الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَقَوله: ﴿أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسغبة﴾ أَي: إطْعَام مِسْكين فِي يَوْم ذِي جوع والسغب: الْجُوع، والمسغبة: المجاعة.
قَالَ الشَّاعِر:
(فَلَو كنت جارا يَابْنَ قيس بن عَاصِم ... لما بت شبعانا وجارك ساغب)
أَي: جَائِع.
وَقَوله: تَعَالَى: ﴿يَتِيما ذَا مقربة﴾ أَي: ذَا قرَابَة، واليتيم هُوَ الَّذِي لَا وَالِد لَهُ، وَيُقَال: هُوَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَبَوَانِ.
قَالَ قيس بن الملوح:
(إِلَى الله أَشْكُو فقد ليلِي كَمَا شكا ... إِلَى الله فقد الْوَالِدين يَتِيم)
وَقَوله: ﴿أَو مِسْكينا ذَا مَتْرَبَة﴾ أَي: لصق بِالتُّرَابِ من الْفقر.
قَالَ مُجَاهِد: لَا يحول بَينه وَبَين التُّرَاب شَيْء.
وَقيل: ذَا مَتْرَبَة، أَي: ذَا زمانة، وَقيل ذَا مَتْرَبَة أَي: لَيْسَ لَهُ أحد من النَّاس.
﴿أَو مِسْكينا ذَا مَتْرَبَة (16) ثمَّ كَانَ من الَّذين آمنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ وَتَوَاصَوْا بالمرحمة (17) أُولَئِكَ أَصْحَاب الميمنة (18) وَالَّذين كفرُوا بِآيَاتِنَا هم أَصْحَاب المشأمة (19) عَلَيْهِم نَار مؤصدة (20) ﴾ .
وَقَوله: ﴿ثمَّ كَانَ من الَّذين آمنُوا﴾ يَعْنِي: يقتحم الْعقبَة من فعل هَذِه الْأَشْيَاء، فَكَانَ من الَّذين آمنُوا.
فَإِن قيل: كلمة " ثمَّ " للتراخي بِاتِّفَاق أهل اللُّغَة، فَكيف وَجه الْمَعْنى فِي الْآيَة، وَقد ذكر الْإِيمَان متراخيا عَن هَذِه الْأَشْيَاء؟
وَالْجَوَاب: قَالَ النّحاس: هُوَ مُشكل، وَأحسن مَا قيل فِيهِ أَن مَعْنَاهُ: ثمَّ أخْبركُم أَنه كَانَ من الَّذين آمنُوا حِين فعل هَذِه الْأَشْيَاء، وَقد قيل: إِن " ثمَّ " بِمَعْنى الْوَاو، وَلَيْسَ يَصح.
وَقَوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ﴾ أَي: بِالصبرِ عَن معاصي الله، وَقيل: بِالصبرِ على طَاعَة الله، وَقيل: بِالصبرِ عَن لذات الدُّنْيَا وشهواتها.
وَقَوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بالمرحمة﴾ أَي: مرحمة بَعضهم على بعض، وَتَوَاصَوْا بالمرحمة هُوَ وَصِيَّة البعضِ البعضَ.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب الميمنة﴾ أَي: أَصْحَاب الْيَمين، وهم الَّذين اسْتخْرجُوا من شقّ آدم الْأَيْمن، وَيُقَال: الَّذين [يُعْطون] الْكتاب بأيمانهم، وَقيل: الميامين على أنفسهم.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين كفرُوا بِآيَاتِنَا هم أَصْحَاب المشأمة﴾ أَي: المشائيم على أنفسهم، وَيُقَال: هم الَّذين يُعْطون الْكتاب بشمالهم، وَكَذَلِكَ القَوْل الأول.
وَقَوله: ﴿عَلَيْهِم نَار مؤصدة﴾ أَي: مطبقة، يُقَال: وصدت الْبَاب، وأصدته إِذا أطبقته، وَيُقَال: مؤصدة أَي: مُبْهمَة لَا بَاب لَهَا.
قَالَ الشَّاعِر:
(قوم يُصَالح شدَّة أبنائهم ... وسلاسلا حلقا وبابا مؤصدا) أَي مطبقاً
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَر إِذا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَار إِذا جلالها (3) وَاللَّيْل إِذا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاء وَمَا بناها (5) وَالْأَرْض وَمَا طحاها (6) وَنَفس وَمَا﴾ . تَفْسِير سُورَة وَالشَّمْس
وَهِي مَكِّيَّة
قَوْله تَعَالَى: ﴿و
وَضُحَاهَا﴾ أَي: وضوئها، وَقيل: هُوَ النَّهَار كُله.
وَقَوله: ﴿وَالْقَمَر إِذا تَلَاهَا﴾ أَي: تبعها، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَقَتَادَة وَعَامة الْمُفَسّرين، وَهُوَ مَرْوِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، وَمعنى تبعها: يَعْنِي أَن الشَّمْس إِذا غربت يَليهَا الْقَمَر فِي الضَّوْء، وَيُقَال: هُوَ فِي الْأَيَّام الْبيض إِذا غربت الشَّمْس طلع الْقَمَر، وَقيل: هُوَ فِي أول لَيْلَة من الشَّهْر، إِذا غربت الشَّمْس رئي الْهلَال، وعَلى الْجُمْلَة الْقَمَر أحد النيرين، وَهُوَ يَتْلُو الشَّمْس إِذا اسْتَدَارَ واستتمه فِي إضاءة الدُّنْيَا.
وَقَوله: ﴿وَالنَّهَار إِذا جلاها﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: جلا الظلمَة فكنى عَن الظلمَة من غير ذكرهَا، وَهُوَ كثير فِي كَلَام الْعَرَب، وَالْقَوْل الآخر: جلاها أَي: جلا الشَّمْس؛ لِأَن النَّهَار إِذا ارْتَفع أَضَاءَت الشَّمْس وانبسطت.
وَقَوله: ﴿وَاللَّيْل إِذا يَغْشَاهَا﴾ يَعْنِي: إِذا يغشى الشَّمْس أَي: يستر ضوءها.
وَقَوله: ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بناها﴾ مَعْنَاهُ: وَمن بناها، وَقيل: وَالَّذِي بناها.
وَعَن ابْن الزبير أَنه سمع صَوت الرَّعْد فَقَالَ: سُبْحَانَ مَا سبحت لَهُ، أَي: الَّذِي سبحت لَهُ، وَيُقَال: وَمَا بناها أَي: وبنائها.
وَقَوله: ﴿وَالْأَرْض وَمَا طحاها﴾ أَي: وَمن بسطها، وَقيل: الأَرْض وطحوها أَي: وبسطها.
وَقَوله: ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا﴾ أَي: وَمن سواهَا، وَقد بَينا معنى التَّسْمِيَة، وَقيل: هُوَ
﴿سواهَا (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أَفْلح من زكاها (9) وَقد خَابَ من دساها (10) ﴾ . اعْتِدَال الْقَامَة.
وَقَوله: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ أَي: عرفهَا وأعلمها، وَقَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَغَيرهمَا: جعل فِي قلبه فجورها وتقواها، وَهُوَ أولى من القَوْل الأول؛ لِأَن الإلهام فِي اللُّغَة فَوق التَّعْرِيف والإعلام.
وَقَالَ الزّجاج: عدلها للفجور، ووفقها للتقوى
﴿قد أَفْلح من زكاها﴾ على هَذَا وَقع الْقسم، وَالْمعْنَى: قد أفلحت نفس زكاها الله.
وَقَوله: ﴿وَقد خَابَ من دساها﴾ أَي: وخاب نفس دساها الله، وَقيل: أَفْلح من زكى نَفسه وَأَصْلَحهَا، وخاب من أخمد نَفسه ودسها، فعلى هَذَا قَوْله: ﴿دساها﴾ أَي: دسيها.
يَقُول الشَّاعِر:
(يقْضِي الْبَازِي إِذا الْبَازِي انْكَسَرَ ... )
أَي: يقضض الْبَازِي.
قَالَ الْفراء: الْعَامِل بِالْفُجُورِ خامل عِنْد النَّاس غامض الشَّخْص، منكسر الرَّأْس، والمتقي عَال مُرْتَفع.
وَقَالَ ثَعْلَب: " من دساها " أَي: أغواها، وَعنهُ أَنه قَالَ: دساها أَي: دس نَفسه فِي أهل الْخَيْر وَلَيْسَ مِنْهُم.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَأَنت الَّذِي دسيت عمرا فَأَصْبَحت ... حلائله مِنْهُ أرامل ضيعا)
وَقَوله: " دساها " هَاهُنَا: أهلكت، فعلى هَذَا معنى قَوْله: ﴿وَقد خَابَ من دساها﴾ أَي: أهلكها بِالْمَعَاصِي.
وروى نَافِع بن عمر الجُمَحِي، عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ: قَالَت عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - انْتَبَهت لَيْلَة فَوجدت رَسُول الله وَهُوَ يَقُول: " أعْط نفس تقواها، وزكها أَنْت خير من زكاها، أَنْت وَليهَا ومولاها ".
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بذلك أَبُو
﴿كذبت ثَمُود بطغواها (11) إِذْ انْبَعَثَ أشقاها (12) فَقَالَ لَهُم رَسُول الله نَاقَة الله وسقياها (13) فَكَذبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ . الْغَنَائِم عبد الصَّمد بن عَليّ العباسي، أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن عَليّ بن عِيسَى، أخبرنَا الْبَغَوِيّ، أخبرنَا دَاوُد بن عَمْرو الضَّبِّيّ، عَن نَافِع بن عمر ... الحَدِيث.
وَقَوله: ﴿كذبت ثَمُود بطغواها﴾ أَي: بطغيانها، وَيُقَال: بأجمعها.
وَقَوله: ﴿إِذْ انْبَعَثَ أشقاها﴾ هُوَ قدار بن سالف، وَقد بَينا من قبل.
وروى رشدين، عَن يزِيد بن عبد الله بن سَلامَة، عَن عُثْمَان بن صُهَيْب، عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله لعَلي: " من أَشْقَى الْأَوَّلين؟ قَالَ: عَاقِر النَّاقة، قَالَ: صدقت، قَالَ: فَمن أَشْقَى الآخرين؟ قَالَ: قلت: لَا أعلم يَا رَسُول الله.
قَالَ: الَّذِي يَضْرِبك على هَذِه، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى يَافُوخه ".
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا كَرِيمَة بنت أَحْمد قَالَت: أخبرنَا أَبُو عَليّ زَاهِر بن أَحْمد، أخبرنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس [السَّامِي] ، أخبرنَا سُوَيْد بن سعيد، عَن رشدين.
. الْخَبَر وَهُوَ غَرِيب.
وَقَوله: ﴿فَقَالَ لَهُم رَسُول الله﴾ ، وَهُوَ صَالح.
وَقَوله: ﴿نَاقَة الله وسقياها﴾ أَي: ذَروا نَاقَة الله وسقياها، وَمعنى سقياها: شربهَا على مَا قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿لَهَا شرب وَلكم شرب يَوْم مَعْلُوم﴾ .
وَقَوله: ﴿فَكَذبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ أَي: فكذبوا صَالحا، وعقروا النَّاقة.
﴿فدمدم عَلَيْهِم رَبهم بذنبهم فسواها (14) وَلَا يخَاف عقباها (15) ﴾ .
وَقَوله: ﴿فدمدم عَلَيْهِم رَبهم بذنبهم﴾ عَن ابْن الزبير: أَنه " فرمرم عَلَيْهِم رَبهم "، وَهُوَ معنى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة، وَيُقَال: دمدم أَي: غضب عَلَيْهِم رَبهم، يُقَال: فلَان يدمدم إِذا كَانَ يتَكَلَّم بغضب.
وَالْقَوْل الْمَعْرُوف أَن معنى قَوْله: ﴿فدمدم عَلَيْهِم﴾ أَي: أطبق عَلَيْهِم بِالْعَذَابِ يَعْنِي: عمهم وَلم يبْق مِنْهُم أحدا، وَيُقَال: الدمدمة هُوَ الْهَلَاك باستئصال.
وَقَوله: ﴿بذنبهم فسواها﴾ أَي: سواهُم بِالْأَرْضِ، فَلم يبْق مِنْهُم أحدا صَغِيرا وَلَا كَبِيرا.
وَيُقَال: سوى بَينهم بِالْعَذَابِ.
وَقَوله: ﴿وَلَا يخَاف عقبيها﴾ وَقُرِئَ: " فَلَا يخَاف عقباها " وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الله تَعَالَى لَا يخَاف أَن يتبعهُ أحد بِمَا فعل، قَالَه الْحسن وَغَيره، وَالْقَوْل الثَّانِي: لم يخف عَاقِر النَّاقة عَاقِبَة فعله، وَالله أعلم.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى (1) وَالنَّهَار إِذا تجلى (2) وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى (3) إِن سعيكم لشتى (4) ﴾ . تَفْسِير سُورَة وَاللَّيْل
وَهِي مَكِّيَّة
قَوْله تَعَالَى: ﴿و
إِذا يغشى﴾ قَالَ قَتَادَة: يغشى الْأُفق بظلمته، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: يغشى مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض بظلمته.
وَقيل: ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى﴾ أَي: أظلم.
وَيُقَال: يغشى النَّهَار.
وَقَوله: ﴿وَالنَّهَار إِذا تجلى﴾ مَعْنَاهُ: إِذا أَضَاء وانكشف، وَيُقَال: جلّ الظلمَة فَكَأَنَّهُ قَالَ: تجلت الظلمَة بهَا.
وَقَوله: ﴿وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو الدَّرْدَاء: " وَالذكر وَالْأُنْثَى " وَقد صَحَّ هَذَا بروايتهما عَن النَّبِي أَنه قَرَأَ كَذَلِك، وَأما الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: ﴿وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى مثل قَوْله: ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بناها﴾ أَي: فَمن بناها.
وَالْقَوْل الثَّانِي: وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى.
وَذكر الْفراء والزجاج: أَن الذّكر وَالْأُنْثَى هُوَ آدم وحواء.
وَقد قيل: إِنَّه على الْعُمُوم، وَللَّه أَن يقسم بِمَا شَاءَ من خلقه، وَقد ذكرنَا أَن الْقسم على تَقْدِيره ذكر الرب، وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَرب اللَّيْل، وَرب النَّهَار إِلَى آخِره.
وَقَوله: ﴿إِن سعيكم لشتى﴾ على هَذَا وَقع الْقسم، وَالْمعْنَى: إِن عَمَلكُمْ
﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى (5) وَصدق بِالْحُسْنَى (6) فسنيسره لليسرى (7) وَأما من بخل وَاسْتغْنى (8) ﴾ . مُخْتَلف، وَقيل: إِن سعيكم لشتى أَي: مِنْكُم الْمُؤمن وَالْكَافِر، والصالح والطالح، والشكور والكفور، وأمثال هَذَا.
قَالَ الشَّاعِر:
(سعى الْفَتى لأمور لَيْسَ يُدْرِكهَا ... فَالنَّفْس وَاحِدَة والهم منتشر)
(والمرء مَا عَاشَ مَمْدُود لَهُ أثر ... لَا يَنْتَهِي الْعُمر حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثر)
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى﴾ ذهب أَكثر الْمُفَسّرين إِلَى أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أبي بكر الصّديق، رَضِي الله عَنهُ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أعْطى وَاتَّقَى﴾ أَي: بذل المَال بِالصَّدَقَةِ، وحاذر من الله تَعَالَى.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَصدق بِالْحُسْنَى﴾ أَي: بالخلق من الله تَعَالَى [قَالَه] عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ أشهر الْأَقَاوِيل.
وَالْقَوْل الثَّانِي: وَصدق بِالْحُسْنَى أَي: بِالْجنَّةِ، قَالَه مُجَاهِد.
وَقيل: بالثواب، وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَعَطَاء: صدق بِالْحُسْنَى أَي: بِلَا إِلَه إِلَّا الله.
وَقَوله: ﴿فسنيسره لليسرى﴾ أَي: للحالة الْيُسْرَى وَالْمعْنَى: يسهل عَلَيْهِ طَرِيق (الطَّاعَات) ، والأعمال الصَّالِحَة، قَالَ الْأَزْهَرِي: ييسر عَلَيْهِ مَا لَا ييسر إِلَّا على الْمُسلمين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما من بخل وَاسْتغْنى﴾ يُقَال: نزلت الْآيَة فِي أُميَّة بن خلف، وَقيل: فِي أبي سُفْيَان بن حَرْب.
﴿وَكذب بِالْحُسْنَى (9) فسنيسره للعسرى (10) ﴾ . وَقَوله: ﴿بخل﴾ أَي: بخل بِمَالِه، وَاسْتغْنى أَي: عَن ثَوَاب ربه.
وَقَوله: ﴿وَكذب بِالْحُسْنَى﴾ هُوَ مَا بَينا.
وَقَوله: ﴿فسنيسره للعسرى﴾ أَي: يسهل عَلَيْهِ طَرِيق الشَّرّ، وروى أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: يحول بَينه وَبَين الْإِيمَان بِاللَّه وبرسوله.
قَالَ الْفراء: فَإِن سَأَلَ سَائل قَالَ: كَيفَ يستقم قَوْله: ﴿فسنيسره للعسرى﴾ وَكَيف ييسر العسير؟ أجَاب عَن هَذَا: أَن هَذَا مثل قَوْله تَعَالَى ﴿فبشر الَّذين كفرُوا بِعَذَاب أَلِيم﴾ فَوضع الْبشَارَة مَوضِع الْوَعيد بالنَّار، وَإِن لم تكن بِشَارَة على الْحَقِيقَة، كَذَلِك وضع التَّيْسِير فِي هَذَا الْموضع، وَإِن كَانَ تعسيرا فِي الْحَقِيقَة.
وَقد ذكر عَطاء الْخُرَاسَانِي أَن الْآيَة نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار كَانَ لَهُ حَائِط، وَله نَخْلَة تتدلى فِي دَار جَاره، وَيَأْكُل جَاره مِمَّا يسْقط من ثمارها، فَمَنعه الْأنْصَارِيّ، فَشكى ذَلِك الْفَقِير إِلَى رَسُول الله، فَقَالَ النَّبِي للْأَنْصَارِيِّ: " بِعني هَذِه النَّخْلَة بنخلة لَك فِي الْجنَّة، فَأبى أَن يَبِيع، فاشتراها مِنْهُ أَبُو الدحداح بحائط لَهُ، وَأَعْطَاهَا ذَلِك الْفَقِير، فَأنْزل الله تَعَالَى فيهمَا هَذِه الْآيَات.
وَالأَصَح أَن الْآيَة نزلت فِي أبي بكر الصّديق - رَضِي الله عَنهُ - لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة على قَول الْجَمِيع، فَلَا يَسْتَقِيم أَن تكون الْآيَة منزلَة فِي أحد من الْأَنْصَار.
وَقد (ورد) فِي الْآيَتَيْنِ خبر صَحِيح، وَهُوَ مَا روى مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، عَن سعد بن عُبَيْدَة، عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: " كُنَّا فِي جَنَازَة بِالبَقِيعِ، فَأتى النَّبِي فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَه، وَمَعَهُ عود ينكت بِهِ فِي الأَرْض، فَرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَقَالَ: مَا من نفس منفوسة إِلَّا وَقد كتب مدخلها، فَقَالَ الْقَوْم: يَا رَسُول الله، أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا، فَمن كَانَ من أهل السَّعَادَة فَإِنَّمَا يعْمل للسعادة، وَمن كَانَ من أهل الشَّقَاء فَإِنَّهُ يعْمل للشقاء، قَالَ: