تفسير السمعانيالأعلى
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأعلى

عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿كَمَا بلونا أَصْحَاب الْجنَّة إِذْ أَقْسمُوا ليصرمنها مصبحين (17) وَلَا يستثنون (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طائف من رَبك وهم نائمون (19) ﴾ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كسنى يُوسُف؛ فَأَصَابَهُمْ الْجُوع حَتَّى أكلُوا العلهز وَالْعِظَام الْمُحْتَرِقَة ". وَقَوله: ﴿كَمَا بلونا أَصْحَاب الْجنَّة﴾ فِي أَكثر التفاسير أَن هَذَا رجل شيخ بِالْيمن كَانَ لَهُ بنُون، وَله بُسْتَان يتَصَدَّق مِنْهُ على الْمَسَاكِين، وَينْفق مِنْهُ على نَفسه وَأَوْلَاده.
وَيُقَال: كَانَ يتَصَدَّق بِالثُّلثِ، وَينْفق على نَفسه وَأَوْلَاده الثُّلُث، وَيرد الثُّلُث فِي عمَارَة الْجنَّة، فَلَمَّا مَاتَ الشَّيْخ قَالَ بنوه: الْعِيَال كثير، والدخل قَلِيل وَلَا يَفِي بِإِعْطَاء الْمَسَاكِين، فتوافقوا على أَن يذهبوا إِلَى الْبُسْتَان حِين يُصْبِحُونَ على سدفة من اللَّيْل، فيصرموا ويقطعوا قبل أَن يعلم الْمَسَاكِين.
وَكَانَ الْمَسَاكِين قد اعتادوا الْحُضُور عِنْد الْجذاذ والصرام؛ فحين اتَّفقُوا على ذَلِك أرسل الله تَعَالَى نَارا من السَّمَاء فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَاحْتَرَقَ الْبُسْتَان وَالْأَشْجَار، وَيُقَال: إِن هَذَا الرجل هُوَ رجل من ثَقِيف.
وَقَوله: ﴿إِذا أَقْسمُوا﴾ أَي: حلفوا.
وَقَوله: ﴿ليصرمنها مصبحين﴾ أَي: يقطعون فِي الْوَقْت الَّذِي قُلْنَا.

وَقَوله: ﴿وَلَا يستثنون﴾ أَي: لم يَقُولُوا: إِن شَاءَ الله.

وَقَوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طائف من رَبك﴾ أَي: طرق طَارق من الْعَذَاب، وَهِي النَّار الَّتِي أرسلها الله تَعَالَى.
وَالْعرب لَا تسْتَعْمل الطَّائِف إِلَّا فِي الْعَذَاب.
وَفِي بعض التفاسير: أَن الله تَعَالَى أَمر ملكا حَتَّى اقتلع تِلْكَ الْجنَّة بأشجارها وغروسها فوضعها فِي مَوضِع الطَّائِف الْيَوْم.
وَقَوله: ﴿وهم نائمون﴾ ذكرنَا.

﴿فَأَصْبَحت كالصريم (20) فَتَنَادَوْا مصبحين (21) أَن اغدوا على حَرْثكُمْ إِن كُنْتُم صارمين (22) فَانْطَلقُوا وهم يتخافتون (23) أَن لَا يدخلنها الْيَوْم عَلَيْكُم مِسْكين (24) ﴾ .

قَوْله: ﴿فَأَصْبَحت كالصريم﴾ أَي: كالليل المظلم.
وَيُقَال: كالنهار الَّذِي لَا شَيْء فِيهِ.
وَالْعرب تسمي العامر من الأَرْض نَهَارا لبياضه، والغامر لَيْلًا لسواده وخضرته.
والصريم من الأضداد، هُوَ اسْم لِليْل وَالنَّهَار جَمِيعًا؛ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يقطع عَن صَاحبه.
وَيُقَال: كالصريم أَي: المصروم فَاعل بِمَعْنى مفعول يَعْنِي: أَنه لم يبْق شَيْء فِيهَا.

وَقَوله: ﴿فَتَنَادَوْا مصبحين﴾ أَي: نَادَى بَعضهم بَعْضًا عِنْد الصَّباح.

وَقَوله: ﴿أَن اغدوا على حَرْثكُمْ﴾ أَي: اقصدوا حَرْثكُمْ.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَت لَهُم حروث وأعناب.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم صارمين﴾ أَي: قاطعين.
يُقَال: فِي الْعِنَب الصرام، وَفِي الزَّرْع الْحَصاد.
قَالَ الشَّاعِر: (غَدَوْت عَلَيْهِ غدْوَة فَوَجَدته ... قعُودا عَلَيْهِ بالصريم عواذله) والصريم هَا هُنَا: هُوَ الجرة السَّوْدَاء.
وَقد ذكره ابْن فَارس فِي معنى الصريم الَّذِي ذَكرْنَاهُ من قبل.
وَعَن ابْن جريج أَنه قَالَ: خرجت عنق من النَّار من جَوف وَادِيهمْ فأحرقت جنتهم.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم صارمين﴾ قَالَ مُجَاهِد: المُرَاد مِنْهُ صرام الْعِنَب.
وَكَانَ حرثهم الْعِنَب.

قَوْله: ﴿فَانْطَلقُوا وهم يتخافتون﴾ أَي: يَتَكَلَّمُونَ سرا وخفية، وَكَانَ كَلَامهم لَا يدخلنها الْيَوْم عَلَيْكُم مِسْكين أَي: لَا تتركوا الْمَسَاكِين [يدْخلُونَ] عَلَيْكُم.

﴿وغدوا على حرد قَادِرين (25) فَلَمَّا رأوها قَالُوا إِنَّا لضالون (26) بل نَحن محرومون (27) قَالَ أوسطهم ألم أقل لكم لَوْلَا تسبحون (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبنَا إِن كُنَّا ظالمين﴾ .

وَقَوله: ﴿وغدوا على حرد قَادِرين﴾ أشهر الْأَقَاوِيل أَن مَعْنَاهُ: على حسد، وَهُوَ قَول قَتَادَة وَمُجاهد وَالْحسن وَجَمَاعَة.
وَعَن الشّعبِيّ وسُفْيَان أَنَّهُمَا قَالَا: على غضب.
أَي: على الْمَسَاكِين.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: " على حرد " أَي: على منع.
يُقَال: حاردت السّنة فَلَيْسَ فِيهَا مطر، وحاردت النَّاقة إِذا لم يكن بهَا لبن.
وَمعنى الْمَنْع هُوَ مَا عقدوه من منع الْمَسَاكِين.
وَعَن الْحسن فِي رِوَايَة: على حرص.
وَقيل: على قصد.
قَالَ الشَّاعِر: (أقبل سيل جَاءَ من أَمر الله ... يحرد حرد الْجنَّة المغلة) أَي: يقْصد.
وَعَن السّديّ: أَن الحرد اسْم جنتهم.
وَقَوله: ﴿قَادِرين﴾ أَي: قَادِرين عِنْد أنفسهم على الصرام.
وَقيل: " قَادِرين " أَي: على أَمر أسسوه بَينهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رأوها قَالُوا إِنَّا لضالون﴾ يَعْنِي: أَنهم لما رَأَوْا مَوضِع الْجنَّة وَلَيْسَ فِيهَا شجر وَلَا نَبَات قَالُوا: إِنَّا لضالون أَي: أَخْطَأنَا طَرِيق جنتنا.

وَقَوله: ﴿بل نَحن محرومون﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم تنبهوا على الْأَمر، وَعرفُوا أَنهم لم يخطئوا الطَّرِيق فَقَالُوا: بل نَحن محرومون أَي: نزل الْعَذَاب وحرمنا ثمار جنتنا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أوسطهم﴾ أَي: خَيرهمْ وأعدلهم.
وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ أَي: عدلا خيارا.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: أعقلهم.
وَقَوله: ﴿ألم أقل لكم لَوْلَا تسبحون﴾ أَي: هلا قُلْتُمْ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَوضع التَّسْبِيح هَا هُنَا مَوضِع الْمَشِيئَة؛ لِأَن التَّسْبِيح هُوَ تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن كل سوء.
وَقَوله: إِن شَاءَ الله فِيهِ معنى التَّنْزِيه، وَهُوَ أَنه لَا يملك أحد فعل شَيْء إِلَّا بِمَشِيئَة، فينزه أَن

( ﴿29) فَأقبل بَعضهم على بعض يتلاومون (30) قَالُوا يَا ويلنا إِنَّا كُنَّا طاغين (31) عَسى رَبنَا أَن يبدلنا خيرا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبنَا راغبون (32) كَذَلِك الْعَذَاب ولعذاب الْآخِرَة أكبر لَو كَانُوا يعلمُونَ (33) إِن لِلْمُتقين عِنْد رَبهم جنا النَّعيم (34) ﴾ . يكون شَيْء فِي ملكه إِلَّا أَن يُريدهُ.
وَعَن عِكْرِمَة: أَنه كَانَ استثناؤهم هُوَ التَّسْبِيح يَعْنِي: أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ مَكَان قَوْلنَا إِن شَاءَ الله: سُبْحَانَ الله.

وَقَوله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبنَا إِنَّا كُنَّا ظالمين﴾ أَي: بِمَنْع الْمَسَاكِين.

وَقَوله: ﴿فَأقبل بَعضهم على بعض يتلاومون﴾ أَي: يلوم بَعضهم بَعْضًا، فَيَقُول هَذَا لذاك: أَنْت فعلت والذنب لَك، وَيَقُول ذَلِك لصَاحبه مثله.

وَقَوله: ﴿قَالُوا يَا ويلنا﴾ دعوا بِالْوَيْلِ على أنفسهم.
وَقَوله: ﴿إِنَّا طنا طاغين﴾ أَي: ظالمين.

وَقَوله: ﴿عَسى رَبنَا أَن يبدلنا خيرا مِنْهَا﴾ هَذَا إِخْبَار عَن تَوْبَتهمْ وندامتهم، وسؤالهم من الله تَعَالَى أَن يبدلهم بجنتهم خيرا مِنْهَا فيعطوا حق الْمَسَاكِين.
وَفِي بعض التفاسير: أَن الله تَعَالَى قبل تَوْبَتهمْ وَأَعْطَاهُمْ جنَّة خيرا مِنْهَا.
وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿إِنَّا إِلَى رَبنَا راغبون﴾ أَي: بسؤالنا.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل