- مسألةٌ: (وَيَجْمَعُ) استحبابًا من يُبَاح له الجَمْع (فِيهَا) أي: عرفةَ (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ تَقْدِيمًا) إجماعًا في الجملة؛ لفعل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 448
-
فرعٌ: (وَسُنَّ وُقُوفُه) أي: الحاجُّ بعرفةَ (رَاكِبًا)؛ لفعله صلى الله عليه وسلم حيث وقف على راحلته كما يأتي، (بِخَلَافِ سَائِرِ المَنَاسِكِ) فيفعلها غير راكبٍ، (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ)؛ لحديث جابرٍ رضي الله عنهما، وفيه: «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ» [مسلم: 1218].
-
فرعٌ: (وَلَا يُشْرَعُ صُعُودُهُ) أي: جبل الرحَّمة، بالإجماع.
-
مسألةٌ: (وَيَرْفَعُ) واقفٌ بعرفةَ (يَدَيْهِ) ندبًا، (وَيُكْثِرُ) الحاجُّ (الدُّعَاءَ) في عرفةَ، (وَمِمَّا وَرَدَ): ما في حديث عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما مرفوعًا: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، وفي لفظٍ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [أحمد: 6961، والترمذي: 3585]، ويكثر الاستغفار والتَّضرُّع والخشوع، وإظهار الضَّعف والافتقار.
الجزء: 1 - الصفحة: 449
- مسألةٌ: (وَ) بداية (وَقْتِ الوُقُوفِ) بعرفةَ: (مِنْ فَجْرِ) يوم (عَرَفَةَ)؛ لحديث عروةَ بن مضرَّسٍ، وفيه: «وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ»، فقوله: «نَهَارًا» يشمل ما قبل الزَّوال وما بعده.
وحُكِيَ روايةً، واختارها شيخ الإسلام وفاقًا: أنَّ وقت الوقوف يبدأ من الزَّوال يوم عرفةَ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يدخل عرفةَ إلَّا بعد الزَّوال، فكان فعلُه بيانًا لأوَّل الوقت.
ونهاية الوقوف بعرفةَ: يمتدُّ (إِلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) اتِّفاقًا؛ لحديث عروةَ بن مضرِّسٍ السَّابق.
-
مسألةٌ: (ثُمَّ يَدْفَعُ) الحاجُّ مع الإمام أونائبه (بَعْدَ الغُرُوبِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ)؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ القُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ».
-
فرعٌ: يجب أن يجمع في وقوفه بعرفةَ بين اللَّيل والنَّهار لمن وقف بها نهارًا، فليس للحاجِّ أن يدفع منها قبل غروب الشَّمس؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 1 - الصفحة: 450
لم يرخِّص للضَّعفة أن ينفروا قبل غروب الشَّمس، ولو كان مستحبًّا لرخَّص لهم فيه.
-
فرعٌ: لا يخلو الحاجُّ الواقف بعرفةَ من ثلاثة أحوالٍ: 1 - أن يقف بها نهارًا ثمَّ يدفع منها بعد غروب الشَّمس: فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه أتى بالواجب.
2 - أن يقف بها نهارًا ثمَّ يدفع منها قبل غروب الشَّمس: فلا يخلو من حالين: أ) أن يعود إلى عرفةَ ويستمرَّ للغروب، أو يعود إليها قبل الفجر: فلا دمَ عليه؛ لأنَّه أتى بالواجب؛ وهو الجمع في الوقوف باللَّيل والنَّهار.
ب) أن لا يعود إلى عرفةَ: فيجب عليه دمٌ؛ لأنَّه ترك الواجب.
3 - أن يقف بها ليلًا فقط: فيجزئه الوقوف اتِّفاقًا، ولا دمَ عليه؛ لحديث عروةَ بن مضرِّسٍ رضي الله عنهم، فلم يأمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فيه بالدَّم. -
فرعٌ: يُسَنُّ كون دفعه من عرفةَ (بِسَكِينَةٍ)؛ للحديث السَّابق.
-
مسألةٌ: (وَيَجْمَعُ فِيهَا) أي: في مزدلفةَ (بَيْنَ العِشَاءَيْنِ) أي: المغرب والعشاء (تَأْخِيرًا) إن وصلها وقت العشاء، فإن وصلها وقت المغرب فيجمع ولا يؤخِّرها؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «حَتَّى أَتَى المزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا».
الجزء: 1 - الصفحة: 451
-
مسألةٌ: (وَيَبِيتُ بِهَا) أي: في مزدلفةَ وجوبًا؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ»، وقال في حديث جابرٍ الآخر: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ولحديث عروةَ بن مضرِّسٍ، وفيه: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ».
-
فرعٌ: يبيت الحاجُّ في مزدلفةَ إلى الفجر، فإن دفع قبل ذلك فلا يخلو من أربعة أحوالٍ: 1 - أن يدفع منها بعد نصف اللَّيل: فيجوز ولا شيءَ عليه، سواءً كان معذورًا أو غير معذورٍ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «بَعَثَنِي رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ» [البخاري: 1677، ومسلم: 1293]. واختار ابن القيِّم: يجوز للضَّعفة الدَّفع بعد غيبوبة القمر، وأمَّا القادر فلا يجوز له الدَّفع إلَّا بعد طلوع الشَّمس؛ لما ورد عن أسماءَ رضي الله عنها: أنَّها نزلت ليلة جمعٍ عند المزدلفة، فقامت تصلِّي، فصلَّت ساعةً، ثمَّ قالت: «يَا بُنَيَّ؛ هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ »، قلت: لا، فصلَّت ساعةً، ثمَّ قالت: «يَا بُنَيَّ؛ هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ »، قلت: نعم، قالت: «فَارْتَحِلُوا»، فارتحلنا ومضينا، حتَّى رمت الجمرة، ثمَّ رجعت فصلَّت الصَّبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه؛ ما أرانا إلَّا قد غَلَّسْنا، قالت: «يَا بُنَيَّ؛ إِنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِلظُّعُنِ» [البخاري: 1679، ومسلم: 1291].
الجزء: 1 - الصفحة: 452
2 - أن يدفع قبل نصف اللَّيل: فلا يخلو من حالتين:
أ) ألَّا يرجعَ إليها: فعليه دمٌ؛ لأنَّه ترك نسكًا واجبًا.
ب) أن يرجع إليها فيدفع بعد نصف اللَّيل: فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه أتى بالواجب.
3 - أن يأتي مزدلفةَ بعد نصف اللَّيل: فله الدَّفع مباشرةً؛ لأنَّ وقت جواز الدَّفع من بعد نصف اللَّيل، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه أتى بالواجب وهو الوقوف بمزدلفةَ.
4 - أن يأتيَ مزدلفةَ بعد طلوع الفجر: فعليه دمٌ؛ لأنَّه ترك الواجب.
- مسألةٌ: (فَإِذَا صَلَّى) الحاجُّ (الصُّبْحَ) بغَلَسٍ (أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ)، وهو جبلٌ صغيرٌ بالمزدلفة سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه من علامات الحجِّ، (فَرَقِيَهُ) إن أمكنه، (وَ) إلَّا (وَقَفَ عِنْدَهُ، وَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَهَلَّلَ وَكَبَّرَ)، (وَدَعَا بِمَا وَرَدَ)، ولم نقف على ذكرٍ مخصوصٍ في هذا الموطن عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، وعبارة الأصحاب: فيقول: (اللَّهُمَّ كما وقَّفتنا فيه، وأريتنا إيَّاه، فوفِّقْنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا، وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله، ولذلك قال: (وَقَرَأَ) قوله تعالى: ("فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ" الآيَتَيْنِ [البَقَرَة: 198 - 199]) وتمامهما: (فَاذْكُرُوا الله عِنْدَ
الجزء: 1 - الصفحة: 453
الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ.
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ).
قال ابن عثيمينَ: (وقراءة هاتين الآيتين لا أعلم فيها سنَّةً، لكنَّها مناسبةٌ؛ لأنَّ الإنسان يُذَكِّرُ نفسه بما أمر الله به في كتابه).