تفسير السمعانيالأحقاف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأحقاف

عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن أَعرضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِم حفيظا﴾ أَي: حَافِظًا.
وَقَوله: ﴿إِن عَلَيْك إِلَّا الْبَلَاغ﴾ أَي: التَّبْلِيغ.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا إِذا أذقنا الْإِنْسَان منا رَحْمَة﴾ أَي: النِّعْمَة والعافية.
وَقَوله: ﴿فَرح بهَا﴾ أَي: سر بهَا.
وَقَوله: ﴿وَإِن تصبهم سَيِّئَة﴾ أَي: شدَّة وبلاء، وَقيل: الجدب الَّذِي هُوَ ضد الخصب.
وَقَوله: ﴿بِمَا قدمت أَيْديهم﴾ أَي: من الذُّنُوب.
وَقَوله: ﴿فَإِن الْإِنْسَان كفور﴾ مَعْنَاهُ: كَافِر لنعم الله لَا يشكرها.

﴿فَإِن الْإِنْسَان كفور (48) لله ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يخلق مَا يَشَاء يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور (49) أَو يزوجهم ذكرانا وإناثا وَيجْعَل من يَشَاء عقيما إِنَّه عليم قدير (50) وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿لله ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يخلق مَا يَشَاء يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور﴾ أَي: يُعْطي الْإِنَاث دون الذُّكُور، والذكور دون الْإِنَاث.

وَقَوله: ﴿أَو يزوجهم ذكرانا وإناثا﴾ أَي: يجمع الذُّكُور وَالْإِنَاث فِي الْعَطاء، وَمعنى قَوْله: ﴿يزوجهم﴾ أَي: يصنفهم كَأَنَّهُ يَجْعَل الْأَوْلَاد صنفين: صنفا إِنَاثًا، وَصِنْفًا ذُكُورا.
وَقَوله: ﴿وَيجْعَل من يَشَاء عقيما﴾ أَي: لَا يُولد لَهُ أصلا، وَفِي التَّفْسِير: أَن الْآيَة فِي الْأَنْبِيَاء، فَقَوله: ﴿يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا﴾ هُوَ لوط النَّبِي كَانَ لَهُ بَنَات، وَلم يكن لَهُ ولد ذكر، وَقَوله: ﴿ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور﴾ هُوَ إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ لَهُ بنُون، وَلم تكن لَهُ أُنْثَى، وَقَوله: ﴿أَو نزوجهم ذكرانا وإناثا﴾ هُوَ الرَّسُول صلوَات الله عَلَيْهِ ولد لَهُ أَرْبَعَة بَنِينَ، وَأَرْبع بَنَات، فالبنون: الْقَاسِم وَبِه كني رَسُول الله، وَعبد الله، والطاهر، وَكَانَ يُسمى الطّيب أَيْضا وَإِبْرَاهِيم، فالثلاثة الْأَولونَ من خَدِيجَة رَضِي الله عَنْهَا وَإِبْرَاهِيم بن مَارِيَة الْقبْطِيَّة، وَأما الْبَنَات: فزينب، ورقية، وَأم كُلْثُوم، وَفَاطِمَة، كُلهنَّ من خَدِيجَة رَضِي الله عَنْهَا وعنهن، وَقَوله: ﴿وَيجْعَل من يَشَاء عقيما﴾ وَهُوَ يحيى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام لم يكن لَهما ولد وَلَا زَوْجَة.
وَقَوله: ﴿إِنَّه عليم قدير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا﴾ ذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن سَبَب نزُول الْآيَة هُوَ ان الْمُشْركين قَالُوا للنَّبِي: هلا كلمك الله وَنظرت إِلَيْهِ كَمَا كَانَ مُوسَى؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿إِلَّا وَحيا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَنه الإلهام من الله تَعَالَى بالنفث فِي

﴿رَسُولا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّه عَليّ حَكِيم (51) وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾ صَدره، وَالْآخر: أَنه الرُّؤْيَا فِي الْمَنَام.
وَفِي بعض الرِّوَايَات عَن ابْن عَبَّاس: لم ير جِبْرِيل من الْأَنْبِيَاء غير أَرْبَعَة هم: مُوسَى، وَعِيسَى، وزَكَرِيا، وَمُحَمّد عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأما الْبَاقُونَ فَكَانَ لَهُم وَحي وإلهام، وَهَذِه رِوَايَة غَرِيبَة.
وَقَوله: ﴿أَو من وَرَاء حجاب﴾ أَي: كَمَا كلم مُوسَى من وَرَاء حجاب، وَقيل: بالحجاب على مَوضِع الْكَلَام لَا على الله.
[وَقيل] : إِن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لما سمع كَلَام الله وَلم يره كَانَ بِمَنْزِلَة من يسمع من وَرَاء الْحجاب.
وَقَوله: ﴿أَو يُرْسل رَسُولا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ يَعْنِي: يُرْسل جِبْرِيل بِالْوَحْي إِلَى من يَشَاء من الْأَنْبِيَاء، [وَجُمْلَة] الَّذِي وصل إِلَى الْأَنْبِيَاء من الْوَحْي على ثَلَاثَة وُجُوه: وَحي إلهام، ورؤيا فِي الْمَنَام، ووحي بِتَكْلِيم الله تَعَالَى، ووحي بِلِسَان جِبْرِيل عَلَيْهِ لسلام.
وَعَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: أوحى الله تَعَالَى الزبُور إِلَى دَاوُد فقرأه من قلبه، وَلم يكن على لِسَان جِبْرِيل.
وَفِي بعض الْآثَار: أَن الله تَعَالَى وكل بِحِفْظ الْوَحْي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَذَلِكَ بإيصاله إِلَى الْأَنْبِيَاء، وَكَذَلِكَ وَكله بنصرة الْأَنْبِيَاء وَعَذَاب الْكفَّار، ووكل مِيكَائِيل بالقطر والنبات، ووكل إسْرَافيل بالصور، وَهُوَ أَيْضا من حَملَة الْعَرْش، ووكل ملك الْمَوْت بِقَبض الْأَرْوَاح؛ فهم موكلون على هَذِه الْأَشْيَاء بِإِذن الله تَعَالَى.
وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يلقى النَّبِي فِي ثِيَاب بَيَاض ملفوفة بالدر والياقوت وَرجلَاهُ مغموستان فِي خضرَة.
وَقد ذكرنَا فِي رِوَايَة عَن النَّبِي " أَن الْمُرْسلين من الْأَنْبِيَاء مائَة [وَخَمْسَة] عشر [جما غفيرا] أَوَّلهمْ آدم

﴿مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نورا نهدي بِهِ من نشَاء من عبادنَا﴾ وَآخرهمْ مُحَمَّد عَلَيْهِمَا السَّلَام ". وَقَوله: ﴿إِنَّه عَليّ حَكِيم﴾ أَي: متعال مِمَّا يصفونه (الْمُشْركُونَ) ، حَكِيم فِي جَمِيع مَا يَفْعَله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾ الرّوح هَاهُنَا هُوَ الْقُرْآن سَمَّاهُ روحا؛ لِأَنَّهُ تحيا بِهِ الْقُلُوب كالروح تحيا بِهِ النُّفُوس، وَقيل: إِنَّه النُّبُوَّة، وَالْأول أشهر.
وَقَوله: ﴿من أمرنَا﴾ أَي: بأمرنا.
وَقَوله: ﴿وَمَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان﴾ الْكتاب هُوَ الْقُرْآن، وَقيل: مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب لَوْلَا أنزلنَا إِيَّاه عَلَيْك.
وَقَوله: ﴿وَلَا الْإِيمَان﴾ الْمَعْرُوف أَن المُرَاد بِهِ شرائع الْإِيمَان، وَهَذَا قد حكى عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة وَغَيره من أَئِمَّة السّنة.
وَعَن بَعضهم أَن مَعْنَاهُ: مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان أَي: قبل الْبلُوغ.
وَالْقَوْل الثَّالِث: مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان أَي: أهل الْإِيمَان، وَهَذَا حكى عَن الْحُسَيْن بن الْفضل البَجلِيّ.
وَفِي بعض المسانيد بِرِوَايَة النزال بن سُبْرَة عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: " قيل لرَسُول الله: هَل عبدت وثنا قطّ؟ قَالَ: لَا.
وَقيل لَهُ: هَل شربت خمرًا قطّ؟ قَالَ: لَا.
وَمَا زلت أعرف أَن مَا هم عَلَيْهِ بَاطِل، وَلم يُوح إِلَى كتاب وَلَا إِيمَان " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نورا نهدي بِهِ من نشَاء من عبادنَا وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: تَدْعُو، وَفِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب: " وَإنَّك لتدعو إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم "

{وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (52) صِرَاط الله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض أَلا إِلَى الله تصير الْأُمُور (53) هِيَ تبين معنى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة، وَقَرَأَ عَاصِم الجحدري: " وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " على مَا لم يسم فَاعله، وَمَعْنَاهُ بَين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿صِرَاط الله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض أَلا إِلَى الله تصير الْأُمُور﴾ أَي: ترجع الْأُمُور، وَالله أعلم.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿حم (1) وَالْكتاب الْمُبين (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا لَعَلَّكُمْ تعقلون (3) وَإنَّهُ فِي أم الْكتاب لدينا لعَلي حَكِيم (4) أفنضرب عَنْكُم الذّكر صفحا أَن كُنْتُم قوما مسرفين (5) ﴾ تَفْسِير سُورَة الزخرف

وَهِي مَكِّيَّة

﴿حم﴾ قد ذكرنَا معنى حم.

وَقَوله: ﴿وَالْكتاب الْمُبين﴾ هُوَ الْقُرْآن، وَسَماهُ مُبينًا؛ لِأَنَّهُ أبان فِيهِ الْهدى من الضَّلَالَة، وَالْخَيْر من الشَّرّ، وَأَبَان فِيهِ جَمِيع مَا يُؤْتى وَجَمِيع مَا يتقى.
وَمعنى الْآيَة هُوَ الْقسم، فَكَأَنَّهُ أقسم بحم وَبِالْقُرْآنِ، وَجَوَاب الْقسم قَوْله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿وَإنَّهُ فِي ام الْكتاب﴾ جَوَاب الْقسم أَيْضا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ قَالَ السدى: أَنزَلْنَاهُ وَقَالَ مُجَاهِد: قُلْنَاهُ.
وَعَن بَعضهم: بَيناهُ، قَالَه سُفْيَان الثَّوْريّ.
وَاسْتدلَّ بِهَذَا من زعم أَن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَذكر أَن الْجعل بِمَعْنى الْخلق بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي جعل لكم الأَرْض مهدا﴾ أَي: خلق لكم، وَعِنْدنَا هَذَا التَّعَلُّق بَاطِل، وَالْقُرْآن كَلَام الله غير ومخلوق، وَعَلِيهِ إِجْمَاع أهل السّنة، وَزَعَمُوا أَن من قَالَ: إِنَّه مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر؛ لِأَن فِيهِ نفي كَلَام الله تَعَالَى، وَقد بَينا وَجه الْآيَة عِنْد السّلف وَمن يعْتَمد فِي تَفْسِيره.
وَقد ورد الْجعل فِي الْقُرْآن لَا بِمَعْنى الْخلق، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا﴾ وَمَعْنَاهُ: أَنهم وصفوهم بالأنوثة وَلَيْسَ الْمَعْنى أَنهم خلقوهم.
وَقَوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبيا﴾ أَي: بِلِسَان الْعَرَب.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ أَي: تعقلون مَا فِيهِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ فِي أم لكتاب﴾ أَي: الْقُرْآن فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
وَفِي بعض

((5} وَكم أرسلنَا من نَبِي فِي الْأَوَّلين (6) وَمَا يَأْتِيهم من نَبِي إِلَّا كَانُوا بِهِ يستهزئون (7) فأهلكنا أَشد مِنْهُم بطشا وَمضى مثل الْأَوَّلين (8) وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق) التفاسبر: أَن أم الْكتاب مَذْكُور عِنْد الله تَعَالَى، قد بَين فِيهِ جَمِيع الْأَشْيَاء، فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة عورض مَا كَانَ من المكاتبات بذلك الذّكر فتوجد على السوَاء.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي [أَنه] قَالَ: " إِن أول مَا خلق الله تَعَالَى الْقَلَم، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أكتب؟ قَالَ: مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". وَقَوله: ﴿لدينا﴾ أَي: عندنَا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿لعلى﴾ أَي: رفيع لَا يَنَالهُ أحد بتبديل وَلَا تَغْيِير.
وَقَوله: ﴿حَكِيم﴾ أَي: أحكمت آيَاته لَا يُزَاد فِيهَا وَلَا ينقص.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أفنضرب عَنْكُم الذّكر صفحا﴾ مَعْنَاهُ: أفنصفح عَنْكُم وَقد كَذبْتُمْ بآياتي وتركتم أوامري.
قَالَ القتيبي: وَهَذَا مَأْخُوذ من قَوْلهم: ضرب فلَان دَابَّته وصفحت عَنهُ أَي: مَالَتْ عَنهُ، وَحَقِيقَة المُرَاد: أفنضرب عَنْكُم الذّكر صافحين أَي: نمهلكم ونترككم فَلَا نأمركم وَلَا ننهاكم وَلَا نعرفكم مَا يجب عَلَيْكُم ﴿أَن كُنْتُم قوما مسرفين﴾ أى لَان كُنْتُم قوما مسرفين.
وَيُقَال مَعْنَاهُ: نترككم والتكذيب وَلَا نعاقبكم عَلَيْهِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكم أرسلنَا من نَبِي فِي الْأَوَّلين﴾ كم للتكثير.
وَقَوله: ﴿من نَبِي فِي الْأَوَّلين﴾ أَي: فِي الْقُرُون الْمَاضِيَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا ياتيهم من نَبِي إِلَّا كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ أَي: يسخرون، وَهَذَا على الْأَكْثَر؛ لِأَنَّهُ قد كَانَ فيهم من آمن.

وَقَوله: ﴿فأهلكنا أَشد مِنْهُم بطشا﴾ أَي: فأهلكنا من هُوَ أَشد من قَوْمك بطشا أَي: قُوَّة.
وَقَوله: ﴿وَمضى مثل الْأَوَّلين﴾ أَي: عقوبات الْأَوَّلين، وَذكر بِلَفْظ الْمثل على

﴿السَّمَوَات وَالْأَرْض ليَقُولن خَلقهنَّ الْعَزِيز الْعَلِيم (9) الَّذِي جعل لكم لأرض مهدا وَجعل لكم فِيهَا سبلا لَعَلَّكُمْ تهتدون (10) وَالَّذِي نزل من السَّمَاء مَاء بِقدر فأنشرنا بِهِ﴾ معنى أَنَّهَا سنة المكذبين من قبل.
وَقُرِئَ: " مثل الْأَوَّلين " بِضَم الْمِيم والثاء على الْجمع، وَمَعْنَاهُ مَا بَينا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: وَلَئِن سَالَتْ الْمُشْركين من خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض ﴿ليَقُولن خَلقهنَّ الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ وَهَذَا على طَرِيق التعجيب من حَالهم أَي: كَيفَ يعْبدُونَ الْأَصْنَام ويزعمون أَن لله شَرِيكا، وَقد أقرُّوا أَن الله تَعَالَى خَالق السَّمَوَات والرض؟

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي جعل لكم الأَرْض مهدا﴾ هَذَا ابْتِدَاء كَلَام من الله تَعَالَى من غير أَن يكون حِكَايَة عَن الْكفَّار؛ لِأَن كَلَامهم قد تمّ فِي الْآيَة الأولى.
وَقَوله: ﴿وَجعل لكم الآرض مهدا﴾ قد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿وَجعل لكم فِيهَا سبلا﴾ أَي: [طرقا] . وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ أَي: تهتدون بسلوكها فِي أسفاركم.
وَقيل: فِي معايشكم وتصرفاتكم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي نزل من السَّمَاء مَاء بِقدر﴾ أَي: بِمِقْدَار مَعْلُوم، فَلَا ينقص عَن حاجات النَّاس فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلَا يزِيد فَيكون سيلا مهْلكا، وَهَذَا على أَكثر الْأَحْوَال، وَقد يكو بِخِلَافِهِ.
وَقَوله: ﴿فأنشرنا بِهِ بَلْدَة مَيتا﴾ مَعْنَاهُ: أحيينا بِهِ أَرضًا ميتَة.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك تخرجُونَ﴾ يَعْنِي: تبعثون يَوْم الْقِيَامَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي خلق الْأزْوَاج كلهَا﴾ أَي: الْأَصْنَاف كلهَا، وَيُقَال: لكل شَيْئَيْنِ قرينين زوجان، وكل وَاحِد مِنْهُمَا زوج صَاحبه، وَذَلِكَ السَّمَاء وَالْأَرْض، وَاللَّيْل وَالنَّهَار، وَالشَّمْس وَالْقَمَر، وَالْجنَّة وَالنَّار، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَكَذَلِكَ مَا يعود إِلَى

﴿بَلْدَة مَيتا كَذَلِك تخرجُونَ (11) وَالَّذِي خلق الْأزْوَاج كلهَا وَجعل لكم من الْفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ (12) لتستووا على ظُهُوره ثمَّ تَذكرُوا نعْمَة ربكُم إِذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين (13) وَإِنَّا إِلَى رَبنَا لمنقلبون﴾ أَحْوَال الْإِنْسَان من الْمَرَض وَالصِّحَّة، والفقر والغنى، وَالْخَيْر وَالشَّر، وَالنَّوْم واليقظة، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وَجعل لكم من الْفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ﴾ الْفلك: هِيَ السفن، وَاخْتلف القَوْل فِي الْأَنْعَام، فَذهب مقَاتل إِلَى أَنَّهَا الْإِبِل وَالْبَقر، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا الْإِبِل خَاصَّة، وَهُوَ الأولى، قَالَ أَبُو معَاذ النَّحْوِيّ: وَمَتى ركبت الْبَقَرَة؟ ! وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن رجلا ركب بقرة فتكلمت الْبَقَرَة، وَقَالَت: مَا خلقنَا لهَذَا، وَإِنَّمَا خلقنَا للحرث.

وَقَوله: ﴿لتستوا على ظُهُوره﴾ فَإِن قيل: كَيفَ لم يقل: على ظُهُورهَا، وَقد تقدم لفظ الْجمع؟ وَالْجَوَاب: أَن قَوْله: ﴿على ظُهُوره﴾ ينْصَرف إِلَى كلمة " مَا "، وَمَعْنَاهُ: لتستووا على ظُهُور مَا تركبونه.
وَقَوله: ﴿ثمَّ تَذكرُوا نعْمَة ربكُم إِذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين﴾ أَي: مطيقين، أَي: مَا كُنَّا نطيق تذليله وتسخيره لَوْلَا أَن الله تَعَالَى ذلله وسخره لنا.
قَالَ عَمْرو بن معد يكرب: (وَقد علم الْقَبَائِل مَا عقيل ... لنا فِي النائبات بمقرنينا) وَعَن بَعضهم أَنه ركب بعيره وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين، فَسَمعهُ الْحُسَيْن بن عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا فَقَالَ: أهكذا أمرت؟ إِنَّمَا أمرت أَن تذكر نعْمَة الله تَعَالَى ثمَّ تَقول هَذَا، فَإِذا ركبت فَقل: الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمن علينا بِمُحَمد، وَالْحَمْد لله الَّذِي جعلنَا من خير أمة أخرجت للنَّاس، ثمَّ قَالَ: " سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا ". وَقد ثَبت بِرِوَايَة ابْن عمر أَن النَّبِي كَانَ إِذا اسْتَوَى على بعيره مُتَوَجها فِي سفر،

﴿وَجعلُوا لَهُ من عباده جُزْءا إِن الْإِنْسَان لكفور مُبين (15) أم اتخذ مِمَّا يخلق﴾ كبر الله ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ: " سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك فِي سفرنا هَذَا الْبر وَالتَّقوى وَالْعَمَل بِمَا ترْضى، اللَّهُمَّ هون علينا سفرنا، واطو علينا بعده، اللَّهُمَّ أَنْت الصاحب فِي السّفر والخليفة فِي الْأَهْل، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من وعثاء السّفر، وكآبة المنظر، وَسُوء المنقلب فِي الْأَهْل وَالْمَال وَالْولد ". وَإِذا رَجَعَ قَالَ: آيبون تائبون عَابِدُونَ لربنا حامدون ". خرجه مُسلم فِي الصَّحِيح.
وَفِي بعض الْكتب عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَنه قَالَ: كُنَّا فِي سفر وَكَانَ النَّاس إِذا اسْتَووا على دوابهم قَالُوا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين﴾ وَكَانَ أَعْرَابِي على بعير هزيل فَاسْتَوَى على بعيره وَقَالَ: أما إِنِّي لهَذَا مقرن، [فقمص] بِهِ، فَوَقع واندقت عُنُقه وَمَات.
وَفِي بعض الْآثَار أَيْضا: أَن رجلا شَابًّا خرج فِي حلَّة لَهُ، قد رجل شعره، فَقيل لَهُ: إِنَّك لحميل الْيَوْم، فَقَالَ: إِن الله يعجب من جمالي؛ فمسخه الله تَعَالَى.
وَعَن بَعضهم أَيْضا أَنه كَانَ يكْتب الْقُرْآن فانعقد حبره وَلم يحضرهُ المَاء، فقطر فِيهِ قَطْرَة بَوْل فَكتب، فجفت يَده.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبنَا لمنقلبون﴾ أَي: رَاجِعُون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعلُوا لَهُ من عباده جُزْءا﴾ أَي: نَصِيبا، والنصيب الَّذِي جَعَلُوهُ لله تَعَالَى هُوَ أَنهم قَالُوا: الْمَلَائِكَة بَنَات الله تَعَالَى.
[يُقَال] : أَجْزَأت الْمَرْأَة، إِذا

﴿بَنَات وأصفاكم بالبنين (16) وَإِذا بشر أحدهم بِمَا ضرب للرحمن مثلا ظلّ وَجهه مسودا وَهُوَ كظيم (17) أَو من ينشأ فِي الْحِلْية وَهُوَ فِي الْخِصَام غير مُبين (18) ﴾ ولدت أُنْثَى.
وَقَوله: ﴿إِن الْإِنْسَان لكفور مُبين﴾ أَي: كفور للنعم بَين الكفران.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم اتخذ مِمَّا يخلق بَنَات﴾ مَعْنَاهُ: أم اتخذ الله مِمَّا يخلق بَنَات ﴿وأصفاكم بالبنين﴾ أَي: اخْتَار لكم الْبَنِينَ، وَهَذَا، [على] طَرِيق الْإِنْكَار لقَولهم.
وَفِي التَّفْسِير: أَن هَذَا القَوْل كَانَ يَقُوله بَنو كنَانَة وَبَنُو عَامر وَحي ثَالِث.
وَعَن بَعضهم: أَن جَمِيع قُرَيْش كَانَت تَقوله، فَقيل لَهُم: من أَيْن تَقولُونَ هَذَا؟ فَقَالَت: سمعنَا آبَاءَنَا يَقُولُونَ كَذَلِك، وَنحن نشْهد أنم لم يكذبوا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا بشر أحدكُم بِمَا ضرب للرحمن مثلا﴾ أَي: وصف الله بِهِ.
وَقَوله: ﴿ظلّ وَجهه مسودا وَهُوَ كظيم﴾ أَي: حَزِين مكروب، وَيُقَال مَمْلُوء غما وهما.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو من ينشأ فِي الْحِلْية﴾ أَي يُربي وينبت.
وَقُرِئَ: " أَو من ينشأ أَي: ينْبت وَقَوله: ﴿فِي الْحِلْية﴾ أَي: فِي الْحلِيّ، والحلية: الزِّينَة، وَالْمعْنَى: أَنَّهَا مَشْغُولَة بزينتها لَيْسَ لَهَا رَأْي فِي الْأُمُور، وَلَا تصرف فِي الْأَشْيَاء.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَام غير مُبين﴾ أَي: فِي الْجِدَال ضَعِيف القَوْل.
وَفِي التَّفْسِير: قَلما تَكَلَّمت امْرَأَة بِحجَّة فأمكنها أَن تبلغ حجتها، وَيُقَال: قَلما تَكَلَّمت امْرَأَة بِحجَّة إِلَّا وتتكلم مَا يكون حجَّة عَلَيْهَا، وَالْآيَة وَردت للإنكار عَلَيْهِم يَعْنِي: أَنكُمْ جعلتم نَصِيبي من عبَادي مثل هَؤُلَاءِ، وجعلتم نصيبكم الْبَنِينَ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا﴾ مَعْنَاهُ: وصفوا،

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل