تفسير السمعانيصفحات 355-369
أهل الأثرالأرشيف العلمي

آل عمران

صفحات 355-369
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ إِن الله بِكُل شَيْء عليم (115) إِن الله لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يحيي وَيُمِيت وَمَا لكم من دون الله من ولي وَلَا نصير (116) لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين﴾ وَعَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: مَعْنَاهُ: حَتَّى يحْتَج عَلَيْهِم بِالْأَمر.
سَبَب نزُول الْآيَة: أَن قوما كَانُوا أَتَوا النَّبِي فأسلموا، وَلم تكن الْخمر حرمت وَلَا الْقبْلَة صرفت، فَرَجَعُوا إِلَى قَومهمْ وهم على ذَلِك، ثمَّ حرمت الْخمر (و) صرفت الْقبْلَة وَلم يكن لَهُم علم بذلك، فَلَمَّا قدمُوا بعد ذَلِك للمدينة وجدوا الْخمر قد حرمت والقبلة قد صرفت، فَقَالُوا للنَّبِي: قد كنت على دين وَنحن على (غَيره) فَنحْن ضلال؟ فَأنْزل الله ﴿وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ . وَفِي الْآيَة قَول آخر؛ وَهُوَ: أَن الْآيَة فِي الاسْتِغْفَار للْمُشْرِكين؛ فَإِن جمَاعَة من الصَّحَابَة كَانُوا اسْتَغْفرُوا لِآبَائِهِمْ وَلم يعلمُوا أَن ذَلِك لَا يجوز، فَلَمَّا أنزل النَّهْي عَنهُ خَافُوا على أنفسهم خوفًا شَدِيدا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ ، وَكَذَا الْآيَة الَّتِي تَلِيهَا مَعْلُوم الْمَعْنى إِلَى آخرهَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار﴾ معنى قَوْله: ﴿لقد تَابَ الله﴾ لقد تجَاوز الله.
وَقيل: لقد صفح الله.
وَقَوله ﴿الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة﴾ مَعْنَاهُ: فِي وَقت الْعسرَة، وَكَانَت غَزْوَة تَبُوك تسمى غَزْوَة الْعسرَة، وَكَذَلِكَ ذَلِك الْجَيْش يُسمى جَيش الْعسرَة؛ والعسرة: الشدَّة، وَكَانَت عَلَيْهِم عسرة فِي الظّهْر والزاد وَالْمَاء، فَروِيَ أَن الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة فَمَا زَاد كَانُوا يعتقبون الْبَعِير الْوَاحِد.
وَرُوِيَ أَنهم كَانُوا فني زادهم حَتَّى كَانَ الرّجلَانِ يقتسمان التمرة بَينهمَا.
هَكَذَا حُكيَ عَن

﴿اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّه بهم رءوف رَحِيم (117) وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض﴾ ابْن عَبَّاس.
وَرُوِيَ: " أَنهم عطشوا عطشا شَدِيدا حَتَّى نحرُوا الْإِبِل وعصروا كرشها وَشَرِبُوا مَا فِيهَا، ثمَّ إِن النَّبِي استسقى الله تَعَالَى فسقوا.
هَكَذَا رَوَاهُ عمر - رَضِي الله عَنهُ - فَهَذَا هُوَ معنى الْعسرَة.
وَقَوله: ﴿من بعد مَا كَاد يزِيغ﴾ قرئَ: " تزِيغ ويزيغ " فَقَوله: " تزِيغ " منصرف إِلَى الْقُلُوب، وَقَوله: يزِيغ منصرف إِلَى الْفِعْل؛ كَأَنَّهُ قَالَ: يزِيغ الْفِعْل ﴿قُلُوب فريق مِنْهُم﴾ . وَأما الزيغ فِي اللُّغَة: هُوَ الْميل، وَلَيْسَ المُرَاد من الْميل هُنَا هُوَ الْميل عَن الدّين، إِنَّمَا المُرَاد من الْميل هُوَ الْميل عَن مُتَابعَة رَسُول الله ونصرته فِي الْغَزْو، وَاخْتِيَار التَّخَلُّف من شدَّة الْعسرَة.
﴿ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: مَا هَذَا التّكْرَار، فقد قَالَ فِي أول الْآيَة: ﴿لقد تَابَ الله على النَّبِي﴾ ؟ . الْجَواب عَنهُ: أَنه ذكر التَّوْبَة فِي أول الْآيَة قبل ذكر الذَّنب - وَهُوَ مَحْض [تفضل] من الله، فَلَمَّا ذكر الذَّنب أعَاد ذكر التَّوْبَة، وَالْمرَاد مِنْهُ: الْقبُول.
﴿إِنَّه بهم رءوف رَحِيم﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾ قَرَأَ عِكْرِمَة بن عمار: " وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا " مخفف، وَفِي بعض الْقرَاءَات: " وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خالفوا ". وَاعْلَم أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة هم الَّذين أنزل الله فِي شَأْنهمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله﴾ وَأما أَسمَاؤُهُم: كَعْب بن مَالك، وهلال بن أُميَّة، ومرارة بن

﴿بِمَا رَحبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِم أنفسهم﴾ الرّبيع، وَكَانُوا مُؤمنين مُخلصين تخلفوا بِغَيْر عذر، فَلَمَّا قدم النَّبِي الْمَدِينَة قَافِلًا من غَزْوَة تَبُوك، حَضَرُوا وأقروا عِنْده بالذنب، وَأَنه لم يكن لَهُم عذر، فَأخر أَمرهم وَلم يسْتَغْفر لَهُم، وَنهى الْمُسلمين عَن مخالطتهم ومكالمتهم.
وَفِي الْآيَة قصَّة طَوِيلَة مَذْكُورَة فِي " الصَّحِيحَيْنِ "؛ فَروِيَ أَنهم مَكَثُوا على ذَلِك أَرْبَعِينَ لَيْلَة، ثمَّ إِن رَسُول الله أَمرهم أَن يعتزلوا نِسَاءَهُمْ إِلَى تَتِمَّة خمسين لَيْلَة، وَكَانُوا يسلمُونَ على أَصْحَاب رَسُول الله فَلَا يردون عَلَيْهِم السَّلَام.
قَالَ كَعْب بن مَالك: فَكنت أَدخل الْمَسْجِد وأصلي وَأنْظر هَل ينظر إِلَيّ رَسُول الله فَكنت إِذا نظرت إِلَيْهِ صرف عني بَصَره، قَالَ: فَاقْتَحَمت يَوْمًا على أبي قَتَادَة حَائِطه - وَكَانَ ابْن عمي - فَسلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عَليّ الْجَواب، فَقلت لَهُ: يَا ابْن عمي، أتعلم أَنِّي أحب الله وَرَسُوله؟ فَسكت عني، فَرددت الْكَلَام ثَلَاثًا، فَقَالَ فِي الثَّالِثَة: الله وَرَسُوله أعلم، قَالَ: فَبَكَيْت بكاء شَدِيدا وَخرجت، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ تَتِمَّة خمسين لَيْلَة من يَوْم نهى رَسُول الله عَن كلامنا، كنت على ظهر بَيْتِي وَقد صليت الصُّبْح، وَأَنا كَمَا ذكر الله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ﴾ أَي: برحبها وسعتها ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِم أنفسهم﴾ أَي: من جفوة الْقَوْم وغلظة رَسُول الله عَلَيْهِم، إِذْ سَمِعت مناديا يُنَادي على ذرْوَة سلع - والسلع: الْجَبَل -: أبشر يَا كَعْب بن مَالك، قَالَ: فَخَرَرْت لله سَاجِدا، وَجَاء البشير فأعطيته ثوبي ولبست ثَوْبَيْنِ غَيرهمَا، وأتيت رَسُول الله وَجَلَست بَين يَدَيْهِ وَوَجهه يَسْتَنِير كاستنارة الْقَمَر، فَقَالَ: أبشر يَا كَعْب بن مَالك بِخَير يَوْم مر عَلَيْك مُنْذُ أسلمت فَقلت: يَا رَسُول الله، أَمن عنْدك أم من عِنْد الله؟ فَقَالَ: لَا، بل من عِنْد الله وَقَرَأَ على الْآيَة، فَقلت: يَا رَسُول الله، إِن من تَوْبَتِي أَن أَخْلَع من (جَمِيع) مَالِي صَدَقَة لله وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ: أمسك عَلَيْك بعض مَالك؛ فَهُوَ خير لَك " الْقِصَّة إِلَى آخرهَا.

﴿وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا إِن الله هُوَ التواب الرَّحِيم (118) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين (119) مَا كَانَ لأهل الْمَدِينَة وَمن حَولهمْ من الْأَعْرَاب أَن يتخلفوا عَن رَسُول الله وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفسِهِم﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ﴾ مَعْنَاهُ: وظنوا: تيقنوا أَن لَا مفزع وَلَا منجا من الله إِلَّا إِلَيْهِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا﴾ يَعْنِي: ليستقيموا على التَّوْبَة ويثبتوا عَلَيْهَا، فَإِن تَوْبَتهمْ قد سبقت ﴿إِن الله هُوَ التواب الرَّحِيم﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ قَالَ الضَّحَّاك: مَعَ مُحَمَّد وَأَصْحَابه.
وَرُوِيَ عَن بَعضهم أَنه قَالَ: مَعَ الصَّادِقين أَي: مَعَ أبي بكر وَعمر.
وَعَن بَعضهم: مَعَ الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة.
وَقَالَ بَعضهم: إِن الصَّادِقين هَاهُنَا الثَّلَاثَة الَّذين سبق ذكرهم؛ فَإِنَّهُم صدقُوا النَّبِي بالاعتراف بالذنب، وَلم يعتذروا بالأعذار الكاذبة مثل الْمُنَافِقين.
فَروِيَ عَن كَعْب بن مَالك قَالَ: مَا أبلاني الله ببلاء أعظم عِنْدِي من صدقي رَسُول الله فَإِنَّهُ من شكري عَلَيْهَا أَن لَا أكذب أبدا.
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: لَا يصلح الْكَذِب فِي جد وَلَا هزل، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة.
وَيُقَال: إِن فِي قِرَاءَته: " وَكُونُوا من الصَّادِقين ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لأهل الْمَدِينَة وَمن حَولهمْ من الْأَعْرَاب أَن يتخلفوا عَن رَسُول الله﴾ الْآيَة، مَعْنَاهَا: هُوَ النَّهْي عَن التَّخَلُّف.
وَقَوله: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفسِهِم عَن نَفسه﴾ مَعْنَاهُ: مَا كَانَ لَهُم أَن يختاروا الْخَفْض والدعة، ويتركوا رَسُول الله فِي شدَّة السّفر ومقساة التَّعَب.
ثمَّ قَالَ: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم لَا يصيبهم ظمأ﴾ الظمأ: الْعَطش ﴿وَلَا نصب﴾ النصب: التَّعَب ﴿وَلَا مَخْمَصَة﴾ وَهِي المجاعة ﴿فِي سَبِيل الله﴾ فِي الْجِهَاد.
وَقَوله: ﴿وَلَا يطئون موطئا﴾ يَعْنِي: لَا يَضعن قدما ﴿يغِيظ الْكفَّار﴾ أَي: يغضبهم ﴿وَلَا ينالون من عَدو نيلا﴾ يَعْنِي: لَا يصيبون مِنْهُم شَيْئا فِي نفس أَو مَال ﴿إِلَّا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

﴿عَن نَفسه ذَلِك بِأَنَّهُم لَا يصيبهم ظمأ وَلَا نصب وَلَا مَخْمَصَة فِي سَبِيل الله وَلَا يطئون موطئا يغِيظ الْكفَّار وَلَا ينالون من عَدو نيلا إِلَّا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفقُونَ نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَلَا يقطعون وَاديا إِلَّا كتب لَهُم لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا كَانُوا يعْملُونَ (121) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ﴾

ثمَّ قَالَ: ﴿وَلَا يُنْفقُونَ نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة﴾ يَعْنِي: قَلِيلا وَلَا كثيرا، قيل فِي التَّفْسِير: حَتَّى التمرة ﴿وَلَا يقطعون وَاديا﴾ أَي: لَا يعبرون وَاديا مُقْبِلين ومدبرين ﴿إِلَّا كتب لَهُم﴾ أَي: أثيبوا على ذَلِك ﴿لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة﴾ الْآيَة، وفيهَا قَولَانِ: أَحدهمَا: " أَن النَّبِي كَانَ يبْعَث بالسرايا بعد غَزْوَة تَبُوك، فَكَانَ النَّاس يخرجُون جَمِيعهم لعظم مَا أَصَابَهُم من التعيير والملامة فِي التَّخَلُّف، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ". قَالَ قَتَادَة: هَذَا فِي السَّرَايَا، فَأَما إِذا خرج الرَّسُول بِنَفسِهِ فَعَلَيْهِم أَن يخرجُوا جَمِيعًا مَعَه.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن النَّبِي كَمَا دَعَا على مُضر، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ اجْعَل سنيهم كَسِنِي يُوسُف، قَالَ: فَأَصَابَهُمْ قحط شَدِيد وجدب، فَجعلت الْقَبِيلَة تقبل إِلَى الْمَدِينَة بأجمعهم وَيَقُولُونَ: أسلمنَا، فَكَانُوا يضيقون على أهل الْمَدِينَة مَنَازِلهمْ ويلوثون الطرقات، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، فردهم رَسُول الله إِلَى قبائلهم ". وَقَوله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة﴾ مَعْنَاهُ: هلا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة، فعلى الأول معنى الْآيَة: هُوَ النَّهْي عَن ترك رَسُول الله وَحده.
وَقَوله: ﴿ليتفقهوا فِي الدّين﴾ يَعْنِي: ليحضروا نزُول الْقُرْآن وَبَيَان السّنَن ﴿ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم﴾ مَعْنَاهُ: ليعلموا السّريَّة إِذا رجعُوا إِلَيْهِم مَا نزل من الْقُرْآن وَالسّنَن.
وعَلى القَوْل الثَّانِي معنى الْآيَة: مَا كَانَ لأهل الْقَبَائِل أَن ينفروا جَمِيعًا إِلَى الْمَدِينَة

﴿لينفروا كَافَّة فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون (122) ﴾ ويتركوا مواضعهم؛ وَلَكِن لينفر من كل فرقة طَائِفَة أَي: من كل قَبيلَة طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ وليعلموا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم ﴿لَعَلَّهُم يحذرون﴾ . وَأما الطَّائِفَة: فَهُوَ اسْم لثَلَاثَة فَمَا زَاد، وَقد ورد فِي الْقُرْآن ذكر الطَّائِفَة، وَالْمرَاد مِنْهُ: الْوَاحِد، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن نعف عَن طَائِفَة مِنْهُم﴾ من قبل.
وَاسْتدلَّ أهل الْأُصُول بِهَذِهِ على وجوب قبُول خبر الْوَاحِد، وَالْمَسْأَلَة فِي الْأُصُول (كَبِيرَة) . وَأما الْفِقْه فَهُوَ فِي اللُّغَة: عبارَة عَن الْفَهم، وَفِي الشَّرْع: عبارَة عَن علم مَخْصُوص وَهُوَ علم الْأَحْكَام.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين ". وَرُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " النَّاس معادن، فخيارهم فِي الْجَاهِلِيَّة خيارهم فِي الْإِسْلَام إِذا فقهوا ". وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أفضل الْعِبَادَة: الْفِقْه، ولفقيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد ". وَعَن الشَّافِعِي - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: طلب

﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار وليجدوا فِيكُم غلظة وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون (124) وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) أَولا يرَوْنَ أَنهم يفتنون فِي﴾ الْعلم أفضل من صَلَاة النَّافِلَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار﴾ يَعْنِي: يقربون مِنْكُم.
وَعَن عمر: هم الديلم، وَعَن غَيره: هم الرّوم ﴿وليجدوا فِيكُم غلظة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: شجاعة.
وَقَالَ الْحسن: صبرا على الْحَرْب ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا﴾ هَذَا فِي الْمُنَافِقين الَّذين كَانُوا يَقُولُونَ هَذَا القَوْل استهزاء، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون﴾ وهم يفرحون.

ثمَّ قَالَ: ﴿وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض﴾ أَي: شكّ ونفاق ﴿فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ أَي: كفر إِلَى كفرهم.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يزِيد إِنْزَال السُّورَة لَهُم كفرا؟ الْجَواب: أَنهم كَانُوا يكفرون بِكُل سُورَة أنزلهَا الله تَعَالَى، فَلَمَّا كفرُوا عِنْد إِنْزَال السُّورَة نسب كفرهم إِلَيْهَا، وَهَذَا كَمَا تَقول الْعَرَب: كفى بالسلامة دَاء؛ لِأَن الدَّاء يكون عِنْد طول السَّلامَة، قَالَ الشَّاعِر: (أرى بَصرِي قد رَابَنِي بعد صِحَة ... وحسبك دَاء أَن تصح وتسلما)

وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَو لَا يرَوْنَ أَنهم يفتنون فِي كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ﴾ مَعْنَاهُ: يبتلون فِي كل عَام بالأمراض والشدائد، وَقيل: بِالْجِهَادِ مَعَ الْأَعْدَاء ﴿ثمَّ لَا يتوبون﴾ لَا يرجعُونَ إِلَى الله ﴿وَلَا هم يذكرُونَ﴾ وَلَا هم يتعظون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا مَا أنزلت سُورَة نظر بَعضهم إِلَى بعض﴾ الْآيَة، كَانَ المُنَافِقُونَ إِذا نزلت السُّورَة أَو شَيْء من الْقُرْآن يُومِئ بَعضهم إِلَى بعض، وَيَخَافُونَ مَعَ ذَلِك أَن

﴿كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ ثمَّ لَا يتوبون وَلَا هم يذكرُونَ (126) وَإِذا مَا أنزلت سُورَة نظر بَعضهم إِلَى بعض هَل يراكم من أحد ثمَّ انصرفوا صرف الله قُلُوبهم بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ (127) لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص﴾ يراهم الْمُؤْمِنُونَ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿هَل يراكم من أحد﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿ثمَّ انصرفوا﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: انصرفوا عَن مواضعهم، وَالْآخر: انصرفوا عَن الْإِيمَان، أَي: لم يُؤمنُوا وَلم يقبلُوا.
وَقَوله: ﴿صرف الله قُلُوبهم﴾ قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج: أضلهم الله مجازاة على كفرهم ﴿بِأَنَّهُم قوم يفقهُونَ﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ قرىء فِي الشاذ: من أَنفسكُم، وَيُقَال: إِن هَذِه الْقِرَاءَة قِرَاءَة فاطمه - رَضِي الله عَنْهَا - قَالَ يَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ: طلبت هَذَا الْحَرْف خمسين سنة فَلم أجد لَهُ رَاوِيا.
وَمعنى هَذَا: أشرفكم وأفضلكم.
وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: ﴿من أَنفسكُم﴾ قَالَ قتاده: وَمَعْنَاهُ: إِن نسبه مَعْرُوف بَيْنكُم وَالْقَوْل الثَّانِي: حكى عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: ﴿من أَنفسكُم﴾ مَعْنَاهُ: أَنه لم يُولد إِلَّا من نِكَاح صَحِيح إِلَى زمَان آدم.
وَالْقَوْل الثَّالِث: حكى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: مَعْنَاهُ: أَنه لَيْسَ بطن من بطُون الْعَرَب إِلَّا وَقد ولدت النَّبِي.
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن معنى هَذَا هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ﴾ وَإِذا كَانَ الرَّسُول بشرا مثل الْقَوْم؛ فَيكون أقرب للألفة وَأدنى لفهم الحجه.
وَقَوله: ﴿عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم﴾ أَي: شَدِيد عَلَيْهِ عنتكم، والعنت: هُوَ الْمَكْرُوه ولقاء الشده، كانه قَالَ: شَدِيد عَلَيْهِ مَا يضركم ويهلككم، وَهُوَ الْكفْر الَّذِي أَنْتُم عَلَيْهِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿حَرِيص عَلَيْكُم﴾ الْحِرْص: شدَّة طلب الشىء، وَمَعْنَاهُ: حَرِيص

﴿عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيم (128) فَإِن توَلّوا فَقل حسبي الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم (129) ﴾ على إيمَانكُمْ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيم﴾ عطوف رَفِيق.
وَقد أعطَاهُ الله تَعَالَى فِي هَذِه الآيه اسْمَيْنِ من أَسْمَائِهِ، وَهُوَ فِي نِهَايَة الكرامه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن توَلّوا﴾ مَعْنَاهُ: فَإِن أَعرضُوا عَن الْإِيمَان أَو عَنْك ﴿فَقل حسبي الله﴾ كَافِي الله أَي: يَكْفِينِي الله ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت﴾ عَلَيْهِ اعتمدت وَبِه وثقت ﴿وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ قَرَأَ ابْن مُحَيْصِن: " رب الْعَرْش الْعَظِيم " بِالرَّفْع، فَرجع إِلَى الله تَعَالَى، وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة بِالْكَسْرِ، وَهُوَ يرجع إِلَى الْعَرْش.
وَعَن بعض التَّابِعين: لَا يعرف أحد قدر الْعَرْش سوى الله تَعَالَى.
وفى بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الْعَرْش من ياقوتة حَمْرَاء ". وَعَن وهب بن مُنَبّه: أَن الله تَعَالَى خلق الْعَرْش من نوره.
وَعَن كَعْب الْأَخْبَار: أَن السَّمَوَات فِي الْعَرْش كقنديل مُعَلّق من السَّمَاء.
وَعَن مُجَاهِد: أَن السَّمَوَات فِي الْعَرْش كحلقة.
وَحكى عَن أبي بن كَعْب أَنه قَالَ فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ: هما أحدث الْآيَات بِاللَّه عهدا.
فعلى قَوْله: هَاتَانِ الْآيَتَانِ آخر مَا أنزل من الْقُرْآن.
وَهُوَ رِوَايَة أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس وَقد ذكرنَا غير هَذَا بِرِوَايَة الْبَراء بن عَازِب، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿آلر تِلْكَ آيَات الْكتاب الْحَكِيم (1) أَكَانَ للنَّاس عجبا﴾ تَفْسِير سُورَة يُونُس

وَهِي مَكِّيَّة إِلَّا ثَلَاث آيَات، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن كنت فِي شكّ مِمَّا أنزلنَا إِلَيْك﴾ إِلَى آخر الْآيَات الثَّلَاث.
وَحكى عَن مُحَمَّد بن سِيرِين أَنه قَالَ: هَذِه السُّورَة كَانَت بعد السُّورَة السَّابِقَة.

قَوْله تَعَالَى ﴿آلر﴾ روى أَبُو الضُّحَى عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: ﴿آلر﴾ أَنا الله أرى.
وروى عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الر، وحم، وَنون هُوَ تَمام اسْم الرَّحْمَن.
وَفِي الْحُرُوف المهجيات أَقْوَال ذَكرنَاهَا فِي أول سُورَة الْبَقَرَة.
وَقَوله: ﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: هَذِه آيَات الْكتاب.
قَالَ الشَّاعِر: (تِلْكَ خيلي مِنْهُ وَتلك ركابي ... هن صفر أَوْلَادهَا كالزبيب) وَقَالَ الزّجاج: معنى الْآيَة: وَهُوَ أَن الْآيَات الَّتِي أنزلتها عَلَيْك من قبل ﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب الْحَكِيم﴾ وَالْكتاب: هُوَ الْقُرْآن، والحكيم: هُوَ الْمُحكم، على قَول أَكثر الْمُفَسّرين، فعيل بِمَعْنى مفعل، مثل قَوْله: ﴿هَذَا مَا لَدَى عتيد﴾ أَي: مُعْتَد.
وَقَالَ بَعضهم: الْحَكِيم على وَضعه، وسمى الْقُرْآن حكيما؛ لِأَنَّهُ كالناطق بالحكمة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَكَانَ للنَّاس عجبا﴾ الْعجب: حَالَة تعتري الْإِنْسَان من رُؤْيَة شَيْء على خلاف الْعَادة.
وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة: أَن الله تَعَالَى لما بعث مُحَمَّدًا قَالَ الْمُشْركُونَ: أما وجد

﴿أَن أَوْحَينَا إِلَى رجل مِنْهُم أَن أنذر النَّاس وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم قَالَ الْكَافِرُونَ إِن هَذَا لساحر مُبين (2) ﴾ الله نَبيا سوى يَتِيم أَبى طَالب، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وهى قَوْله: ﴿أَكَانَ للنَّاس عجبا﴾ وَمَعْنَاهُ: أعجب النَّاس، يعْنى: الْمُشْركين ﴿أَن أَوْحَينَا إِلَى رجل مِنْهُم﴾ وَالرجل هَا هُنَا: النَّبِي، وَقَوله: ﴿مِنْهُم﴾ قَالُوا: مَعْنَاهُ: إِنَّه رجل يعرفونه باسمه وَنسبه، لَا يكْتب، وَلَا يشْعر، وَلَا يتكهن، ولايكذب.
وَقَوله: ﴿أَن أنذر النَّاس﴾ الْإِنْذَار: هُوَ الْإِعْلَام مَعَ التخويف.
وَقَوله: ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا﴾ قد بَينا معنى الْبشَارَة.
وَقَوله: ﴿أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال: القَوْل الأول - وَهَذَا قَول الْأَكْثَرين - أَن الْقدَم الصدْق: هُوَ الْأَعْمَال الصَّالِحَة، يُقَال: لفُلَان قدم فِي الشجَاعَة، وَقدم فى الْعلم، وَيُقَال: فلَان وضع قدمه فى كَذَا، إِذا شرع فِيهِ بِعَمَلِهِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْقدَم الصدْق: هُوَ الثَّوَاب.
وَالْقَوْل الثَّالِث: حكى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْقدَم الصدْق: هُوَ السَّعَادَة فِي الذّكر الأول.
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن المُرَاد مِنْهُ: هُوَ الرَّسُول، وَقدم صدق: شَفِيع صدق، قَالَه مقَاتل بن حَيَّان.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِن هَذَا لساحر مُبين﴾ وقرىء بقراءتين: " لساحر مُبين "، و " إِن هَذَا لسحر مُبين "؛ فالساحر ينْصَرف إِلَى الرَّسُول، وَالسحر ينْصَرف إِلَى الْقُرْآن.

﴿إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يدبر الْأَمر مَا من شَفِيع إِلَّا من بعد إِذْنه ذَلِكُم الله ربكُم فاعبدوه أَفلا تذكرُونَ (3) إِلَيْهِ مرجعكم جَمِيعًا وعد الله حَقًا إِنَّه يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ ليجزي الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن ربكُم الله الذى خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام﴾ فِي الْأَيَّام قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا كأيام الْآخِرَة، كل يَوْم ألف سنة.
وَالْآخر أَنَّهَا كأيام الدُّنْيَا.
قَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ قد بيينا مَذْهَب أهل السّنة فِي الاسْتوَاء؛ وَهُوَ أَنه نؤمن بِهِ وَنكل علمه إِلَى الله تَعَالَى من غير تَأْوِيل وَلَا تَفْسِير.
وَأما الْمُعْتَزلَة: فَإِنَّهُم أولُوا الاسْتوَاء بِالِاسْتِيلَاءِ، وَهُوَ بَاطِل عِنْد أهل الْعَرَبيَّة.
حكى عَن أَحْمد بن أبي دَاوُد - وَكَانَ من رُؤَسَاء الْمُعْتَزلَة - أَنه قَالَ لِابْنِ الْأَعرَابِي: أتعرف الْعَرَب الاسْتوَاء؟ بِمَعْنى الإستيلاء فَقَالَ.
لَا.
ويحكى أَن هَذِه الْمَسْأَلَة جرت فِي مجْلِس الْمَأْمُون، فَقَالَ بشر المريسي: الاسْتوَاء بِمَعْنى الِاسْتِيلَاء، فَقَالَ لَهُ أَبُو السمراء - وَهُوَ رجل من أهل اللُّغَة - اخطأت يَا شيخ؛ فَإِن الْعَرَب لَا تعرف الِاسْتِيلَاء إِلَّا بعد عجز سَابق.
قَوْله تَعَالَى ﴿يدبر الْأَمر﴾ قَالَ مُجَاهِد: يقْضِي الْأَمر ﴿مَا من شَفِيع إِلَّا من بعد إِذْنه﴾ مَعْنَاهُ: أَن الشفعاء لَا يشفعون إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَهَذَا رد على النَّضر بن الْحَارِث، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يشفعني اللات والعزى.
قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكُم الله ربكُم﴾ يعْنى: ذَلِك الَّذِي فعله هَذَا ربكُم ﴿فاعبدوه أَفلا تذكرُونَ﴾ أَفلا تتعظون.

قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ مرجعكم جَمِيعًا وعد الله حَقًا﴾ نصب وعد الله حَقًا يعْنى: وعد الله وَعدا حَقًا ﴿إِنَّه يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم ﴿ليجزي الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات بِالْقِسْطِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: بِالْعَدْلِ ﴿وَالَّذين كفرُوا لَهُم شراب من حميم﴾ الْحَمِيم هُوَ المَاء الَّذِي انْتهى حره.
وَفِي الْقَصَص: أَن النَّار أوقدت عَلَيْهِ مُنْذُ يَوْم خلقهَا إِلَى أَن يدْخل الْكفَّار [فِي] (1) النَّار.
قَوْله: {وَعَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا

﴿الصَّالِحَات بِالْقِسْطِ وَالَّذين كفرُوا لَهُم شراب من حميم وَعَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يكفرون (4) هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ يفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ (5) إِن فِي اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وَمَا خلق الله فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض لآيَات لقوم يَتَّقُونَ (6) إِن الَّذين لَا يرجون لقاءنا وَرَضوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا واطمأنوا بهَا وَالَّذين هم عَن أياتنا غافلون﴾ أَي: عَذَاب موجع بكفرهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا﴾ الْآيَة، الشَّمْس وَالْقَمَر جسمان نيران، أَحدهمَا أَضْوَأ من الآخر، وَقَوله: ﴿جعل الشَّمْس ضِيَاء﴾ أَي: ذَات ضِيَاء ﴿وَالْقَمَر نورا﴾ أَي: ذَا نور.
وَقَوله: ﴿وَقدره منَازِل﴾ مِنْهُم من قَالَ: هَذَا ينْصَرف إِلَى الْقَمَر خَاصَّة، وَمِنْهُم من قَالَ: ينْصَرف إِلَيْهِمَا، إِلَّا أَنه اكْتفى بِذكر أَحدهمَا عَن الآخر.
ومنازل الْقَمَر ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ منزلا، أساميها مَعْلُومَة عِنْد الْعَرَب، تكون أَرْبَعَة عشر مِنْهَا ظَاهِرَة أبدا، وَأَرْبَعَة عشر مِنْهَا غَائِبَة أبدا، وَكلما طلع وَاحِد غَابَ وَاحِد، وَالْقَمَر ينزل كل لَيْلَة منزلا مِنْهَا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب﴾ يَعْنِي: قدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين وحساب الشُّهُور وَالْأَيَّام.
وَقَوله: ﴿مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أَي: للحق.
قَوْله: ﴿يفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم إِلَى آخر الْآيَة، وَقد ذكرنَا من قبل.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين لَا يرجون لقاءنا﴾ قَوْله: " لَا يرجون " فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: لَا يخَافُونَ، وَالْآخر: لَا يطمعون.
وَقَوله: ﴿لقاءنا﴾ قد بَينا من قبل.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَرَضوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قَالَ قَتَادَة: لَهَا يطْلبُونَ وَبهَا يفرحون.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿واطمأنوا بهَا﴾ سكنوا إِلَيْهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين هم عَن آيَاتنَا غافلون﴾ الْغَفْلَة سَهْو يعتري الْقلب يصرفهُ عَن وجد

( {7) أُولَئِكَ مأواهم النَّار بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات يهْدِيهم رَبهم بإيمَانهمْ تجْرِي من تَحْتهم الْأَنْهَار فِي جنَّات النَّعيم (9) دَعوَاهُم فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وتحيتهم فِيهَا سَلام وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين (10) الْعلم.

ثمَّ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ مأواهم النَّار بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات يهْدِيهم رَبهم بإيمَانهمْ﴾ قَالَ مُجَاهِد: هَذَا هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿نورا يمشي بِهِ﴾ . وَقَالَ غَيره: يهْدِيهم رَبهم: يرشدهم رَبهم بإيمَانهمْ إِلَى الْجنَّة ﴿تجْرِي من تَحْتهم الْأَنْهَار﴾ أَي: من تَحت الْأَشْجَار.
قَوْله: ﴿فِي جنَّات النَّعيم﴾ .

ثمَّ قَالَ: ﴿دَعوَاهُم فِيهَا﴾ مَعْنَاهُ: دعاؤهم فِيهَا ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ هَذَا كلمة تَنْزِيه وتبرئة الرب عَن السوء.
وَفِي الْأَخْبَار: " أَن قَوْله: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ عَلامَة بَين أهل الْجنَّة والخدم، وَإِذا أَرَادوا الطَّعَام قَالُوا: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، فَيدْخل الخدم بالموائد، كل مائدة ميل فِي ميل، قَوَائِمهَا من اللُّؤْلُؤ، على كل مائدة سَبْعُونَ ألف صَحْفَة، فِي كل صَحْفَة لون من الطَّعَام لَا يشبه بعضه بَعْضًا، ثمَّ تجىء الطير كأمثال البخت، قَوَائِمهَا لون، وأجنحتها لون، وبطونها وظهورها لون، فَيَقَع بَين أيدى أهل الْجنَّة فَيَأْكُلُونَ مِنْهَا مَا يشاءون، ثمَّ تطير كَمَا كَانَت ". وَقَوله تَعَالَى: ﴿وتحيتهم فِيهَا سَلام﴾ يعْنى: تَحِيَّة بَعضهم بَعْضًا يكون بِالسَّلَامِ، وَيُقَال مَعْنَاهُ: إِن تَحِيَّة الْمَلَائِكَة لَهُم بِالسَّلَامِ، وَيُقَال: إِن تَحِيَّة الله لَهُم بِالسَّلَامِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخر دَعوَاهُم﴾ مَعْنَاهُ: وَآخر قَوْلهم: ﴿أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ فَيكون ابْتِدَاء أَمرهم بالتسبيح، وانتهاء أَمرهم بِالْحَمْد وَالشُّكْر.

﴿يعجل الله للنَّاس الشَّرّ استعجالهم بِالْخَيرِ لقضي إِلَيْهِم أَجلهم فَنَذر الَّذين لَا يرجون لقاءنا فِي طغيانهم يعمهون (11) وَإِذا مس الْإِنْسَان الضّر دَعَانَا لجنبه أَو قَاعِدا أَو﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو يعجل الله للنَّاس الشَّرّ استعجالهم بِالْخَيرِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هَذَا فِي قَول الرجل يَقُول عِنْد الْغَضَب لأَهله وَولده: لعنكم الله، لَا بَارك الله فِيكُم، وَمَعْنَاهُ: وَلَو يعجل الله للنَّاس الشَّرّ - يعْنى: الْمَكْرُوه - استعجالهم بِالْخَيرِ أَي: كَمَا يحبونَ استعجالهم بِالْخَيرِ ﴿لقضى إِلَيْهِم أَجلهم﴾ فهلكوا جَمِيعًا وماتوا.
وَقَوله: ﴿فَنَذر الَّذين لَا يرجون لقاءنا﴾ أَي: لَا يخَافُونَ لقاءنا ﴿فِي طغيانهم﴾ أَي: فِي ضلالتهم.
قَوْله ﴿يعمهون﴾ يَتَرَدَّدُونَ، وَقيل: يتمادون، وَقد ثَبت الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي بشر أغضب كَمَا يغْضب الْبشر، فأيما [رجل] سببته أولعنته فاجعلها لَهُ طهرة وَرَحْمَة ". وَفِي الْبَاب رِوَايَات كَثِيرَة كلهَا صَحِيحَة.

قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا مس الْإِنْسَان الضّر﴾ أَي: الْمَكْرُوه ﴿دَعَانَا لجنبه أَو قَاعِدا أَو قَائِما﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: هَذَا يحْتَمل مَعْنيين: أَحدهمَا: إِذا مس الْإِنْسَان الضّر لجنبه أَو قَاعِدا أَو قَائِما دَعَانَا.
وَالْآخر: يحْتَمل إِذا مس الْإِنْسَان الضّر دَعَانَا لجنبه أَو قَاعِدا أَو قَائِما، يَعْنِي: على هَذِه الْأَحْوَال كلهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا كشفنا عَنهُ ضره مر﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: مر طاغيا كَمَا كَانَ من قبل، وَالْآخر: اسْتمرّ على مَا كَانَ من قبل.
قَالَ بَعضهم فِي هَذَا الْمَعْنى: (كَأَن الْفَتى لم يعر يَوْمًا إِذا اكتسى ... وَلم تَكُ صعلوكا إِذا مَا تمولا) قَوْله تَعَالَى: ﴿كَأَن لم يدعنا إِلَى ضرّ مَسّه﴾ مَعْنَاهُ: كَأَن لم يطْلب منا كشف ضرمسه.
قَوْله ﴿كَذَلِك زين للمسرفين﴾ قَالَ ابْن جريج: كَذَلِك زين للمسرفين {مَا

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل