الزخرف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿وَمن بَيْننَا وَبَيْنك حجاب فاعمل إننا عاملون (5) قل إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ يُوحى إِلَيّ أَنما إِلَهكُم إِلَه وَاحِد فاستقيموا إِلَيْهِ واستغفروه وويل للْمُشْرِكين (6) الَّذين لَا يُؤْتونَ﴾
وَقَوله: ﴿وَمن بَيْننَا وَبَيْنك حجاب﴾ أَي: حاجز.
وَقَالَ بَعضهم: (تفرق فِي النحلة حاجز فِي الطَّرِيقَة) . وروى بَعضهم: أَن أَبَا جهل استغشى بِثَوْب ثمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد، بَيْننَا وَبَيْنك حجاب.
استهزاء، وَمعنى الْآيَة: أَنهم لما لم يستمعوا إِلَى الْقُرْآن اسْتِمَاع من يقبله كَانُوا كَأَن قُلُوبهم فِي أغطية، وَفِي آذانهم وقر وصمم، وَبَينه وَبينهمْ حجاب.
وَقَوله: ﴿فاعمل إننا عاملون﴾ مَعْنَاهُ: [فاعمل] بِمَا [تعلم] من دينك إننا عاملون بِمَا نعلم من ديننَا، قَالَه الْفراء.
وَقَالَ بَعضهم: فاعمل فِي هلاكنا فَإنَّا نعمل فِي هلاكك.
وَقَالَ بَعضهم: فاعمل لمعبودك فَإنَّا نعمل لمعبودنا.
قَوْله: ﴿إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ يُوحى إِلَيّ إِنَّمَا إِلَهكُم إِلَه وَاحِد فاستقيموا إِلَيْهِ﴾ أَي: توجهوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَة.
وَقَوله: ﴿واستغفروه﴾ أَي: من الشّرك الَّذِي أَنْتُم عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وويل للْمُشْرِكين الَّذين لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ أَي: لَا يرَوْنَ الزَّكَاة وَاجِبَة عَلَيْهِم كَمَا يرَاهُ الْمُسلمُونَ.
وَيُقَال: معنى الإيتاء هُوَ على ظَاهره، وَالْكَافِر يُعَاقب فِي الْآخِرَة بترك إيتَاء الزَّكَاة؛ لأَنهم مخاطبون بالشرائع.
ذكره جمَاعَة من أهل الْعلم.
وَقَالَ بَعضهم: لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة أَي: لَا يَفْعَلُونَ مَا يصيرون بِهِ أزكياء.
وَقَالَ بَعضهم: لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة أَي: لَا يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله، قَالَ ابْن عَبَّاس، فِي رِوَايَة عَطاء، فعلى هَذَا مَعْنَاهُ: لَا يطهرون أنفسهم من الشّرك بِقبُول التَّوْحِيد.
وَعَن قَتَادَة قَالَ: الزَّكَاة فطْرَة الْإِسْلَام؛ فَمن قبلهَا نجا، وَمن ردهَا هلك.
وَأما القَوْل الَّذِي قُلْنَاهُ إِنَّهَا الزَّكَاة بِعَينهَا،
﴿الزَّكَاة وهم بِالآخِرَة هم كافرون (7) إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم أجر غير ممنون (8) قل أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ وتجعلون لَهُ اندادا ذَلِك رب الْعَالمين (9) وَجعل فِيهَا رواسي من فَوْقهَا وَبَارك فِيهَا وَقدر فِيهَا أقواتها فِي﴾
قَالَه الْحسن الْبَصْرِيّ وَجَمَاعَة.
وَقَوله: ﴿وهم بِالآخِرَة هم كافرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم أجر غير ممنون﴾ أَي: غير مَقْطُوع، وَيُقَال مَعْنَاهُ: غر ممنون عَلَيْهِم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يَوْم الْأَحَد وَيَوْم الِاثْنَيْنِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: مَا الْحِكْمَة فِي خلقهَا فِي يَوْمَيْنِ، وَقد كَانَ قَادِرًا على خلقهَا فِي سَاعَة وَأَقل من ذَلِك؟ قُلْنَا: خلق فِي يَوْمَيْنِ ليرشد خلقه إِلَى الإناة فِي الْأَفْعَال؛ وليكون أبعد من توهم اتِّفَاق أَو فعل طبع، وَلِأَنَّهُ لَا سُؤال عَلَيْهِ فِي خلقه فكيفما شَاءَ خلق.
وَقَوله: ﴿وتجعلون لَهُ أندادا﴾ أَي: أشباها وأمثالا وشركاء.
قَالَ حسان بن ثَابت:
(أتهجوه وَلست لَهُ بند ... فشركما لخير كَمَا الْفِدَاء)
قَالَ أهل الْمعَانِي: قَوْله ﴿وتجعلون لَهُ أندادا﴾ أَي: تطيعون غَيره فِي مَعَاصيه.
وَقَالَ بَعضهم: من ذَلِك أَن يَقُول الرجل: لَوْلَا كلبة فلَان لدخل اللُّصُوص دَاري، وَلَوْلَا إرشاد فلَان لهلكت، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَقَوله: ﴿ذَلِك رب الْعَالمين﴾ أَي: الَّذِي فعل ذَلِك الْفِعْل هُوَ رب الْعَالمين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعل فِيهَا رواسي﴾ أَي: جبالا رواسي، وسماها رواسي لثبوتها.
وَفِي الْقِصَّة: أَن الله تَعَالَى لما خلق الأَرْض جعلت تميد وَلَا تَسْتَقِر، فخلق الله الْجبَال عَلَيْهَا فاستقرت، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَجعل فِيهَا رواسي من فَوْقهَا﴾ .
وَقَوله: ﴿وَبَارك فِيهَا﴾ أَي: أَكثر فِيهَا الْبركَة.
وَالْبركَة: الْمَنَافِع، وَمن بركاتها
﴿أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء للسائلين (10) ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا وللأرض﴾ الْأَشْجَار الَّتِي تنْبت بِغَيْر غرس، والحبوب الَّتِي تنْبت بِغَيْر بذر، وكل مَا لم يعمله بَنو آدم.
وَفِي بعض الْآثَار: أَن الله تَعَالَى جمع فِي (الْخبز) بَرَكَات السَّمَاء وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿وَقدر فِيهَا أقواتها﴾ فِي التَّفْسِير أَن مَعْنَاهُ: الْحِنْطَة لقوم، وَالشعِير لقوم، والذرة لقوم، وَالتَّمْر لقوم، والسمك لقوم، وَاللَّحم لقوم.
وَيُقَال: الْمصْرِيّ لمصر، والسابري لسابر، والعربي للْعَرَب، وكل طَعَام فِي مَوْضِعه.
وَقَوله: ﴿فِي أَرْبَعَة أَيَّام﴾ أَي: (فِي تَمام أَرْبَعَة أَيَّام) . فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ هَاهُنَا خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ فَذكر أَنه بَدَأَ بِخلق الأَرْض وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها﴾ فَكيف وَجه الْجمع بَين الْآيَتَيْنِ؟ وَالْجَوَاب: أَن معنى قَوْله: ﴿وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها﴾ أَي: مَعَ ذَلِك، وَهَذَا ضَعِيف فِي اللُّغَة، وَالأَصَح أَن معنى قَوْله: (وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها) أَي: بسطها، وَكَانَ الله تَعَالَى خلق الأَرْض قبل السَّمَوَات فِي يَوْمَيْنِ، وَخلق الأرزاق والأقوات فِيهَا، وأجرى الْأَنْهَار، وَأظْهر الْأَشْجَار، وَخلق الْبحار فِي يَوْمَيْنِ آخَرين، فَذَلِك تَمام أَرْبَعَة أَيَّام، وَلم يكن بسط الأَرْض وَجعلهَا بِحَيْثُ يسكن فِيهَا، فَلَمَّا خلق السَّمَوَات بسط الأَرْض وَجعلهَا بِحَيْثُ يسكنهَا النَّاس.
وَقَوله: ﴿سَوَاء للسائلين﴾ أَي: عدلا للسائلين، وَمَعْنَاهُ: من سَأَلَك عَن هَذَا فأجبه بِهَذَا، فَإِنَّهُ الْحق وَالْعدْل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان﴾ أَي: قصد إِلَى خلق السَّمَاء وَهِي دُخان، وَفِي الْقِصَّة ان الله تَعَالَى خلق أول مَا خلق مَاء يضطرب، فأزبد المَاء زبدا، وارتفع من الزّبد دُخان، فخلق الأَرْض من الزّبد، وَخلق السَّمَاء من الدُّخان.
وَقَوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طوع أَو كرها﴾ قَالَ بَعضهم: معنى قَوْله:
﴿ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين (11) فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ وَأوحى فِي﴾
﴿ائتيا﴾ أَي: كونا كَمَا قدرتكما طَوْعًا أَو كرها، وعَلى هَذَا يكون هَذَا القَوْل قبل الْخلق، وَالْقَوْل الثَّانِي هُوَ قَول الْأَكْثَرين أَن هَذَا القَوْل من الله تَعَالَى بعد أَن خلقهما، فعلى هَذَا معنى قَوْله: (ائتيا طَوْعًا أَو كرها) أَي: أعطيا الطَّاعَة فِيمَا خلقهما لَهُ جبرا واختيارا.
وَقَوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ مِنْهُم من قَالَ: هَذَا كُله على طَرِيق الْمجَاز، وَلَيْسَ على طَرِيق الْحَقِيقَة، وَكَأن الله تَعَالَى لما أجْرى أَمرهمَا على مُرَاده وَتَقْدِيره جعل ذَلِك بِمَنْزِلَة قَول مِنْهُ وَإجَابَة مِنْهُمَا بالطواعية، وَالْعرب قد تذكر القَوْل فِي مثل هَذَا الْموضع، قَالَ الشَّاعِر:
(امْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قطني ... مهلا رويدا قد مَلَأت بَطْني)
وَقَالَ بَعضهم: إِن القَوْل والإجابة على طَرِيق الْحَقِيقَة، وَركب فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض مَا عقلا بِهِ خطابه وأجاباه بالطواعية، وَهَذَا هُوَ الأولى.
وَعَن ابْن السماك فِي موعظه: سل الأَرْض: من غرس أشجارك؟ وأجرى أنهارك؟ وَأخرج ثمارك؟ فَإِن لم تجبك اخْتِيَارا أجابتك اعْتِبَارا.
فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿طائعين﴾ وَكَانَ من حق اللُّغَة أَن يَقُول: طائعات قُلْنَا: إِنَّمَا قَالَ: ﴿طائعين﴾ لِأَنَّهُ لما جعلهَا بِمَنْزِلَة من يعقل فِي الْخطاب مَعهَا وجوابها ذكر الْكَلَام على نعت الْعُقَلَاء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ أَي: خَلقهنَّ سبع سموات ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَهُوَ يَوْم الْخَمِيس و [يَوْم] الْجُمُعَة.
وَفِي بعض الْآثَار: " أَن الله تَعَالَى خلق الأَرْض يَوْم الْأَحَد والاثنين، وَخلق الْمَكْرُوه يَوْم الثُّلَاثَاء، وَخلق الأقوات وَالْأَشْجَار يَوْم الْأَرْبَعَاء، وَخلق السَّمَوَات يَوْم الْخَمِيس، وَخلق فِيهَا البروج وَالْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر يَوْم الْجُمُعَة، وَخلق آدم فِي آخر سَاعَة من يَوْم الْجُمُعَة على عجل "، وَقد حكيت اللَّفْظَة
﴿كل سَمَاء أمرهَا وزينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح وحفظا ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم (12) ﴾ الْأَخِيرَة عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَوله: ﴿وَأوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا﴾ أَي: قدر فِي كل سَمَاء أمرهَا، وَيُقَال: خلق فِي كل سَمَاء مَا أَرَادَ أَن يخلق فِيهَا، وَذَلِكَ من سكانها وَغير ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وزينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح﴾ أَي: بالكواكب.
وَقَوله: ﴿وحفظا﴾ أَي: حفظنا السَّمَاء بالكواكب من الشَّيْطَان.
وَقَوله: ﴿ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَيذكر تَفْسِير هَذِه الْآيَة من وَجه آخر على مَا نقل فِي التفاسير.
فَقَوله تَعَالَى: ﴿قل أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ هُوَ يَوْم الْأَحَد والاثنين، والاثنان هُوَ الْعدَد الْعدْل؛ لِأَنَّهُ أَكثر من الْوَاحِد الَّذِي لَيْسَ دونه شَيْء، وَلم يبلغ الثَّلَاث الَّذِي هُوَ جمع.
وَقيل: هُوَ خلق فِي يَوْمَيْنِ، ليَكُون اعْتِبَارا للْمَلَائكَة فِي النّظر إِلَى خلقه أَكثر، فَيكون أدل على وحدانيته.
وَقَوله: ﴿وتجعلون لَهُ أندادا ذَلِك رب الْعَالمين﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وَجعل فِيهَا رواسي من فَوْقهَا﴾ روى عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه قَالَ: خلق الْجبَال يَوْم الثُّلَاثَاء، وَخلق السَّمَاء وَالْأَشْجَار والبحار والأنهار يَوْم الْأَرْبَعَاء.
وَقَوله: ﴿وَبَارك فِيهَا﴾ أَي: أَكثر فِيهَا الْخَيْر.
وَقَوله: ﴿وَقدر فِيهَا أقواتها﴾ فِي التَّفْسِير: أَنه جعل فِي كل بلد مَا لَيْسَ فِي غَيره، ليتعايش النَّاس ويتجروا فِيهَا نقلا من بلد إِلَى بلد.
يُقَال هُوَ الْيَمَانِيّ بِالْيمن،
والقوهى بقوهستان، والسابري بسابور، والقراطيس بِمصْر، والمروى بمرو، والبغدادي بِبَغْدَاد، والهروى بهراة.
وَعَن مُجَاهِد قَالَ: قَوْله: ﴿قدر فِيهَا أقواتها﴾ هُوَ الْمَطَر.
وَقَوله: ﴿فِي أَرْبَعَة أَيَّام﴾ أَي: فِي تَمام أَرْبَعَة أَيَّام، فَإِن قيل: قد ذكر يَوْمَيْنِ فِي الْآيَة الأولى، وَأَرْبَعَة فِي هَذِه الْآيَة، ويومين من بعد، فَيكون قد خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي ثَمَانِيَة أَيَّام؟ قُلْنَا: لَا، بل خلقهَا فِي سِتَّة أَيَّام.
وَقَوله: ﴿فِي أَرْبَعَة أَيَّام﴾ أَي: فِي تَمام أَرْبَعَة أَيَّام مَعَ الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلين، وَهَذَا كَالرّجلِ يَقُول: ذهبت من الْبَصْرَة إِلَى بَغْدَاد فِي عشرَة أَيَّام، وَذَهَبت من بَغْدَاد إِلَى الْكُوفَة فِي خَمْسَة عشر يَوْمًا أَي: فِي تَمام خَمْسَة عشر يَوْمًا مَعَ الْعدْل الأول، هَذَا كَلَام الْعَرَب، وَمن طعن فِيهِ فَلم يعرف كَلَام الْعَرَب.
وَقَوله: ﴿سَوَاء للسائلين﴾ قد بَينا أحد الْمَعْنيين، وَالْمعْنَى الآخر: وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام للسائلين أَي: المحتاجين إِلَى الْقُوت.
وَقَوله: ﴿سَوَاء﴾ ينْصَرف إِلَى الْأَيَّام أَي: مستويات تامات.
وَقيل: (ذَوَات) سَوَاء.
وَقد قرئَ بالخفض: " سَوَاء للسائلين ". وَيُقَال: اسْتَوَى سَوَاء على الْقِرَاءَة الأولى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الدُّخان كَانَ من تنفس المَاء، وَيُقَال: إِنَّه خلق سَمَاء وَاحِدَة ثمَّ فتقها فَجَعلهَا سبع سموات، وَقد ذكرنَا من قبل
وَقَوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها﴾ قَالَ بَعضهم: هُوَ على طَرِيق الْمجَاز مثل: قَول الشَّاعِر:
(وَقَالَت لَهُ العينان سمعا وَطَاعَة ... وحذرتا كالدر لما تثقب)
وَتقول الْعَرَب: قَالَ الْحَائِط فَمَال
وَقَوله: ﴿ائتيا طَوْعًا أَو كرها﴾ أَي: أجيبا طَوْعًا وَإِلَّا ألجأتكما إِلَى الْإِجَابَة كرها،
وَإِنَّمَا ذكرُوا هَذَا الْمَعْنى؛ لِأَن الْأَمر لَا يرد إِلَّا بِالْفِعْلِ طَوْعًا.
وَذكر بَعضهم: أَن الله تَعَالَى خلق فِي السَّمَوَات تمييزا وعقلا، فخاطبهما وأجابا على الْحَقِيقَة، وَقد ذكرنَا.
وَأورد بَعضهم: أَن الْخطاب لمن فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن الْموضع الَّذِي أجَاب من الأَرْض هُوَ الْأُرْدُن، وَفِيه أَيْضا: أَن الله تَعَالَى خلق سَبْعَة عشر نوعا من الأَرْض، هَذَا الَّذِي ترَاهُ أَصْغَر الْكل، وأسكن تِلْكَ الْأَرْضين قوما لَيْسُوا بإنس وَلَا جن وَلَا مَلَائِكَة، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ وَلم يقل: طائعتين، قَالُوا: لِأَن المُرَاد هُوَ السَّمَوَات بِمن فِيهَا، وَالْأَرْض بِمن فِيهَا.
وَيُقَال: لِأَن السَّمَوَات سبع والأرضون سبع، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ فِي الأَرْض فَقَالَ: طائعين لأجل هَذَا الْعدَد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ﴾ أَي: خَلقهنَّ.
وَفِي التَّفْسِير: أَن الله تَعَالَى خلق السَّمَوَات يَوْم الْخَمِيس، وَخلق الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب وَالْمَلَائِكَة وآدَم يَوْم الْجُمُعَة، وَسميت الْجُمُعَة جُمُعَة؛ لِأَنَّهُ اجْتمع فِيهَا الْخلق.
وَفِي بعض التفاسير: أَن الله تَعَالَى خلق آدم فِي آخر سَاعَة من سَاعَات الْجُمُعَة، وَتَركه أَرْبَعِينَ سنة ينظر إِلَيْهِ ويثني على نَفسه، وَيَقُول: ﴿تبَارك الله رب الْعَالمين﴾ وَفِي بعض التفاسير أَيْضا: أَن الله تَعَالَى لما خلق الأَرْض قَالَ لَهَا: أَخْرِجِي أشجارك وأنهارك وثمارك فأخرجت، وَلما خلق الله السَّمَاء قَالَ لَهَا: أَخْرِجِي شمسك وقمرك ونجومك فأخرجت.
وَقَوله: ﴿وَأوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا﴾ أَي: مَا يصلحها، وَيُقَال: جعل فِيهَا سكانها من الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: ﴿وزينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح وحفظا﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وحفظا﴾ أَي: وحفظناها حفظا من الشَّيَاطِين بِالشُّهُبِ والنجوم.
وَقَوله: ﴿ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ أَي: تَقْدِير القوى على مَا يُرِيد خلقه، الْعَلِيم بخلقه وَمَا يصلحهم.
﴿فَإِن أَعرضُوا فَقل أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَة مثل صَاعِقَة عَاد وَثَمُود (13) إِذْ جَاءَتْهُم الرُّسُل من بَين أَيْديهم وَمن خَلفهم أَلا تعبدوا إِلَّا الله قَالُوا لَو شَاءَ رَبنَا لأنزل مَلَائِكَة فَإنَّا بِمَا أرسلتم بِهِ كافرون (14) فَأَما عَاد فاستكبروا فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَقَالُوا من أَشد منا قُوَّة أَو لم يرَوا أَن الله الَّذِي خلقهمْ هُوَ أَشد مِنْهُم قُوَّة وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يجحدون (15) ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن أَعرضُوا﴾ أَي: أَعرضُوا عَن الْإِيمَان بِمَا أنزلت عَلَيْك.
وَقَوله: ﴿فَقل أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَة مثل صَاعِقَة عَاد وَثَمُود﴾ الصاعقة نَار تنزل من السَّمَاء إِلَى الأَرْض، وَهِي فِي هَذَا الْموضع كل عُقُوبَة مهلكة.
وَقَوله: ﴿إِذْ جَاءَتْهُم الرُّسُل من بَين أَيْديهم﴾ أَي: إِلَى الْآبَاء ﴿وَمن خَلفهم﴾ أَي: الْأَبْنَاء الَّذين كَانُوا خلف الْآبَاء، وَيجوز أَن يرجع قَوْله: ﴿وَمن خَلفهم﴾ إِلَى خلف الرُّسُل الْأَوَّلين.
وَقَوله: ﴿أَلا تعبدوا إِلَّا الله﴾ ظَاهر.
وَقَوله: ﴿قَالُوا لَو شَاءَ رَبنَا لأنزل مَلَائِكَة فَإنَّا بِمَا أرسلتم بِهِ كافرون﴾ أَي: جاحدون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما عَاد فاستكبروا فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَقَالُوا من أَشد منا قُوَّة﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ من قوتهم أَن الرجل مِنْهُم كَانَ يضْرب رجله على الصَّخْرَة الصماء فتغوص فِيهَا رجله إِلَى ركبته، وَمن قوتهم أَنهم سدوا الْفَج الَّذِي كَانَ يخرج مِنْهُ الرّيح بصدورهم، حَتَّى قويت الرّيح وأهلكتهم وَاحِدًا بعد وَاحِد.
وَقَوله: ﴿أَو لم يرَوا أَن الله الَّذِي خلقهمْ هُوَ أَشد مِنْهُم قُوَّة وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يجحدون﴾ أَي: يُنكرُونَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا صَرْصَرًا﴾ قَالَ مُجَاهِد: شَدِيدَة السمُوم.
وَقَالَ قَتَادَة: شَدِيدَة الْبرد من الصر وَهُوَ الْبرد وَيُمكن الْجمع بَين الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قيل: إِنَّهَا كَانَت ريحًا بَارِدَة تحرق كَمَا يحرق السمُوم، وَيُقَال: صَرْصَرًا أَي: ذَات صَيْحَة، وَمِنْه سمي نهر الصرصر، وَهُوَ نهر يَأْخُذ من الْفُرَات.
﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّام نحسات لنذيقهم عَذَاب الخزي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ولعذاب الاخرة أخزى وهم لَا ينْصرُونَ (16) وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى فَأَخَذتهم صَاعِقَة الْعَذَاب الْهون بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) ونجينا الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18) وَيَوْم يحْشر أَعدَاء الله إِلَى النَّار فهم يُوزعُونَ (19) حَتَّى إِذا﴾
وَقَوله: ﴿فِي أَيَّام نحسات﴾ وَقُرِئَ: " نحسات " بجزم الْحَاء أَي: مشئومات، وَكَانَت هَذِه الْأَيَّام مشائيم عَلَيْهِم؛ لأَنهم عذبُوا فِيهَا.
وَقَوله: ﴿لنذيقهم عَذَاب الخزي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: عذَابا يخزيهم وينكل بهم.
وَقَوله: ﴿ولعذاب الْآخِرَة أخزى﴾ أَي: أَشد إخزاء ﴿وهم لَا ينْصرُونَ﴾ أَي: لَا يمْنَعُونَ من عذابنا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم﴾ حكى عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: هديناهم أَي: دللناهم على الْهدى.
وَقَالَ مُجَاهِد: بَينا لَهُم طَرِيق الْهدى.
وَقيل: طَرِيق الْخَيْر وَالشَّر.
وَفِي بعض التفاسير: هديناهم أَي: دعوناهم.
وَقَوله: ﴿فاستحبوا الْعَمى على الْهدى﴾ أَي: آثروا طَرِيق الضلال على طَرِيق الرشد.
وَقَوله: ﴿فَأَخَذتهم صَاعِقَة الْعَذَاب الْهون﴾ فصاعقة الْعَذَاب: نَار نزلت من السَّمَاء إِلَى الأَرْض فتصيب من يسْتَحق الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿الْهون﴾ أَي: ذِي الْهون، والهون والهوان بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ عَذَاب يهينهم ويهلكهم.
وَقَوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ونجينا الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ أَي: يَتَّقُونَ الشّرك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يحْشر أَعدَاء الله إِلَى النَّار فهم يُوزعُونَ﴾ أَي: يحتبس أَوَّلهمْ على آخِرهم.
﴿مَا جاءوها شهد عَلَيْهِم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ (20) وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا قَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء وَهُوَ خَلقكُم أول مرّة وَإِلَيْهِ ترجعون (21) وَمَا كُنْتُم تستترون أَن يشْهد عَلَيْكُم سمعكم وَلَا أبصاركم وَلَا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا مَا جاءوها شهد عَلَيْهِم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن الْجُلُود هَاهُنَا هِيَ الْفروج، وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن الله تَعَالَى يحْشر الْعباد مقدمين بالفدام، فَأول مَا ينْطق من جوارح الْإِنْسَان فَخذه وكفه " وَقيل: إِن قَوْله: ﴿وجلودهم﴾ هِيَ الْجُلُود الْمَعْرُوفَة.
وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف بِرِوَايَة أنس " أَن النَّبِي ضحك مرّة، فَسئلَ: مِم ضحِكت؟ فَقَالَ: عجبت من مجادلة العَبْد ربه يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول: أَي رب، أَلَيْسَ وَعَدتنِي أَن لَا تظلمني؟ فَيَقُول: نعم.
فَيَقُول العَبْد: فَإِنِّي لَا أُجِيز الْيَوْم شَاهدا عَليّ إِلَّا مني، فَحِينَئِذٍ يخْتم الله على فَمه وتنطق جوارحه بِمَا فعله، فَيَقُول العَبْد: بعدا لَكِن وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كنت أُنَاضِل ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لجلودهم لما شهدتم علينا قَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء﴾ أَي: كل شَيْء ينْطق.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ خَلقكُم أول مرّة وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ أَي: تردون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُم تستترون أَن يشْهد عَلَيْكُم سمعكم وَلَا أبصاركم وَلَا جلودكم﴾ فِي الْأَخْبَار الْمَعْرُوفَة عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: كنت مستترا تَحت ستر الْكَعْبَة، فجَاء قرشيان وثقفي، أَو ثقفيان وقرشي، قَلِيل فقه قُلُوبهم، كثير شَحم بطونهم، فَقَالَ بَعضهم لبَعض: أسمع الله مَا نقُول؟ فَقَالَ أحدهم: يسمع إِذا جهرنا، وَلَا يسمع إِذا أخفينا، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُم تستترون﴾ أَي: تستخفون.
وَقَوله: ﴿أَن يشْهد﴾ مَعْنَاهُ: من أَن يشْهد عَلَيْكُم سمعكم وَلَا أبصاركم وَلَا جلودكم.
﴿جلودكم وَلَكِن ظننتم أَن الله لَا يعلم كثيرا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وذلكم ظنكم الَّذِي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) فَإِن يصبروا فَالنَّار مثوى لَهُم وَإِن يستعتبوا فَمَا هم من المعتبين (24) ﴾ وَقَوله: ﴿وَلَكِن ظننتم أَن الله لَا يعلم كثيرا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ هُوَ قَول من قَالَ: إِن الله يسمع إِذا جهرنا، وَلَا يسمع إِذا أخفينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وذلكم ظنكم الَّذِي ظننتم بربكم أرداكم﴾ هُوَ مَا قُلْنَاهُ.
وَقَوله: ﴿أرداكم﴾ أَي: أهلككم.
وَقد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ: " ... أَنا عِنْد ظن عَبدِي، وَأَنا مَعَه حِين يذكرنِي ... ".
وَفِي بعض الْأَحَادِيث: " أَن الله تَعَالَى يَأْمر بِعَبْد من عبيده إِلَى النَّار، فَيَقُول: أَي رب، مَا كَانَ هَذَا ظَنِّي بك.
فَيَقُول: وَمَا كَانَ ظَنك بِي؟ فَيَقُول العَبْد: كَانَ ظَنِّي أَن تغْفر لي وتدخلني الْجنَّة، فَيغْفر الله لَهُ ".
وَفِي بعض التفاسير: أَن العَبْد إِذْ ظن الْخَيْر فعل الْخَيْر، وَإِذا ظن الشَّرّ فعل الشَّرّ.
وَقَوله: ﴿فأصبحتم من الخاسرين﴾ أَي: الهالكين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن يصبروا فَالنَّار مثوى لَهُم﴾ المثوى: الْمنزل.
وَقَوله: ﴿وَإِن يستعتبوا فَمَا هم من المعتبين﴾ الاستعتاب طلب الإعتاب، والإعتاب أَن يعود الْإِنْسَان إِلَى مَا يُحِبهُ بعد أَن فعل مَا يكرههُ.
تَقول الْعَرَب: أستعتب فلَانا فأعتبني، بِمَعْنى مَا قُلْنَا.
وَقَوله: ﴿فماهم من المعتبين﴾ أَي: لَا يرجع بهم إِلَى مَا كَانُوا يحبونَ.
وَقيل: إِن مَا يحبونَ هُوَ أَن يعيدهم إِلَى الدُّنْيَا فيعبدوا الله ويطيعوه.
وَأما قَوْله: ﴿فَإِن يصبروا﴾ مَعْنَاهُ: فَإِن يصبروا أَو لَا يصبروا.
وَمَعْنَاهُ: لَا يَنْفَعهُمْ
﴿وقيضنا لَهُم قرناء فزينوا لَهُم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَحقّ عَلَيْهِم القَوْل فِي أُمَم قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس إِنَّهُم كَانُوا خاسرين (25) وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن وألغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تغلبون (26) فلنذيقن الَّذين كفرُوا عذَابا شَدِيدا﴾ صَبر وَلَا جزع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وقيضنا لَهُم﴾ أَي: صيرنا لَهُم، وَيُقَال: سببنا لَهُم.
وَقَوله: ﴿قرناء﴾ أَي: الشَّيَاطِين.
وَقَوله: ﴿فزينوا لَهُم﴾ أَي: الشَّيَاطِين زَينُوا لَهُم.
﴿مَا بَين أَيْديهم﴾ أَي: زَينُوا لَهُم أَن لَا بعث وَلَا جنَّة وَلَا نَار.
وَقَوله: ﴿وَمَا خَلفهم﴾ أَي: زَينُوا لَهُم لذات الدُّنْيَا، وزينوا لَهُم جمع المَال وإمساكه وَترك إِنْفَاقه فِي سَبِيل الْخَيْر.
وَقَوله: ﴿وَحقّ عَلَيْهِم القَوْل﴾ أَي: وَجب عَلَيْهِم القَوْل ﴿فِي أُمَم﴾ أَي: مَعَ أُمَم.
وَقَوله: ﴿قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس إِنَّهُم كَانُوا خاسرين﴾ أَي: هالكين، فَكل من هلك فقد خسر نَفسه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن والغوا فِيهِ﴾ اللَّغْو كل كَلَام لَا وَجه لَهُ وَلَا معنى تَحْتَهُ.
وَقيل: كل مَالا يعبأ بِهِ فَهُوَ لَغْو.
وَيُقَال: اللَّغْو هَاهُنَا هُوَ الصفير والتصفيق اللَّذَان كَانَ يفعلهما الْمُشْركُونَ عِنْد سَماع الْقُرْآن، وَذَلِكَ المكاء والتصدية.
وَقد ذكرنَا من قبل.
وَقُرِئَ فِي الشاذ: " والغوا فِيهِ " بِضَم الْغَيْن، وَهُوَ فِي معنى الأول.
وَقيل مَعْنَاهُ: استعلوا عِنْد سَماع الْقُرْآن بِاللَّغْوِ، وَهُوَ الضجيج والصياح لكيلا تسمعوا.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تغلبون﴾ أَي: تغلبون مُحَمَّدًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فلنذيقن الَّذين كفرُوا عذَابا شَدِيدا ولنجزينهم أَسْوَأ الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ﴾ أَي: جَزَاء أَعْمَالهم السَّيئَة.
﴿ولنجزينهم أَسْوَأ الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ (27) ذَلِك جَزَاء أَعدَاء الله النَّار لَهُم فِيهَا دَار الْخلد جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يجحدون (28) وَقَالَ الَّذين كفرُوا رَبنَا أرنا اللَّذين أضلانا من الْجِنّ وَالْإِنْس نجعلهما تَحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك جَزَاء أَعدَاء الله النَّار لَهُم فِيهَا دَار الْخلد﴾ أَي: دَار الخلود.
قَوْله تَعَالَى: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يجحدون﴾ أَي: يُنكرُونَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا رَبنَا أرنا اللَّذين أضلانا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: الَّذِي من الْجِنّ هُوَ إِبْلِيس، وَالَّذِي من الْإِنْس قابيل الَّذِي قتل هابيل، وهما أول من سنّ الْمعْصِيَة من الْجِنّ وَالْإِنْس، وَهَذَا هُوَ القَوْل الْمَشْهُور، وَهُوَ محكي عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ ذكره الْأَزْهَرِي بِإِسْنَادِهِ.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن المُرَاد كل دَاع إِلَى الضَّلَالَة من الْجِنّ وَالْإِنْس.
وَفِي بعض الْآثَار: أَنه مَا من أحد من الْجِنّ يعْمل شرا إِلَّا ويلعن إِبْلِيس عِنْد مَوته، وَمَا من أحد من الْإِنْس يعْمل شرا إِلَّا ويلعن ابْن آدم عِنْد مَوته، وَهُوَ قابيل.
وَيُقَال: يلعنهما كل عَامل بِالشَّرِّ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّذَان سنا الشَّرّ والمعاصي.
وَقَوله: ﴿نجعلهما تَحت أقدامنا﴾ أَي: نجعلهما تَحت أقدامنا فِي النَّار، وَهُوَ الدَّرك الْأَسْفَل.
وَقَالُوا ذَلِك حقدا عَلَيْهِم وانتقاما مِنْهُم.
وَقَوله: ﴿ليكونا من الأسفلين﴾ أَي: أَسْفَل منا فِي النَّار وَأَشد منا فِي الْعَذَاب.
وَأما قَوْله: ﴿رَبنَا أرنا﴾ قيل مَعْنَاهُ: أعطنا، وَقيل معنى قَوْله: ﴿أرنا﴾ أَي: دلنا عَلَيْهِمَا، وَهُوَ الأولى.
وَعَن السدى قَالَ: مَا من كَافِر يدْخل النَّار إِلَّا وَهُوَ يلعن إِبْلِيس؛ لِأَنَّهُ أول من سنّ الْكفْر، وَمَا من عَاص يدْخل النَّار إِلَّا ويلعن قابيل؛ لِأَنَّهُ أول من سنّ الْمعْصِيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾ وروى عَن أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: استقاموا أَي لم يشركوا بِاللَّه شَيْئا، وَعَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ: لم يروغوا روغان الثعالب.
وَمن الْمَعْرُوف أَن الاسْتقَامَة [هِيَ] طَاعَة الله، وَأَدَاء فَرَائِضه، وَاتِّبَاع سنة نبيه مُحَمَّد.
﴿الله ثمَّ استقاموا تتنزل عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة أَلا تخافوا وَلَا تحزنوا وَأَبْشِرُوا بِالْجنَّةِ الَّتِي كُنْتُم﴾
روى ثَابت عَن أنس: " أَن النَّبِي قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾ ثمَّ قَالَ: قد قَالَ قوم وَلم يستقيموا عَلَيْهِ، فَمن قَالَ وَمَات عَلَيْهِ فقد استقام ".
وَعَن سُفْيَان بن عبد الله الثَّقَفِيّ انه قَالَ: " قلت يَا رَسُول الله، قل لي فِي الْإِسْلَام قولا أثبت عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: قل رَبِّي الله ثمَّ اسْتَقِم.
فَقلت لَهُ: يَا رَسُول الله، مَا أخوف مَا تخَاف عَليّ؟ قَالَ: هَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه ".
وَمن الْمَعْرُوف أَيْضا أَن النَّبِي قَالَ: " اسْتَقِيمُوا وَلنْ تُحْصُوا، وَلَا يحافظ على الْعَصْر إِلَّا مُؤمن ".
وَقَوله: ﴿تتنزل عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة﴾ أَي: عِنْد الْمَوْت، وَيُقَال: عِنْد الْبَعْث.
فِي التَّفْسِير: أَنه إِذا بعث العَبْد تَلقاهُ الْملكَانِ اللَّذَان كَانَا يحفظانه ويكتبان عَلَيْهِ، ويقولان لَهُ: لَا تخف وَلَا تحزن وأبشر بِالْجنَّةِ الَّتِي كنت توعد، وَلَا يهولك الَّذِي ترَاهُ، فَإِنَّمَا أُرِيد بِهِ غَيْرك.
وَعَن أبي الْعَالِيَة الريَاحي قَالَ: يبشر الْمُؤمن فِي [ثَلَاثَة] مَوَاطِن: عِنْد دُخُول الْقَبْر، وَعند الْبَعْث، وَعند دُخُوله الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿أَلا تخافوا﴾ أَي: لَا تخافوا مَا بَين أَيْدِيكُم.
وَقَوله: ﴿وَلَا تحزنوا﴾ على مَا خَلفْتُمْ من أهل وَولد وضيعة.
وَقَوله: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجنَّةِ الَّتِي كُنْتُم توعدون﴾ أَي: توعدون فِي كتب الله وعَلى أَلْسِنَة رسله.
﴿توعدون (30) نَحن أولياؤكم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ وَلكم فِيهَا مَا تشْتَهي أَنفسكُم وَلكم فِيهَا مَا تدعون نزلا من غَفُور رَحِيم وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا
قَوْله: ﴿نَحن أولياؤكم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ وَمعنى الْولَايَة: هُوَ الْحِفْظ والنصرة والمعونة.
وَقَوله: ﴿فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: عِنْد الْمَوْت.
﴿وَفِي الْآخِرَة﴾ أَي: بعد الْبَعْث.
وَقَوله: ﴿وَلكم فِيهَا مَا تشْتَهي أَنفسكُم﴾ أَي: تلذه أَنفسكُم.
وَيُقَال: مَا يخْطر على قُلُوبكُمْ.
وَقَوله: ﴿وَلكم فِيهَا مَا تدعون﴾ أَي: تتمنون، تَقول الْعَرَب: ادْع على مَا شِئْت أى: تمن على مَا شِئْت.
وَيُقَال (وَلكم فِيهَا مَا تدعون) أى مَا ادعيت أَنه لَك فَهُوَ لَك.
وَقَوله: ﴿نزلا من غَفُور رَحِيم﴾ أَي: عَطاء من غَفُور رَحِيم.
وَمِنْه نزل الضَّيْف.
أَي: عطاؤه.
وَيُقَال: منا.
﴿من غَفُور رَحِيم﴾ والغفور السَّاتِر، والرحيم العطوف.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: من دَعَا إِلَى الله هُوَ الرَّسُول.
وَحكى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: " دَعَا إِلَى الله " عَام فِي كل من يَدْعُو إِلَى الله.
وَعَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: الْآيَة فِي المؤذنين.
وَحكى هَذَا القَوْل عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَقد ضعف بَعضهم هَذَا القَوْل؛ لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة، وَالْأَذَان كَانَ بعد الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة.
وَقَوله: ﴿وَعمل صَالحا﴾ أَي: عمل بَينه وَبَين ربه.
وَيُقَال: عمل صَالحا بأَدَاء الْفَرَائِض، وَقيل: عمل صَالحا بإخلاص الدعْوَة وَالْعَمَل.
وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسلمين (33) وَلَا تستوي الْحَسَنَة وَلَا السَّيئَة ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن فَإِذا الَّذِي بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة كَأَنَّهُ ولي حميم (34))
وَقَوله: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسلمين﴾ أَي: أقرّ بِالْإِسْلَامِ وَثَبت عَلَيْهِ.
وَيُقَال: من المستسلمين لحكم الله.
وَمن الْمَعْرُوف عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن المُرَاد من قَوْله: ﴿وَعمل صَالحا﴾ هُوَ رَكْعَتَانِ بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة.
وَهَذَا على القَوْل الَّذِي قُلْنَا: إِنَّه ورد فِي المؤذنين.