْنَى: بِقَدرِهَا من الصغر وَالْكبر، وَكَذَلِكَ الْقُلُوب تحمل الْقُرْآن بِقَدرِهَا من الضّيق وَالسعَة.
وَقَوله: ﴿فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا﴾ الزّبد: هُوَ الْخبث الَّذِي يظْهر على وَجه المَاء، وَكَذَلِكَ على وَجه الْقدر، وَكَذَلِكَ على فَم الْبَعِير.
وَقَوله: ﴿رابيا﴾ أَي: طافيا عَالِيا تمّ الْمثل الأول هَاهُنَا.
ثمَّ ذكر مثلا ثَانِيًا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِمَّا يوقدون عَلَيْهِ فِي النَّار﴾ وَمن الَّذِي توقدون عَلَيْهِ، الإيقاد: جعل النَّار تَحت الشَّيْء ليذوب.
وَقَوله: ﴿ابْتِغَاء حلية﴾ مَعْنَاهُ: لطلب الْحِلْية، وَالَّذِي أوقد عَلَيْهِ هَاهُنَا هُوَ الذَّهَب وَالْفِضَّة؛ لِأَن الْحِلْية تطلب مِنْهُمَا.
وَقَوله: ﴿أَو مَتَاع﴾ مَعْنَاهُ: أَو طلب مَتَاع، وَذَلِكَ من الصفر والنحاس وَغَيره يُوقد عَلَيْهَا، وَالْمَتَاع: هُوَ الْأَوَانِي المتخذة من هَذِه الْأَشْيَاء.
﴿الْحق وَالْبَاطِل فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض كَذَلِك يضْرب الله الْأَمْثَال (17) للَّذين اسْتَجَابُوا لرَبهم الْحسنى وَالَّذين لم يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَو أَن لَهُم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وَمثله مَعَه لافتدوا بِهِ أُولَئِكَ لَهُم سوء الْحساب ومأواهم﴾
وَقَوله: ﴿زبد مثله﴾ أَي: زبد مثل زبد المَاء ﴿كَذَلِك يضْرب الله الْحق وَالْبَاطِل﴾ أَي: كَذَلِك يبين الله الْحق وَالْبَاطِل بِضَرْب الْمثل، ثمَّ قَالَ: ﴿فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء﴾ يَعْنِي ضائعا بَاطِلا، يُقَال: أجفأت الْقدر، إِذا زبدت من جوانبها، وَذهب الزّبد.
وَذكر أَبُو زيد اللّغَوِيّ أَن رؤبة بن العجاج قَرَأَ: " فَأَما الزّبد فَيذْهب جفالا " وَالْمعْنَى قريب من الأول.
وَقَوله: ﴿وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث﴾ يَعْنِي: المَاء وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والرصاص والصفر والنحاس.
قَوْله: ﴿فيمكث فِي الأَرْض﴾ أَي: يبْقى وَلَا يذهب.
وَقَوله ﴿كَذَلِك يضْرب الله الْأَمْثَال﴾ جعل هَذَا مثلا للحق وَالْبَاطِل فِي الْقُلُوب، يَعْنِي: أَن الْبَاطِل كالزبد يذهب ويضيع وَيهْلك، وَالْحق كَالْمَاءِ وكهذه الْأَشْيَاء يمْكث وَيبقى فِي الْقُلُوب، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا تَسْلِيَة للْمُؤْمِنين، يَعْنِي أَن أَمر الْمُشْركين كَذَلِك الزّبد، يرى فِي الصُّورَة شَيْئا ثَابتا وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَة.
وَأمر الْمُؤمنِينَ كَالْمَاءِ المستقر فِي مَكَانَهُ، فَلهُ الثَّبَات والبقاء، يُقَال: للباطل جَوْلَة، وللحق دولة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿للَّذين اسْتَجَابُوا لرَبهم الْحسنى﴾ الْآيَة، قد بَينا أَن الاستجابة والإجابة بِمَعْنى وَاحِد.
وَقَوله: ﴿الْحسنى﴾ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهَا الْجنَّة، وَقيل: هُوَ الرزق والعافية فِي الدُّنْيَا وَالنَّعِيم فِي الْآخِرَة، وَالْحُسْنَى فعلى من الْحسن.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين لم يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ أَي: لم يجيبوا لَهُ.
وَقَوله: ﴿لَو أَن لَهُم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وَمثله مَعَه لافتدوا بِهِ﴾ يَعْنِي: لبذلوا ذَلِك افتداء من النَّار.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم سوء الْحساب﴾ رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ لفرقد: يَا فريقد، أَتَدْرِي مَا سوء الْحساب؟ هُوَ أَن يُحَاسب على جَمِيع الذُّنُوب وَلَا يغْفر مِنْهَا شَيْئا.
وَقد صَحَّ عَن النَّبِي بِرِوَايَة عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا -: " من نُوقِشَ الْحساب
﴿جَهَنَّم وَبئسَ المهاد (18) أَفَمَن يعلم أَنما أنزل إِلَيْك من رَبك الْحق كمن هُوَ أعمى إِنَّمَا يتَذَكَّر أولُوا الْأَلْبَاب (19) الَّذين يُوفونَ بِعَهْد الله وَلَا ينقضون الْمِيثَاق (20) وَالَّذين يصلونَ مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل ويخشون رَبهم وَيَخَافُونَ سوء الْحساب (21) وَالَّذين صَبَرُوا ابْتِغَاء وَجه رَبهم وَأَقَامُوا الصَّلَاة وأنفقوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سرا وَعَلَانِيَة﴾ عذب " وَفِي رِوَايَة " هلك " وَقيل: إِن سوء الْحساب هُوَ أَن لَا يقبل حَسَنَة، وَلَا يعْفُو عَن سَيِّئَة.
وَقَوله: ﴿ومأواهم جَهَنَّم﴾ أَي: مستقرهم جَهَنَّم.
وَقَوله: ﴿وَبئسَ المهاد﴾ أَي: بئس مَا مهدوا لأَنْفُسِهِمْ أَي: بئس مَا مهد لَهُم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن يعلم أَنما أنزل إِلَيْك من رَبك الْحق كمن هُوَ أعمى﴾ نزلت الْآيَة فِي حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَأبي جهل بن هِشَام، فَالْأول حَمْزَة وَالثَّانِي أَبُو جهل، وَقيل: فِي عمار بن يَاسر وَأبي جهل.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا يتَذَكَّر أولو الْأَلْبَاب﴾ أَي: يتعظ أولو الْأَلْبَاب، وَمعنى الْآيَة: أَن من يبصر الْحق ويتبعه، وَمن لَا يبصر الْحق وَلَا يتبعهُ لَا يستويان أبدا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يُوفونَ بِعَهْد الله﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقيل: عهد الله تَعَالَى مَا أَخذه الله تَعَالَى من الْعَهْد على ذُرِّيَّة آدم حِين أَخذهم من صلبه.
وَقَوله: ﴿وَلَا ينقضون الْمِيثَاق﴾ هُوَ تَحْقِيق الْوَفَاء السَّابِق.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين يصلونَ مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل﴾ يَعْنِي: يُؤمنُونَ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاء، وَقيل: يصلونَ الرَّحِم وَلَا يقطعونه.
وَقَوله: ﴿ويخشون رَبهم﴾ أَي: يخَافُونَ رَبهم ﴿وَيَخَافُونَ سوء الْحساب﴾ أَي: يرهبون سوء الْحساب، وَسُوء الْحساب قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين صَبَرُوا ابْتِغَاء وَجه رَبهم﴾ يَعْنِي: صَبَرُوا على أَمر الله [طلبا لرضا] رَبهم، وَقيل: صَبَرُوا على الْفقر، وعَلى المصائب والبلايا، وَقيل: صَبَرُوا عَن
﴿ويدرءون بِالْحَسَنَة السَّيئَة أُولَئِكَ لَهُم عُقبى الدَّار (22) جنَّات عدن يدْخلُونَهَا وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم وذرياتهم وَالْمَلَائِكَة يدْخلُونَ عَلَيْهِم من كل بَاب (23) ﴾ الْمعاصِي وَقيل: صَبَرُوا عَن شهوات الدُّنْيَا ولذاتها.
وَقَوله: ﴿يدرءون بِالْحَسَنَة السَّيئَة﴾ يَعْنِي: يدْفَعُونَ السَّيئَة بِالْحَسَنَة، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ وَمعنى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " إِذا عملت سَيِّئَة فاعمل بجنبها حَسَنَة تمحها ". وَفِي الْآيَة قَول آخر وَهُوَ أَن السَّيئَة: الذَّنب.
والحسنة: التَّوْبَة.
وَمَعْنَاهُ: يدْفَعُونَ الذَّنب بِالتَّوْبَةِ وَفِي الْخَبَر: " مَا من شَيْء أدْرك لشَيْء من تَوْبَة حَدِيثَة لذنب قديم ".
قَوْله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم عُقبى الدَّار﴾ أَي: الْجنَّة، وَمَعْنَاهُ: لَهُم عَاقِبَة دَار الثَّوَاب.
قَوْله: ﴿جنَّات عدن يدْخلُونَهَا﴾ أَي: بساتين [للإقامة] .
وَقَوله: ﴿يدْخلُونَهَا﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
وَقَوله: ﴿وَمن صلح من آبَائِهِم﴾ أَي: ويدخلها من صلح من آبَائِهِم ﴿وأزواجهم وذرياتهم﴾ وَفِي الْخَبَر: أَن الْمُؤمن يدْخل الْجنَّة، فَيرى ذُريَّته فِيهَا، فَيَقُول: مَتى دَخَلْتُم فِيهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَحن مُنْذُ قديم ننتظرك، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿وَالْمَلَائِكَة يدْخلُونَ عَلَيْهِم من كل بَاب﴾ يَعْنِي: من أَبْوَاب الْجنَّة، وَقيل: من أَبْوَاب الْقُصُور.
وَقَوله: ﴿سَلام عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي: يسلمُونَ عَلَيْهِم سَلاما، وَقيل: يَقُولُونَ: قد سلمكم الله من الْآفَات الَّتِي كُنْتُم تخافونه مِنْهَا، وَفِي الْآثَار أَنهم - يَعْنِي: الْمَلَائِكَة - يأْتونَ بالتحف والهدايا من الله تَعَالَى بِقدر كل يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا [ثَلَاث] عشرَة مرّة.
وَقَوله: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿فَنعم عُقبى الدَّار﴾ أَي: نعم عَاقِبَة الدَّار.
﴿سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عُقبى الدَّار (24) وَالَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مَا أَمر الله بِهِ أَو يُوصل ويفسدون فِي الأَرْض أُولَئِكَ لَهُم اللَّعْنَة وَلَهُم سوء الدَّار (25) الله يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر وفرحوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا مَتَاع (26) وَيَقُول الَّذين كفرُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه قل إِن﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ ظَاهر، وَهَذَا وَارِد فِي الْكفَّار.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ويقطعون مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل﴾ يَعْنِي: يُؤمنُونَ بِبَعْض الْأَنْبِيَاء، ويكفرون بِالْبَعْضِ، وَقيل: يقطعون الرَّحِم.
وَقَوله: ﴿ويفسدون فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: يعْملُونَ فِيهَا بِالْمَعَاصِي.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم اللَّعْنَة﴾ أَي: الْبعد من رَحْمَة الله.
وَقَوله: ﴿وَلَهُم سوء الدَّار﴾ أَي: سوء المنقلب لِأَن المنقلب: مُنْقَلب النَّاس إِلَى الدَّار.
قَوْله: ﴿الله يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر﴾ يَعْنِي: يُوسع على من يَشَاء، ويضيق على من يَشَاء.
وَقَوله: ﴿وفرحوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الْفَرح: لَذَّة فِي الْقلب بنيل المشتهى، وَهَذَا دَلِيل على أَن الْفَرح بالدنيا حرَام مَنْهِيّ عَنهُ.
قَوْله: ﴿وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا مَتَاع﴾ يَعْنِي: إِلَّا قَلِيل، وَيُقَال: كمتاع الرَّاكِب، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا كَمَا يَجْعَل أحدكُم أُصْبُعه فِي اليم فَلْينْظر بِمَ يرجع ".
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيَقُول الَّذين كفرُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه﴾ يعنون الْآيَة المقترحة؛ فَإِن قَالَ قَائِل: لم لَا يجوز أَن يُجِيبهُمْ إِلَى الْآيَة المقترحة، ولعلها تكون سَببا لإيمانهم؟ وَالْجَوَاب: أَن الْآيَة المقترحة لَا نِهَايَة لَهَا، وَإِن وَجب فِي الْمصلحَة أَن يُجيب وَاحِدًا، وَجب أَن يُجيب آخر، إِلَى مَا يتناهى.
وَقَوله: ﴿قل إِن الله يضل من يَشَاء﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وَيهْدِي إِلَيْهِ من أناب﴾ مَعْنَاهُ: وَيهْدِي إِلَيْهِ من يَشَاء بالإنابة، وَفِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة، وَالله الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب بمنه.
﴿الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي إِلَيْهِ من أناب (27) الَّذين آمنُوا وتطمئن قُلُوبهم بِذكر الله أَلا بِذكر الله تطمئِن الْقُلُوب (28) الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات طُوبَى لَهُم وَحسن﴾
وَقَوله تَعَالَى: ﴿الَّذين آمنُوا وتطمئن قُلُوبهم بِذكر الله﴾ أَي: تسكن قُلُوبهم بِذكر الله، وَقيل: تستأنس قُلُوبهم بِذكر الله، والسكون بِالْيَقِينِ، وَالِاضْطِرَاب بِالشَّكِّ، قَالَ الله تَعَالَى فِي شَأْن الْمُشْركين: ﴿إِذا ذكر الله وَحده اشمأزت قُلُوب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة﴾ أَي: اضْطَرَبَتْ، وَقَالَ فِي الْمُؤمنِينَ ﴿الَّذين آمنُوا وتطمئن قُلُوبهم بِذكر الله﴾ . وَقَوله: ﴿أَلا بِذكر الله تطمئِن الْقُلُوب﴾ مَعْنَاهُ: أَلا بِذكر الله تسكن الْقُلُوب، وطمأنينة الْقلب بِزَوَال الشَّك مِنْهُ واستقرار الْيَقِين فِيهِ، فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وجلت قُلُوبهم﴾ فَكيف توجل وتطمئن فِي حَالَة وَاحِدَة؟ وَالْجَوَاب: أَن الوجل بِذكر الْوَعيد وَالْعِقَاب، والطمأنينة بِذكر الْوَعْد وَالثَّوَاب، فَكَأَنَّهَا توجل إِذا ذكر عدل الله وَشدَّة حسابه، وتطمئن إِذا ذكر فضل الله وَكَرمه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ مَعْنَاهُ: وَعمِلُوا الطَّاعَات.
وَقَوله: ﴿طُوبَى لَهُم﴾ فِيهِ أَقْوَال: رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي أُمَامَة وَأبي الدَّرْدَاء وَعَن ابْن عَبَّاس بِرِوَايَة الْكَلْبِيّ أَنهم قَالُوا: طُوبَى شَجَرَة فِي الْجنَّة تظلل الْجنان كلهَا.
وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن أَصْلهَا فِي منزل النَّبِي وقصره، وَفِي كل قصر من قُصُور الْجنَّة غُصْن مِنْهَا، وَعَلَيْهَا من جَمِيع أَنْوَاع الثَّمر، وَتَقَع عَلَيْهَا طيور كالبخت إِذا رَآهَا الْمُؤمن واشتهى مِنْهَا سَقَطت بَين يَدَيْهِ، فيأكل مِنْهَا مَا شَاءَ ثمَّ تطير، وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن رجلا لَو ركب حَقًا أَو جذعا، وَجعل يطوف بأصلها لقَتله الْهَرم، وَلم يبلغ إِلَى الْموضع الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن طُوبَى اسْم الْجنَّة، قَالَ مُجَاهِد: هِيَ اسْم الْجنَّة بالحبشية.
وَعَن عِكْرِمَة: طُوبَى لَهُم أَي نعماء لَهُم، وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: أَي خير وكرامة لَهُم، وَعَن
﴿مئاب (29) كَذَلِك أَرْسَلْنَاك فِي أمة قد خلت من قبلهَا أُمَم لتتلو عَلَيْهِم الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وهم يكفرون بالرحمن قل هُوَ رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ متاب (30) ﴾ الضَّحَّاك: طُوبَى لَهُم أَي: غِبْطَة لَهُم.
والأقوال مُتَقَارِبَة فِي الْمَعْنى، قَالَ الزّجاج: طُوبَى فعلى من الطّيب، وَمَعْنَاهَا: الْعَيْش الطّيب لَهُم.
وَقَوله: ﴿وَحسن مآب﴾ أَي: حسن مُنْقَلب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك أَرْسَلْنَاك فِي أمة﴾ الْآيَة.
معنى كَاف التَّشْبِيه هَاهُنَا: إِنَّا كَمَا أرسلنَا الْأَنْبِيَاء إِلَى سَائِر الْأُمَم؛ كَذَلِك أَرْسَلْنَاك إِلَى هَذِه الْأمة.
قَوْله: ﴿قد خلت من قبلهَا أُمَم﴾ أَي: قد مَضَت من قبلهَا أُمَم.
قَوْله: ﴿لتتلوا عَلَيْهِم الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك﴾ أَي.
لتقرأ عَلَيْهِم الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك.
وَقَوله: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: قَالَ ابْن جريج: الْآيَة مَدَنِيَّة فِي قصَّة الْحُدَيْبِيَة فَإِن سُهَيْل بن عَمْرو لما جَاءَ وَاتَّفَقُوا على أَن يكتبوا كتاب الصُّلْح، كتب عَليّ رَضِي الله عَنهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، فَقَالُوا: لَا نَعْرِف الرَّحْمَن، اكْتُبْ كَمَا نكتب نَحن: بِاسْمِك اللَّهُمَّ ... الْقِصَّة، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾ .
وَالْقَوْل الثَّانِي - وَهُوَ الْمَعْرُوف - أَن الْآيَة مَكِّيَّة، وَسبب نُزُولهَا أَن أَبَا جهل سمع النَّبِي وَهُوَ فِي الْحجر يَدْعُو وَيَقُول: " يَا الله، يَا رَحْمَن ". فَرجع إِلَى الْمُشْركين، وَقَالَ: إِن مُحَمَّدًا يَدْعُو إِلَهَيْنِ يَدْعُو الله، وَيَدْعُو آخر يُسمى الرَّحْمَن وَلَا نَعْرِف الرَّحْمَن إِلَّا رَحْمَن الْيَمَامَة؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَأنزل أَيْضا قَوْله تَعَالَى: ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن﴾ .
وَقَوله: ﴿قل هُوَ رَبِّي﴾ يَعْنِي قل: الرَّحْمَن رَبِّي ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت﴾ عَلَيْهِ اعتمدت وَبِه وثقت ﴿وَإِلَيْهِ متاب﴾ يَعْنِي: وَإِلَيْهِ التَّوْبَة، وَالتَّوْبَة هِيَ النَّدَم على مَا سلف من الجرائم مَعَ الإقلاع عَنْهَا فِي الْمُسْتَقْبل.
﴿وَلَو أَن قُرْآنًا سيرت بِهِ الْجبَال أَو قطعت بِهِ الأَرْض أَو كلم بِهِ الْمَوْتَى بل لله الْأَمر جَمِيعًا أفلم ييئس الَّذين آمنُوا أَن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا وَلَا يزَال الَّذين كفرُوا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَن قُرْآنًا سيرت بِهِ الْجبَال﴾ رُوِيَ أَن الْمُشْركين قَالُوا لرَسُول الله: سل رَبك أَن يسير هَذِه الْجبَال الَّتِي بِمَكَّة فتتسع أَرْضنَا ونتخذ فِيهَا الْمزَارِع، وسل رَبك أَن يقرب إِلَيْنَا الشَّام، فَإِن إِلَيْهِ متاجرنا وَقد أبعد عَنَّا، وَقَالُوا أَيْضا: سل رَبك أَن يخرج لنا الْأَنْهَار ويشق الْعُيُون فِي الأَرْض لنغرس الْأَشْجَار، ونتخذ الْبَسَاتِين، وسل رَبك أَن يبْعَث لنا جمَاعَة من الْمَوْتَى فنسألهم عَن أَمرك، وأحى لنا قصيا؛ فَإِنَّهُ كَانَ شَيخا مُبَارَكًا حَتَّى نَسْأَلهُ عَن أَمرك.
وَفِي بعض الرِّوَايَات أَنهم قَالُوا: سل رَبك بِالْقُرْآنِ الَّذِي أنزل عَلَيْك أَن يفعل هَذَا فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿وَلَو أَن قُرْآنًا سيرت بِهِ الْجبَال﴾ مَعْنَاهُ: وَلَو قضيت أَن أَسِير الْجبَال بِكِتَاب أَو أقطع الأَرْض بِهِ أَو أحيي بِهِ الْمَوْتَى لفَعَلت بِهَذَا الْقُرْآن.
فَإِن قيل: هَذَا الْجَواب الَّذِي تَقولُونَ غير مَذْكُور فِي الْقُرْآن، وَهَذَا زِيَادَة؟
الْجَواب عَنهُ، أَن الْجَواب مَحْذُوف، وَالْعرب تفعل مثل هَذَا، قَالَ الشَّاعِر:
(فَلَو أَنَّهَا نفس تَمُوت سوية ... وَلكنهَا نفس تساقط أنفسا)
وَمَعْنَاهُ: وَلَو أَنَّهَا نفس وَاحِدَة لتسليت بهَا، وَلكنهَا أنفس كَثِيرَة.
وَذكر الْفراء أَن الْجَواب هُوَ: ﴿وَلَو أَن قُرْآنًا سيرت بِهِ الْجبَال أَو قطعت بِهِ الأَرْض أَو كلم بِهِ الْمَوْتَى﴾ لم يُؤمنُوا؛ لما سبق فِي علمنَا من تَركهم الْإِيمَان.
مَعْنَاهُ: أَنا لَو فعلنَا بِالْقُرْآنِ الَّذِي أنزل إِلَيْك مَا سَأَلُوا، لم يُؤمنُوا أَيْضا.
وَقَوله: ﴿بل لله الْأَمر جَمِيعًا﴾ مَعْنَاهُ: بل لله الْأَمر جَمِيعًا فِي هَذِه الْأَشْيَاء؛ إِن شَاءَ فعلهَا وَإِن شَاءَ لم يَفْعَلهَا.
وَقَوله: ﴿أفلم ييئس الَّذين آمنُوا﴾ أَكثر أهل الْمعَانِي على أَن مَعْنَاهُ: أفلم يعلم الَّذين آمنُوا، وَفِي قِرَاءَة ابْن عَبَّاس هَكَذَا: " أفلم يتَبَيَّن للَّذين آمنُوا " وَقد ورد هَذَا اللَّفْظ بِمَعْنى الْعلم فِي لُغَة الْعَرَب، قَالَ الشَّاعِر:
﴿تصيبهم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة أَو تحل قَرِيبا من دَارهم حَتَّى يَأْتِي وعد الله إِن الله لَا يخلف الميعاد (31) وَلَقَد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للَّذين كفرُوا ثمَّ أخذتهم فَكيف﴾
(أَقُول لَهُم بِالشعبِ إِذْ يأسرونني ... ألم تيئسوا أَنِّي ابْن فَارس زَهْدَم)
وَقَالَ آخر:
(ألم ييئس الْأَبْطَال أَنِّي أَنا ابْنه ... وَإِن كنت عَن أَرض الْعَشِيرَة تائيا)
وَأنكر الْكسَائي أَن يكون هَذَا بِمَعْنى الْعلم، وَقَالَ: إِن الْعَرَب لَا تعرف الْيَأْس بِمَعْنى الْعلم، قَالَ: وَإِنَّمَا معنى الْآيَة: أَن أَصْحَاب رَسُول الله لما سمعُوا هَذَا من الْمُشْركين طمعوا فِي أَن يفعل الله مَا سَأَلُوا ويؤمنوا؛ فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة: ﴿أفلم ييئس الَّذين آمنُوا﴾ يَعْنِي: من الصَّحَابَة من إِيمَان هَؤُلَاءِ الْقَوْم، وكل من علم شَيْئا فقد يئس عَن خِلَافه وضده، وَبَعْضهمْ قَالَ مَعْنَاهُ: أفلم يعلم الَّذين آمنُوا من حَال هَؤُلَاءِ الْكفَّار علما يُوجب يأسهم عَن إِيمَانهم، وَقَوله: ﴿أَن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وَلَا يزَال الَّذين كفرُوا تصيبهم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة﴾ أَي نازلة وبلية، وَقيل: إِن القارعة هَاهُنَا: سَرَايَا رَسُول الله ﴿أَو تحل قَرِيبا من دَارهم﴾ يَعْنِي: أَو تحل السّريَّة قَرِيبا من دَارهم، وَقيل: أَو تنزل أَنْت قَرِيبا من دَارهم.
﴿حَتَّى يَأْتِي وعد الله﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه يَوْم الْقِيَامَة، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه يَوْم بدر.
وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يخلف الميعاد﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله: ﴿وَلَقَد استهزئ برسل من قبلك﴾ الِاسْتِهْزَاء: طلب الهزء، وَقد كَانَ الْكفَّار يسْأَلُون هَذِه الْأَشْيَاء عَن طَرِيق الِاسْتِهْزَاء، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة تَسْلِيَة للنَّبِي، مَعْنَاهُ: وَلَقَد استهزئ برسل من قبلك يَعْنِي: كَمَا استهزءوا بك، فقد استهزئ برسل من قبلك.
﴿فأمليت للَّذين كفرُوا﴾ مَعْنَاهُ: فأمهلت وأطلت الْمدَّة لَهُم، وَمِنْه الملوان وَهُوَ اللَّيْل وَالنَّهَار.
وَقَوله: ﴿ثمَّ أخذتهم فَكيف كَانَ عِقَاب﴾ مَعْنَاهُ: ثمَّ أخذتهم فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ، وَفِي الْآخِرَة بالنَّار فَكيف كَانَ [عقابي] لَهُم.
﴿كَانَ عِقَاب (32) أَفَمَن هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت وَجعلُوا لله شُرَكَاء قل سموهم أم تنبئونه بِمَا لَا يعلم فِي الأَرْض أم بِظَاهِر من القَوْل بل زين للَّذين كفرُوا مَكْرهمْ وصدوا عَن السَّبِيل وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد (33) لَهُم عَذَاب فِي الْحَيَاة﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن قَوْله: ﴿أَفَمَن هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت﴾ هُوَ الله، وَالله تَعَالَى لَا يجوز أَن يُسمى قَائِما على الْإِطْلَاق؛ لِأَن الشَّرْع لم يرد بِهِ، وَلِأَن الْقَائِم هُوَ المنتصب، وَيجوز أَن يُوصف بِالْقيامِ على التَّقْيِيد، وَهُوَ أَنه قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت، وَمعنى قَوْله: ﴿قَائِم على كل نفس﴾ : أَنه الْمُتَوَلِي لأحوالها وأعمالها وأرزاقها، وَغير ذَلِك، وَكَذَلِكَ هُوَ الْمُتَوَلِي للمجازاة بكسب الْخَيْر وَالشَّر.
وَقَالَ بَعضهم: معنى قَوْله: ﴿أَفَمَن هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت﴾ أَي: عَالم بكسب كل نفس، قَالَ الشَّاعِر:
(فلولا رجال من قُرَيْش أعزة ... سرقتم ثِيَاب الْبَيْت وَالله قَائِم)
أَي: عَالم.
وَقَوله: ﴿أَفَمَن﴾ مَعْنَاهُ: أَفَمَن كَانَ هَكَذَا كمن لَيْسَ بِهَذَا الْوَصْف.
وَقَوله: ﴿وَجعلُوا لله شُرَكَاء﴾ أَي: وصفوا لله شُرَكَاء، وَقَوله: ﴿قل سموهم﴾ مَعْنَاهُ: قل صفوهم بِالصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ مُسْتَحقَّة لَهَا، ثمَّ انْظُرُوا هَل هِيَ أهل أَن تعبد أَو لَا؟
قَوْله: ﴿أم تنبئونه بِمَا لَا يعلم فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: أم أَنْتُم تنبئون الله بِمَا لَا يعلم.
يَعْنِي: تذكرُونَ لَهُ شَرِيكا وإلها آخر، وَهُوَ لَا يُعلمهُ.
وَقَوله: ﴿أم بِظَاهِر من القَوْل﴾ يَعْنِي أم تتعلقون بِظَاهِر من القَوْل لَا معنى لَهُ، شبه المتجاهل الَّذِي لَا يطْلب حَقِيقَة الْأَمر، وَقيل: بِظَاهِر من القَوْل بباطل من القَوْل: قَالَ الشَّاعِر:
(وعيرني الواشون أَنِّي أحبها ... وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها)
أَي: زائل، وَحكي أَن عبد الله بن الزبير أنْشد هَذَا حِين قيل لَهُ: يَا ابْن ذَات النطاقين، وَقصد الْقَائِل تَعْبِيره وذمه؛ فَقَالَ عبد الله بن الزبير:
(وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها ... ) .
قَوْله: ﴿بل زين للَّذين كفرُوا مَكْرهمْ﴾ أَي: كفرهم.
وَقَوله: ﴿وصدوا عَن السَّبِيل﴾ وَقُرِئَ: " وصدوا " بِرَفْع الصَّاد، أَي: فعل بهم ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وصدوا﴾
﴿الدُّنْيَا ولعذاب الْآخِرَة أشق وَمَا لَهُم من الله من واق (34) مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار أكلهَا دَائِم وظلها تِلْكَ عُقبى الَّذين اتَّقوا وعقبى الْكَافرين النَّار (35) وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يفرحون بِمَا أنزل إِلَيْك وَمن الْأَحْزَاب من﴾ مَعْنَاهُ: فعلوا هم ذَلِك، وَقَوله: ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿لَهُم عَذَاب فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ قد بَينا الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا.
﴿ولعذاب الْآخِرَة أشق﴾ يَعْنِي: أَشد.
وَقَوله: ﴿وَمَا لَهُم من الله من واق﴾ أَي: من يقي.
وَقَوله: ﴿مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون﴾ قرئَ فِي الشاذ: " أَمْثَال الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون " [و] الْمَعْرُوف: ﴿مثل الْجنَّة﴾ وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: صفة الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون، وَالْقَوْل الثَّانِي: مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون جنَّة ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار أكلهَا دَائِم﴾ أَي: لَا يَنْقَطِع ثَمَرهَا وَنَعِيمهَا.
فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ هَاهُنَا: ﴿أكلهَا دَائِم﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَلَهُم رزقهم فِيهَا بكرَة وعشيا﴾ فَكيف التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ؟
الْجَواب: أَن الدَّوَام بِمَعْنى عدم الِانْقِطَاع، فَإِذا لم يَنْقَطِع ورزقوا بكرَة وعشيا، فَهُوَ دَائِم.
وَقَوله: ﴿وظلها﴾ هَذَا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وظل مَمْدُود﴾ .
وَفِي الْأَخْبَار: " أَن ظلّ شَجَرَة وَاحِدَة فِي الْجنَّة يسير الرَّاكِب فِيهَا مائَة عَام لَا يقطعهُ ". وَقَوله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ عُقبى الَّذين اتَّقوا﴾ مَعْنَاهُ: تِلْكَ عَاقِبَة الَّذين اتَّقوا.
وَقَوله: ﴿وعقبى الْكَافرين النَّار﴾ أَي: عَاقِبَة الْكَافرين النَّار.
﴿يُنكر بعضه قل إِنَّمَا أمرت أَن أعبد الله وَلَا أشرك بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مئاب (36) وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حكما عَرَبيا وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد مَا جَاءَك من الْعلم مَا لَك من الله من ولي وَلَا واق (37) وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك وَجَعَلنَا لَهُم أَزْوَاجًا وذرية وَمَا كَانَ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يفرحون بِمَا أنزل إِلَيْك﴾ الْآيَة.
رُوِيَ أَن [الْيَهُود] الَّذين أَسْلمُوا كَانُوا يستقلون ذكر الرَّحْمَن فِي الْقُرْآن مَعَ كَثْرَة ذكره فِي التَّوْرَاة، فَلَمَّا كرر الله ذكر الرَّحْمَن فِي الْقُرْآن فرحوا فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يفرحون﴾ الْآيَة.
وَقَوله: ﴿وَمن الْأَحْزَاب من يُنكر بعضه﴾ الْأَحْزَاب: هم الَّذين تحزبوا على النَّبِي.
وَقَوله: ﴿من يُنكر بعضه﴾ يَعْنِي: ذكر الرَّحْمَن؛ لأَنهم كَانُوا لَا يُنكرُونَ ذكر الله، وَقَوله: ﴿قل إِنَّمَا أمرت أَن أعبد الله وَلَا أشرك بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مآب﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حكما عَرَبيا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: قُرْآنًا عَرَبيا؛ لِأَن فِيهِ الْأَحْكَام، وَالْآخر نَبيا عَرَبيا؛ لِأَن النَّبِي كَانَ مِنْهُم، وَالْقُرْآن نزل بلغتهم.
وَقَوله: ﴿وَلَئِن اتبعت أهواءهم﴾ الْهوى: ميل الطَّبْع لشَهْوَة النَّفس.
وَأَكْثَره مَذْمُوم.
قَوْله: ﴿بعد مَا جَاءَك من الْعلم﴾ يَعْنِي: من الْقُرْآن ﴿مَالك من الله من ولي وَلَا واق﴾ يَعْنِي: من نَاصِر وَلَا حَافظ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك﴾ الْآيَة، رُوِيَ أَن الْيَهُود ذموا النَّبِي باستكثاره من النِّسَاء، وَقَالُوا: هَذَا الرجل لَيْسَ لَهُ همة إِلَّا فِي النِّسَاء، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: وَقيل: إِن الْمُشْركين قَالُوا هَذَا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ﴿وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك وَجَعَلنَا لَهُم أَزْوَاجًا وذرية﴾ وَيُقَال: إِنَّه كَانَ لداود مائَة امْرَأَة، وَقد صَحَّ الْخَبَر فِيهِ عَن النَّبِي، وَدلّ عَلَيْهِ الْكتاب.
وَكَانَ لِسُلَيْمَان [ألف] امْرَأَة
﴿لرَسُول أَن يَأْتِي بِآيَة إِلَّا بِإِذن الله لكل أجل كتاب (38) يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ فِي الصَّحِيح، ثلثمِائة امْرَأَة، وَسَبْعمائة سَرِيَّة؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَجَعَلنَا لَهُم أَزْوَاجًا وذرية﴾ وَكَذَلِكَ عَامَّة الْأَنْبِيَاء تزوجوا وَولد لَهُم.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ لرَسُول أَن يَأْتِي بِآيَة إِلَّا بِإِذن الله﴾ أَي: إِلَّا بِأَمْر الله ﴿لكل أجل كتاب﴾ مَعْنَاهُ: لكل أجل أَجله الشَّرْع كتاب أثبت فِيهِ.
وَقيل: هَذَا على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَمَعْنَاهُ: لكل كتاب أجل وَمُدَّة، وَمَعْنَاهُ الْكتب الْمنزلَة وَقيل: لكل أجل كتاب، أَي: لكل قَضَاء قَضَاهُ الله تَعَالَى وَقت يَقع فِيهِ، وَكتاب أثبت فِيهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ فِيهِ أَقْوَال: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه يمحو الله مَا يَشَاء من الشَّرِيعَة، أَي: ينْسَخ.
وَيثبت مَا يَشَاء، فَلَا ينْسَخ.
وَحكي عَنهُ أَيْضا بِرِوَايَة سعيد بن جُبَير قَالَ: ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ إِلَّا الشقاوة والسعادة والحياة وَالْمَوْت، وَعَن عمر وَعبد الله بن مَسْعُود - رَضِي الله عَنْهُم - أَنَّهُمَا قَالَا: يمحو الشقاوة والسعادة أَيْضا، ويمحو الْأَجَل والرزق، وَيثبت مَا يَشَاء.
وَكَانَ عمر يَقُول: اللَّهُمَّ إِن كنت كتبتني شقيا فامحه واكتبني مَا تشَاء سعيدا، فَإنَّك قلت: ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ . وَفِي بعض الْآثَار أَن الرجل يكون قد بَقِي لَهُ من عمره ثَلَاثُونَ سنة فَيقطع رَحمَه، فَيرد إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام، وَالرجل يكون قد بَقِي لَهُ من عمره ثَلَاثَة أَيَّام فيصل رَحمَه فيمد إِلَى ثَلَاثِينَ سنة.
وَقد ورد خبر يُؤَيّد قَول ابْن عَبَّاس فِي أَنه لَا يمحى الشقاوة والسعادة وَالْأَجَل والرزق، روى حُذَيْفَة بن أسيد عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِذا وَقعت النُّطْفَة فِي الرَّحِم، وَمضى عَلَيْهَا خمس وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة، قَالَ الْملك: يَا رب، أذكر أم أُنْثَى؟ فَيَقْضِي الله، وَيكْتب الْملك، فَيَقُول: يَا رب، أشقي أم سعيد؟ فَيَقْضِي الله تَعَالَى، وَيكْتب الْملك، فَيَقُول: يَا رب مَا الْأَجَل؟ وَمَا الرزق؟ فَيَقْضِي الله تَعَالَى وَيكْتب الْملك ثمَّ لَا يُزَاد فِيهِ وَلَا ينقص.
ذكره مُسلم فِي الصَّحِيح.
﴿وَعِنْده أم الْكتاب (39) وَإِن مَا نرينك بعض الَّذِي نعدهم أَو نتوفينك فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ وعلينا الْحساب (40) أولم يرَوا أَنا نأتي الأَرْض ننقصها من أطرافها وَالله﴾
وَفِي الْآيَة قَول آخر، وَهُوَ قَول الْحسن: ﴿يمحو الله مَا يَشَاء﴾ أَي: يمحو من حضر أَجله وَيثبت مَا يَشَاء من لم يحضر أَجله، وَفِي الْآيَة قَول رَابِع: أَن المُرَاد مِنْهُ أَن الْحفظَة يَكْتُبُونَ جَمِيع أَعمال بني آدم، فَيَمْحُو الله مِنْهَا مَا يَشَاء، وَهُوَ مَا لَا ثَوَاب عَلَيْهِ وَلَا عِقَاب، وَيثبت مَا يَشَاء وَهُوَ الَّذِي يسْتَحق عَلَيْهِ الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَقيل: ﴿يمحو الله مَا يَشَاء﴾ أَي: يمحو مَا يَشَاء لمن عَصَاهُ فختم أمره بِالطَّاعَةِ، وَيثبت بالمعصية لمن أطَاع، وَختم أمره بالمعصية.
وَالْمَنْقُول عَن السّلف هِيَ الْأَقْوَال الَّتِي ذَكرنَاهَا قبل هَذَا القَوْل.
وَقَوله: ﴿وَعِنْده أم الْكتاب﴾ مَعْنَاهُ: وَعِنْده أصل الْكتاب، وأصل الْكتاب: هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
وَفِي بعض الْأَخْبَار " أَن الله تَعَالَى ينظر فِي الْكتاب الَّذِي عِنْده لثلاث سَاعَات يبْقين من اللَّيْل؛ فَيَمْحُو مَا يَشَاء وَيثبت مَا يَشَاء، ويبدل مَا يَشَاء ويقرر مَا يَشَاء ".
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا نرينك بعض الَّذِي نعدهم﴾ الْآيَة.
بعض الَّذين نعدهم، أَي: قبل وفاتك ﴿أَو نتوفينك﴾ وَقبل أَن نريك ذَلِك ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ﴾ أَي: التَّبْلِيغ ﴿وعلينا الْحساب﴾ يَوْم الْقِيَامَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أولم يرَوا أَنا نأتي الأَرْض ننقصها من أطرافها﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد من هَذَا هُوَ فتح ديار الشّرك، وَسمي ذَلِك نُقْصَانا؛ لِأَنَّهُ إِذا زَاد فِي دَار الْإِسْلَام فقد نقص من دَار الشّرك، وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَجَمَاعَة.
وَعَن ابْن عَبَّاس - فِي رِوَايَة أُخْرَى - قَالَ: هُوَ موت الأخيار وَالْعُلَمَاء.
وَحكي ذَلِك عَن مُجَاهِد.
وَقيل: ننقصها من أطرافها بخرابها، والساعة تقوم وكل الأَرْض خربة، وَيُقَال فِي منثور