الأنعام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿يحكم لَا معقب لحكمه وَهُوَ سريع الْحساب (41) وَقد مكر الَّذين من قبلهم فَللَّه الْمَكْر جَمِيعًا يعلم مَا تكسب كل نفس وَسَيعْلَمُ الْكفَّار لمن عُقبى الدَّار (42) وَيَقُول الَّذين كفرُوا لست مُرْسلا قل كفى بِاللَّه شَهِيدا بيني وَبَيْنكُم وَمن عِنْده علم الْكتاب (43) ﴾ الْكَلَام: الْأَشْرَاف على الْأَطْرَاف ليقرب مِنْهُم الأضياف.
وَقَوله: ﴿وَالله يحكم لَا معقب لحكمه﴾ أَي: لَا راد وَلَا نَاقص لحكمه ﴿وَهُوَ سريع الْحساب﴾ مَعْلُوم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقد مكر الَّذين من قبلهم﴾ الْمَكْر: إِيصَال الْمَكْرُوه إِلَى الْإِنْسَان من حَيْثُ لَا يشْعر.
قَوْله ﴿فَللَّه الْمَكْر جَمِيعًا﴾ أَي عِنْد الله جَزَاء مَكْرهمْ جَمِيعًا.
وَقيل إِن الله خَالق مَكْرهمْ جَمِيعًا.
وَقَوله: ﴿يعلم مَا تكسب كل نفس﴾ ظَاهر الْمَعْنى ﴿وَسَيعْلَمُ الْكفَّار لمن عُقبى الدَّار﴾ لمن عَاقِبَة الدَّار، وَالْآيَة تهديد ووعيد.
وَقَوله: ﴿وَيَقُول الَّذين كفرُوا لست مُرْسلا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿قل كفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ أَي: شَاهدا ﴿بيني وَبَيْنكُم﴾ .
وَقَوله: ﴿وَمن عِنْده علم الْكتاب﴾ قَالَ قَتَادَة: هُوَ عبد الله بن سَلام، وَقيل: عبد الله بن سَلام وسلمان الْفَارِسِي وَتَمِيم الدَّارِيّ، وعَلى هَذَا جمَاعَة من التَّابِعين، وَأنكر الشّعبِيّ وَعِكْرِمَة وَجَمَاعَة هَذَا القَوْل، وَقَالُوا: السُّورَة مَكِّيَّة، وَعبد الله بن سَلام أسلم بِالْمَدِينَةِ، وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى كَيفَ يستشهد بمخلوق، وَإِنَّمَا المُرَاد مِنْهُ هُوَ الله تَعَالَى.
وَقد قَرَأَ ابْن عَبَّاس: " وَمن عِنْده علم الْكتاب " وَهَذَا يبين أَن المُرَاد [مِنْهُ] هُوَ الله تَعَالَى.
وعنى عبد الله بن سَلام نَفسه، قَالَ: أَنا المُرَاد بِالْآيَةِ.
وَعَن الْحسن وَمُجاهد أَن المُرَاد هُوَ الله.
وَسَعِيد بن جُبَير قَالَ: هُوَ جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - وَالصَّحِيح أحد الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين، وَالله أعلم.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿الر كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذن رَبهم إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد (1) الله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وويل للْكَافِرِينَ من﴾ تَفْسِير سُورَة إِبْرَاهِيم
وَهِي مَكِّيَّة إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين بدلُوا نعْمَة الله كفرا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَإِن مصيركم إِلَى النَّار﴾ وَالله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الر﴾ مَعْنَاهُ: أَنا الله أرى، وَقيل مَعْنَاهُ: أَنا الله الرَّحْمَن.
وَقَوله: ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك﴾ مَعْنَاهُ: هَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك.
وَقَوله: ﴿لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ مَعْنَاهُ: من الضَّلَالَة إِلَى الْهدى، وَمن الْكفْر إِلَى الْإِيمَان وَمن الغواية إِلَى الرشد، وَقيل: من الْبِدْعَة إِلَى السّنة.
والظلمة اسوداد الجو بِمَا يمْنَع من الْبَصَر، والنور: بَيَاض شعاعي يحصل بِهِ الإبصار.
قَوْله: ﴿بِإِذن رَبهم﴾ أَي: بِأَمْر رَبهم، وَقيل: بِعلم رَبهم.
وَقَوله ﴿إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد﴾ الصِّرَاط هُوَ الدّين، والعزيز الحميد هُوَ الله تَعَالَى.
وَمعنى الْعَزِيز: الْغَالِب، وَمعنى الحميد: هُوَ الْمُسْتَحق للحمد فِي أَفعاله؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا متفضل أَو عَادل.
وَقَوله: ﴿الله الَّذِي﴾ قرئَ بِالرَّفْع والخفض، فَمن قَرَأَ بالخفض فَهُوَ مَسْبُوق على قَوْله: ﴿الْعَزِيز الحميد﴾ ، وَمن رفع فعلى تَقْدِير هُوَ الله.
وَقَوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿وويل للْكَافِرِينَ﴾ الويل: وَاد فِي جَهَنَّم، وَقيل: إِنَّه دُعَاء الْهَلَاك.
{من
﴿عَذَاب شَدِيد (2) الَّذين يستحبون الْحَيَاة الدُّنْيَا على الْآخِرَة ويصدون عَن سَبِيل الله ويبغونها عوجا أُولَئِكَ فِي ضلال بعيد (3) وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين﴾ عَذَاب شَدِيد) أَي: عَذَاب عَظِيم.
قَوْله: ﴿الَّذين يستحبون الْحَيَاة الدُّنْيَا على الْآخِرَة﴾ مَعْنَاهُ: الَّذين يؤثرون الْحَيَاة الدُّنْيَا على الْآخِرَة، وَمعنى الإيثار: هُوَ طلب الدُّنْيَا من غير نظر للآخرة، وَذَلِكَ بِأَن يَأْخُذ من حَيْثُ يجد، وَلَا يُبَالِي أَنه حرَام أَو حَلَال.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يَأْتِي على النَّاس زمَان لَا يُبَالِي الْمَرْء أَخذ الدُّنْيَا بحلال أَو بِحرَام ".
وَقَوله: ﴿ويصدون عَن سَبِيل الله﴾ يَعْنِي: يمتنعون عَن قبُول دين الله، وَيمْنَعُونَ النَّاس عَن قبُوله.
﴿ويبغونها عوجا﴾ العوج فِي الدّين، والعوج فِي الرمْح والحائط، وَمعنى الْآيَة: وَيطْلبُونَ دين الله زيغا، وَقيل: وَيطْلبُونَ سَبِيل الله جائرين عَن الْقَصْد، وَقيل: يطْلبُونَ لمُحَمد الْهَلَاك، وَيُقَال: إِن الْكِنَايَة رَاجِعَة إِلَى الدُّنْيَا، وَمَعْنَاهُ: يطْلبُونَ الدُّنْيَا على طَرِيق الْميل عَن الْحق، وَذَلِكَ هُوَ بِجِهَة الْحَرَام على مَا قُلْنَاهُ.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ فِي ضلال بعيد﴾ أَي: فِي خطأ طَوِيل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ وَالْحكمَة فِي هَذَا: هُوَ أَنه إِذا أرْسلهُ بِلِسَان قومه عقلوا قَوْله، وفهموا عَنهُ، فَإِن قَالَ قَائِل: إِن الله تَعَالَى بعث النَّبِي إِلَى كل الْخلق على مَا قَالَ: " بعثت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود " وَلم يبْعَث بِلِسَان كل الْخلق؟ . وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن سَائِر الْخلق تبع الْعَرَب فِي الدعْوَة، وَقد بعث بلسانهم ثمَّ إِنَّه بعث بالرسل إِلَى الْأَطْرَاف يَدعُونَهُمْ إِلَى الله، وَترْجم لَهُم قَوْله.
﴿لَهُم فيضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم (4) لقد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَن أخرج قَوْمك من الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَذكرهمْ بأيام الله إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور (5) وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ أنجاكم من آل فِرْعَوْن يسومونكم سوء الْعَذَاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وَفِي﴾
وَقَوله: ﴿ليبين لَهُم﴾ مَعْنَاهُ مَا بَينا.
وَقَوله: ﴿فيضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَن أخرج قَوْمك من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ يَعْنِي: من الْكفْر إِلَى الْإِيمَان.
وَقَوله: ﴿وَذكرهمْ بأيام الله﴾ رُوِيَ عَن أبي بن كَعْب أَنه قَالَ: مَعْنَاهُ: بنعم الله.
وَفِي بعض المسانيد نقل هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي.
وَالْقَوْل الثَّانِي: بأيام الله أَي: بنقم الله.
وَقَالَ بَعضهم: بوقائع الله، يَعْنِي: بِمَا أوقع بالأمم الْمَاضِيَة، يُقَال: فلَان عَارِف بأيام الْعَرَب، أَي: بوقائعهم.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور﴾ الصبار: كثير الصَّبْر، وَالصَّبْر: حبس النَّفس عَمَّا تنَازع إِلَيْهِ النَّفس، وَقد رُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: الصَّبْر نصف الْإِيمَان، وَالشُّكْر نصفه، وَالْيَقِين هُوَ الْإِيمَان كُله.
والشكور: هُوَ الْكثير الشُّكْر.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم﴾ الْآيَة أَي: منَّة الله عَلَيْكُم.
قَوْله: ﴿إِذْ نجاكم من آل فِرْعَوْن يسومونكم سوء الْعَذَاب﴾ قد بَينا فِي سُورَة الْبَقَرَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ويذبحون أبناءكم﴾ قَالَ فِي مَوضِع بِغَيْر الْوَاو، وَقَالَ هَاهُنَا بِالْوَاو، وَذكر الْوَاو يَقْتَضِي أَنه سبق الذّبْح عَذَاب آخر، وَترك ذكر الْوَاو يَقْتَضِي أَن
﴿ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم (6) وَإِذ تَأذن ربكُم لَئِن شكرتم لأزيدنكم وَلَئِن كَفرْتُمْ إِن عَذَابي لشديد (7) وَقَالَ مُوسَى إِن تكفرُوا أَنْتُم وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا فَإِن الله لَغَنِيّ حميد (8) ألم يأتكم نبأ الَّذين من قبلكُمْ قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَالَّذين من﴾ الْعَذَاب هُوَ الذّبْح.
وَقَوله: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ يَعْنِي: يتركون قتل النِّسَاء، وَفِي الْخَبَر: " اقْتُلُوا شُيُوخ الْمُشْركين، واستحيوا شرخهم ". ﴿وَفِي ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم﴾ قيل: إِن الْبلَاء هُوَ المحنة، وَقيل: إِن الْبلَاء هُوَ النِّعْمَة، وَمَوْضِع النِّعْمَة فِي الإنجاء من الْبلَاء، وَقيل مَعْنَاهُ: اختبار من الله عَظِيم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذ تَأذن ربكُم﴾ أَي: أعلم ربكُم، والتأذين: الْإِعْلَام، والأذين والمؤذن هُوَ الْمعلم، قَالَ الشَّاعِر:
(وَلم (تشعر) بضوء الصُّبْح حَتَّى ... سمعنَا فِي مَسَاجِدنَا الأذينا)
وَقَوله: ﴿لَئِن شكرتم لأزيدنكم﴾ الشُّكْر هُوَ الِاعْتِرَاف بِالنعْمَةِ على وَجه الخضوع للمنعم.
وَقد حُكيَ عَن دَاوُد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: يَا رب، كَيفَ أشكرك وَلم أؤد شكرك إِلَّا بِنِعْمَة جَدِيدَة عَليّ.
فَقَالَ: يَا دَاوُد، الْآن شكرتني.
وَرُوِيَ أَن النَّبِي قَالَ لَهُ رجل: أوصني يَا رَسُول الله، فَقَالَ: " عَلَيْك بالشكر فَإِنَّهُ زِيَادَة ". وَمعنى الْآيَة: لَئِن شكرتموني بِالتَّوْحِيدِ لأزيدنكم نعْمَة الْآخِرَة على نعْمَة الدُّنْيَا.
وَقيل: لَئِن شكرتم بِالطَّاعَةِ لأزيدنكم فِي الثَّوَاب.
وَقَوله: ﴿وَلَئِن كَفرْتُمْ﴾ جحدتم.
﴿إِن عَذَابي لشديد﴾ لعَظيم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تكفرُوا أَنْتُم وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا فَإِن الله لَغَنِيّ حميد﴾ أَي: غَنِي عَن خلقه، حميد فِي فعله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يأتكم نبأ الَّذين من قبلكُمْ﴾ أَي: خبر الَّذين من قبلكُمْ.
( ﴿بعدهمْ لَا يعلمهُمْ إِلَّا الله جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فَردُّوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم وَقَالُوا إِنَّا﴾ قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَالَّذين من بعدهمْ لَا يعلمهُمْ إِلَّا الله) رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَرَأَ هَذِه الْآيَة، ثمَّ قَالَ: كذب النسابون، وَنقل بَعضهم هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ". وَعَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه قَالَ: بَين إِبْرَاهِيم وَبَين عدنان جد الرَّسُول ثَلَاثُونَ قرنا لَا يعلمهُمْ إِلَّا الله.
وَعَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ: وَمَا وَرَاء عدنان إِلَى إِبْرَاهِيم - عَلَيْهِ السَّلَام - لَا يعلمهُمْ إِلَّا الله، وَعَن مَالك بن أنس أَنه كره أَن ينْسب الْإِنْسَان نَفسه أَبَا أَبَا إِلَى آدم، وَكَذَلِكَ فِي حق الرَّسُول كَانَ يكره؛ لِأَنَّهُ لَا يعلم أُولَئِكَ الْآبَاء أحد إِلَّا الله.
وَقَوله: ﴿جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات الواضحات.
وَقَوله: ﴿فَردُّوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم﴾ رُوِيَ عَن عَمْرو بن مَيْمُون عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: عضوا أَيّدهُم غيظا، قَالَ الشَّاعِر:
(لَو أَن سلمى أَبْصرت التخددي ... ورقة فِي عظم ساقي ويدي)
(وَبعد أَهلِي وجفاء عودي ... عضت من الوجد أَطْرَاف الْيَد)
وَقَالَ آخر:
(قد أفنى أنامله غيظه ... فأمسى يعَض على الوظيفا)
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن الْأَنْبِيَاء لما قَالُوا: نَحن رسل الله، وضع الْكفَّار أَيْديهم على أَفْوَاههم أَن اسْكُتُوا، نَقله الْكَلْبِيّ وَغَيره.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن معنى الْآيَة أَنهم كذبُوا الرُّسُل فِي أَقْوَالهم، يُقَال: رددت قَول فلَان فِي فِيهِ إِذا كَذبته.
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن الْأَيْدِي هَاهُنَا هِيَ النعم، وَمَعْنَاهُ: ردوا مَا لَو قبلوا كَانَت آيادي وَنِعما.
﴿كفرنا بِمَا أرسلتم بِهِ وَإِنَّا لفي شكّ مِمَّا تدعوننا إِلَيْهِ مريب (9) قَالَت رسلهم أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى قَالُوا إِن أَنْتُم إِلَّا بشر مثلنَا تُرِيدُونَ أَن تصدونا عَمَّا كَانَ يعبد آبَاؤُنَا فأتونا بسُلْطَان مُبين (10) قَالَت لَهُم رسلهم إِن نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ وَلَكِن الله يمن على من يَشَاء من عباده وَمَا كَانَ لنا أَن نأتيكم بسُلْطَان إِلَّا بِإِذن الله وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾
وَقَوله: ﴿فِي أَفْوَاههم﴾ يَعْنِي: بأفواههم، وَمَعْنَاهُ: بألسنتهم تَكْذِيبًا.
وأشرق الْأَقَاوِيل هُوَ القَوْل الأول، وَالْقَوْل الثَّالِث محكي عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَوله: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كفرنا بِمَا أرسلتم بِهِ﴾ أَي: جحدنا بِمَا أرسلتم بِهِ.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لفي شكّ مِمَّا تدعوننا إِلَيْهِ مريب﴾ أَي: مرتاب، وَالشَّكّ هُوَ التَّرَدُّد بَين طرفِي نقيض.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت رسلهم أَفِي الله شكّ﴾ مَعْنَاهُ: لَيْسَ فِي الله شكّ، وَهَذَا اسْتِفْهَام بِمَعْنى نفي مَا اعتقدوه.
وَقَوله: ﴿فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: " من " صلَة، وَمَعْنَاهُ: ليغفر لكم ذنوبكم.
وَقَوله: ﴿ويؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى﴾ إِلَى حِين اسْتِيفَاء آجالكم.
وَقَوله: ﴿قَالُوا إِن أَنْتُم إِلَّا بشر مثلنَا تُرِيدُونَ أَن تصدونا﴾ أَي: تمنعونا.
﴿عَمَّا كَانَ يعبد آبَاؤُنَا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿فأتونا بسُلْطَان مُبين﴾ أَي: بِحجَّة [ومعجزة] بَيِّنَة، وَالسُّلْطَان هَاهُنَا: هُوَ الْبُرْهَان الَّذِي يرد الْمُخَالف إِلَى الْحق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت لَهُم رسلهم إِن نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ﴾ أَي: مَا نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ.
﴿وَلَكِن الله يمن على من يَشَاء من عباده﴾ يَعْنِي: ينعم على من يَشَاء من عباده بِالنُّبُوَّةِ، وَقيل: بالتوفيق وَالْهِدَايَة.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ لنا أَن نأتيكم بسُلْطَان﴾ أَي: بِحجَّة ومعجزة.
﴿إِلَّا بِإِذن الله﴾
( ﴿11) وَمَا لنا أَلا نتوكل على الله وَقد هدَانَا سبلنا ولنصبرن على مَا آذيتمونا وعَلى الله فَليَتَوَكَّل المتوكلون (12) وَقَالَ الَّذين كفرُوا لرسلهم لنخرجنكم من أَرْضنَا أَو لتعودن فِي ملتنا فَأوحى إِلَيْهِم رَبهم لَنهْلكَنَّ الظَّالِمين (13) ولنسكننكم الأَرْض من بعدهمْ ذَلِك لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد (14) واستفتحوا وخاب كل جَبَّار عنيد (15) من﴾ أَي: بِأَمْر الله.
﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا لنا أَلا نتوكل على الله﴾ مَعْنَاهُ: وَأي شَيْء لنا فِي أَلا نتوكل على الله؛ وَقد عرفنَا أَنه لَا ينَال شَيْء بِجهْد إِلَّا بعد أَن يَقْضِيه الله تَعَالَى ويقدره.
وَقَوله: ﴿وَقد هدَانَا سبلنا﴾ أَي: أرشدنا إِلَى سبل الْحق.
وَقَوله: ﴿ولنصبرن على مَا آذيتمونا﴾ وَالْآيَة تَعْلِيم الْمُؤمنِينَ وإرشادهم إِلَى الصَّبْر على أَذَى مخالفي الْحق.
قَوْله: ﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل المتوكلون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لرسلهم لنخرجنكم من أَرْضنَا أَو لتعودن فِي ملتنا﴾ قد بَينا هَذَا فِي سُورَة الْأَعْرَاف، وَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لتعودن فِي ملتنا﴾ . وَقَوله: ﴿فَأوحى إِلَيْهِم رَبهم لَنهْلكَنَّ الظَّالِمين﴾ أَي: الْمُشْركين.
وَقَوله: ﴿ولنسكننكم الأَرْض من بعدهمْ﴾ يَعْنِي: نجْعَل دِيَارهمْ مَوضِع سكناكم، وَهَذَا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وسكنتم فِي مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم﴾ .
وَقَوله: ﴿ذَلِك لمن خَافَ مقَامي﴾ الْفرق بَين الْمقَام والمُقام: أَن الْمقَام مَوضِع الْإِقَامَة، والمُقام فعل الْإِقَامَة.
فَإِن قيل: كَيفَ يكون لله مقَام، وَقد قَالَ: ﴿ذَلِك لمن خَافَ مقَامي﴾ ؟ قُلْنَا: أجمع أهل التَّفْسِير أَن مَعْنَاهُ: ذَلِك لمن خَافَ مقَامه بَين يَدي، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ .
وَقَوله: ﴿وَخَافَ وَعِيد﴾ أَي: عقابي.
قَوْله تَعَالَى: ﴿واستفتحوا﴾ مَعْنَاهُ: واستنصروا، وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي يستفتح بصعاليك الْمُهَاجِرين " أَي: يستنصر من الله بحقهم.
﴿وَرَائه جَهَنَّم ويسقى من مَاء صديد (16) يتجرعه وَلَا يكَاد يسيغه ويأتيه الْمَوْت من﴾
وَقَوله: ﴿وخاب كل جَبَّار عنيد﴾ وخاب أَي: خسر، وَقيل: وَهلك كل جَبَّار.
والجبار هُوَ الَّذِي لَا يرى فَوْقه أحد، والجبرية طلب الْعُلُوّ بِمَا لَا غَايَة وَرَاءه، وَهُوَ وصف لَا يَصح إِلَّا لله، وَأما فِي وصف الْخلق فَهُوَ مَذْمُوم، وَقيل: الْجَبَّار هُوَ الَّذِي يجْبر الْخلق على مُرَاده.
وَأما العنيد: هُوَ المعاند للحق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿من وَرَائه جَهَنَّم﴾ الْأَكْثَرُونَ مَعْنَاهُ: من أَمَامه جَهَنَّم.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَمن ورائك يَوْم أَنْت بالغه ... لَا حَاضر معجز عَنهُ وَلَا باد)
يَعْنِي: من أمامك، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة:
قَوْله: ﴿وَمن وَرَائه جَهَنَّم﴾ يَعْنِي: من بعده جَهَنَّم.
وَقَوله: ﴿ويسقى من مَاء صديد﴾ مَعْنَاهُ: من مَاء هُوَ صديد.
والصديد مَا يسيل من الْكفَّار من الْقَيْح وَالدَّم، وَالْأَصْل فِي الصديد هُوَ المَاء الَّذِي يخرج من الْجرْح مختلطا بِالدَّمِ والقيح، وَقيل: من مَاء صديد أَي: من مَاء كالصديد.
وَقَوله: ﴿يتجرعه﴾ أَي: يشربه جرعة جرعة من مرارته وشدته.
وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا أدناه من وَجهه شوى وَجهه وَسَقَطت فَرْوَة رَأسه، وَإِذا شربه تقطعت أمعاؤه، وَخرجت الأمعاء من دبره ".
وَقَوله: ﴿وَلَا يكَاد يسيغه﴾ يَعْنِي: لَا يسيغه، وَقيل مَعْنَاهُ: يكَاد لَا يسيغه، ويسيغه؛ ليغلي فِي جَوْفه.
وَقَوله: ﴿ويأتيه الْمَوْت من كل مَكَان﴾ قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: من كل شَعْرَة من جسده، وَقيل: يَأْتِيهِ الْمَوْت من قدامه وَمن خَلفه، وَمن فَوْقه وَمن تَحْتَهُ، وَعَن يَمِينه وَعَن شِمَاله.
وَقَوله: ﴿وَمَا هُوَ بميت﴾ يَعْنِي: عَلَيْهِ شدَّة الْمَوْت وَلَا يَمُوت، وَهُوَ فِي معنى قَوْله
﴿كل مَكَان وَمَا هُوَ بميت وَمن وَرَائه عَذَاب غليظ (17) مثل الَّذين كفرُوا برَبهمْ أَعْمَالهم كرماد اشتدت بِهِ الرّيح فِي يَوْم عَاصِم لَا يقدرُونَ مِمَّا كسبوا على شَيْء ذَلِك هُوَ الضلال الْبعيد (18) ألم تَرَ أَن الله خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ إِن يَشَأْ يذهبكم﴾ تَعَالَى: ﴿لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ . وَقَوله: ﴿وَمن وَرَائه عَذَاب غليظ﴾ أَي: شَدِيد، وَالْعَذَاب الغليظ هُوَ الخلود فِي النَّار.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مثل الَّذين كفرُوا برَبهمْ أَعْمَالهم﴾ وَمَوْضِع الْمثل فِي قَوْله: ﴿كرماد اشتدت بِهِ الرّيح﴾ يَعْنِي: ذهبت الرّيح المشتدة بِهِ.
وَقَوله: ﴿فِي يَوْم عاصف﴾ فِيهِ مَعْنيانِ.
أَحدهمَا: أَنه وصف الْيَوْم بالعاصف؛ لِأَن فِيهِ العصوف، كَمَا يُقَال: يَوْم حَار وَيَوْم بَارِد، أَي: فِيهِ الْحر وَالْبرد، قَالَ الشَّاعِر:
(يَوْمَيْنِ غيمين وَيَوْما شمسا ... )
وَالْمعْنَى الثَّانِي: فِي يَوْم عاصف أَي: فِي يَوْم عاصف الرّيح، قَالَ الشَّاعِر:
(ويضحك عرفان الدروع جلودنا ... إِذا جَاءَ يَوْم مظلم الشَّمْس (كاسف))
أَي: كاسف الشَّمْس.
وَقَوله ﴿لَا يقدرُونَ مِمَّا كسبوا على شَيْء﴾ لِأَن أَعْمَالهم قد ذهبت وَبَطلَت كالرماد الَّذِي ذهبت بِهِ الرّيح العاصف.
وَقَوله: ﴿ذَلِك هُوَ الضلال الْبعيد﴾ الْخَطَأ الطَّوِيل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن الله خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ﴾ معنى خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ: مَا نصب فِيهَا من الدَّلَائِل على وحدانيته وَسَائِر صِفَاته.
وَقَوله: ﴿إِن يَشَأْ يذهبكم﴾ يَعْنِي: إِن يَشَأْ يهلككم.
﴿وَيَأْتِ بِخلق جَدِيد﴾ أَي: بِقوم آخَرين، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ﴾ .
﴿وَيَأْتِ بِخلق جَدِيد (19) وَمَا ذَلِك على الله بعزيز (20) وبرزوا لله جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء للَّذين استكبروا إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء قَالُوا لَو هدَانَا الله لهديناكم سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا مَا لنا من محيص (21) وَقَالَ﴾ قيل فِي التَّفْسِير: قوما أطوع لله مِنْكُم.
وَقَوله: ﴿وَمَا ذَلِك على الله بعزيز﴾ أَي: شَدِيد؛ وَذَلِكَ لِأَن الْأَشْيَاء كلهَا سهلة هينة فِي الْقُدْرَة، وَلَا يصعب على الله شَيْء من الْأَشْيَاء وَإِن جلّ وَعظم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وبرزوا لله جَمِيعًا﴾ أَي: خَرجُوا من قُبُورهم إِلَى الله جَمِيعًا.
وَقَوله: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاء للَّذين استكبروا إِنَّا كُنَّا لكم تبعا﴾ معنى الَّذين استكبروا: يَعْنِي تكبروا على النَّاس، وتكبروا عَن الْإِيمَان، وهم القادة والرؤساء.
وَقَوله: ﴿إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون﴾ كُنَّا لكم تبعا، أَي: أتباعا ﴿فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء﴾ أَي: دافعون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء.
وَقَوله: ﴿قَالُوا لَو هدَانَا الله لهديناكم﴾ مَعْنَاهُ: لَو هدَانَا الله لدعوناكم إِلَى الْهدى، فَلَمَّا أضلنا دعوناكم إِلَى الضَّلَالَة.
وَقَوله: ﴿سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا﴾ فِي الْآثَار أَنهم يَقُولُونَ: قد جزع أَقوام فِي الدُّنْيَا؛ فنجوا فَنحْن نجزع لننجوا، فيجزعون مُدَّة مديدة فَلَا يرَوْنَ نجاة، فَيَقُولُونَ: قد صَبر أَقوام فِي الدُّنْيَا، فَنحْن نصبر للنجوا، فيصبرون مُدَّة مديدة، فَلَا يرَوْنَ نجاة فَيَقُولُونَ بعد ذَلِك: سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا.
قَوْله: ﴿مَا لنا من محيص﴾ أَي: منجي ومخلص، وَيُقَال: يجزعون مائَة سنة، ويصبرون مائَة سنة، وَيُقَال: فلَان وَقع فِي حيص بيص، وحاص وباص إِذا وَقع فِي أَمر لَا مخلص عَنهُ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَان لما قضى الْأَمر﴾ قَوْله: ﴿لما قضى الْأَمر﴾ دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأهل النَّار النَّار.
وَفِي بعض الْآثَار: " أَنه يوضع لإبليس مِنْبَر من نَار فيصعد عَلَيْهِ ويخطبهم " وَذَلِكَ حِين يتعلقون بِهِ، وَيَقُولُونَ: أَنْت فعلت بِنَا هَذَا.
﴿الشَّيْطَان لما قضي الْأَمر إِن الله وَعدكُم وعد الْحق ووعدتكم فأخلفتكم وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان إِلَّا أَن دعوتكم فاستجبتم لي فَلَا تلوموني ولوموا أَنفسكُم مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي إِنِّي كفرت بِمَا أشركتموني من قبل إِن الظَّالِمين لَهُم عَذَاب أَلِيم (22) وَأدْخل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا﴾
وَقَوله: ﴿إِن الله وَعدكُم وعد الْحق ووعدتكم فأخلفتكم﴾ ووعد الْحق هُوَ الَّذِي يَقع الْوَفَاء [بِهِ] . وَقَوله: ﴿ووعدتكم فأخلفتكم﴾ هُوَ مَا لَا يَقع بِهِ الْوَفَاء، وَقيل: إِنَّه يَقُول لَهُم: قلت لكم لَا بعث وَلَا جنَّة وَلَا نَار، وَغير ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان﴾ مَعْنَاهُ: أَنِّي لم آتكم بِحجَّة فِيمَا دعوتكم إِلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن دعوتكم﴾ هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: وَلَكِن دعوتكم أَي: زينت لكم.
قَوْله: ﴿فاستجبتم لي﴾ أَي: أجبتم لي.
وَقَوله: ﴿فَلَا تلوموني ولوموا أَنفسكُم﴾ يَعْنِي: لَا تعودوا باللائمة عَليّ، وعودوا باللائمة على أَنفسكُم.
وَقَوله: ﴿مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي﴾ مَعْنَاهُ: مَا أَنا بمعينكم وَمَا أَنْتُم بمعيني، وَقيل [مَعْنَاهُ] : مَا أَنا بمنجيكم وَمَا أَنْتُم بمنجي، وَقَرَأَ حَمْزَة: " وَمَا أَنْتُم بمصرخي " بِكَسْر الْيَاء، وَأهل النَّحْو لَا يرضون هَذِه الْقِرَاءَة، وَذكر الْفراء شعرًا يدل على قِرَاءَة حَمْزَة.
قيل: إِنَّه لُغَة بني يَرْبُوع.
وَالشعر:
(قَالَ لَهَا هَل أَنْت يَا باغي ... قَالَت لَهُ مَا أَنْت بالمرضي)
وَقَوله: ﴿إِنِّي كفرت بِمَا أشركتمون من قبل﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: إِنِّي كفرت بجعلكم إيَّايَ شَرِيكا فِي عبَادَة الله وطاعته، وَالْقَوْل الثَّانِي: إِنِّي كفرت قبل أَن أشركتموني فِي عِبَادَته، يَعْنِي: كفرت قبل كفركم.
وَقَوله: ﴿إِن الظَّالِمين لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: وجيع.
﴿الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا بِإِذن رَبهم تحيتهم فِيهَا سَلام (23) ألم تَرَ كَيفَ ضرب الله مثلا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأدْخل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ قد بَينا.
﴿خَالِدين فِيهَا﴾ مقيمين فِيهَا أبدا.
﴿بِإِذن رَبهم﴾ بِأَمْر رَبهم.
قَوْله: ﴿تحيتهم فِيهَا سَلام﴾ وَفِي المحيي بِالسَّلَامِ ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن المحيي بِالسَّلَامِ هُوَ الله تَعَالَى، وَالْآخر: هم الْمَلَائِكَة، وَالثَّالِث: أَن المحيي بِالسَّلَامِ بَعضهم على بعض.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ كَيفَ ضرب الله مثلا كلمة طيبَة﴾ الْمثل قَول سَائِر لتشبه شَيْء بِشَيْء فِي الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿كلمة طيبَة﴾ أجمع الْمُفَسِّرُونَ على أَن الْكَلِمَة الطّيبَة هَاهُنَا: لَا إِلَه إِلَّا الله.
وَقَوله: ﴿كشجرة طيبَة﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير على أَن الشَّجَرَة الطّيبَة هَاهُنَا: هِيَ النَّخْلَة، وَقد بيّنت بِرِوَايَة ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ لأَصْحَابه: " أخبروني عَن شَجَرَة هِيَ مثل الْمُؤمن؟ فَوَقَعت الصَّحَابَة فِي شجر الْبَوَادِي.
قَالَ ابْن عمر: وَوَقع فِي نَفسِي أَنَّهَا النَّخْلَة، ثمَّ إِن النَّبِي قَالَ: هِيَ النَّخْلَة.
قَالَ ابْن عمر: فَذكرت لأبي أَنه كَانَ وَقع فِي نَفسِي كَذَا، فَقَالَ: لَو كنت قلته كَانَ أحب إِلَيّ من حمر النعم ".
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أكْرمُوا النَّخْلَة فَإِنَّهَا عمتكم ".
وَمَعْنَاهُ: أَنَّهَا خلقت من فضل طِينَة آدم.
﴿كلمة طيبَة كشجرة طيبَة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء (24) تؤتي أكلهَا كل حِين بِإِذن رَبهَا وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس لَعَلَّهُم يتذكرون (25) وَمثل كلمة خبيثة كشجرة﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الشَّجَرَة الطّيبَة شَجَرَة فِي الْجنَّة، وَقد حُكيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَقيل: إِن الشَّجَرَة الطّيبَة شَجَرَة جوز الْهِنْدِيّ.
وَقَوله: ﴿أَصْلهَا ثَابت﴾ أَي: ثَابت فِي الأَرْض.
وَقَوله: ﴿وفرعها فِي السَّمَاء﴾ أَي: أَعْلَاهَا فِي السَّمَاء.
وَقَوله: ﴿تؤتي أكلهَا كل حِين﴾ الْحِين فِي اللُّغَة هُوَ الْوَقْت، وَفِي معنى الْحِين أَقْوَال: قَالَ ابْن عَبَّاس: سِتَّة أشهر؛ لِأَنَّهَا من حِين ضرابها إِلَى حِين إطلاعها، وَقَالَ مُجَاهِد: الْحِين هَاهُنَا هُوَ سنة كَامِلَة؛ لِأَن النَّخْلَة تثمر كل سنة.
وَعَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: أَرْبَعَة أشهر لِأَنَّهَا من حِين ظُهُورهَا إِلَى حِين إِدْرَاكهَا، وَقَالَ بَعضهم: شَهْرَان؛ لِأَنَّهُ من حِين يُؤْكَل إِلَى حِين يصرم.
وَالْقَوْل الْخَامِس: أَنه غدْوَة وَعَشِيَّة؛ لِأَن ثَمَر النَّخْلَة يُؤْكَل مِنْهَا أبدا، إِمَّا رطبا، وَإِمَّا تَمرا وَإِمَّا بسرا.
وَقَوله: ﴿بِإِذن رَبهَا﴾ أَي: بِأَمْر رَبهَا.
وَقَوله: ﴿وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس﴾ مَوضِع الْمثل أَن الْإِيمَان ثَابت فِي الْقلب، وَالْعَمَل صاعد إِلَى السَّمَاء، كالنخلة ثَابت أَصْلهَا فِي الأَرْض، وفروعها مُرْتَفعَة إِلَى السَّمَاء، مَوضِع الْمثل فِي قَوْله: ﴿تؤتي أكلهَا كل حِين﴾ لِأَن فَائِدَة الْإِيمَان وبركته لَا تَنْقَطِع أبدا، بل تصل إِلَى الْمُؤمن فِي كل وَقت، كَمَا أَن نفع النَّخْلَة وبركتها تصل إِلَى حَاجَتهَا فِي كل وَقت.
وَاسْتدلَّ بَعضهم على أَن النَّخْلَة تشبه الْآدَمِيّ؛ لِأَنَّهَا محتاجة إِلَى اللقَاح، كالآدمي لَا يُولد لَهُ حَتَّى يلقح.
قَوْله: ﴿لَعَلَّهُم يتذكرون﴾ أَي: يتعظون.