الأحزاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَقَوله: ﴿يصلح لكم أَعمالكُم﴾ أَي: يزك لكم أَعمالكُم.
وَقيل: يصلح لكم أَعمالكُم: يتَقَبَّل مِنْكُم الْحَسَنَات.
وَقَوله: ﴿وَيغْفر لكم ذنوبكم﴾ أَي: يَسْتُرهَا ويعف عَنْهَا.
وَقَوله: ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما﴾ أَي: ظفر بِالْخَيرِ كُله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: الْأَمَانَة الْفَرَائِض.
وَقَالَ الضَّحَّاك: الطَّاعَة.
وَعَن أبي الْعَالِيَة الريَاحي: مَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ.
وَقَالَ أبي بن كَعْب: الْأَمَانَة هَا هُنَا حفظ الْفرج.
وَأولى الْأَقَاوِيل مَا ذكرنَا عَن ابْن عَبَّاس، وَقَول الضَّحَّاك وَأبي الْعَالِيَة قريب من ذَلِك.
وَفِي بعض التفاسير: أَن أول مَا خلق الله تَعَالَى من ابْن آدم فرجه وأتمنه عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِن حفظته حفظتك.
وَعَن أبي حَمْزَة السكرِي أَنه قَالَ: إِنِّي أعلم من نَفسِي أَنِّي أؤدي الْأَمَانَة فِي مائَة ألف دِينَار، وَمِائَة ألف دِينَار، وَمِائَة ألف دِينَار إِلَى أَن يَنْقَطِع النَّفس، وَلَو باتت عِنْدِي امْرَأَة وأتمنت عَلَيْهَا خفت أَلا أسلم مِنْهَا.
وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: من الْأَمَانَة أَدَاء الصَّلَاة، وإيتاء الزَّكَاة، وَصَوْم رَمَضَان، وَحج الْبَيْت، والصدق فِي الحَدِيث، وَقَضَاء الدّين، وَالْعدْل فِي المكاييل والموازين، قَالَ: وَأَشد من هَذَا كُله الودائع.
وَهَذَا القَوْل قريب من قَول ابْن عَبَّاس.
﴿على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه﴾
وَقَالَ أهل الْعلم: الْأَمَانَة قطب الْإِيمَان، قَالَ النَّبِي: " لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ ".
وَمن الْأَمَانَة أَن يكون الْبَاطِن مُوَافقا للظَّاهِر، فَكل من عمل عملا يُخَالف عقيدته فقد خَان الله وَرَسُوله.
وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تخونوا الله وَالرَّسُول وتخونوا أماناتكم﴾ نزلت فِي أبي لبَابَة بن عبد الْمُنْذر، وَقد كَانَ وضع أُصْبُعه على حلقه، يُشِير إِلَى بني النَّضِير إِنَّكُم إِن نزلتم فَهُوَ الذّبْح، وَقد بَينا.
وَقَوله: ﴿على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال﴾ فِيهِ أَقْوَال:
الأول: وَهُوَ قَول أَكثر السّلف، وَهُوَ المحكي عَن ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة التَّابِعين: هُوَ أَن الله تَعَالَى عرض أوامره على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال عرض تَخْيِير لَا عرض إِلْزَام، وَقَالَ لَهُنَّ: أتحملن هَذِه الْأَمَانَة بِمَا فِيهَا؟ قُلْنَ: وَمَا فِيهَا؟ ! فَقَالَ: إِن أحسنتن جوزيتن، وَإِن عصيتن عوقبتن، فَقُلْنَ: لَا نتحمل الْأَمَانَة، وَلَا نُرِيد ثَوابًا وَلَا عقَابا، وعرضها على آدم فتحملها بِمَا فِيهَا.
وَفِي بعض التفاسير: أَنه قَالَ: بَين أُذُنِي وعاتقي.
قَالَ ابْن جريج: عرض على السَّمَاء، فَقَالَت: يَا رب، خلقتني وجعلتني سقفا مَحْفُوظًا، وأجريت فِي الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم، وَمَالِي قُوَّة لحمل الْأَمَانَة، ثمَّ عرضهَا على الأَرْض، فَقَالَت: يَا رب، خلقتني وجعلتني بساطا ممدودا، وأجريت فِي الْأَنْهَار، وَأنْبت فِي الْأَشْجَار، وَمَا لي قُوَّة لحمل الْأَمَانَة، وَذكر عَن الْجبَال قَرِيبا من هَذَا، وجملها آدم وَأَوْلَاده.
وَعَن مُجَاهِد قَالَ: أَبَت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال أَن يحملوا الْأَمَانَة، وجملها آدم فَمَا كَانَ بَين أَن حملهَا وخان فِيهَا وَأخرج من الْجنَّة إِلَّا مَا بَين الظّهْر وَالْعصر.
وَحكى النقاش بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: مثلت الْأَمَانَة كصخرة ملقاة،
﴿كَانَ ظلوما جهولا (72) ليعذب الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات﴾ ودعيت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال إِلَيْهَا فَلم يقربُوا مِنْهَا، وَقَالُوا: لَا نطيق حملهَا، وَجَاء آدم من غير أَن يَدعِي وحرك الصَّخْرَة، وَقَالَ: لَو أمرت بحملها.
فَقُلْنَ لَهُ: احْمِلْ، فحملها إِلَى رُكْبَتَيْهِ ثمَّ وَضعهَا وَقَالَ: وَالله لَو أردْت أَن أزداد لزدت فَقُلْنَ: احْمِلْ، فحملها حَتَّى بلغ حقوه ثمَّ وَضعهَا وَقَالَ: وَالله لَو أردْت أَن أزداد لزدت، فَقُلْنَ: احْمِلْ، فحملها حَتَّى وضع على عَاتِقه، وَأَرَادَ أَن يَضَعهَا، فَقَالَ الله تَعَالَى: مَكَانك، فَهِيَ فِي عُنُقك وعنق ذريتك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ عرضهَا على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال، وَهِي لَا تعقل شَيْئا؟ قُلْنَا: قد بَينا الْجَواب عَن أَمْثَال هَذَا من قبل.
وَقَالَ بعض أهل الْعلم: يحْتَمل أَن الله تَعَالَى خلق فِيهَا عقلا وتمييزا حِين عرض الْأَمَانَة عَلَيْهِنَّ حَتَّى أعقلت الْخطاب، وأجابت بِمَا أجابت.
وَأما قَوْله: ﴿فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا﴾ أَي: لم يقبلُوا حمل الْأَمَانَة وخافوا مِنْهَا.
وَقَوله: ﴿وَحملهَا الْإِنْسَان﴾ يَعْنِي: آدم عَلَيْهِ السَّلَام.
وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: ظلوما لنَفسِهِ، جهولا بربه، حَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس.
وَالْقَوْل الثَّانِي: ظلوما لنَفسِهِ بِأَكْل الشَّجَرَة، جهولا بعاقبة أمره.
وَعَن جمَاعَة من الْعلمَاء: أَن المُرَاد بالظلوم الجهول هُوَ الْمُنَافِق والمشرك.
وَقد حكى هَذَا عَن الْحسن فِي رِوَايَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي، فِي أصل الْآيَة أَن المُرَاد من الْعرض على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال هُوَ الْعرض على أهل السَّمَوَات وَأهل الأَرْض وَأهل الْجبَال وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي: أهل الْقرْيَة.
﴿وَيَتُوب الله على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما (73) .﴾
وَالْقَوْل الثَّالِث ذكره الزّجاج وَغَيره من أهل الْمعَانِي قَالُوا: إِن الله تَعَالَى ائْتمن آدم وَأَوْلَاده على شَيْء، وأتمن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال على شَيْء، فَأَما الْأَمَانَة فِي حق بني آدم مَعْلُومَة، وَأما الْأَمَانَة فِي حق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فَهُوَ بِمَعْنى الخضوع وَالطَّاعَة.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أوكرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ .
وَحكى السُّجُود عَن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب، وَذكر فِي الْحِجَارَة قَوْله: ﴿وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله﴾ .
وَقَوله: ﴿فأبين أَن يحملنها﴾ أَي: أدين الْأَمَانَة فِيهَا، يُقَال: فلَان لم يتَحَمَّل الْأَمَانَة أَي: لم يخن فِيهَا.
وَقَوله: ﴿وأشفقن مِنْهَا﴾ أَي: أدين الْأَمَانَة خوفًا مِنْهَا.
وَقَوله: ﴿وَحملهَا الْإِنْسَان﴾ أَي: خَان فِيهَا وأثم، يُقَال: فلَان حمل الْأَمَانَة أَي: أَثم فِيهَا بالخيانة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مَعَ أثقالهم﴾ وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ قد بَينا، قَالَ الْأَزْهَرِي: وَقد أحسن وأجاد أَبُو إِسْحَاق الزّجاج فِي هَذَا القَوْل وَأثْنى عَلَيْهِ، وَقَول السّلف مَا بَينا من قبل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ليعذب الله الْمُنَافِقين والمنافقات﴾ اللَّام هَا هُنَا لَام كي، وَمَعْنَاهُ: كي يعذب الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات يَعْنِي إِذا خانوا.
وَقَوله: ﴿وَيَتُوب الله على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ أَي: يهْدِيهم ويرحمهم إِذا أَدّوا الْأَمَانَة.
وَعَن ابْن قُتَيْبَة قَالَ مَعْنَاهُ: ليظْهر الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات، ويعذبهم على الْخِيَانَة فِي الْأَمَانَات، وَيظْهر الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بأَدَاء الْأَمَانَة.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
﴿الْحَمد لله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَله الْحَمد فِي الْآخِرَة وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير (1) يعلم مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا يخرج مِنْهَا وَمَا ينزل من السَّمَاء وَمَا يعرج﴾ تَفْسِير سُورَة سبأ
وَهِي مَكِّيَّة.
﴿الْحَمد لله الَّذِي لَهُ مَا فِي السموت وَمَا فِي الأَرْض﴾ أَي: لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَيُقَال: خلق مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض.
وَقَوله: ﴿وَله الْحَمد فِي الْآخِرَة﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ لَهُ الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة على مَا قَالَ فِي مَوضِع آخر.
وَفِي الأولى وَالْآخِرَة وَجْهَان: أَحدهمَا: أَنَّهُمَا الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَالْآخر: أَنَّهُمَا السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿وَله الْحَمد فِي الْآخِرَة﴾ وَهُوَ مَا جَاءَ من ذكر الْحَمد عَن أهل الْجنَّة، وَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ ، وَفِي قَوْله: ﴿الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن﴾ ، وَفِي قَوْله: ﴿الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده﴾ .
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير﴾ أَي: الْحَكِيم فِي ملكه، الْخَبِير بخلقه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿يعلم مَا يلج فِي الأَرْض﴾ أَي: يدْخل فِيهَا من الْمَطَر.
وَقَوله: ﴿وَمَا يخرج مِنْهَا﴾ أَي: من الزَّرْع، وَيُقَال: إِن المُرَاد مِنْهُ الْأَمْوَات يدْخلُونَ إِذا قبروا، وَيخرجُونَ إِذا حشروا.
وَقَوله: ﴿وَمَا ينزل من السَّمَاء﴾ أَي: من الْمَطَر وَالْمَلَائِكَة وَالْأَحْكَام والأقضية.
وَقَوله: ﴿وَمَا يعرج فِيهَا﴾ أَي: يصعد إِلَيْهَا من الْمَلَائِكَة والأعمال والأدعية
﴿فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيم الغفور (2) وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَة قل بلَى وربي لتأتينكم عَالم الْغَيْب لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض وَلَا أَصْغَر من ذَلِك وَلَا أكبر إِلَّا فِي كتاب مُبين (3) ليجزي الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ﴾ المقبولة.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيم الغفور﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَة﴾ قَالُوا هَذَا تَكْذِيبًا بِالْبَعْثِ.
وَقَوله: ﴿قل بلَى وربي لتأتينكم عَالم الْغَيْب﴾ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَمَعْنَاهُ: قل بلَى وربي عَالم الْغَيْب لتأتينكم السَّاعَة، وَقَرَأَ حَمْزَة: " علام الْغَيْب ".
وَقَوله: ﴿لَا يعزب عَنهُ﴾ أَي: لَا يغيب عَنهُ، وَقَرَأَ يحيى بن وثاب: " لَا يغرب عَنهُ " بالغين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء.
وَقَوله: ﴿مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي وَالْأَرْض﴾ أَي: وزن ذرة ﴿وَلَا أَصْغَر من ذَلِك وَلَا أكبر﴾ أَي: أَصْغَر من الذّرة إِلَى أَن لَا يُحِيط بِهِ الْعقل، وأكبر إِلَى أَلا يُحِيط بِهِ الْعقل، وَالْمعْنَى أَن كل ذَلِك فِي علمه.
وَقَوله: ﴿إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ أَي: بَين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ليجزي الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ أَي: ليثيب الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم مغْفرَة ورزق كريم﴾ أَي: الْعَيْش الهنيء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين سعوا فِي آيَاتنَا معاجزين﴾ مَعْنَاهُ: اضْطَرَبُوا وَعمِلُوا فِي التَّكْذِيب بِآيَاتِنَا.
وَقَوله: ﴿معاجزين﴾ أَي: مشاقين، وَيُقَال: مسابقين، وَيُقَال: فائتين، وَقُرِئَ: " معجزين " أَي: مثبطين، وَقيل: ظانين أَنا نعجز عَنْهُم، فَيكون معنى معجزين أَنهم نسبوا الْعَجز إِلَيْنَا.
﴿لَهُم مغْفرَة ورزق كريم (4) وَالَّذين سعوا فِي آيَاتنَا معاجزين أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب من رجز أَلِيم (5) وَيرى الَّذين أُوتُوا الْعلم الَّذِي أنزل إِلَيْك من رَبك هُوَ الْحق وَيهْدِي إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد (6) وَقَالَ الَّذين كفرُوا هَل ندلكم على رجل ينبئكم إِذا مزقتم كل ممزق إِنَّكُم لفي خلق جَدِيد (7) أفترى على الله كذبا أم بِهِ جنَّة بل الَّذين﴾ وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب من رجز أَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيرى الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ قَالَ بَعضهم: هَذَا فِي مؤمني أهل الْكتاب مثل عبد الله بن سَلام وَغَيره، وَالصَّحِيح أَن الْآيَة فِي الَّذين آمنُوا بِالنَّبِيِّ من أهل مَكَّة وَغَيرهم، وَهُوَ بِمَكَّة؛ لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة، وَعبد الله بن سَلام وأشباهه إِنَّمَا آمنُوا بِالْمَدِينَةِ.
وَقَوله: ﴿الَّذِي أنزل إِلَيْك من رَبك هُوَ الْحق﴾ يَعْنِي: أَنه من الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿وَيهْدِي إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد﴾ يَعْنِي: أَن الْقُرْآن الَّذِي أنزلهُ الله يهدي إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد، وَهُوَ الله تَعَالَى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا هَل ندلكم على رجل ينبئكم﴾ أَي: يُخْبِركُمْ.
وَقَوله: ﴿إِذا مزقتم كل ممزق﴾ أَي: إِذا فرقتم كل تَفْرِيق، وقطعتم كل تقطيع، وَالْمعْنَى: إِذا أكلْتُم الأَرْض، وصرتم رفاقا وترابا ينبئكم مُحَمَّد إِنَّكُم لفي خلق جَدِيد، قَالُوا ذَلِك على طَرِيق الْجحْد والتكذيب.
وَقَوله: ﴿أفترى على الله كذبا﴾ وَقُرِئَ بِنصب الْألف وَكسرهَا، أما من قَرَأَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ رَاجع إِلَى الْحِكَايَة عَن الْكفَّار، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: افترى مُحَمَّد على الله كذبا.
وَقَوله: ﴿أم بِهِ جنَّة﴾ مَعْنَاهُ: أَو بِهِ جُنُون لَا يدْرِي مَا يَقُول.
وَأما من قَرَأَ بِالنّصب فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا مَعْنَاهُ: أفترى على الله كذبا يَعْنِي: لم يفتر، وَيكون ابْتِدَاء كَلَام من الله تَعَالَى.
قَالَ الشَّاعِر:
﴿لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة فِي الْعَذَاب والضلال الْبعيد (8) أفلم يرَوا إِلَى مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم من السَّمَاء وَالْأَرْض إِن نَشأ نخسف بهم الأَرْض أَو نسقط عَلَيْهِم كسفا من السَّمَاء إِن فِي ذَلِك لآيَة لكل عبد منيب (9) وَلَقَد آتَيْنَا دَاوُود منا فضلا يَا جبال أوبي﴾
(استحدث الْقلب من أشياعهم خَبرا ... أم رَاجع الْقلب من أطرابهم طرب)
وَمَعْنَاهُ: استحدث.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿أفترى على الله كذبا﴾ أَي أفترونه افتراء على الله كذبا.
وَقَوله: ﴿بل الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة فِي الْعَذَاب والضلال الْبعيد﴾ فعلى الْقِرَاءَة الأولى وَهُوَ بِالْكَسْرِ هَذَا ابْتِدَاء كَلَام من الله تَعَالَى ردا عَلَيْهِم، وعَلى الْقِرَاءَة الثَّانِيَة هُوَ مسوق على مَا تقدم.
وَقَوله: ﴿فِي الْعَذَاب والضلال الْبعيد﴾ أَي: الشَّقَاء الطَّوِيل؛ ذكره السّديّ، وَقَالَ: فِي الْخَطَأ الْبعيد من الْحق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفلم يرَوا إِلَى مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: إِنَّمَا ذكر هَذَا؛ لِأَن الْإِنْسَان إِذا خرج من دَاره لَا يرى إِلَّا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا فيهمَا.
وَيُقَال: إِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَن السَّمَاء وَالْأَرْض محيطتان بالخلق، فَكَأَن أَحدهمَا بَين أَيْديهم، وَالْأُخْرَى خَلفهم بِمَعْنى الْإِحَاطَة.
وَقَوله: ﴿إِن نَشأ نخسف بهم الأَرْض﴾ أَي: يغيبهم فِي الأَرْض.
وَقَوله: ﴿أَو نسقط عَلَيْهِم كسفا من السَّمَاء﴾ أَي: جانبا من السَّمَاء.
وَقيل: قِطْعَة من السَّمَاء.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لكل عبد منيب﴾ أَي: رَاجع إِلَى الله تَعَالَى بِقَلْبِه.
وَقيل: منيب: أَي: مُجيب.
قَالَ الشَّاعِر:
(أناب إِلَى قولي فَأَصْبَحت مرْصدًا ... لَهُ بالمكافأة المنيبة وَالشُّكْر)
﴿مَعَه وَالطير وألنا لَهُ الْحَدِيد (10) أَن اعْمَلْ سابغات وَقدر فِي السرد وَاعْمَلُوا صَالحا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا دَاوُد منا فضلا﴾ اخْتلف القَوْل فِي الْفضل الَّذِي أُوتِيَ دَاوُد؛ فَقَالَ بَعضهم: هُوَ النُّبُوَّة.
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ الْملك.
وَيُقَال: الْقَضَاء بِالْعَدْلِ.
وَقيل: حسن الصَّوْت.
وَقيل: تليين الْحَدِيد لَهُ، وَجَمِيع مَا أعطي وَخص بِهِ.
وَقَوله: ﴿يَا جبال أوبي مَعَه﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير على أَن مَعْنَاهُ: سبحي مَعَه؛ وَهُوَ عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره، وَيُقَال: رَجْعِيّ مَعَه.
وَقَرَأَ الْحسن: " أوبي مَعَه " بِضَم الْألف وَسُكُون الْوَاو، وَهُوَ فِي معنى الأول.
وَفِي بعض التفاسير: أَن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا لحقه فتور أسمعهُ الله تَعَالَى تَسْبِيح الْجبَال منشطا لَهُ.
وَقَوله: ﴿وَالطير﴾ أَي: وأمرنا الطير أَن تسبح مَعَه.
وَقَوله: ﴿وألنا لَهُ الْحَدِيد﴾ قَالَ قَتَادَة: كَأَن الْحَدِيد جعل لَهُ كالعجين، فَيعْمل الدرْع من غير نَار وَلَا مطرقة.
وَقَوله: ﴿أَن اعْمَلْ سابغات﴾ أَي: الدروع الكوامل.
وَيُقَال: الطوَال الَّتِي تسحب فِي الأَرْض.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَأَكْثَرهم دروعا سابغات ... وأمضاهم إِذا طعنوا سِنَانًا)
وَقَوله: ﴿وَقدر فِي السرد﴾ أَي: عدل فِي السرد، وَمَعْنَاهُ: قدر المسامير فِي حلق الدروع حَتَّى يكون بِمِقْدَار لَا يغلظ المسمار ويضيق الْخلق فتفصم الْحلقَة، وَلَا توسع الْحلقَة وتدقق المسمار فيسلس ويقلق وَهَذَا قَول مُجَاهِد، وَقَالَ: قدر فِي السرد أَي: احكم نسج الدرْع.
وَقَالَ قَتَادَة: السرد: المسامير فِي الْحلق.
وَهُوَ قريب من قَول مُجَاهِد، وأنشدوا:
(أَجَاد المسدي سردها وأذا لَهَا)
﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (11) ولسليمان الرّيح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا لَهُ عين الْقطر وَمن الْجِنّ من يعْمل بَين يَدَيْهِ بِإِذن ربه وَمن يزغ مِنْهُم عَن أمرنَا نذقه من عَذَاب﴾
يَقُول: وسعهَا وأجاد حلقها يُقَال: درع مسرودة إِذا كَانَت مسمورة الْحلق، وَيُقَال: قدر فِي السرد أَي: اجْعَلْهُ على الْقَصْد وَقدر الْحَاجة.
وَقَوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَفِي الْقِصَّة: أَن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يعْمل كل يَوْم درعا، ويبيعه بِسِتَّة آلَاف دِرْهَم، فينفق أَلفَيْنِ مِنْهَا على نَفسه وَعِيَاله، وَيتَصَدَّق بأَرْبعَة آلَاف على فُقَرَاء بني إِسْرَائِيل.
وَفِي بعض التفاسير: أَنه عمل ألف درع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ولسليمان الرّيح غدوها شهر﴾ أَي: وسخرنا لِسُلَيْمَان الرّيح.
وَقَوله: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ أَي: مسيرَة غدوها شهر، ومسيرة رواحها شهر، وَمَعْنَاهُ: أَنه كَانَ يسير مسيرَة شَهْرَيْن فِي يَوْم وَاحِد.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ يسير من بَيت الْمُقَدّس إِلَى اصطخر مسيرَة شهر للراكب المسرع غدْوَة، ويقيل بهَا ثمَّ يروح مسيرَة شهر إِلَى بابل مسيرَة شهر للركب المسرع.
وَقيل: كَانَ يتغدى بِالريِّ، ويتعشى بسمرقند.
وَقيل: كَانَ يتغدى بِصَنْعَاء، ويتعشى بِبَابِل وَهُوَ الْعرَاق وَالله أعلم.
وَفِي التَّفْسِير: أَن الرّيح كَانَت تحمله وَجُنُوده وَلَا تثير تُرَابا وَلَا تقلب ورقة على الأَرْض، وَلَا تؤذي طائرا فِي السَّمَاء.
وَقَوله: ﴿وأسلنا لَهُ عين الْقطر﴾ أى: أسلنا لَهُ عين النّحاس.
وَفِي التَّفْسِير: أَن الله تَعَالَى أذاب لَهُ النّحاس، وَجعل يسيل ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر مثل المَاء.
وَقَوله: ﴿وَمن الْجِنّ من يعْمل بَين يَدَيْهِ بِإِذن ربه﴾ أَي: بِأَمْر ربه.
وَقَوله: ﴿وَمن يزغ مِنْهُم عَن أمرنَا﴾ أَي: يعدل مِنْهُم عَن أمرنَا فَلَا يعْمل لِسُلَيْمَان.
وَقَوله: ﴿نذقه من عَذَاب السعير﴾ أَي: فِي الْآخِرَة، هَذَا أحد الْقَوْلَيْنِ، وَالْقَوْل
﴿السعير (12) يعْملُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور﴾ الآخر: أَنه كَانَ (يكون) عِنْد سُلَيْمَان ملك قَائِم بِيَدِهِ سَوط من نَار، فَإِذا عصى أحد من الشَّيَاطِين ضربه فيحرقه، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿نذقه من عَذَاب السعير﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿يعْملُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب﴾ أَي: الْمَسَاجِد، وَيُقَال: الْأَبْنِيَة المرتفعة.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه أَمرهم بِبِنَاء الْحُصُون بالصخر، فبنوا بِالْيمن حصونا كَثِيرَة عَجِيبَة، وَهِي صرواح ومرواح وفلتون وهندة وهنيدة وغمدان وَغير ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وتماثيل﴾ أَي: الصُّور.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ أَن عمل الصُّور مَكْرُوه؟ قُلْنَا: هُوَ فِي هَذِه الشَّرِيعَة، وَيحْتَمل أَنَّهَا كَانَت مُبَاحَة فِي شَرِيعَته، وَقد كَانَ عِيسَى يصور من الطين وينفخ فِيهِ فَيَجْعَلهُ الله طيرا.
وَاخْتلف القَوْل فِي الصُّور الَّتِي اتخذتها الشَّيَاطِين؛ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنَّهَا صُورَة السبَاع والطيور من العقبان والنسور، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه أَمرهم باتخاذ صُورَة الْأَنْبِيَاء والزهاد والعباد، حَتَّى إِذا نظرت بَنو إِسْرَائِيل إِلَيْهِم ازدادوا عبَادَة.
وَقَوله: ﴿وجفان كالجواب﴾ أَي: كالحياض، والجفان جمع جَفْنَة.
وَفِي الْقِصَّة: أَن كل جَفْنَة كَانَ يقْعد عَلَيْهَا ألف إِنْسَان.
وَأنْشد حسان فِي الْجَفْنَة شعرًا:
(لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا من نجدة تقطر الدما)
وأنشدوا فِي الْجَابِيَة:
(كجابية الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ تفهق)
أَي: تمتلئ.
وَحكى عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه أَنه رأى مرّة من هَذِه القصاع الصغار فَقَالَ: وَالله لقد ذهبت الْبركَة من كل شَيْء، وَقَرَأَ قَوْله: ﴿وجفان كالجواب﴾ .
وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ لِسُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام سماط يسع أَرْبَعمِائَة ألف إِنْسَان،
﴿راسيات اعْمَلُوا آل دَاوُود شكرا وَقَلِيل من عبَادي الشكُور (13) فَلَمَّا قضينا عَلَيْهِ الْمَوْت مَا دلهم على مَوته إِلَّا دَابَّة الأَرْض تَأْكُل منسأته فَلَمَّا خر تبينت الْجِنّ أَن لَو كَانُوا﴾ وَكَانَ يَأْكُل خبز الشّعير، وَيطْعم أَهله وحاشيته خبز الخشكار وَيطْعم الْفُقَرَاء الدَّرْمَك، وَهُوَ الْخبز النقي.
وَقَوله: ﴿وقدور راسيات﴾ أَي: ثابتات مرتفعات، وَمِنْه الْجبَال الرواسِي.
وَفِي الْقِصَّة، أَنه كَانَ يصعد إِلَيْهَا بالسلاليم.
وَقَوله: ﴿اعْمَلُوا آل دَاوُد شكرا﴾ قَالَ: تقدر اشكروا الله شكرا، وَيُقَال: إِن الشُّكْر هُوَ تقوى الله وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ.
وَقيل: إِن آل دَاوُد هُوَ دَاوُد نَفسه، وَيُقَال: دَاوُد وَسليمَان وَأهل بَيته.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما نزل هَذَا على دَاوُد قَالَ: وَالله لَا يزَال منا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار قَائِم وصائم، فَكَانَ لَا يَأْتِي يَوْم إِلَّا وَمن آل دَاوُد فِيهِ صَائِم، وَلَا تَأتي سَاعَة من اللَّيْل إِلَّا وَمن آل دَاوُد فِيهَا قَائِم.
وروى أَنه ناوب سَاعَات اللَّيْل وَكَانَ يقوم مَا شَاءَ الله، فَإِذا أَرَادَ أَن يرقد أيقظ بعض أَهله.
وروى أَنه قَالَ لِسُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام يَا بني، اكْفِنِي أَمر النَّهَار يَعْنِي: فِي الْعِبَادَة أكفك أَمر اللَّيْل، فَقَالَ سُلَيْمَان: لَا أقدر، فَقَالَ: اكْفِنِي أول النَّهَار وأكفك الْبَاقِي.
وروى أَنه قَالَ: يَا رب، كَيفَ أشكرك وشكري لَك نعْمَة مِنْك عَليّ؟ فَقَالَ: الْآن شكرتني.
وَقَوله: ﴿وَقَلِيل من عبَادي الشكُور﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَالْفرق بَين الشاكر والشكور: أَن الشكُور هُوَ الَّذِي يتَكَرَّر مِنْهُ الشُّكْر، والشاكر الَّذِي يشْكر مرّة.
وَقيل: هما وَاحِد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَلما قضينا عَلَيْهِ الْمَوْت﴾ أَي: على سُلَيْمَان الْمَوْت.
وَقَوله: ﴿مَا دلهم على مَوته إِلَّا دَابَّة الأَرْض﴾ قَالَ بعض الْمُفَسّرين: كَانَت الْجِنّ تعْمل لِسُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام فِي بِنَاء مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس؛ فَقرب موت سُلَيْمَان وَقد بَقِي من الْعَمَل بَقِيَّة، فَقبض الله روح سُلَيْمَان وَهُوَ متكئ على عَصا، وَكَانُوا يظنون أَنه حَيّ، ويجتهدون فِي الْعَمَل، فَأكلت الأرضة الْعَصَا فَخر سُلَيْمَان عَلَيْهِ
السَّلَام مَيتا بعد حول، وَقد فرغوا من الْعَمَل؛ فَلَمَّا عرفُوا مَوته تفَرقُوا بعد أَن بقوا فِي الْعَمَل سنة بعد مَوته.
قَالَ ابْن عَبَّاس: فَشَكَرت الْجِنّ ذَلِك للأرضة، فهم يأتونه بالطين وَالْمَاء فِي جَوف الْخشب.
وَذكر بَعضهم: أَن سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا رأى شَجَرَة نابتة سَأَلَهَا: مَا اسْمك؟ فتخبره إِن كَانَت للغرس غرست، وَإِن كَانَت للدواء كتب اسْمهَا، فصلى مرّة فَرَأى شَجَرَة نَبتَت فِي مصلاة، فَقَالَ لَهَا: مَا اسْمك؟ قَالَت: الخروب، فَقَالَ: لم نبت؟ قَالَت: لخراب هَذِه الأَرْض، فَعلم أَن مَوته قد قرب، فَسَأَلَ الله تَعَالَى أَن يعمي على الْجِنّ مَوته.
فَقَالَ أهل التَّفْسِير: وَكَانَت الْجِنّ تزْعم أَنهم يعلمُونَ الْغَيْب، فَأمر الله تَعَالَى سُلَيْمَان أَن يتَّخذ عَصا ويتوكأ عَلَيْهَا.
وَقيل: اتخذها من تِلْكَ الشَّجَرَة فَقبض الله تَعَالَى روحه وَهُوَ قَائِم متوكئ على الْعَصَا، فَكَانَت الْجِنّ ينظرُونَ إِلَيْهِ ويظنون أَنه حَيّ، ويعملون إِلَى أَن سقط بعد حول.
وَأَرَادَ الله تَعَالَى بذلك أَن يعلم الْجِنّ أَنهم لَا يعلمُونَ الْغَيْب، وَقيل: ليعلم الْإِنْس أَن الْجِنّ لَا يعلمُونَ الْغَيْب وَكَانُوا قد شبهوا على الْإِنْس ذَلِك، فَإِن قيل على التَّأْوِيل الأول: كَيفَ يشْتَبه على أحد أَنه يعلم الْغَيْب أَو لَا يعلم الْغَيْب؟ وَإِن خَفِي عَلَيْهِ أَمر غَيره لَا يخفى عَلَيْهِ أَمر نَفسه؟ وَالْجَوَاب: أَن مَرَدَة الْجِنّ كَانُوا صوروا لِضُعَفَاء الْجِنّ أَنهم يعلمُونَ الْغَيْب، وَكَانَ يَقع بعض الاتفاقات، فَكَانُوا يظنون أَنهم يعلمُونَ الْغَيْب لغَلَبَة الْجَهْل، وَعند بَعضهم: أَن عَمَلهم لم يكن فِي بِنَاء مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَإِنَّهُ قد كَانَ وَقع الْفَرَاغ عَن فعل ذَلِك بسنين، وَإِنَّمَا كَانُوا يعْملُونَ غير ذَلِك من الْأَعْمَال.
وَقَوله: ﴿تَأْكُل منسأته﴾ أَي: عصاته، والمنسأة: الْعَصَا بلغَة الْحَبَشَة، وَقُرِئَ: " منسأته " بِسُكُون الْهمزَة، وَهِي مَا بَينا.
قَالَ الشَّاعِر:
(إِذا ادببت على المنساة من كبر ... فقد تبَاعد عَنْك اللَّهْو والغزل)
وَيُقَال كِلَاهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَيُقَال: نسأت الْغنم إِذا زجرتها وسقتها وَيُقَال: نسأ الله فِي أَجلك أَي: أَخّرهُ.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا خر تبينت الْجِنّ﴾ أَي: تبينت الْجِنّ للإنس أَن لَو كَانُوا يعلمُونَ
﴿يعلمُونَ الْغَيْب مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَاب المهين (14) لقد كَانَ لسبأ فِي مسكنهم آيَة جنتان﴾ الْغَيْب مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَاب المهين أَي: التَّعَب والشقاء الطَّوِيل، ذكره الْأَزْهَرِي على هَذَا التَّقْرِير.
وَأما المتقدمون قَالُوا مَعْنَاهُ: تبينت الْإِنْس أَن الْجِنّ لَو كَانُوا يعلمُونَ الْغَيْب مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَاب المهين، وَالْقِرَاءَة هَكَذَا فِي مصحف ابْن مَسْعُود، وَهَكَذَا قَرَأَ ابْن عَبَّاس أَيْضا.
والتأويل الثَّالِث: أَن، معنى الْآيَة: ﴿تبينت الْجِنّ﴾ أَي: عرفت الْجِنّ أَن لَو كَانُوا يعلمُونَ الْغَيْب مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَاب المهين.
وروى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى: أَن سُلَيْمَان لم يكن متوكئا على الْعَصَا، وَإِنَّمَا كَانَ فِي بَيت مغلق وتوفاه الله تَعَالَى، وأكلت الأرضة عتبَة الْبَاب، فَسقط الْبَاب بعد حول، وَظهر للجن مَوته.
وَأشهر الْقَوْلَيْنِ هُوَ الأول، وَفِي الْقِصَّة: أَن سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام لما فرغ من بِنَاء الْمَسْجِد ذبح [اثْنَتَيْ عشرَة] ألف بقرة وَمِائَة وَعشْرين ألف شَاة تقربا إِلَى الله تَعَالَى وأطعمها النَّاس، وَكَانَ بناه بالصخر والقار، وزخرف الْحِيطَان، وزين الْمِحْرَاب بالجواهر واليواقيت، وَعمِلُوا شَيْئا عجيبا، ثمَّ إِنَّه قَامَ على الصَّخْرَة وَقَالَ: اللَّهُمَّ، أَنْت أَعْطَيْتنِي هَذَا السُّلْطَان الْعَظِيم، وسخرت لي مَا سخرت، فأوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ، وَلَا تزغ قلبِي بعد إِذْ هديتني وتوفني مُسلما، وألحقني بالصالحين، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك لمن دخل هَذَا الْمَسْجِد ليُصَلِّي فِيهِ خمس خِصَال: إِن كَانَ مذنبا تغْفر لَهُ ذَنبه، وَإِن كَانَ فَقِيرا أغنيته، وَإِن كَانَ سقيما شفيته، وَإِن كَانَ خَائفًا أمنته، وَأَسْأَلك أَلا تصرف بَصرك عَمَّن دخله حَتَّى يخرج مِنْهُ، إِلَّا من دخله بإلحاد أَو ظلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ لسبأ﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير على أَن سبأ اسْم رجل، ونسبت الْقَبِيلَة إِلَيْهِ، كَمَا أَن تميما اسْم رجل، ونسبت الْقَبِيلَة إِلَيْهِ.
وروى فَرْوَة بن (مسيك الغطيفي) أَن رَسُول الله قَالَ: سبأ اسْم رجل ولد عشرَة من الذُّكُور
﴿عَن يَمِين وشمال من رزق ربكُم واشكروا لَهُ بَلْدَة طيبَة وَرب غَفُور (15) فأعرضوا فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل﴾ فتيامن مِنْهُم سِتَّة، وتشام أَرْبَعَة، وَأما السِّتَّة الَّذين تيامنوا: فحيمر، وَكِنْدَة، ومذحج، والأزد، والأشعر، وأنمار، وَأما الْأَرْبَعَة الَّذين تشاموا: فعاملة، وغسان، ولخم، وجذام ". وَأما سبأ فَهُوَ ابْن يشخب بن يعرب بن قحطان.
وَقد قيل: إِن سبأ اسْم بلد، وَالأَصَح هُوَ الأول.
وَقَوله: ﴿فِي مساكنهم آيَة﴾ وَقُرِئَ: " فِي مسكنهم " وَالْآيَة هِيَ الْعَلامَة، وَمَعْنَاهَا: أَنا جعلنَا لَهُم آيَة تدلهم على أَن النعم الَّتِي لَهُم من الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿جنتان عَن يَمِين وشمال﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ لَهُم وَاد يسيل، وعَلى يَمِين الْوَادي جنَّات مصطفة أَي: الْبَسَاتِين وَكَذَلِكَ على يسَار الْوَادي.
وَقَوله: ﴿كلوا من رزق ربكُم﴾ أَي: قُلْنَا لَهُم كلوا من رزق ربكُم.
وَقَوله: ﴿واشكروا لَهُ﴾ أَي: واشكروا الله على نعمه.
وَقَوله: ﴿بَلْدَة طيبَة﴾ أَي: طيبَة الْهَوَاء، عذبة المَاء، كَثِيرَة الْفَوَاكِه، وَذكر ابْن زيد: أَنه لم يكن بهَا بعوض وَلَا بق وَلَا ذُبَاب وَلَا عقرب وَلَا حَيَّة وَلَا شَيْء من أَمْثَال هَذَا، وَكَانَ الرجل الْغَرِيب يدخلهَا وَفِي ثِيَابه الْقمل، فَيَمُوت الْقمل فِي ثِيَابه من صِحَة الْهَوَاء وطيبه.
وَقَوله: ﴿وَرب غَفُور﴾ أَي: وَرب غَفُور للذنوب إِن شكرتم نعمه.
فَإِن قيل: أَي فَائِدَة لتخصيصهم بِهَذَا، وَالله غَفُور لكل الْعباد؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن مغْفرَة الرب مَعَ طيب الْبَلدة على تِلْكَ الْغَايَة لم تكن إِلَّا لَهُم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأعرضوا﴾ أَي: فأعرضوا عَن شكر النعم.
وَقَوله: ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم سيل العرم﴾ اخْتلفُوا فِي العرم على أَرْبَعَة أقاويل: أَولهَا:
أَنه اسْم الْوَادي، وَالْآخر: أَنه اسْم المسنأة، وَقد كَانُوا بنوا المسناة بالصخر والقار بَينه وَبَين المَاء، وَجعلُوا على المسناة أبوابا تفتح وتسد، فَإِذا احتاجوا إِلَى المَاء فتحُوا، وَإِذا استغنوا سدوا.
وَذكر النقاش: أَنه كَانَ ذَلِك من عمل بلقيس، وَكَانَت جعلت على المسناة اثْنَي عشرَة مخرجا، يخرج مِنْهَا اثْنَا عشر نَهرا، وَكَانَت المسناة سدا بَين جبلين، والمياه وَرَاء السد تَجْتَمِع من السُّيُول.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن العرم هُوَ السَّيْل الشَّديد أَي: أرسلنَا عَلَيْهِم السَّيْل الشَّديد.
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن العرم هُوَ اسْم الجرذ، وَهُوَ الْفَأْرَة، وَقيل: كَانَ اسْم الْخلد، وسلطه الله تَعَالَى على المسناة حَتَّى نقبها، وَدخل المَاء وغرق الْبَلَد والبساتين.
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: العرم وَالْبر من أَسمَاء الْفَأْرَة، وَمِنْه قَوْلهم: فلَان لَا يعرف هرا من برا أَي: السنور من الْفَأْرَة، وَذكر أَبُو (الْحُسَيْن) بن فَارس فِي تَفْسِيره: أَن الْقَوْم كَانُوا قد سمعُوا أَن هَلَاك بلدهم بالفأر من كهانهم، فَجَاءُوا بالسنانير وربطوها عِنْد كل جرف (فِي المسناة) ، فَجَاءَت فَأْرَة حَمْرَاء كَبِيرَة وساورت السنور وهزمته وَدخلت فِي الجرف، وتغلغلت المسناة حَتَّى نقبتها وخرقتها.
وَقَوله: ﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي﴾ أَي: بَدَّلْنَاهُمْ بجنتيهم اللَّتَيْنِ كَانَتَا ذواتي فَاكِهَة بجنتين ذواتي ﴿أكل خمط﴾ بتنوين اللَّام، وَقُرِئَ: " أكل خمط " بِغَيْر التَّنْوِين على الْإِضَافَة، وَالْقِرَاءَة على الْإِضَافَة أظهر القرائتين فِي الْمَعْنى لِأَن الخمط اسْم لشجر لَهُ شوك.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل شجر لَهُ شوك فَهُوَ خمط إِذا لم يكن لَهُ ثَمَر.
وَعَن بَعضهم: أَن الخمط شجر لَهُ ثَمَر يُسمى فسوة الضبع، لَا ينْتَفع بِهِ ويتفرك إِذا أدْرك من غير أَن ينفع أحدا، وَالْمَعْرُوف فِي التَّفْسِير أَن ثَمَر الخمط هُوَ البربر، والبربر ثَمَر الْأَرَاك، فالخمط هُوَ الْأَرَاك، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿أكل خمط﴾ . وَالْأكل هُوَ الثَّمر.
﴿وَشَيْء من سدر قَلِيل (16) ذَلِك جريناهم بِمَا كفرُوا وَهل نجازي إِلَّا الكفور (17) وَجَعَلنَا بَينهم وَبَين الْقرى الَّتِي باركنا فِيهَا قرى ظَاهِرَة وقدرنا فِيهَا السّير سِيرُوا فِيهَا﴾
وَأما قِرَاءَة التَّنْوِين: قَالَ الْفراء والزجاج: كل نبت لَهُ مرَارَة وعصوفة فَهُوَ خمط، فعلى هَذَا قَوْله: ﴿خمط﴾ صفة الْأكل، وَمَعْنَاهُ: ذواتي ثَمَر على هَذَا الْوَصْف، وَهُوَ المرارة والعفوصة.
وَقَوله: ﴿ [وأثل] وَشَيْء من سدر قَلِيل﴾ السدر: شجر مَعْرُوف، وَهُوَ شجر النبق.
وَقيل: إِن هَذَا السدر كَانَ بريا لَا ينْتَفع بِهِ، وَأما السدر الَّذِي ينْتَفع بِهِ لغسل الْيَد وَغَيره، فَهُوَ الَّذِي كُنَّا نَعْرِف فِي الْبَسَاتِين، وَلم يكن لَهُم ذَلِك.
وَقَوله: ﴿ذَلِك جزيناهم بِمَا كفرُوا﴾ النِّعْمَة.
وَقَوله: ﴿وَهل نجازي إِلَّا الكفور﴾ يُقَال فِي الْعقُوبَة: نجازي، وَفِي المثوبة: نجزي، يَعْنِي: وَهل نجازى مثل هَذِه المجازاة إِلَّا من كفر النعم؟ وَيُقَال: وَهل نجازى إِلَّا الكفور؟ أى: هَل نحاسب إِلَّا الكفور؟ وَقد ثَبت بِرِوَايَة عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي قَالَ: " من نُوقِشَ الْحساب عذب ". قَالَت عَائِشَة: فَقلت يَا رَسُول الله: أَلَيْسَ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا﴾ فَقَالَ: ذَلِك الْعرض، وَمن نُوقِشَ [الْحساب] عذب ".
فَإِن قيل: قد قَالَ: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ بجنتيهم جنتين﴾ وَالْأَرْض الَّتِي فِيهَا أَشجَار الأثل والخمط لَا تسمى جنَّة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: إِنَّمَا سمي ذَلِك على طَرِيق الْمُقَابلَة، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾ وَقَوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا بَينهم وَبَين الْقرى الَّتِي باركنا فِيهَا قرى ظَاهِرَة﴾ الْقرى الَّتِي
﴿ليَالِي وأياما آمِنين (18) فَقَالُوا رَبنَا باعد بَين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم﴾ باركنا فِيهَا (هِيَ) الشَّام، وَمعنى الْقرى الظَّاهِرَة أَي: الْمُتَّصِلَة، وَقيل: ظَاهِرَة يَعْنِي: [للرائي] ، على معنى أَنهم كَانُوا إِذا نزلُوا بقرية رَأَوْا قَرْيَة أُخْرَى.
وَقَوله: ﴿وقدرنا فِيهَا السّير﴾ أَي: السّير أَي: قَدرنَا سيرهم بَين هَذِه الْقرى، وَالْمعْنَى: أَنهم كَانُوا إِذا غدوا يقيلون بقرية، وَإِذا رجعُوا يبيتُونَ بقرية.
وَقيل: تَقْدِير السّير أَن سيرهم كَانَ فِي الرواح والغدو على قدر نصف يَوْم، فَكَانُوا إِذا (جازوا) نصف يَوْم وصلوا إِلَى قَرْيَة ذَات مياه وأشجار.
قَالَ قَتَادَة: كَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ أَن يحملوا زادا.
وَقَالَ أَيْضا: كَانَت الْمَرْأَة تضع مكتلها على رَأسهَا، وتمر تَحت الْأَشْجَار فيمتلئ المكتل من الثِّمَار من غير اجتناء.
وَقَوله: ﴿سِيرُوا فِيهَا ليَالِي وأياما آمِنين﴾ أَي: قُلْنَا لَهُم سِيرُوا فِيهَا بالليالي وَالْأَيَّام آمِنين من الْخَوْف والجوع والظمأ، وَمعنى قَوْله: ﴿سِيرُوا﴾ أَي: مكناهم من السّير.
وَيُقَال: إِن معنى قَوْله: ﴿سِيرُوا﴾ أَي: يَسِيرُونَ، أَمر بِمَعْنى الْخَبَر، وَمَعْنَاهُ: يَسِيرُونَ فِيهَا ليَالِي وأياما آمِنين، وعَلى مَا ذكرنَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا رَبنَا باعد بَين أسفارنا﴾ وَقُرِئَ: " بعد بَين أسفارنا " بِغَيْر ألف، وَقَرَأَ يحيى بن يعمر: " رَبنَا باعد بَين أسفارنا " بِنصب الْعين وَالدَّال، فعلى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة معنى الْآيَة سُؤال، وعَلى الْقِرَاءَة الشاذة معنى الْآيَة على وَجه الْخَبَر.
قَالَ مُجَاهِد: بطروا النِّعْمَة وسأموا الرَّاحَة.
وَمثله عَن ابْن عَبَّاس فَقَالُوا: [رَبنَا] بعد بَين الْقرى لنركب الرَّوَاحِل، ونحمل الأزواد فِي الفلوات، وَهَذَا مثل قَول بني إِسْرَائِيل: ﴿وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نصبر على طَعَام وَاحِد﴾ الْآيَة.
وَأما الْقِرَاءَة الشاذة فكأنهم استبعدوا الْقَرِيب على مَا يَفْعَله الجهلة.
وَقَوله: ﴿وظلموا أنفسهم﴾ أَي: بترك الشُّكْر.
﴿أَحَادِيث ومزقناهم كل ممزق إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور (19) وَلَقَد صدق عَلَيْهِم إِبْلِيس ظَنّه فَاتَّبعُوهُ إِلَّا فريقا من الْمُؤمنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم من سُلْطَان إِلَّا﴾
وَقَوله: ﴿فجعلناهم أَحَادِيث ومزقناهم كل ممزق﴾ أَي: أَحَادِيث فِي الْقُرُون الَّتِي تَأتي، وفرقناهم وبددناهم كل مفرق ومبدد.
قَالَ الشّعبِيّ: تفَرقُوا فِي الْبِلَاد لما غرقت قراهم وَهَلَكت جناتهم، فَمر الأزد إِلَى عمان، وخزاعة إِلَى تهَامَة، وغسان إِلَى الشَّام، وَآل (خُزَيْمَة) إِلَى الْعرَاق، والأوس والخزرج إِلَى يثرب.
وَكَانَ الَّذِي قدم الْمَدِينَة مِنْهُم عَمْرو بن عَامر وَهُوَ جد الْأَوْس والخزرج.
وَفِي بعض التفاسير: أَن قراهم كَانَت [أَربع] آلَاف وَسَبْعمائة قَرْيَة، وَكَانَت مُتَّصِلَة من سبأ إِلَى الشَّام قَرْيَة قَرْيَة.
وَعَن بَعضهم فِي معنى قَوْله: ﴿فجعلناهم أَحَادِيث﴾ أَن النَّاس يضْربُونَ بهم الْمثل فِي التمزق والتفرق، وَالْعرب تَقول: صَارَت بَنو فلَان أَيدي سبأ وأيادي سبأ إِذا تفَرقُوا وتبددوا.
وَأنْشد الْأَزْهَرِي:
(غيبا نرى النَّاس إِلَيْهِ تنسبا ... من صادر أَو وَارِد أَيدي سبا)
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور﴾ أَي: صبار على الْبلَاء، شكور للنعمة.