الأنعام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ معَاذ الله﴾ أَعْتَصِم بِاللَّه ﴿أَن نَأْخُذ إِلَّا من وجدنَا متاعنا عِنْده إِنَّا إِذا لظالمون﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى، وَمَعْنَاهُ: أَن نَأْخُذ البرىء بدل الْجَانِي، فَإِن أَخذنَا فَإنَّا ظَالِمُونَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه لما استخرج الصَّاع وَعَاد الْإِخْوَة إِلَيْهِ دَعَا بالصاع ونقره بقضيب فِي يَده فطن الصَّاع.
﴿كَبِيرهمْ ألم تعلمُوا أَن أَبَاكُم قد أَخذ عَلَيْكُم موثقًا من الله وَمن قبل مَا فرطتم فِي يُوسُف فَلَنْ أَبْرَح الأَرْض حَتَّى يَأْذَن لي أبي أَو يحكم الله لي وَهُوَ خير﴾
فَقَالَ: يَا قوم إِن هَذَا الصَّاع ليخبرني بِخَبَر، قَالُوا: وَمَا يُخْبِرك أَيهَا الْملك؟ فَقَالَ: إِنَّه يُخْبِرنِي أَنكُمْ كُنْتُم (اثنى) عشر إخْوَة وأنكم أَخَذْتُم أَخا لكم من أبيكم وألقيتموه فِي الْجب وبعتموه من بعد، قَالَ: فَجعل ينظر بَعضهم إِلَى بعض فَقَامَ بنيامين وَسجد لَهُ، وَقَالَ: صدق صاعك (أَيهَا الْملك) ، سَله: أَحَي أخي أَو لَا؟ ، فَنقرَ الصَّاع ثَانِيًا وَطن فَقَالَ: إِنَّه يَقُول: هُوَ حَيّ، وستراه.
فَقَالَ: سَله من سرق الصَّاع؟ فَقَالَ: هُوَ غَضْبَان - يَعْنِي الصَّاع - وَيَقُول كَيفَ تَسْأَلنِي وَقد رَأَيْت فِي يَد من كنت؟ ! أوردهُ النقاش وَأَبُو الْحسن بن فَارس وَغَيرهمَا، وَالله أعلم.
وَمعنى قَوْله: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ﴾ أَي: تيأسوا مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: استيأسوا استيقنوا أَن الْأَخ لَا يرد إِلَيْهِم، وَأنْشد:
(أَقُول لَهُم بِالشعبِ إِذْ يأسرونني ... ألم تيأسوا أَنِّي ابْن فَارس زَهْدَم)
يَعْنِي: ألم تعلمُوا.
وَقَوله ﴿خلصوا نجيا﴾ يَعْنِي: انفردوا يتناجون، ويتشاورون فِي أَمر أخيهم، وَمعنى ﴿خلصوا﴾ : أَنه لم يكن مَعَهم غَيرهم.
تَقول الْعَرَب: قوم نجى.
قَالَ الشَّاعِر:
(حَتَّى إِذا مَا الْقَوْم كَانُوا أنجية ... واختلطت أَحْوَالهم كالأرشية)
وَقَوله: ﴿قَالَ كَبِيرهمْ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ يهوذا وَلم يكن أكبرهم فِي السن، وَلَكِن كَانَ فِي الْعقل أكبرهم، وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ شَمْعُون وَكَانَت لَهُ الرِّئَاسَة على إخْوَته، وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ الروبيل وَكَانَ أكبرهم فِي السن.
وَقَوله: ﴿ألم تعلمُوا أَن أَبَاكُم قد أَخذ عَلَيْكُم موثقًا من الله﴾ قد بَينا معنى الموثق.
وَقَوله: ﴿وَمن قبل مَا فرطتم فِي يُوسُف﴾ يَعْنِي: قصرتم وتركتم عهد أبيكم.
﴿الْحَاكِمين (80) ارْجعُوا إِلَى أبيكم فَقولُوا يَا أَبَانَا إِن ابْنك سرق وَمَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا علمنَا وَمَا كُنَّا للغيب حافظين (81) واسأل الْقرْبَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعير الَّتِي أَقبلنَا فِيهَا وَإِنَّا لصادقون (82) قَالَ بل سَوَّلت لكم أَنفسكُم أمرا فَصَبر﴾ وَقَوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَح الأَرْض﴾ يَعْنِي: لن أَبْرَح أَرض مصر ﴿حَتَّى يَأْذَن لي أبي﴾ يَعْنِي: يدعوني أبي ﴿أَو يحكم الله لي﴾ أَي: يرد أخي إِلَيّ، وَقيل: يحكم الله لي بِالسَّيْفِ فأقاتلهم وأسترد أخي ﴿وَهُوَ خير الْحَاكِمين﴾ يَعْنِي: وَهُوَ خير الفاصلين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْجعُوا إِلَى أبيكم﴾ الْآيَة: امضوا إِلَى أبيكم ﴿فَقولُوا يَا أَبَانَا إِن ابْنك سرق﴾ وَحكي عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ: " أَنه إِن ابْنك سرق " وَفِيه مَعْنيانِ: أَحدهمَا: اتهمَ بِالسَّرقَةِ.
وَالْآخر: علم مِنْهُ السّرقَة.
وَقَوله: ﴿وَمَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا علمنَا﴾ يَعْنِي: إِلَّا بِمَا رَأينَا فَإنَّا رَأينَا إِخْرَاج الصَّاع من مَتَاعه.
وَقَوله: ﴿وَمَا كُنَّا للغيب حافظين﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَا كُنَّا لليله ونهاره وذهابه ومجيئه حافظين، وَإِنَّمَا كُنَّا نعلم من حَاله مادام عندنَا، وَالْقَوْل الثَّانِي يَعْنِي: أَنا لَو علمنَا أَنه سيسرق مَا حملناه مَعَ أَنْفُسنَا فَنحْن لم نعلم هَذَا الْغَيْب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿واسأل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ يَعْنِي: أهل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا.
﴿وَالْعير الَّتِي أَقبلنَا فِيهَا﴾ يَعْنِي: وَأهل العير الَّتِي أَقبلنَا فِيهَا، أَي: كُنَّا فِيهَا.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لصادقون﴾ ظَاهر.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ استجاز يُوسُف - عَلَيْهِ السَّلَام - أَن يعْمل كل هَذَا بِأَبِيهِ وَلم يُخبرهُ بمكانه وَلم يُرْسل إِلَيْهِ أحدا، ثمَّ حبس أَخَاهُ عِنْده وَقد عرف شدَّة وجده عَلَيْهِ، وَهَذَا أعظم من كل عقوق، وَفِيه قطع الرَّحِم وَقلة الشَّفَقَة؟ الْجَواب عَنهُ: قد أَكثر النَّاس فِي هَذَا، وَالصَّحِيح أَنه عمل مَا عمل بِأَمْر الله تَعَالَى، وَأمره الله تَعَالَى بذلك ليزِيد فِي بلَاء يَعْقُوب ويضاعف لَهُ الْأجر، وَيرْفَع دَرَجَته [فيلحقه] فِي الدرجَة بآبائه الماضين.
وَقيل: إِنَّه لم يظْهر نَفسه للإخوة؛ لِأَنَّهُ لم يَأْمَن عَلَيْهِم أَن يدبروا، فِي ذَلِك تدبيرا ويكتموا عَن أَبِيهِم، وَالصَّحِيح هُوَ الأول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ بل سَوَّلت لكم أَنفسكُم أمرا﴾ فِي الْآيَة اخْتِصَار؛ لأَنهم رجعُوا
﴿جميل عَسى الله أَن يأتيني بهم جَمِيعًا إِنَّه هُوَ الْعلم الْحَكِيم (83) وَتَوَلَّى عَنْهُم وَقَالَ يَا أسفى على يُوسُف وابيضت عَيناهُ من الْحزن فَهُوَ كظيم (84) ﴾ وَذكروا لأبيهم بِمَا علمهمْ كَبِيرهمْ، ثمَّ إِن يَعْقُوب قَالَ مَا قَالَ، وَمعنى التسويل هَاهُنَا: أَن زينت لكم أَنفسكُم حمل أخيكم إِلَى مصر لتطلبوا نفعا عَاجلا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصَبر جميل﴾ أَي: فصبري صَبر جميل.
وَالصَّبْر: حبس النَّفس عَمَّا تنَازع إِلَيْهِ النَّفس وَقد بَينا معنى الْجَمِيل.
وَقَوله: ﴿عَسى الله أَن يأتيني بهم جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: يُوسُف وأخاه بنيامين ويهوذا.
وَفِي الْقِصَّة: أَن ملك الْمَوْت - عَلَيْهِ السَّلَام - زار يَعْقُوب فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْملك الطّيب رِيحه، الْحسن صورته هَل قبضت روح وَلَدي فِي الْأَرْوَاح؟ فَقَالَ: لَا.
فسكن يَعْقُوب على ذَلِك، وَعلم أَنه حَيّ وطمع فِي رُؤْيَته.
وَقَوله: ﴿إِنَّه هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم﴾ مَعْنَاهُ: الْعَلِيم بمكانهم، الْحَكِيم فِي تدبيرهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُم وَقَالَ يَا أسفى على يُوسُف﴾ الْآيَة.
رُوِيَ أَن بنيامين لما حَبسه يُوسُف اشْتَدَّ الْأَمر على يَعْقُوب غَايَة الشدَّة وَبلغ الْحزن [بِهِ نهايته] ، وَلم يملك بعد ذَلِك الصَّبْر، فجزع، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُم﴾ أَي: أعرض عَنْهُم ﴿وَقَالَ يَا أسفى﴾ وروى أنس بن مَالك - رَضِي الله عَنهُ - عَن النَّبِي: " أَن بعض إخْوَان يَعْقُوب زَارَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا يَعْقُوب، مَا الَّذِي أعمى عَيْنَيْك وقوس ظهرك؟ فَقَالَ: أعمى عَيْني كَثْرَة الْبكاء على يُوسُف، وقوس ظَهْري شدَّة الْحزن على بنيامين، فَبعث الله تَعَالَى إِلَيْهِ جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - وَقَالَ: يَا يَعْقُوب أَتَشْكُونِي إِلَى خلقي؟ ! فَبعد ذَلِك دخل بَيته ورد بَابه، و ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله﴾ " وَمعنى
﴿قَالُوا تالله تفتأ تذكر يُوسُف حَتَّى تكون حرضا أَو تكون من الهالكين (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله وَأعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ (86) يَا بني﴾ قَوْله: ﴿يَا أسفى﴾ يَا حزن على يُوسُف، والأسف: شدَّة الْحزن.
وَقَوله: ﴿وابيضت عَيناهُ من الْحزن﴾ يَعْنِي: غلب الْبيَاض على الحدقة وَذَهَبت الرُّؤْيَة.
وَنسبه إِلَى الْحزن؛ لِأَنَّهُ كَانَ يبكي لشدَّة الْحزن وَعمي لشدَّة الْبكاء.
وَقَوله: ﴿فَهُوَ كظيم﴾ أَي: مُمْسك على حزنه لَا يبثه وَلَا يذكرهُ للنَّاس.
فَهَذَا بعد أَن نَهَاهُ الله عَن ذَلِك على مَا بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا تالله تفتأ تذكر يُوسُف﴾ يَعْنِي: لَا تزَال تذكر يُوسُف، و " لَا " محذوفة، وَقَوله: ﴿حَتَّى تكون حرضا﴾ قَالَ ثَعْلَب - أَحْمد بن يحيى - الحرض: كل شَيْء لَا ينْتَفع بِهِ، قَالَ مُجَاهِد: الحرض مَا دون الْمَوْت، وَقَالَ الْفراء: الحرض هُوَ الَّذِي فسد جِسْمه وعقله، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الحرض هُوَ الَّذِي أذابه الْحزن.
وَقيل: هُوَ المدنف البال، والأقوال مُتَقَارِبَة.
وَعَن أنس بن مَالك أَنه قَرَأَ: " حَتَّى تكون حرضا " والحرض: الأشنان، وَمَعْنَاهُ: حَتَّى تصير كعود [الأشنان] ، وَقَوله: ﴿أَو تكون من الهالكين﴾ أَي: من الميتين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله وَأعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ قد بَينا الْخَبَر [الْوَارِد] فِي هَذَا بِرِوَايَة أنس.
والبث: الْهم، ﴿وحزني إِلَى الله﴾ ، وروى أَنه قَالَ: يَا رب، أما ترحمني، قد أخذت مني كَذَا وَكَذَا - وَجعل يعدد - رد إِلَيّ ريحانتي (فأشمها شمة ثمَّ افْعَل) بِي مَا أردْت وَلَا أُبَالِي، فَأوحى الله - تَعَالَى - إِلَيْهِ: أَن اسكن وَفرغ روعك فسأردهما إِلَيْك.
وَفِي الْآثَار المسندة عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: بَكَى يَعْقُوب ثَمَانِينَ سنة وَمَا جف لَهُ دمع، وَلم يكن على وَجه الأَرْض أحد أكْرم على الله مِنْهُ.
قَوْله: ﴿وَأعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: أعلم من حَيَاة يُوسُف مَا لَا تعلمُونَ، وَقيل: أعلم من تَحْقِيق رُؤْيا يُوسُف مَا لَا تعلمُونَ، فَإِن قَالَ قَائِل:
كَيفَ بَكَى يَعْقُوب كل هَذَا الْبكاء وحزن هَذَا الْحزن، وَهل أُصِيب إِلَّا بفقد ولد وَاحِد، أفما كَانَ عَلَيْهِ أَن يسلم الْأَمر إِلَى الله تَعَالَى ويصبر؟ الْجَواب عَنهُ: أَنه امتحن فِي هَذَا بِمَا لم يمْتَحن بِهِ غَيره، وَلم يسْأَل عَن يُوسُف مَعَ طول الزَّمَان، وَكَانَ [ابتلاؤه] فِيهِ أَنه لم يعلم حَيَاته فيرجو رُؤْيَته، وَلم يعلم مَوته فَيسْأَل عَنهُ، وَكَانَ يُوسُف من بَين سَائِر الْإِخْوَة خص بالجمال الْكَامِل (وَالْعقل) وَحسن الْخلق وَسَائِر مَا يمِيل الْقلب إِلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه مَاتَ أَخُوهُ فَبكى عَلَيْهِ بكاء شَدِيدا فَسئلَ عَن ذَلِك؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ من لم يَجْعَل الْحزن عارا على أَهله، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله﴾ . وروى حبيب بن أبي ثَابت قَالَ: لما كبر يَعْقُوب وَطَالَ عَلَيْهِ الْحزن سقط حاجباه على عَيْنَيْهِ من الْكبر فَكَانَ يرفعهما بِخرقَة، فَدخل عَلَيْهِ بعض جِيرَانه وَقَالَ: مَا الَّذِي بلغ بك مَا بلغ وَلم تبلغ سنّ أَبِيك بعد؟ قَالَ: طول الزَّمَان وَكَثْرَة [الأحزان] ، فَبعث الله إِلَيْهِ جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - وَقَالَ: يَا يَعْقُوب، شكوتني إِلَى خلقي؟ ! فَقَالَ: خَطِيئَة فاغفرها لي يَا رب.
فغفرها الله لَهُ، وَكَانَ بعد ذَلِك إِذا سُئِلَ عَن حَاله قَالَ: " إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله " وَعَن وهب بن مُنَبّه: أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى يَعْقُوب - عَلَيْهِ السَّلَام - فَقَالَ: أَتَدْرِي لم عاقبتك وَفرقت بَيْنك وَبَين ولدك؟ قَالَ: يَا رب لَا، فَقَالَ: لِأَنَّك ذبحت شَاة وشويتها وقترت على جَارك وأكلت وَلم تطعمه؛ وَقد روى أنس، عَن النَّبِي قَرِيبا من هَذَا أوردهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله.
وَفِي خبر أنس: " أَن الله تَعَالَى قَالَ ليعقوب: اتخذ طَعَاما وادع إِلَيْهِ الْمَسَاكِين، فَفعل وَكَانَ بعد ذَلِك إِذا تغد أَمر من يُنَادي: من أَرَادَ الْغَدَاء فليأت يَعْقُوب، وَإِذا أفطر أَمر من يُنَادي: من أَرَادَ أَن يفْطر فليأت يَعْقُوب، فَكَانَ يتغدى مَعَه الْقَوْم الْكثير، ويتعشى مَعَه الْقَوْم الْكثير من الْمَسَاكِين ".
وَفِي الْقِصَّة: أَن سَبَب ابتلاء يَعْقُوب أَنه ذبح عجلا بَين يَدي أمهَا وَهِي تخور.
وَعَن عبد الله بن يزِيد وَابْن أبي فَرْوَة: أَن يَعْقُوب - عَلَيْهِ السَّلَام - كتب كتابا إِلَى
﴿اذْهَبُوا فتحسسوا من يُوسُف وأخيه وَلَا تيأسوا من روح الله إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ (87) فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيهَا الْعَزِيز مسنا﴾ يُوسُف حِين حبس بنيامين: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من يَعْقُوب إِسْرَائِيل الله بن إِسْحَاق ذبيح الله ابْن إِبْرَاهِيم خَلِيل الله إِلَى ملك مصر أما بعد: فَإنَّا أهل بَيت (وكل) بِنَا الْبلَاء، أما جدي إِبْرَاهِيم فشدت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وَأُلْقِي فِي النَّار فجعلهما الله عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا؛ وَأما أبي إِسْحَاق فشدت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وَوضع السكين على حلقه فَفَدَاهُ الله بكبش، وَأما أَنا فابتليت بِفِرَاق أحب أَوْلَادِي إِلَيّ وَكنت أَتَسَلَّى بأَخيه من أمه وَقد حَبسته وَزَعَمت أَنه سرق، وَالله مَا أَنا بسارق وَلم أَلد سَارِقا فَإِن رَددته إِلَيّ وَإِلَّا دَعَوْت عَلَيْك دَعْوَة تدْرك السَّابِع من ولدك.
فَلَمَّا بلغ (إِلَيْهِ الْكتاب) بَكَى بكاء شَدِيدا وَأظْهر نَفسه على مَا يرد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بني اذْهَبُوا فتحسسوا من يُوسُف﴾ التحسس: طلب الشَّيْء بالحاسة، وَمَعْنَاهُ: اطْلُبُوا وابحثوا عَن خبر يُوسُف وأخيه.
وَقَوله: ﴿وَلَا تيأسوا من روح الله﴾ فِي الشاذ قرىء: " من روح الله " (وَعَن أبي بن كَعْب أَنه قَرَأَ: " من رَحْمَة الله " وَالروح مَأْخُوذ من الرّيح، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مَا يستراح بِهِ.
وَقيل: من روح الله) أَي: من فرج الله، قَالَه أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء، وَقيل: من رَحْمَة الله، وَقيل: من فضل الله.
وَقَوله: ﴿إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ( ﴿فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ﴾ قَالُوا يَا أَيهَا الْعَزِيز مسنا وأهلنا الضّر) يَعْنِي: الْجُوع وَالْحَاجة.
وَقَوله: ﴿وَجِئْنَا ببضاعة مزجاة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَت دراهمهم زُيُوفًا فِي هَذِه الكرة، وَلم تَكُ تنْفق فِي الطَّعَام فَهَذَا معنى المزجاة، وَعَن مُجَاهِد وَقَتَادَة: مزجاة: قَليلَة يسيرَة، وَقَالَ مقَاتل: كَانَت بضاعتهم حَبَّة الخضراء، وَعَن الْكَلْبِيّ قَالَ: كَانَت بضاعتهم الحبال وَخلق الغرائر، وَقيل: كَانَت سويق الْمقل.
﴿وأهلنا الضّر وَجِئْنَا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الْكَيْل وَتصدق علينا إِن الله يَجْزِي المتصدقين (88) قَالَ هَل علمْتُم مَا فَعلْتُمْ بِيُوسُف وأخيه إِذْ أَنْتُم جاهلون (89) قَالُوا أئنك لأَنْت يُوسُف قَالَ أَنا يُوسُف وَهَذَا أخي قد من الله علينا إِنَّه﴾
وَقَالَ (كَعْب: كَانَت عشرَة دَنَانِير.
وَقيل: كَانَ مَتَاع الْأَعْرَاب من الصُّوف والأقط وَغَيره.
وَقَوله: ﴿فأوف لنا الْكَيْل﴾ مَعْنَاهُ: أتم كَمَا كنت تتمّ كل مرّة.
وَقَوله: ﴿وَتصدق علينا﴾ أَي: بِمَا بَين النافق والكاسد.
وَقيل: تصدق علينا بالتجوز.
قَالَ الشَّاعِر:
(تصدق علينا يَا ابْن عَفَّان واحتسب ... وَأمر علينا الْأَشْعَرِيّ لياليا)
يعنون: أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَقيل: وَتصدق علينا بِإِطْلَاق أخينا، وَعَن مُجَاهِد قَالَ: يكره أَن يَقُول الرجل: اللَّهُمَّ تصدق عَليّ؛ لِأَن الصَّدَقَة إِنَّمَا تكون مِمَّن يَبْتَغِي الثَّوَاب.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالُوا: وَتصدق علينا، وَالصَّدَََقَة لَا تحل للأنبياء؟ الْجَواب: أَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة قَالَ: قد كَانَت حَلَالا لَهُم، ولأنا بَينا أَن المُرَاد مِنْهُ التَّجَوُّز والمحاباة، وَهَذَا جَائِز بالِاتِّفَاقِ.
وَقَوله: ﴿إِن الله يَجْزِي المتصدقين﴾ لم يَقُولُوا: يجْزِيك؛ لأَنهم لم يثقوا بإيمانه، فَقَالُوا: إِن الله يَجْزِي المتصدقين على الْإِطْلَاق لهَذَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ هَل علمْتُم مَا فَعلْتُمْ بِيُوسُف وأخيه﴾ رُوِيَ أَنهم [لما] قَالُوا هَذَا وسَمعه يُوسُف أَدْرَكته الرقة، فَقَالَ لَهُم هَذَا القَوْل: هَل [علمْتُم] مَا فَعلْتُمْ أَي: مَا صَنَعْتُم بِيُوسُف وأخيه، وَالَّذِي فعلوا بأَخيه هُوَ التَّفْرِيق بَينهمَا وَلم يذكر مَا فعلوا بِيَعْقُوب دفعا لحشمته وتعظيما لَهُ.
وَقَوله: ﴿إِذْ أَنْتُم جاهلون﴾ مَعْنَاهُ: إِذْ أَنْتُم آثمون عاصون، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِذْ أَنْتُم صبيان، وَعَن الْحسن قَالَ: إِذْ أَنْتُم شُبَّان وَمَعَكُمْ جهل الشبَّان، وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما قَالَ هَذَا القَوْل تَبَسم فَرَأَوْا ثناياه منظوما كَاللُّؤْلُؤِ فعرفوه وَقَالُوا:
﴿أئنك لأَنْت يُوسُف﴾ وَقَالَ بَعضهم: قَالُوا هَذَا على التَّوَهُّم وَلم يَكُونُوا تيقنوا بعد حَتَّى قَالَ لَهُم: أَنا يُوسُف.
وَقَوله: ﴿أَنا يُوسُف وَهَذَا أخي﴾
﴿من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تالله لقد آثرك الله علينا وَإِن كُنَّا لخاطئين (91) قَالَ لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بقميصي هَذَا فألقوه على وَجه أبي يَأْتِ بَصيرًا وأتوني بأهلكم﴾
حكى الضَّحَّاك أَن فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " وَهَذَا أخي بيني وَبَينه قربى ". وَقَوله: ﴿قد من الله علينا﴾ أَي: أنعم الله علينا ﴿إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ مَعْنَاهُ: من يتق عَن الْمعاصِي ويصبر على الطَّاعَات والمصائب.
وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: من يتق الزِّنَا ويصبر على الْعُزُوبَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا تالله لقد آثرك الله علينا﴾ يَعْنِي: فضلك الله علينا ﴿وَإِن كُنَّا لخاطئين﴾ وَمَا كُنَّا إِلَّا خاطئين، وَقيل: وَقد كُنَّا خاطئين، وَالْفرق بَين خطأ وَأَخْطَأ أَن خطأ: خطأ إِذا تعمد، وَأَخْطَأ: خطأ إِذا كَانَ غير متعمد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم﴾ التثريب هُوَ التعيير ذكره ثَعْلَب وَغَيره، وَقيل: لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم أَي: لَا عُقُوبَة عَلَيْكُم الْيَوْم بعد اعترافكم بالذنب، قَالَ الشَّاعِر: (فعفوت عَنْكُم عَفْو غير مثرب ... وتركتكم لعقاب يَوْم سرمد) وَقَوله: ﴿الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿اذْهَبُوا بقميصي هَذَا﴾ رُوِيَ أَن الله تَعَالَى لما جعل النَّار على إِبْرَاهِيم بردا وَسلَامًا أنزل عَلَيْهِ قَمِيصًا من حَرِير الْجنَّة فَأعْطَاهُ إِبْرَاهِيم إِسْحَاق، وَأَعْطَاهُ إِسْحَاق يَعْقُوب فَجعله يَعْقُوب فِي (قَصَبَة) وَشد رَأسهَا وعلقها فِي عنق يُوسُف - عَلَيْهِ السَّلَام - وَكَانَ يكون فِي عُنُقه، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَقْت بعث الله جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - أَن افْتَحْ القصبة: وَابعث إِلَيْهِ بالقميص فَإِنَّهُ لَا يمسهُ مبتلى إِلَّا عوفي، وَلَا سقيم إِلَّا صَحَّ وبرأ، فَبعث بذلك الْقَمِيص إِلَى يَعْقُوب، فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿اذْهَبُوا بقميصي هَذَا﴾ وَفِي الْقِصَّة أَن يهوذا قَالَ: أَنا أذهب بالقميص إِلَيْهِ فَإِنِّي
﴿أَجْمَعِينَ (93) وَلما فصلت العير قَالَ أبوهم إِنِّي لأجد ريح يُوسُف لَوْلَا أَن تفندون﴾ ذهبت بالقميص مُلَطَّخًا بِالدَّمِ إِلَيْهِ، فَأعْطَاهُ وَخرج حافيا [حاسرا] يعدو وَمَعَهُ سَبْعَة أرغفة فَلم يستوفها حَتَّى بلغ كنعان، وَقيل: إِنَّه بعث على يَد غَيره، [وَقَالَ] : ﴿فألقوه على وَجه أبي يَأْتِ بَصيرًا﴾ قَالَ الْفراء: يرجع بَصيرًا، وَقَالَ غَيره: يعد بَصيرًا؛ قَالَ الْحسن: لم يعلم أَنه يعود بَصيرًا إِلَّا بعد أَن أعلمهُ الله ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وأتوني بأهلكم أَجْمَعِينَ﴾ أَي: جيئوني بأهلكم أَجْمَعِينَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما فصلت العير﴾ يَعْنِي: انفصلت من مصر وَخرجت.
قَوْله: ﴿قَالَ أبوهم إِنِّي لأجد﴾ فِي الْقِصَّة: أَن ريح الصِّبَا اسْتَأْذَنت من رَبهَا أَن تَأتي برِيح يُوسُف إِلَى يَعْقُوب - عَلَيْهِمَا السَّلَام - فَهِيَ الَّتِي جَاءَت برِيح يُوسُف، وَالصبَا: ريح تَأتي من قبل الْمشرق إِذا هبت على الْأَبدَان لينتها ونعمتها وطيبتها، وهيجت الأشواق إِلَى الأحباب والحنين إِلَى الأوطان، قَالَ الشَّاعِر:
(أيا جبلي نعْمَان بِاللَّه خليا ... سَبِيل الصِّبَا يخلص إِلَى نسيمها)
(فَإِن الصِّبَا ريح إِذا مَا تنسمت ... على قلب محزون تجلت همومها)
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " نصرت بالصبا، وأهلكت عَاد بالدبور " وَرُوِيَ أَن الْقَمِيص لما نشر هَاجَتْ مِنْهُ ريح الْجنَّة [فشمها] يَعْقُوب - عَلَيْهِ السَّلَام - فَعلم أَنَّهَا جَاءَت من قبل قَمِيص يُوسُف؛ لِأَنَّهُ لم يكن فِي الأَرْض شَيْء من الْجنَّة سواهُ.
وَقَوله: ﴿لَوْلَا أَن تفندون﴾ مَعْنَاهُ: لَوْلَا أَن تضعفوا رَأْي، وَقيل: لَوْلَا أَن تسفهوني، وَقيل: لَوْلَا أَن تنسبوني إِلَى الْخَوْف وَالْجهل.
قَالَ الشَّاعِر:
﴿قَالُوا تالله إِنَّك لفي ضلالك الْقَدِيم (95) فَلَمَّا أَن جَاءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجهه فَارْتَد بَصيرًا قَالَ ألم أقل لكم إِنِّي أعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتغْفر﴾ (يَا صَاحِبي دَعَا الْمَلَامَة واقصرا ... طَال الْهوى وأطلتما التفنيدا)
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا تالله إِنَّك لفي ضلالك الْقَدِيم﴾ هَذَا قَول بني بنيه، فَإِن بنيه كَانُوا بِمصْر، وَمَعْنَاهُ: تالله إِنَّك لفي خطئك الْقَدِيم، وَالْخَطَأ: هُوَ الذّهاب عَن طَرِيق الصَّوَاب؛ فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدهم أَن يُوسُف قد مَاتَ، وَكَانُوا يرَوْنَ يَعْقُوب قد لهج بِذكرِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يخرج من بَيته فيلقاه الرجل وَمَعَهُ شَيْء يحملهُ فَيَقُول: ضَعْهُ واسمع مني حَدِيثي، وَكَانَ يلقاه الْخَادِم وَالْجَارِيَة فَيَقُول مَعَه مثل هَذَا القَوْل؛ وَكَانُوا يظنون بِهِ خرفا وَخطأ عَظِيما، فَهَذَا معني قَوْلهم: إِنَّك لفي ضلالك الْقَدِيم، وَقيل: إِنَّك لفي [شقائك] الْقَدِيم، والشقاء هَاهُنَا بِمَعْنى التَّعَب، وَقيل: فِي غفلتك الْقَدِيمَة، وَقيل: فِي محبتك الْقَدِيمَة؛ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: فَكَانَ هَذَا عقوقا (عَظِيما) مِنْهُم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجهه﴾ وَمَعْنَاهُ: ألْقى الْقَمِيص على وَجهه.
وَقَوله: ﴿فَارْتَد بَصيرًا﴾ أَي: عَاد بَصيرًا وَرجع بَصيرًا، فَروِيَ أَنه عَادَتْ قوته فِي الْحَال، وَذَهَبت [الغشاوة] وَزَالَ الْبيَاض الَّذِي كَانَ بِعَيْنِه، وَفتح عَيْنَيْهِ كأحسن مَا يكون، و ﴿قَالَ﴾ لِبَنِيهِ وَبني بنيه: ﴿ألم أقل لكم إِنِّي أعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَنه قد كَانَ قَالَ لَهُم: إِن يُوسُف حَيّ، وَإِنِّي أَرْجُو رُؤْيَته.
(وَقيل) : ﴿إِنِّي أعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: من تَحْقِيق رُؤْيا يُوسُف مَا لَا تعلمُونَ، وَفِي بعض الْأَخْبَار أَنه قَالَ للبشير: لَيْسَ عِنْدِي شَيْء أُعْطِيك وَلَكِن هون الله عَلَيْك سَكَرَات الْمَوْت.
وَرُوِيَ أَنه لما جَاءَهُ خبر يُوسُف قَالَ للبشير: على أَي دين تركت يُوسُف؟ قَالَ: على دين الْإِسْلَام، قَالَ: الْآن تمت النِّعْمَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتغْفر لنا ذنوبنا إِنَّا كُنَّا خاطئين﴾ هَذَا دَلِيل على أَنهم عمِلُوا مَا عمِلُوا وَكَانُوا بالغين.
﴿لنا ذنوبنا إِنَّا كُنَّا خاطئين (97) قَالَ سَوف أسْتَغْفر لكم رَبِّي إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم (98) فَلَمَّا دخلُوا على يُوسُف آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادخُلُوا مصر إِن شَاءَ الله آمِنين﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ سَوف أسْتَغْفر لكم رَبِّي﴾ رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - وَجَمَاعَة من التَّابِعين أَنهم قَالُوا: أخر الدُّعَاء إِلَى السحر وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي يَقُول الله تَعَالَى: هَل من دَاع (فيستجاب) لَهُ؟ هَل من سَائل فَيعْطى سؤله "؟ (الْخَبَر) " هَل من مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ؟ " وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه أخر إِلَى لَيْلَة الْجُمُعَة حكى هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَقد رُوِيَ فِي بعض الْأَخْبَار مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي.
وَعَن عَطاء بن ميسرَة الْخُرَاسَانِي قَالَ: الْحَاجة إِلَى الشَّبَاب أسْرع إِجَابَة من الْحَاجة إِلَى الشُّيُوخ، فَإِن يُوسُف - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ: لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم، يغْفر الله لكم وَلم يُؤَخر، وَحين طلبُوا من يَعْقُوب سَوف وَأخر.
وَفِي الْقِصَّة: أَن يَعْقُوب كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل وَيقوم يُوسُف خَلفه وَيقوم بنوه خلف يُوسُف وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُم هَكَذَا عشْرين سنة إِلَى أَن نزل الْوَحْي بمغفرتهم، وَقَوله: ﴿إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا دخلُوا على يُوسُف آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ رُوِيَ أَن يُوسُف بعث بِمِائَتي رَاحِلَة وجهاز كثير ليأتوا بِيَعْقُوب وَقَومه، قَالَ مَسْرُوق: كَانُوا ثَلَاثَة وَتِسْعين من بَين رجل وَامْرَأَة، وَرُوِيَ: اثْنَان وَسبعين وَهُوَ الْأَشْهر.
قَالَ أهل الْأَخْبَار: وَلما خرج مُوسَى ببني إِسْرَائِيل من مصر كَانَ قد (بلغ) عَددهمْ سِتّمائَة ألف مقَاتل وَسبعين ألفا، والذرية ألف ألف وَسَبْعمائة ألف وَكَذَا فِي الْقِصَّة أَنهم جَاءُوا فَلَمَّا قربوا من مصر
﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش وخروا لَهُ سجدا وَقَالَ يَا أَبَت هَذَا تَأْوِيل رءياي من قبل﴾ خرج يُوسُف ليلقاهم مَعَ الْجند، وَرُوِيَ أَنه حمل الْملك الْأَكْبَر مَعَ نَفسه، فَلَمَّا وصلوا إِلَى يَعْقُوب قَالُوا ليعقوب: هَذَا ابْنك قد جَاءَ، قَالَ: فَأَرَادَ يُوسُف أَن يبدأه بِالسَّلَامِ، فَقَالَ جِبْرِيل: لَا حَتَّى يبْدَأ يَعْقُوب بِالسَّلَامِ، فَقَالَ (يَعْقُوب:) السَّلَام عَلَيْك يَا مَذْهَب الأحزان، وَقد رُوِيَ أَنَّهُمَا نزلا وتعانقا، وَفِي بعض الْقَصَص أَنَّهُمَا مشيا فتقدمه يُوسُف بخطوة فجَاء جِبْرِيل وَقَالَ لَهُ: أتتقدم على أَبِيك لَا أخرج من ذريتك نَبيا أبدا، وَفِي بعض الْقَصَص: أَن يُوسُف كَانَ فِي أَرْبَعَة آلَاف من الْجند، وَقد قيل غَيره.
وَقَوله: ﴿آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أَي: ضم إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ، وَالْأَكْثَرُونَ أَن أَبَوَيْهِ أَي: أَبَاهُ وخالته، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: هُوَ أَبوهُ وَأمه وَقد كَانَت حَيَّة، وَفِي بعض التفاسير: أَن الله تَعَالَى بعث أمه وأحياها حَتَّى جَاءَت مَعَ يَعْقُوب إِلَى مصر، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿وَقَالَ ادخُلُوا مصر إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ اخْتلفُوا فِي [معنى] الْمَشِيئَة هَاهُنَا، قَالَ بَعضهم: ادخُلُوا آمِنين من الْجَوَاز ﴿إِن شَاءَ الله﴾ ، وَقد كَانُوا لَا يدْخلُونَ قبل ذَلِك لمصر إِلَّا بِجَوَاز، وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير وَمَعْنَاهُ: سَوف أسْتَغْفر لكم رَبِّي إِن شَاءَ الله وَقَالَ: ادخُلُوا مصر آمِنين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش﴾ الرّفْع: هُوَ النَّقْل إِلَى الْعُلُوّ، وضده الْوَضع، وَالْعرش: سَرِير الْملك، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " اهتز الْعَرْش لمَوْت سعد بن معَاذ " قيل: أَرَادَ بِهِ سَرِيره (الَّذِي حمل عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِشَيْء؛ لِأَن الْكَلَام خرج على وصف التكريم، وَلَا كَرَامَة فِي اهتزاز سَرِيره الَّذِي حمل عَلَيْهِ) ، وَفِي بعض الرِّوَايَات: " اهتز عرش الرَّحْمَن لمَوْت سعد بن معَاذ " فالعرش فِي هَذَا الْخَبَر هُوَ الْعَرْش الْمَعْرُوف واهتزازه استبشاره لإقبال روح سعد بن معَاذ.
وَيجوز أَن يكون المُرَاد
﴿قد جعلهَا رَبِّي حَقًا وَقد أحسن بِي إِذْ أخرجني من السجْن وَجَاء بكم من البدو من بعد﴾ بِذكر الْعَرْش أهل الْعَرْش من الْمَلَائِكَة، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿وخروا لَهُ سجدا﴾ مَعْنَاهُ: وَقَعُوا لَهُ ساجدين، وَاخْتلفُوا فِي هَذِه السَّجْدَة فالأكثرون أَنهم سجدوا لَهُ، [و] كَانَت السَّجْدَة سَجْدَة الْمحبَّة لَا سَجْدَة الْعِبَادَة، وَهُوَ مثل سُجُود الْمَلَائِكَة لآدَم - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ أهل الْعلم: وَكَانَ ذَلِك جَائِز فِي الْأُمَم السالفة، ثمَّ إِن الله تَعَالَى نسخ ذَلِك فِي هَذِه الشَّرِيعَة وأبدل بِالسَّلَامِ، وَقَالَ بَعضهم: أَنهم سجدوا لله لَا ليوسف، وَإِنَّمَا خروا لَهُ سجدا؛ لِأَنَّهُ كَانَ قدامهم فَحصل سجودهم إِلَيْهِ كَمَا يسْجد إِلَى الْمِحْرَاب والجدار، وَالصَّحِيح هُوَ الأول، هَكَذَا قَالَه أهل الْعلم، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه كَانَ فِي رُؤْيَاهُ: ﴿إِنِّي رَأَتْ أحد عشر كوكبا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لي ساجدين﴾ ، فالشمس وَالْقَمَر أَبَوَاهُ، وَأحد عشر كوكبا هم إخْوَته.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ جَازَ السُّجُود لغير الله؟ وَإِذا جَازَ السُّجُود لغير الله فَلم لَا تجوز الْعِبَادَة لغير الله؟ وَالْجَوَاب: أَن الْعِبَادَة نِهَايَة التَّعْظِيم، وَنِهَايَة التَّعْظِيم لَا تجوز إِلَّا لله؛ وَأما السُّجُود: نوع تذلل وخضوع بِوَضْع الخد على الأَرْض وَهُوَ دون الْعِبَادَة، فَلم يمْتَنع جَوَازه للبشر كالانحناء.
وَقَالَ بَعضهم: ﴿وخروا لَهُ سجدا﴾ السُّجُود هَاهُنَا هُوَ الانحناء وَعبر عَنهُ بِالسُّجُود، وَأما حَقِيقَة السُّجُود فَلم تكن.
وَأولى الْأَقَاوِيل هُوَ الأول وَالله أعلم.
قَوْله: ﴿وَقَالَ يَا أَبَت هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل﴾ [تَفْسِير] رُؤْيَايَ من قبل ﴿قد جعلهَا رَبِّي حَقًا﴾ أَي: صدقا ﴿وَقد أحسن بِي﴾ أَي: أنعم عَليّ ﴿إِذْ أخرجني من السجْن﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ لم يقل: إِذْ أخرجني من الْجب، وَكَانَت المحنة عَلَيْهِ والبلية فِي الْجب أَكثر مِنْهَا فِي السجْن؟ الْجَواب عَنهُ: أَنه أعرض عَن ذكر
﴿أَن نَزغ الشَّيْطَان يَبْنِي وَبَين إخوتي إِن رَبِّي لطيف لما يَشَاء إِنَّه هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم (100) رب قد آتيتني من الْملك وعلمتني من تَأْوِيل الْأَحَادِيث فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض أَنْت وليي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة توفني مُسلما وألحقني بالصالحين (101) ذَلِك من أنباء الْغَيْب﴾ الْجب تكرما لِأَن لَا يخجل الْإِخْوَة عَنهُ، وَكَانَ قد قَالَ: ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم﴾ وَفِي إِعَادَته تَثْرِيب وملامة، وَلِأَن النِّعْمَة عَلَيْهِ فِي الْإِخْرَاج من السجْن كَانَت أَكثر؛ لِأَنَّهُ أخرج من الْجب وَجعل عبدا، وَأخرج من السجْن وَجعل ملكا.
قَوْله: ﴿وَجَاء بكم من البدو﴾ البدو: بسيط من الأَرْض يسكنهُ أهل الْمَاشِيَة بماشيتهم، وَقد كَانَ يَعْقُوب وَأَوْلَاده أهل مواشي وَعمد، والعمد: الْخيام، فَلهَذَا قَالَ: وَجَاء بكم من البدو.
وَقَوله: ﴿من بعد أَن نَزغ الشَّيْطَان﴾ مَعْنَاهُ: من بعد أَن أفسد الشَّيْطَان ﴿بيني وَبَين إخوتي﴾ بِالْحَسَدِ.
وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي لطيف لما يَشَاء﴾ اللَّطِيف هُوَ: الرفيق، وَيُقَال معنى الْآيَة: إِن رَبِّي لطيف (بِمن) يَشَاء.
وَحَقِيقَة اللَّطِيف هُوَ الَّذِي يُوصل الْإِحْسَان إِلَى غَيره بِرِفْق.
وَقَوله: ﴿إِنَّه هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿رب قد آتيتني من الْملك﴾ الْملك هُوَ: اتساع الْمَقْدُور لمن لَهُ السياسة وَالتَّدْبِير، وَأدْخل كلمة " من " وَهِي للتَّبْعِيض؛ لِأَنَّهُ كَانَ من يَد ملك مصر، وَقيل: " من " للتجنيس هَاهُنَا، قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الباقر: ملك يُوسُف اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة.
وَقَالَ غَيره: ثَمَانِينَ سنة.
وَقَوله: ﴿وعلمتني من تَأْوِيل الْأَحَادِيث﴾ يَعْنِي: علم الرُّؤْيَا.
وَقَوله ﴿فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: يَا فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿أَنْت ولي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ يَعْنِي: أَنْت تلِي أَمْرِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
وَقَوله: ﴿توفني مُسلما﴾ مَعْنَاهُ: ثبتني على الْإِسْلَام عِنْد الْوَفَاة.
قَالَ قَتَادَة: وَلم يسْأَل نَبِي من الْأَنْبِيَاء الْمَوْت سوى يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَا يتمنين أحدكُم الْمَوْت لضر نزل بِهِ وَلَكِن ليقل: اللَّهُمَّ
أحيني مَا دَامَت الْحَيَاة خيرا لي، وتوفني إِذا كَانَت الْوَفَاة خيرا لي " وَفِي الْقِصَّة: أَن يُوسُف لما جمع لَهُ شَمله وأوصل الله إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَأَهله اشتاق إِلَى ربه فَقَالَ هَذَا القَوْل.
وَقد قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: عَاشَ بعد هَذَا سِنِين كَثِيرَة.
وَقَالَ غَيره: لما قَالَ هَذَا القَوْل لم يمض عَلَيْهِ أُسْبُوع حَتَّى توفّي.
وَأما خبر وَفَاة يَعْقُوب - صلوَات الله عَلَيْهِ - فقد قَالَ أَصْحَاب الْأَخْبَار: إِن يَعْقُوب عَاشَ عِنْد يُوسُف أَرْبعا وَعشْرين سنة بأغبط حَال وأهنأ عَيْش ثمَّ أَدْرَكته الْوَفَاة فَدَعَا بنيه وَقَالَ: يَا بني، ﴿مَا تَعْبدُونَ من بعدِي﴾ الْآيَة، وَقد ذكرنَا فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَأوصى يُوسُف - عَلَيْهِ السَّلَام - أَن يحملهُ إِلَى الأَرْض المقدسة ويدفنه بِجنب أَبِيه إِسْحَاق فَفعل ذَلِك.
وَقَالُوا: عَاشَ يَعْقُوب مائَة وَسبعا وَأَرْبَعين سنة، وَأما يُوسُف فَإِنَّهُ عَاشَ بعد أَبِيه سنتَيْن، وَقيل: أَكثر من ذَلِك، وَالله أعلم، وَتُوفِّي وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة فدفنوه فِي نيل مصر: (لِأَن أهل مصر تشاحنوا عَلَيْهِ وَطلب أهل كل محلّة أَن يدْفن فِي محلتهم رَجَاء بركته، ثمَّ اتَّفقُوا أَن يدْفن فِي نيل مصر) ليجري المَاء عَلَيْهِ وَتصل بركته إِلَيْهِم كلهم.
وَعَن عِكْرِمَة: أَنه دفن فِي [الْجَانِب] الْأَيْمن من النّيل فأخصب ذَلِك الْجَانِب وأجدب الْجَانِب الآخر فاتفقوا على أَن جَعَلُوهُ فِي تَابُوت من حَدِيد - وَقيل: من رُخَام - ودفنوه فِي وسط النّيل، وقدروا ذَلِك بسلسلة عِنْدهم فأخصب الجانبان، وَكَانَ يُوسُف أوصى إخْوَته أَنهم إِذا خَرجُوا من مصر أَخْرجُوهُ مَعَ أنفسهم، فَلَمَّا كَانَ زمن مُوسَى أخرجه مُوسَى مَعَ نَفسه إِلَى الأَرْض المقدسة ودفته بِقرب آبَائِهِ؛ وَفِي الْقَصَص أَن عجوزا دلتهم على قبر يُوسُف وَأَن تِلْكَ الْعَجُوز سَأَلت مُوسَى مرافقته فِي الْجنَّة بِهِ حَتَّى دلّت، فَنزل الْوَحْي على مُوسَى بِأَن يُعْطِيهَا ذَلِك.
وروى الْكَلْبِيّ، عَن أبي صَالح، عَن ابْن عَبَّاس: أَن الله تَعَالَى لما جمع بَين يَعْقُوب ويوسف قَالَ لَهُ يُوسُف: يَا أبتاه حزنت عَليّ حَتَّى انحنى ظهرك، وبكيت عَليّ حَتَّى
﴿نوحيه إِلَيْك وَمَا كنت لديهم إِذْ أَجمعُوا أَمرهم وهم يمكرون (102) وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين (103) وَمَا تَسْأَلهُمْ عَلَيْهِ من أجر إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين (104) ﴾ عمى بَصرك، أما علمت أَنا كُنَّا نَلْتَقِي يَوْم الْقِيَامَة؟ فَقَالَ: يَا بني، خشيت أَن يسلب دينك فَلَا نَلْتَقِي يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿وألحقني بالصالحين﴾ يَعْنِي: من آبَائِي وهم: إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك من أنباء الْغَيْب﴾ يَعْنِي: من أَخْبَار الْغَيْب.
قَوْله: ﴿نوحيه إِلَيْك﴾ أَي: نلقيه إِلَيْك بِالْوَحْي.
وَقَوله: ﴿وَمَا كنت لديهم إِذْ أَجمعُوا أَمرهم وهم يمكرون﴾ هَذَا منصرف إِلَى إخْوَة يُوسُف ومكرهم حِين أَخَذُوهُ من أَبِيه، وَفَائِدَة الْآيَة: أَنَّك إِذا علمت هَذَا بتعليمنا إياك ووحينا إِلَيْك.