البقرة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
( ﴿111) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر والحافظون لحدود الله وَبشر الْمُؤمنِينَ (112) مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين وَلَو كانون أولي قربى من بعد مَا﴾ النَّبِي قَالَ: " سياحة أمتِي: الْجِهَاد ".
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن السائحين: هم طلبة الْعلم، رُوِيَ عَن بعض التَّابِعين.
وَقَوله ﴿الراكعون الساجدون﴾ يَعْنِي: الْمُصَلِّين.
وَقَوله: ﴿الآمرون بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي: الآمرون بِالْإِيمَان ﴿والناهون عَن الْمُنكر﴾ يَعْنِي: عَن الشّرك.
وَقَوله: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ مَعْنَاهُ: القائمون بأوامر الله ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين وَلَو كَانُوا أولي قربى من بعد مَا تبين لَهُم أَنهم أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ اخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة على ثَلَاثَة أَقْوَال:
الأول: مَا رَوَاهُ سعيد بن الْمسيب، عَن أَبِيه: " أَن أَبَا طَالب لما حَضرته الْوَفَاة دخل عَلَيْهِ النَّبِي وَعِنْده أَبُو جهل وَعبد الله بن أبي أُميَّة، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: أَي عَم ﴿قل: لَا إِلَه إِلَّا الله، كلمة أُحَاج لَك بهَا عِنْد الله.
فَقَالَ لَهُ أَبُو جهل وَعبد الله بن [أبي] أُميَّة: أترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب؟﴾ فَمَا زَالا يكلمانه حَتَّى كَانَ آخر كلمة قَالَهَا: على مِلَّة عبد الْمطلب، فَقَالَ النَّبِي: لأَسْتَغْفِرَن لَك مَا لم أَنه عَنهُ؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي ... .﴾ إِلَى آخر الْآيَة ".
وَالثَّانِي: روى مَسْرُوق، عَن عبد الله بن مَسْعُود: " أَن النَّبِي خرج إِلَى الْمَقَابِر فاتبعناه، فَأتى قبرا وَقعد عِنْده، وناجاه طَويلا، ثمَّ بَكَى وبكينا لبكائه، فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُول الله من صَاحب هَذَا الْقَبْر؟ فَقَالَ: هَذِه أُمِّي آمِنَة بنت وهب، اسْتَأْذَنت رَبِّي
﴿تبين لَهُم أَنهم أَصْحَاب الْجَحِيم (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه﴾ فِي زيارتها فَأذن لي، ثمَّ استأذنته فِي أَن أسْتَغْفر لَهَا فَلم يَأْذَن لي، قَالَ: فأخذني عَلَيْهَا الشَّفَقَة مَا يَأْخُذ الْوَلَد للوالدة فَبَكَيْت، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي﴾ إِلَى آخر الْآيَة ". وَالْقَوْل الثَّالِث: رُوِيَ عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ -: " أَنه سمع رجلا يسْتَغْفر لِأَبَوَيْهِ وهما مُشْرِكَانِ، فَقَالَ لَهُ عَليّ: أَتَسْتَغْفِرُ للْمُشْرِكين؟ فَقَالَ ذَلِك الرجل: قد اسْتغْفر إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرك، فَأتى النَّبِي وَأخْبرهُ بذلك، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه﴾ وَفِي هَذِه الْآيَة قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَن إِبْرَاهِيم - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ لِأَبِيهِ: لأَسْتَغْفِرَن لَك، قَالَ هَذَا رَجَاء أَن يَنْقُلهُ الله تَعَالَى من الْكفْر إِلَى الْإِسْلَام ببركة دُعَائِهِ واستغفاره.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن أَبَا إِبْرَاهِيم وعد إِبْرَاهِيم وَقَالَ: لأسلمن، فَاسْتَغْفر لي، فَاسْتَغْفر لَهُ إِبْرَاهِيم لهَذَا الْمَعْنى.
﴿فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله﴾ بِمَوْتِهِ على الْكفْر ﴿تَبرأ مِنْهُ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يجوز أَن يسْتَغْفر إِبْرَاهِيم للمشرك؟
﴿فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم (114) ﴾
الْجَواب عَنهُ: قَالَ بعض أهل الْمعَانِي: يحْتَمل أَن أَبَا إِبْرَاهِيم كَانَ أظهر الْإِسْلَام وَهُوَ يبطن الْكفْر، فَاسْتَغْفر لَهُ إِبْرَاهِيم لإظهاره الْإِسْلَام ﴿فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله﴾ مصر على الْكفْر فِي الْبَاطِن ﴿تَبرأ مِنْهُ﴾ هَكَذَا قَالَه بعض أهل الْمعَانِي.
وَالَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة الْمُفَسّرين مَا بَينا من قبل.
وَقد قَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ: " إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه " وَهَذَا صَرِيح فِي أَن الْوَعْد كَانَ من إِبْرَاهِيم، وَالدَّلِيل على أَن إِبْرَاهِيم اسْتغْفر لَهُ وَهُوَ مُشْرك: أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي سُورَة الممتحنة: ﴿قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه.
.﴾ إِلَى أَن قَالَ: ﴿إِلَّا قَول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَن لَك﴾ فقد صرح أَن إِبْرَاهِيم لَيْسَ بقدوة فِي هَذَا الاسْتِغْفَار؛ وَإِنَّمَا اسْتغْفر لَهُ وَهُوَ مُشْرك لمَكَان الْوَعْد؛ رَجَاء أَن يسلم.
وَقَوله: ﴿إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم﴾ اخْتلفُوا فِي " الأواه " على أقاويل.
رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود.
وَعبد الله بن عَبَّاس: أَن الأواه: هُوَ الدُّعَاء.
وَعَن ابْن مَسْعُود فِي رِوَايَة أُخْرَى: أَنه الرَّحِيم، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى: أَنه الْمُؤمن التواب، وَعَن مُجَاهِد أَنه الْفَقِيه، وَعَن كَعْب الْأَحْبَار: أَنه الَّذِي يتأوه من الذُّنُوب، فَيَقُول: أوه أوه.
وروى أَبُو ذَر " أَن رجلا كَانَ يطوف وَيَقُول: أوه أوه، فَقلت للنَّبِي: إِن هَذَا الرجل ليؤذينا، فَقَالَ: لَا تقل هَذَا؛ فَإِنَّهُ أَواه ". قَالَ الشَّاعِر:
(إِذا مَا قُمْت أرحلها بلَيْل ... تأوه آهة الرجل الحزين)
وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ الأواه: المسبح.
وَقيل: إِنَّه الْموقف.
وَقيل: إِنَّه الموقن.
وَأما الْحَلِيم: فَهُوَ: الصفوح عَن الذُّنُوب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم﴾ مَعْنَاهُ: مَا كَانَ الله ليحكم بالضلالة بترك الْأَوَامِر ﴿حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ فَيتْركُوا.