الأنبياء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش الرَّحْمَن فاسئل بِهِ خَبِيرا (59) وَإِذا قيل لَهُم اسجدوا للرحمن قَالُوا وَمَا الرَّحْمَن أنسجد لما تَأْمُرنَا وَزَادَهُمْ نفورا (60) تبَارك الَّذِي جعل فِي
(هلا سَأَلت الْخَيل يَا ابْنة مَالك ... إِن كنت سَائِلَة بِمَا لم تعلمي﴾
أَي: عَمَّا لم يعلم.
وَيُقَال: فاسأل سؤالك إِيَّاه للخبير يَعْنِي: سلني وَلَا تسْأَل غَيْرِي، وَيُقَال: إِن الْخطاب للرسول، وَالْمرَاد مِنْهُ الْأمة، فَإِنَّهُ كَانَ عَالما بِهَذَا، ومصدقا بِهِ.
وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنَّك أَيهَا الْإِنْسَان لَا ترجع فِي طلب الْعلم بِهَذَا إِلَى غَيْرِي، قَالَه الزّجاج.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم اسجدوا للرحمن قَالُوا وَمَا للرحمن﴾ .
قَالَ أهل التَّفْسِير: إِنَّمَا قَالُوا هَذَا؛ لأَنهم كَانُوا لَا يعْرفُونَ اسْم الرَّحْمَن فِي كَلَامهم، فسألوا عَن " الرَّحْمَن " لهَذَا.
وروى أَن رَسُول الله لما دعاهم إِلَى " الرَّحْمَن "، وَيُقَال: إِن أَبَا جهل قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّد، من يعلمك الْقُرْآن؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن﴾ قَالَ أَبُو جهل وَغَيره: لَا نَعْرِف الرَّحْمَن إِلَّا مُسَيْلمَة بِالْيَمَامَةِ، وَكَانَ يُسمى: رحمان الْيَمَامَة.
وَقَوله: ﴿أنسجد لما تَأْمُرنَا﴾ يَعْنِي: الرَّحْمَن الَّذِي تَأْمُرنَا بِالسُّجُود لَهُ.
وَقَوله: ﴿وَزَادَهُمْ نفورا﴾ أَي: تباعدا.
قَوْله: ﴿تبَارك الَّذِي جعل فِي السَّمَاء بروجا﴾ هِيَ النُّجُوم الْعِظَام، وَقيل: هِيَ البروج الاثنا عشر.
وَقَوله: ﴿وَجعل فِيهَا سِرَاجًا﴾ أَي: الشَّمْس، وَقُرِئَ: " سرجا " على الْجمع، وعَلى هَذِه الْقِرَاءَة قد دخل الْقَمَر فِي السرج، إِلَّا أَنه خصّه بِالذكر لنَوْع فَضِيلَة لَهُ، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ .
﴿وَالسَّمَاء بروجا وَجعل فِيهَا سِرَاجًا وقمرا منيرا (61) وَهُوَ الَّذِي جعل اللَّيْل وَالنَّهَار خلفة لمن أَرَادَ أَن يذكر أَو أَرَادَ شكُورًا (62) وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا وَقَوله: {منيرا﴾ أَي: مضيئا.
قَوْله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جعل اللَّيْل وَالنَّهَار خلفة﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: مُخْتَلفين، هَذَا أسود وَهَذَا أَبيض.
وَالثَّانِي: خَلفه أَي: يخلف أَحدهمَا صَاحبه.
وَيُقَال: مَا فَاتَ من الذّكر بِاللَّيْلِ، فالنهار يخلفه فِيهِ، وَمَا فَاتَ من الذّكر بِالنَّهَارِ، فالليل يخلفه فِيهِ.
قَالَ قَتَادَة: وَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاة، وَالْقَوْل الثَّالِث: خَلفه أَي: يزْدَاد فِي هَذَا مَا ينقص من الآخر، ويزداد فِي الآخر مَا ينقص من هَذَا، وَأنْشد الشَّاعِر فِي الخلفة:
(بهَا الْعين والآرام يَمْشين خلفة ... واطلاؤها ينهضن من كل مجثم)
فعلى هَذَا خلفة أَي: كل وَاحِد مِنْهُمَا خلف صَاحبه.
وَقَوله: ﴿لمن أَرَادَ أَن يذكر﴾ أَي: يتَذَكَّر.
﴿أَو أَرَادَ شكُورًا﴾ أَي: شكرا.
وَمَعْنَاهُ: من أَرَادَ ذكرا أَو شكرا، فالليل وَالنَّهَار زَمَانا الذّكر وَالشُّكْر.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَعباد الرَّحْمَن﴾ . فَإِن قَالَ قَائِل: كل النَّاس عباد الرَّحْمَن، مؤمنهم وكافرهم؟ قُلْنَا: إِن هَذَا كَمَا يَقُول الْقَائِل: ابْني فلَان، ويخص بذلك الْوَاحِد من بَينه، وَكَذَلِكَ يَقُول: صديقي فلَان، ويخص بذلك الْوَاحِد من أصدقائه، وَمَعْنَاهُ: أَن من يكون ابْني يَنْبَغِي أَن يكون كفلان، وَمن يكون صديقي يَنْبَغِي أَن يكون كفلان.
وَقَوله: ﴿الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا﴾ . أَي: بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار.
قَالَ الْحسن: عُلَمَاء حكماء، لَا يجهلون إِذا جهل عَلَيْهِم.
وَقَالَ ثَعْلَب: هونا رفقا.
وَعَن بَعضهم: متواضعين لَا يتكبرون.
وَقَوله: ﴿وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما﴾ قَالَ الضَّحَّاك: إِذا أوذوا صفحوا، وَقَالَ بَعضهم: قَالُوا قولا يسلمُونَ مِنْهُ، وَعَن بَعضهم: قَالُوا سَلاما أَي: متاركة لَا خير
{وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما (63) وَالَّذين يبيتُونَ لرَبهم سجدا وقياما (64) وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا اصرف عَنَّا عَذَاب جَهَنَّم إِن عَذَابهَا كَانَ غراما (65) وَلَا شَرّ، وَلَيْسَ المُرَاد من السَّلَام هُوَ السَّلَام الْمَعْرُوف، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا بَينا.
وَالْآيَة مَكِّيَّة، وَكَانَ الْمُسلمُونَ قد أمروا قبل الْهِجْرَة بالصفح والإعراض، وَألا يقابلوا أَذَى الْمُشْركين بالمجازاة، ثمَّ نسخ حِين هَاجرُوا بِآيَة السَّيْف.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يبيتُونَ لرَبهم﴾ يُقَال: بَات فلَان سَوَاء نَام أَو لم ينم.
قَالَ الشَّاعِر:
(فبتنا قيَاما عِنْد رَأس جوادنا ... يزاولنا عَن نَفسه ونزاوله)
قَوْله: ﴿سجدا وقياما﴾ .
أَي: سجدا على وُجُوههم، وقياما على أَرجُلهم.
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: من صلى بعد الْعشَاء الْآخِرَة رَكْعَتَيْنِ أَو أَكثر من ذَلِك، فَهُوَ من الَّذين يبيتُونَ لرَبهم سجدا وقياما.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا اصرف عَنَّا عَذَاب جَهَنَّم﴾ أَي: اعْدِلْ عَنَّا عَذَاب جَهَنَّم.
وَقَوله: ﴿إِن عَذَابهَا كَانَ غراما﴾ .
أَي: ملحا دَائِما، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هَلَاكًا، وَيُقَال: فلَان مغرم بِالنسَاء أَي: لَا صَبر لَهُ عَنْهُن، وَمِنْه الْغَرِيم لِأَنَّهُ يلازم.
وَقيل غراما أَي: شَدِيدا، قَالَ الْأَعْشَى:
(إِن يُعَاقب يكن غراما وَإِن يُعْط ... جزيلا فَإِنَّهُ لَا يُبَالِي)
وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ: طَالب الله الْكفَّار بِثمن النِّعْمَة، فَلَمَّا عجزوا غرمهم النِّعْمَة فبقوا فِي النَّار.
وَعَن الْحسن قَالَ: كل غَرِيم يُفَارق غَرِيمه غير جَهَنَّم، فَإِنَّهَا لَا تفارق غرماءها أبدا.
{إِنَّهَا ساءت مُسْتَقرًّا ومقاما (66) وَالَّذين إِذا أَنْفقُوا لم يُسْرِفُوا لم يقترُوا وَكَانَ بَين ذَلِك قواما (67)
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا ساءت مُسْتَقرًّا ومقاما﴾ أَي: بئس مَوضِع الْقَرار، وَمَوْضِع الْمقَام جَهَنَّم، وَقد بَينا الْفرق بَين الْمقَام وَالْمقَام.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين إِذا أَنْفقُوا لم يُسْرِفُوا﴾ قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الْحلِيّ: كل إِنْفَاق فِي غير طَاعَة الله فَهُوَ إِسْرَاف، وكل منع عَن طَاعَة الله فَهُوَ إقتار.
وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: لم يُسْرِفُوا أَي: لم يجاوزوا الْحَد فِي الْإِنْفَاق، وَذَلِكَ بالإكثار فِي النَّفَقَة على وَجه التبذير.
وَقَوله: ﴿وَلم يقترُوا﴾ أَي: لم يقلوا فِي الْإِنْفَاق حَتَّى يعروا أَو يجيعوا من يجب عَلَيْهِم الْإِنْفَاق عَلَيْهِم.
وَقَالَ بَعضهم: لم يُسْرِفُوا أَي: لم ينفقوا فِي غير الْحق، وَلم يقترُوا أَي: لم يمنعوا من الْحق، وَهَذَا القَوْل قريب من القَوْل الأول.
قَالَ النَّضر بن شُمَيْل: وَكَانَ بَين ذَلِك قواما: حَسَنَة بَين سيئتين، وَحكى ثَعْلَب أَن عبد الْملك بن مَرْوَان قَالَ لعمر بن عبد الْعَزِيز - وَكَانَ قد زوج ابْنَته فَاطِمَة مِنْهُ -: كَيفَ نَفَقَتك يَا عمر؟ فَقَالَ: حَسَنَة بَين سيئتين.
وَعَن وهب بن مُنَبّه أَنه قَالَ: إِذا أخذت بِوَاحِد من طرفِي الْعود مَال، فَإِذا أخذت بوسطه اعتدل.
وَقَوله: ﴿قواما﴾ . أَي: عدلا، وَهُوَ معنى مَا قُلْنَاهُ، والقوام بِالْفَتْح من الاسْتقَامَة، والقوام بِالْكَسْرِ مَا يُقيم الْأَمر بِهِ، كَأَنَّهُ ملاكه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ . الْحق هُوَ مَا ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث ... " وَقد بَينا.
﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما (68) يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة ويخلد فِيهِ مهانا (69)
وَقَوله: {وَلَا يزنون﴾ الزِّنَا فعل مَعْلُوم، وَأما اللواط: هَل هُوَ زنا أَو لَيْسَ بزنا؟ فَالْأَمْر فِيهِ على مَا عرف فِي الْفِقْه، وَكَذَلِكَ إتْيَان الْبَهِيمَة.
وَقد ثَبت بِرِوَايَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل، عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله، أَي الذَّنب أعظم؟ فَقَالَ: " أَن تجْعَل لله ندا وَهُوَ خلقك.
قلت: يارسول الله، ثمَّ أَي؟ قَالَ: أَن تقتل ولدك خشيَة أَن يَأْكُل مَعَك.
قلت: ثمَّ أَي يَا رَسُول الله؟ قَالَ: أَن تزنى بحلية جَارك، ثمَّ قَرَأَ قَوْله: ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر﴾
الْآيَة ".
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو الْعَبَّاس الْأَزْهَرِي، [أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن] أَحْمد بن مُحَمَّد الْخفاف، أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس السراج، أخبرنَا إِسْحَاق الْحَنْظَلِي، أخبرنَا جرير، عَن مَنْصُور، عَن أبي وَائِل، عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل.
. الْخَبَر.
وَذكر الْكَلْبِيّ: " أَن وحشيا أرسل إِلَى النَّبِي يطْلب مِنْهُ تَوْبَة لنَفسِهِ، فَبعث إِلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَة، فَقَالَ وَحشِي: إِنِّي قد أشركت، وَقتلت وزنيت، وَلَا أَدْرِي كَيفَ تَوْبَتِي؟ فَأُرِيد آيَة أوسع من هَذِه، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يفغر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فَبعث بِالْآيَةِ إِلَى وَحشِي، فَقَالَ: لَا أَدْرِي، أَأدْخل فِي الْمَشِيئَة أَولا؟ أُرِيد آيَة أوسع من هَذِه الْآيَة، فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله﴾ فَبعث إِلَيْهِ بِالْآيَةِ، فَأسلم ".
﴿إِلَّا من تَابَ
قَالَ أهل الْعلم: وَهَذَا مستبعد جدا؛ لِأَن هَذِه الْآيَة مَكِّيَّة، وَوَحْشِي إِنَّمَا أسلم بعد غَزْوَة حنين والطائف فِي آخر عهد النَّبِي، وكل هَذِه الْآيَات إِنَّمَا نزلت (من اسلامه عدَّة﴾ .
وَفِي بعض التفاسير: إِن هَذِه الْآيَة نزلت بِمَكَّة إِلَى قَوْله: ﴿إِلَّا من تَابَ﴾ وَمكث النَّاس سنتَيْن، ثمَّ نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا من تَابَ﴾ . إِلَى آخر الْآيَة بعد ذَلِك.
وَعَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس أَن قَوْله: ﴿إِلَّا من تَابَ﴾ ينْصَرف إِلَى الشّرك وَالزِّنَا، فَأَما قتل النَّفس فقد أنزل الله تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا.
.﴾ الْآيَة قَالَ ابْن عَبَّاس: وَهَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة، وَقَوله: ﴿إِلَّا من تَابَ﴾ مَكِّيَّة، فَالْحكم فِي الْقَتْل على هَذِه الْآيَة، وَلَا تَوْبَة لقَاتل النَّفس.
وَأما عِنْد غَيره من أهل الْعلم: فالتوبة من الْكل مَقْبُولَة، وَقد بَينا هَذَا من قبل، وَظَاهر هَذِه الْآيَة وَهُوَ قَوْله: ﴿إِلَّا من تَابَ﴾ يدل على هَذَا؛ لِأَنَّهُ قد سبق قتل النَّفس.
وَقَوله: ﴿وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما﴾ أَي: جَزَاء الْإِثْم، وَيُقَال: أثاما وَاد فِي جَهَنَّم، قَالَ الشَّاعِر:
﴿جزى الله ابْن عُرْوَة حَيْثُ أَمْسَى ... عقوقا والعقوق لَهُ أثام﴾
أَي: جَزَاء الأثم.
وَقَالَ أخر:
(لقِيت المهالك فِي حربنا ... وَبعد المهالك تلقى أثاما)
قَوْله تَعَالَى: ﴿يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة﴾ أَي: يستدام لَهُ الْعَذَاب، وَيُقَال: يُضَاعف الله الْعَذَاب، يجمع عَلَيْهِ عَذَاب الْكَبَائِر الَّتِي ارتكبها.
﴿وآمن وَعمل عملا صَالحا فَأُولَئِك يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات وَقَوله: {ويخلد فِيهِ مهانا﴾ أَي: يخلد فِيهِ وَقد أصَاب الهوان والذلة، وَقُرِئَ: " يُضَاعف " و " يخلد " بِالرَّفْع، وَرَفعه بالاستئناف، وَقُرِئَ: يُضَاعف " و " يخلد " بِالْجَزْمِ، وجزمه على جَوَاب الشَّرْط.
قَوْله: ﴿إِلَّا من تَابَ وآمن وَعمل عملا صَالحا﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا من نَدم وآمن بربه، وَعمل عملا صَالحا فِي الْمُسْتَقْبل.
وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُجاهد وَجَمَاعَة: هَذَا فِي الدُّنْيَا.
وَمَعْنَاهُ: تَبْدِيل الْكفْر بِالْإِيمَان، والشرك بالإخلاص، وَالْمَعْصِيَة بِالطَّاعَةِ.
وَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَجَمَاعَة: هَذَا فِي الْآخِرَة، وَالله تَعَالَى يُبدل سيئات التائب بِالْحَسَنَاتِ فِي صَحِيفَته.
وَقد ورد فِي القَوْل الثَّانِي خبر صَحِيح عَن النَّبِي، رَوَاهُ وَكِيع، عَن الْأَعْمَش، عَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد، عَن أبي ذَر، أَن النَّبِي قَالَ: " يُؤْتى بِالْمُؤمنِ يَوْم الْقِيَامَة فَيعرض عَلَيْهِ صغَار ذنُوبه، ويخبأ عَنهُ كِبَارهَا، فَيسْأَل ويعترف، وَهُوَ مُشفق من الْكَبَائِر، فَيَقُول الله تَعَالَى: أَعْطوهُ مَكَان كل سَيِّئَة حَسَنَة، فَيَقُول: يَا رب، إِن لي ذنوبا وَلَا أَرَاهَا هَاهُنَا؟ فَضَحِك رَسُول الله حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه ". أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه.
وَعَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: يُعْطي الْمُؤمن صَحِيفَته يَوْم الْقِيَامَة فَيقْرَأ بَعْضهَا، وَإِذا هِيَ سيئات، فَإِذا وصل إِلَى الْحَسَنَات ينظر نظرة فِيمَا قبلهَا، فَإِذا هِيَ كلهَا صَارَت حَسَنَات.
وَقد أنكر جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين أَن تنْقَلب السَّيئَة حَسَنَة؛ مِنْهُم الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره، وَإِذا ثَبت الْخَبَر عَن النَّبِي لم يبْق لأحد كَلَام.
﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما (70) وَمن تَابَ وَعمل صَالحا فَإِنَّهُ يَتُوب إِلَى الله متابا (71) وَالَّذين لَا يشْهدُونَ الزُّور
وَقد قَالَ بَعضهم: إِن الله يمحو بالندم جَمِيع السَّيِّئَات، ثمَّ يثبت مَكَان كل سَيِّئَة حَسَنَة.
وَقَوله: {وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن تَابَ وَعمل صَالحا﴾ قَالَ بعض أهل الْعلم: هَذَا فِي التَّوْبَة عَن غير مَا سبق ذكره، وَأما التَّوْبَة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة الأولى، فَهِيَ عَمَّا سبق ذكره من الْكَبَائِر.
وَقَالَ بَعضهم: هَذِه الْآيَة وَارِدَة أَيْضا فِي التَّوْبَة عَن جَمِيع السَّيِّئَات، وَمَعْنَاهَا على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن معنى الْآيَة: وَمن أَرَادَ التَّوْبَة وعزم عَلَيْهَا فليتب لوجه الله تَعَالَى، وَلَا يَنْبَغِي أَن يُرِيد غَيره، كَالرّجلِ يَقُول: من اتّجر فليتجر فِي الْبر، وَمن نَاظر فليناظر فِي الْفِقْه، فَيكون قَوْله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوب إِلَى الله متابا﴾ على هَذَا القَوْل خَبرا بِمَعْنى الْأَمر، أَي: تب إِلَى الله تَوْبَة، وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن معنى الْآيَة: من تَابَ فَليعلم أَن تَوْبَته إِلَى الله ومصيره إِلَيْهِ وثوابه مِنْهُ، كَالرّجلِ يَقُول لغيره: إِذا كلمت الْأَمِير فَاعْلَم أَنه أَمِير، وَإِذا كلمت أَبَاك فَاعْلَم أَنه أَبوك.
قَوْله: ﴿وَالَّذين لَا يشْهدُونَ الزُّور﴾ أَي: الشّرك، وَمَعْنَاهُ: لَا يشْهدُونَ شَهَادَة الشّرك، وَيُقَال: الْكَذِب.
وَعَن مُحَمَّد بن الحنيفة: الْغناء، [و] هُوَ قَول مُجَاهِد.
(وَعَن بَعضهم) : الْغناء رقية الزِّنَا.
وَقَالَ بعض أهل السّلف: الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب.
وَقيل: لَا يشْهدُونَ الزُّور أَي: أعياد الْكفَّار، وَقيل: النوح.
وَقَوله: ﴿وَإِذا مروا بِاللَّغْوِ مروا كراما﴾ أَي: مروا معرضين كَمَا يمر الْكِرَام، وَقيل: أكْرمُوا أنفسهم عَن الدُّخُول فِيهِ.
قَالَ الْحسن: اللَّغْو هُوَ الْمعاصِي كلهَا.
وَقَالَ عَمْرو بن قيس: مجْلِس الْخَنَا.
واللغو فِي اللُّغَة كل مَا هُوَ بَاطِل، وَلَا يُفِيد فَائِدَة.
{وَإِذا مروا بِاللَّغْوِ مروا كراما (72) وَالَّذين إِذا ذكرُوا بآيَات رَبهم لم يخروا عَلَيْهَا صمًّا وعميانا (73) وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يجزون الغرفة بِمَا صَبَرُوا ويلقون فِيهَا تَحِيَّة وَسلَامًا (75)
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين إِذا ذكرُوا بآيَات رَبهم لم يخروا عَلَيْهَا صمًّا وعميانا﴾ .
قَالَ القتيبي مَعْنَاهُ: لم يتغافلوا عَنْهَا كَأَنَّهُمْ صم لم يسمعوها، وَكَأَنَّهُم عمى لم يروها.
وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ: لم يسقطوا عَلَيْهَا صمًّا وعميانا، بل سمعُوا وأبصروا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين﴾ أَي: أَوْلَادًا، بررة أتقياء، وقرة الْعين تذكر عِنْد السرُور، وسخنة الْعين عِنْد الْحزن، وَيُقَال: دمع الْعين عِنْد السرُور بَارِد، وَعند الْحزن حَار.
وَذكر الْأَزْهَرِي أَبُو مَنْصُور: أَن معنى قُرَّة الْعين أَن يُصَادف قلبه مَا يرضاه قلبه، فتقر عينه عَن النّظر إِلَى غَيره، يَعْنِي: لَا تنظر إِلَى غَيره.
وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ: لَيْسَ شَيْء أقرّ لعين الْمُؤمن من أَن يرى أَهله وَولده أتقياء بررة.
وَقَوله: ﴿واجعلنا لِلْمُتقين إِمَام﴾ قَالَ الْحسن: نقتدي بالمتقين، ويقتدي بِنَا المتقون.
وَاسْتدلَّ بَعضهم بِهَذَا على أَنه لَا بَأْس بِطَلَب الْإِمَامَة فِي الدّين، وَينْدب إِلَيْهِ.
وَقَالَ بَعضهم: لَا يطْلب للرئاسة، وَلَكِن يطْلب للدّين، ثمَّ حِينَئِذٍ يَقْتَدِي بِهِ المتقون، فَيصير إِمَامًا لَهُم على مَا قَالَ الله تَعَالَى.
قَوْله: ﴿أُولَئِكَ يجزون الغرفة بِمَا صَبَرُوا﴾ قَالَ عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس: الغرفة من الدّرّ والزبرجد والياقوت.
وَيُقَال: هِيَ أَعلَى منَازِل الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ عَن الشَّهَوَات، وَقيل: صَبَرُوا عَن الدُّنْيَا، وَقيل: صَبَرُوا على الطَّاعَة.
وَقَوله: ﴿ويلقون فِيهَا﴾ وَقُرِئَ: " ويلقون " مخففا، وَالْمعْنَى وَالْمعْنَى وَاحِد.
وَقَوله: ﴿تَحِيَّة﴾ أَي: ملكا، وَقيل: بَقَاء [دَائِما] .
﴿خَالِدين فِيهَا حسنت مُسْتَقرًّا ومقاما (76) قل مَا يعبأ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم فقد كَذبْتُمْ فَسَوف يكون إلزاما (77)
وَقَوله: {وَسلَامًا﴾ أى: يسلم بَعضهم على بعض، وَقَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: يسلم الله عَلَيْهِم.
وَقيل: سَلامَة من الْآفَات.
قَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِدين فِيهَا حسنت مُسْتَقرًّا ومقاما﴾ أَي: مَكَانا يستقرون فِيهِ.
وَقَوله: ﴿ومقاما﴾ أَي: يُقِيمُونَ إِقَامَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل مَا يعبأ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم﴾ أحسن الْأَقَاوِيل فِيهِ أَن مَعْنَاهُ: مَا يصنع بكم رَبِّي لَوْلَا دعائكم أَي: لَوْلَا دعاؤه إيَّاكُمْ إِلَى التَّوْحِيد، وَهِي فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يفعل الله بعذابكم إِن شكرتم وآمنتم﴾ . قَالَ القتيبي مَعْنَاهُ: مَا يعبأ بعذابكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم أَي: لَوْلَا إيمَانكُمْ، يَعْنِي: إِذا آمنتم لَا يعذبكم.
وَقَالَ بَعضهم: أَي قدر لكم عِنْد رَبِّي لَوْلَا أَنه دعَاكُمْ إِلَى الْإِيمَان فتؤمنون، فَالْآن يظْهر لكم قدر وخطر.
وَقَوله: ﴿فقد كَذبْتُمْ﴾ قَرَأَ ابْن عَبَّاس: " فقد كذب الْكَافِرُونَ "، وَأما الْمَعْرُوف: ﴿فقد كَذبْتُمْ﴾ أَي: كَذبْتُمْ أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَمَعْنَاهُ: قد دعوتكم إِلَى الْإِيمَان فَلم تؤمنوا.
وَقَوله: ﴿فَسَوف يكون إلزاما﴾ وَعِيد مَعْنَاهُ: سَوف يكون الْعَذَاب لزاما.
قَالَ ابْن مَسْعُود: معنى اللزام وَهُوَ يَوْم بدر.
وَقَالَ بَعضهم: اللزام: الْمَوْت.
قَالَ الشَّاعِر:
(تولى عِنْد حاجتنا أنيس ... وَلم اجزع من الْمَوْت اللزام)
وَقُرِئَ فِي الشاذ " " لزاما " بِفَتْح اللَّام، وَهُوَ فِي معنى الأول.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
{طسم (1) تِلْكَ آيَات الْكتاب الْمُبين (2) لَعَلَّك باخع نَفسك أَلا يَكُونُوا مُؤمنين (3) إِن نَشأ ننزل عَلَيْهِم من السَّمَاء آيَة فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين تَفْسِير سُورَة الشُّعَرَاء
وَهِي مَكِّيَّة إِلَّا أَربع آيَات فِي آخر السُّورَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿طسم﴾ قَالَ قَتَادَة: اسْم من أَسمَاء الْقُرْآن.
وَقَالَ مُجَاهِد: اسْم السُّورَة.
وَعَن بَعضهم: أَن الطَّاء من الطول، وَالسِّين من السناء، وَالْمِيم من الْملك.
وَقَالَ بَعضهم: الطَّاء شَجَرَة طُوبَى، وَالسِّين سِدْرَة الْمُنْتَهى، وَالْمِيم مُحَمَّد.
وَيُقَال: الطَّاء من اسْمه الطَّاهِر، وَالسِّين من اسْمه السَّلَام، وَالْمِيم من اسْمه الْمجِيد.
وَقَوله: ﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب الْمُبين﴾ قد بَينا من قبل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّك باخع نَفسك﴾ أَي: قَاتل نَفسك، وَقيل: مهلك نَفسك حزنا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَلا يَكُونُوا مُؤمنين﴾ يَعْنِي: إِن لم يُؤمنُوا.