تفسير السمعانيصفحات 329-339
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأحزاب

صفحات 329-339
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد صدق عَلَيْهِم إِبْلِيس ظَنّه﴾ وَقُرِئَ: " صدق " بِالتَّخْفِيفِ أما بِالتَّشْدِيدِ فَمَعْنَاه: أَنه ظن ظنا وَصدقه، وظنه فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لآتينهم من بَين أَيْديهم وَمن خَلفهم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَلَا تَجِد أَكْثَرهم شاكرين﴾ وَيُقَال: إِنَّه ظن أَنه إِذا أغواهم اتَّبعُوهُ، وَكَانَ كَذَلِك.
وَفِي التَّفْسِير أَن إِبْلِيس قَالَ: لقد أخرجت آدم من الْجنَّة مَعَ كَثْرَة علمه وأغويته، فَأَنا على ذُريَّته أقدر.

﴿لنعلم من يُؤمن بِالآخِرَة مِمَّن هُوَ مِنْهَا فِي شكّ وَرَبك على كل شَيْء حفيظ (21) قل ادعوا الَّذين زعمتم من دون الله لَا يملكُونَ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض وَمَا﴾ وَأما قِرَاءَة التَّخْفِيف فَمَعْنَاه: صدق عَلَيْهِم فِي ظَنّه.
وَقَوله: ﴿فَاتَّبعُوهُ إِلَّا فريقا من الْمُؤمنِينَ﴾ يَعْنِي: إِلَّا كل الْمُؤمنِينَ، هَكَذَا قَالَه أَكثر أهل التَّفْسِير؛ لِأَن الْمُؤمنِينَ لم يتبعوه فِي أصل الدّين، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ وَعَن بَعضهم: إِلَّا فريقا من الْمُؤمنِينَ: خَواص الْمُؤمنِينَ؛ وهم الَّذين يطيعون الله وَلَا يعصونه.
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: وَالله إِنَّه لم يسل عَلَيْهِم سَيْفا وَلَا ضَربهمْ بِسَوْط، وَإِنَّمَا وعدهم ومناهم فاغتروا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم من سُلْطَان﴾ أَي: من سُلْطَان على الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله: ﴿إِلَّا لنعلم﴾ مَعْنَاهُ: لكَي نعلم ﴿من يُؤمن بِالآخِرَة مِمَّن هُوَ مِنْهَا فِي شكّ﴾ أَي: لنعلم الْمُؤمن من الْكَافِر علم وُقُوع، وَقد علم علم الْغَيْب، وَقد بَينا هَذَا من قبل.
قَالَ ابْن فَارس: هَذَا على عَادَة كَلَام الْعَرَب مَعَ الجهلة، فَإنَّك لَو قلت: السكين تقطع اللَّحْم، أَو اللَّحْم يقطع السكين، وَقد علم قطعا أَن السكين هُوَ الَّذِي يقطع اللَّحْم، وَلَكِن يخرج الْكَلَام على خطاب الْجَاهِل، وَتَقْرِير الْأَمر لَهُ.
وَقَوله: ﴿وَرَبك على كل شَيْء حفيظ﴾ أَي: رَقِيب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل ادعوا الَّذين زعمتم من دون الله﴾ أَي: الَّذين زعمتم [أَنهم] آلِهَة من دون الله.
وَفِي الْآيَة حذف، والمحذوف ادعوهُمْ ليكشفوا عَنْكُم الضّر الَّذِي نزل بكم، وَذَلِكَ فِي سني الْجُوع، وَكَانَ الله تَعَالَى ضَربهمْ بِالْجُوعِ حَتَّى أكلُوا الميتات يَعْنِي قُرَيْش ثمَّ قَالَ: ﴿لَا يملكُونَ مِثْقَال ذرة﴾ أَي: الْأَصْنَام لَا تملك مِثْقَال ذرة أَي: وزن ذرة من النَّفْع والضر، والذرة هِيَ النملة الْحَمْرَاء.

﴿لَهُم فيهمَا من شرك وَمَا لَهُ مِنْهُم من ظهير (22) وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِلَّا لمن أذن لَهُ حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير (23) قل﴾ وَقَوله: ﴿فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض﴾ ظَاهر.
وَقَوله: ﴿وَمَا لَهُم فيهمَا من شرك﴾ أَي: مَا للآلهة الَّتِي تدعون من دون الله شركَة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم من ظهير﴾ أَي: معِين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِلَّا لمن أذن لَهُ﴾ أَي: أذن الله لَهُ، وَقُرِئَ: " إِلَّا لمن أذن لَهُ " أَي: إِلَّا لمن أذن لَهُ فِي شَفَاعَته.
وَقَوله: ﴿حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم﴾ لَا بُد أَن يكون هَا هُنَا مَحْذُوف؛ لِأَن حَتَّى من ضَرُورَته أَن يتَّصل بِمَا تقدم، وَلم يُوجد شَيْء يتَّصل بِهِ، فَيجوز أَن يكون الْمَحْذُوف إِثْبَات فزع وَالْمَلَائِكَة وخوفهم إِذا قضى الله تَعَالَى بِأَمْر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض.
وَقَوله: ﴿فزع عَن قُلُوبهم﴾ أَي: كشف الْفَزع عَن قُلُوبهم.
وَقُرِئَ فِي الشاذ: " فزع عَن قُلُوبهم " أَي: فرغت قُلُوبهم عَن الْخَوْف.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة: " أَن الْمَلَائِكَة تسمع صَوت الْوَحْي شبه السلسلة على الصفوان فيصعقون، ويضربون بأجنحتهم خضعانا لله تَعَالَى ". وَفِي رِوَايَة: " يخرون على جباههم، فَإِذا كشف الْفَزع عَنْهُم ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم﴾ " أَي: قَالَ بَعضهم لبَعض: مَاذَا قَالَ ربكُم؟ وَقَوله: ﴿قَالُوا الْحق﴾ أَي: قَالُوا: قَالَ الله تَعَالَى الْحق أَي: الْوَحْي وَذكر السّديّ وَغَيره: أَنه لما كَانَ زمَان الفترة بَين عِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَانَت بِمِقْدَار سِتّمائَة سنة، فَلم تسمع الْمَلَائِكَة وَحيا فِي هَذِه الْمدَّة، فَلَمَّا بعث مُحَمَّد

﴿من يرزقكم من السَّمَوَات وَالْأَرْض قل الله وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين﴾ نزل جِبْرِيل بِالْوَحْي، ففزعوا لذَلِك خوفًا من قيام السَّاعَة، فَلَمَّا كشف الْفَزع عَن قُلُوبهم سَأَلُوا عَمَّا قَضَاهُ الله من أمره، فَذكر لَهُم أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى مُحَمَّد.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعلي الْكَبِير﴾ أَي: المتعالي الْعَظِيم فِي صِفَاته.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل من يرزقكم من السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فالرزق من السَّمَوَات هُوَ الْمَطَر، وَمن الأَرْض هُوَ النَّبَات.
وَقَوله: ﴿قل الله﴾ يَعْنِي: إِن لم يَقُولُوا: إِن رازقنا هُوَ الله تَعَالَى، فَقل أَنْت إِن رازقكم هُوَ الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين﴾ فَإِن قيل: " أَو " فِي كَلَام الْعَرَب للشَّكّ، فَكيف تستقيم كلمة أَو فِي هَذَا الْموضع؟ وَلَا يجوز لأحد أَن يشك أَنه على الْهدى أَو على الضلال، وَالْجَوَاب عَنهُ من وُجُوه: أَحدهَا: مَا ذكره الْفراء وَهُوَ: أَو هَا هُنَا بِمَعْنى الْوَاو، وَالْألف صلَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: " وَإِنَّا وَإِيَّاكُم لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين " يَعْنِي: نَحن على الْهدى وَأَنْتُم فِي الضلال.
قَالَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي شعرًا: (يَقُول الأرذلون بَنو قُشَيْر ... طوال الدَّهْر لَا تنسى عليا؟) (أحب مُحَمَّدًا حبا شَدِيدا ... وعباسا وَحَمْزَة والوصيا) (فَإِن يَك حبهم رشدا أصبه ... وَفِيهِمْ أُسْوَة إِن كَانَ غيا) فَقيل: مَا شَككت، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لعلى هذى أَو فِي ضلال مُبين﴾ . وروى معنى هَذَا القَوْل عَن عِكْرِمَة.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ﴾ خرج على شدَّة الاستبصار، وعَلى طَرِيق المناصفة فِي الْكَلَام، كَالرّجلِ يَقُول لغيره: أَحَدنَا كَاذِب، فَهَل من سامع؟ وَهُوَ مُتَيَقن أَن الصَّادِق هُوَ، والكاذب صَاحبه.
وَكَذَلِكَ يَقُول الْمولى لعَبْدِهِ عِنْد شدَّة الْغَضَب: تعال نَنْظُر أَيّنَا يضْرب صَاحبه، وَهُوَ يعلم أَنه هُوَ الَّذِي يضْرب غُلَامه.
وَالثَّالِث: مَا رُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه فال معنى الْآيَة: مَا نَحن وَأَنْتُم على طَريقَة وَاحِدَة،

( ﴿24) قل لَا تسْأَلُون عَمَّا أجرمنا وَلَا نسْأَل عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قل يجمع بَيْننَا رَبنَا ثمَّ يفتح بَيْننَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الفتاح الْعَلِيم (26) قل أروني الَّذين ألحقتم بِهِ شُرَكَاء كلا بل هُوَ الله الْعَزِيز الْحَكِيم (27) وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس بشيرا وَنَذِيرا وَلَكِن أَكثر النَّاس﴾ بل أَحَدنَا على الْهدى، وَالْآخر على الضَّلَالَة، ثمَّ المهتدى من الْفَرِيقَيْنِ مَعْلُوم، والضال من الْفَرِيقَيْنِ مَعْلُوم، وَهَذَا القَوْل قريب من الأول، وَهُوَ حسن.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَا تسْأَلُون عَمَّا أجرمنا﴾ أَي: عَن جرمنا.
وَقَوله: ﴿وَلَا نسْأَل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أَي: عَن عَمَلكُمْ من الْكفْر والمعاصي.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يجمع بَيْننَا رَبنَا﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿ثمَّ يفتح بَيْننَا﴾ أَي: يحكم بَيْننَا، وَالْعرب تسمي الْحَاكِم فتاحا، وَقد ذكرنَا.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الفتاح الْعَلِيم﴾ ظَاهر.
وَيُقَال: هُوَ الْحَاكِم الْعَالم بِوُجُوه الْمصلحَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أروني الَّذين ألحقتهم بِهِ شُرَكَاء﴾ أَي: ألحقتموهم بِاللَّه شُرَكَاء.
وَقَوله: ﴿أروني﴾ أَي: أعلموني مَاذَا خلقُوا؟ وماذا صَنَعُوا؟ وَقَوله: ﴿كلا﴾ يَعْنِي: فَإِن لم تجيبوا بِالْحَقِّ، فَقل: كلا أَي: لَيْسَ الْأَمر على مَا زعمتم.
وَقَوله: ﴿بل هُوَ الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْغَالِب على أمره، الْحَكِيم فِي تَدْبيره.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس﴾ أَي: جَامعا بالإنذار والإبلاغ.
وَقيل: وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا للنَّاس كَافَّة، على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " بعثت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود ". وَعَن ابْن زيد: كَافَّة للنَّاس أَي: كافا للنَّاس عَن الْكفْر، وَالْهَاء للْمُبَالَغَة.
وَقَوله: ﴿بشيرا وَنَذِيرا﴾ أى: مبشرا ومنذرا.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ أَنَّك نَبِي.
وَفِي بعض التفاسير: أَن أجل فَائِدَة للعباد من الله هُوَ الْعلم وَالْقُدْرَة؛ لِأَن بهما يكْتَسب الْإِنْسَان

﴿لَا يعلمُونَ (28) وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين (29) قل لكم ميعاد يَوْمًا لَا تستأخرون عَنهُ سَاعَة وَلَا تستقدمون (30) وَقَالَ الَّذين كفرُوا لن نؤمن بِهَذَا الْقُرْآن وَلَا بِالَّذِي بَين يَدَيْهِ وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ موقوفون عِنْد رَبهم يرجع بَعضهم إِلَى بعض القَوْل يَقُول الَّذين استضعفوا للَّذين استكبروا لَوْلَا أَنْتُم لَكنا مُؤمنين (31) قَالَ الَّذين استكبروا للَّذين استضعفوا أَنَحْنُ صددناكم عَن الْهدى بعد إِذْ جَاءَكُم بل كُنْتُم مجرمين﴾ مَا يوصله إِلَى رضَا الله تَعَالَى، قَالَ: وَالْعلم أَكثر فَائِدَة من الْقُدْرَة؛ لِأَن الْعلم يتمخض نفعا، وَالْقُدْرَة قد يكْتَسب بهَا الْمعْصِيَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ يَعْنِي: الْقِيَامَة.

وَقَوله: ﴿قل لكم ميعاد يَوْم لَا تستأخرون عَنهُ سَاعَة وَلَا تستقدمون﴾ قد فسر هَذَا بِيَوْم الْبَعْث، وَقد فسر بِيَوْم الْمَوْت، وَكِلَاهُمَا صَحِيح.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لن نؤمن بِهَذَا الْقُرْآن﴾ إِي: أشركوا.
وَقَوله: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَين يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي: من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل.
وَقَوله: ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ موقوفون عِنْد رَبهم﴾ أَي: محبوسون عِنْد رَبهم.
وَقَوله: ﴿يرجع بَعضهم إِلَى بعض القَوْل﴾ أَي: يُجَادِل بَعضهم بَعْضًا.
وَقَوله: ﴿يَقُول الَّذين استضعفوا﴾ أَي: استحقروا، وهم الأتباع.
وَقَوله: ﴿للَّذين استكبروا﴾ أَي: تجبروا، وهم القادة والأشراف.
وَقَوله: ﴿لَوْلَا أَنْتُم لَكنا مُؤمنين﴾ أَي: لَوْلَا أَنكُمْ كُنْتُم قادتنا ورؤساءنا لآمَنَّا بِاللَّه وبرسوله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذين استكبروا﴾ أَي: تكبروا.
وَقَوله: ﴿للَّذين استضعفوا﴾ أَي: الأتباع.
وَقَوله: ﴿أَنَحْنُ صددناكم عَن الْهدى بعد إِذْ جَاءَكُم﴾ أَي: منعناكم.

( ﴿32) وَقَالَ الَّذين استضعفوا للَّذين استكبروا بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار إِذْ تأمروننا أَن نكفر بِاللَّه ونجعل لَهُ أندادا وأسروا الندامة لما رَأَوْا الْعَذَاب وَجَعَلنَا الأغلال فِي أَعْنَاق الَّذين كفرُوا هَل يجزون إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ (33) وَمَا أرسلنَا فِي قَرْيَة من نَذِير إِلَّا قَالَ مترفوها إِنَّا بِمَا أرسلتم بِهِ كافرون (34) وَقَالُوا نَحن أَكثر أَمْوَالًا وأولادا وَمَا نَحن﴾ وَقَوله: ﴿بل كُنْتُم مجرمين﴾ أَي: الجرم كَانَ لكم فِي اتباعكم أهواءكم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين استضعفوا للَّذين استكبروا بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ أَي: مكركم بِنَا فِي اللَّيْل وَالنَّهَار.
وَالْعرب قد تضيف الْفِعْل إِلَى اللَّيْل وَالنَّهَار على توسع الْكَلَام، قَالَ الشَّاعِر: (لقد لمتنا يَا أم غيلَان فِي السرى ... ونمت وَمَا ليل الْمطِي بنائم) وَقيل: بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار مَعْنَاهُ: طول الأمل، وَطول الأمل هُوَ مكر اللَّيْل وَالنَّهَار على طَرِيق الْمجَاز، وَقُرِئَ فِي الشاذ: " بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار " أَي: كرور اللَّيْل وَالنَّهَار.
وَقَوله: ﴿إِذْ تأمروننا أَن نكفر بِاللَّه ونجعل لَهُ أندادا﴾ أَي: أشباها.
وَقَوله: ﴿وأسروا الندامة﴾ قد بَينا أَن قَوْله: ﴿وأسروا﴾ قد يكون بِمَعْنى أخفوا، وَقد يكون بِمَعْنى أظهرُوا.
قَوْله: ﴿لما رَأَوْا العاب﴾ أَي: عاينوه.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا الأغلال فِي أَعْنَاق الَّذين كفرُوا﴾ هُوَ فرع من عَذَاب أهل النَّار.
وَقَوله: ﴿هَل يجزون إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ أَي: يعْملُونَ من الْكفْر والمعاصي.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا فِي قَرْيَة من نَذِير إِلَّا قَالَ مترفوها﴾ أَي: منعموها وأغنياؤها، والترفة: النِّعْمَة.
وَقَوله: ﴿إِنَّا بِمَا أرسلتم بِهِ كافرون﴾ أَي: جاحدون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا نَحن أَكثر أَمْوَالًا وأولادا﴾ يَعْنِي: قَالَ المترفون للْفُقَرَاء الَّذين آمنُوا نَحن أَكثر أَمْوَالًا وأولادا.

﴿بمعذبين (35) قل إِن رَبِّي يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم بِالَّتِي تقربكم عندنَا زلفى إِلَّا من آمن وَعمل صَالحا﴾ وَقَوله: ﴿وَمَا نَحن بمعذبين﴾ الْعَذَاب الَّذِي يُعَذبُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ الْفقر.
وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ أظهر الْقَوْلَيْنِ أَن الَّذِي خولنا وأعطانا الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد فِي الدُّنْيَا لَا يعذبنا فِي الْآخِرَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن رَبِّي يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر﴾ الْآيَة.
وَردت لرد قَوْلهم، وَمَعْنَاهُ: يبسط الرزق امتحانا وابتلاء، ويضيق الرزق (نظرا) . وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ بِالَّتِي تقربكم عندنَا زلفى﴾ أَي: قربى.
وروى عَن طَاوس الْيَمَانِيّ أَنه كَانَ يَدْعُو، وَيَقُول: اللَّهُمَّ جنبني المَال وَالْولد، وارزقني الْإِيمَان وَالْعَمَل.
وَفِي الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " اللَّهُمَّ من أَحبَّنِي فارزقه العفاف والكفاف، وَمن أبغضني فَأكْثر مَاله وَولده ". وَقَوله: ﴿إِلَّا من آمن وَعمل صَالحا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن [من] آمن وَعمل صَالحا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى الْآيَة ﴿إِلَّا من آمن وَعمل صَالحا﴾ فَأُولَئِك تقربهم أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ إِلَى طَاعَة الله، وَهَذَا أظهر الْقَوْلَيْنِ.

﴿فَأُولَئِك لَهُم جَزَاء الضعْف بِمَا عمِلُوا وهم فِي الغرفات آمنون (37) وَالَّذين يسعون فِي آيَاتنَا معاجزين أُولَئِكَ فِي الْعَذَاب محضرون (38) قل إِن رَبِّي يبسط الرزق لمن يَشَاء﴾ وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك لَهُم جَزَاء الضعْف﴾ أَي: التَّضْعِيف، وَيُقَال: جَزَاء المضاعفة.
والمضاعفة هُوَ أَنه يَجْزِي بِالْوَاحِدِ عشرا إِلَى سَبْعمِائة.
وَقَوله: ﴿وهم فِي الغرفات آمنون﴾ أَي: (فِي) غرفات الْجنَّة آمنون من الْعَذَاب، وَقيل: من الْمَوْت، وَقيل: من الأحزان.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يسعون فِي آيَاتنَا معاجزين﴾ قد بَينا معنى قَوْله: ﴿معاجزين﴾ و ﴿معجزين﴾ . وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَاب محضرون﴾ أَي: مدخلون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن رَبِّي يبسط الرزق لمن يَشَاء من عباده وَيقدر لَهُ﴾ فَإِن قيل: هَذَا تكْرَار لِلْآيَةِ الأولى فَلَا يكون فِيهِ فَائِدَة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن فِيهِ فَائِدَة، وَهُوَ أَن الْآيَة الأولى فِيمَن لَا يعلم؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ وَالْآيَة الثَّانِيَة فِيمَن يعلم حِكْمَة الله تَعَالَى (فِي) الْبسط وَالتَّقْدِير.
وَقَوله: ﴿وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه﴾ أَي: يُعْطي خَلفه.
وَاخْتلف القَوْل فِي مَوضِع إِعْطَاء الْخلف فالأكثرون أَن (ذَلِك) فِي الْآخِرَة أَو الدُّنْيَا.
روى أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا من صباح إِلَّا وينادي ملكان، يَقُول أَحدهمَا: اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا، وَيَقُول الآخر: اللَّهُمَّ أعْط ممسكا تلفا ". وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: هُوَ فِي الدُّنْيَا خَاصَّة، وَلَو لم يكن يخلف فِي الدُّنْيَا لبقي العَبْد بِلَا رزق.
وَالْقَوْل الأول أحسن.

﴿من عباده وَيقدر لَهُ وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه وَهُوَ خير الرازقين (39) وَيَوْم يحشرهم جَمِيعًا ثمَّ يَقُول للْمَلَائكَة أَهَؤُلَاءِ إيَّاكُمْ كَانُوا يعْبدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْت ولينا من دونهم بل كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ أَكْثَرهم بهم مُؤمنُونَ (41) فاليوم لَا يملك بَعْضكُم لبَعض نفعا أَو ضرا ونقول للَّذين ظلمُوا ذوقوا عَذَاب النَّار الَّتِي كُنْتُم بهَا﴾ وَقَوله: ﴿وَهُوَ خير الرازقين﴾ أَي: خير من يرْزق وَيُعْطِي.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يحشرهم جَمِيعًا ثمَّ يَقُول للْمَلَائكَة أَهَؤُلَاءِ إيَّاكُمْ كَانُوا يعْبدُونَ﴾ يَقُول الله تَعَالَى ذَلِك للْمَلَائكَة توبيخا لمن عبدهم، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ وَالْمعْنَى على مَا بَينا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تَسْبِيح الله: تَعْظِيم لَهُ على وَجه يَنْفِي عَنهُ كل سوء.
وَقَوله: ﴿أَنْت ولينا من دونهم﴾ أَي: نَحن نتولاك وَلَا نتولاهم.
وَقَوله: ﴿بل كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ﴾ (فَإِن قيل: كَيفَ يَصح قَوْله: ﴿بل كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ﴾ ) وهم عبدُوا الْمَلَائِكَة؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه قَالَ: ﴿بل كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ﴾ لِأَن الْجِنّ هم الَّذين زَينُوا لَهُم عبَادَة الْمَلَائِكَة، (وَالْمرَاد من الْجِنّ الشَّيَاطِين، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم صوروا صور الْجِنّ، وَقَالُوا: هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة) فاعبدوهم.
وَقَوله: ﴿أَكْثَرهم بهم مُؤمنُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فاليوم لَا يملك بَعْضكُم لبَعض نفعا وَلَا ضرا﴾ أَي: جلب نفع وَدفع ضرّ.
وَقَوله: ﴿ونقول للَّذين ظلمُوا ذوقوا عَذَاب النَّار الَّتِي كُنْتُم بهَا تكذبون﴾ أَي:

﴿تكذبون (42) وَإِذ تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رجل يُرِيد أَن يصدكم عَمَّا كَانَ يعبد آباؤكم وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إفْك مفترى وَقَالَ الَّذين كفرُوا للحق لما جَاءَهُم إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين (43) وَمَا آتَيْنَاهُم من كتب يدرسونها وَمَا أرسلنَا إِلَيْهِم قبلك من نَذِير (44) وَكذب الَّذين من قبلهم وَمَا بلغُوا معشار مَا آتَيْنَاهُم فكذبوا رُسُلِي فَكيف﴾ تجحدون.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل