- مسألةٌ: في صفة غسل الميت، قال رحمه لله: (وَإِذَا أَخَذَ) أي: شرع الغاسل (فِي غَسْلِهِ) فعل أمورًا:
1 - (سَتَرَ عَوْرَتَهُ وُجُوبًا)؛ قال ابن قدامةَ: (بغير خلافٍ)، إلَّا من دون سبعٍ، فلا بأسَ بغسله مجردًا؛ لأنَّه ليس لعورته حكمٌ.
2 - (وَسُنَّ تَجْرِيدُهُ) أي: الميت للغسل؛ لحديث عائشةَ رضي الله عنها في تغسيل
الجزء: 1 - الصفحة: 262
الصَّحابة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفيه أنَّهم قالوا: «أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا» [أحمد: 26306، وأبو داود: 3141، وابن ماجهْ: 1464]. 3 - (وَ) سُنَّ (سَتْرُهُ) أي: الميت (عَنِ العُيُونِ تَحْتَ سِتْرٍ)؛ لأنَّه ربَّما كان به عيبٌ يستره في حياته، أو تظهر عورته.
- فرعٌ: (وَكُرِهَ حُضُورُ غَيْرِ مُعِينٍ فِي غَسْلِهِ)، وهو من يحتاج إليه لصبِّ الماء ونحوه؛ لأنَّه ربَّما ظهر منه شيءٌ هو في الظَّاهر منكرٌ، فيتحدَّث به فيكون فضيحةً، والحاجة غير داعيةٍ إلى حضوره، إلَّا وليَّه فله الدُّخول كيف شاء، قاله القاضي وابن عقيلٍ.
4 - (ثُمَّ نَوَى) الغاسل تغسيل الميت؛ لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاريُّ: 1، ومسلمٌ: 1907]، (وَسَمَّى وُجُوبًا) في غسله عن الميت؛ لتعذُّر النِّيَّة والتَّسمية منه، وحكم النِّيَّة والتَّسمية (كَـ) حكمهما في (غَسْلِ الحَيِّ)، فالنِّيَّة شرطٌ لا يصحُّ الغسل إلَّا بها، والتَّسمية واجبةٌ مع الذُّكر، وتسقط سهوًا، على ما تقدَّم في الغسل؛ لأنَّ غسل الميت طهارةٌ تعبديَّةٌ، فاشْتُرِطَ له النِّيَّة والتَّسمية؛ كغسل الجنابة.
5 - (وَسُنَّ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَ) ميتٍ (غَيْرِ) أنثى (حَامِلٍ)؛ لأنَّه يؤذي الحمل، (إِلَى قُرْبِ جُلُوسِهِ)، بحيث يكون كالمحتَضَن في صدر غيره،
الجزء: 1 - الصفحة: 263
(وَيَعْصِرَ بَطْنَهُ)؛ ليخرج ما في بطنه من نجاسةٍ، ويكون ذلك (بِرِفْقٍ)؛ لأنَّ الميت في محلِّ الشَّفقة والرحمة، (وَيَكُونَ ثَمَّ) أي: هناك (بَخُورٌ)؛ دفعًا للتَّأذي برائحة الخارج، (وَيُكْثِرُ صَبَّ المَاءِ حِينِئَذٍ)؛ ليذهب ما خرج بالعصر، ولا تظهر رائحته.
6 - (ثُمَّ يَلُفُّ) الغاسل (عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً مَبْلُولَةً) أو نحوها من قفَّازٍ، أو كيسٍ، (فَيُنْجِيهِ) أي: الميت (بِهَا)، اتِّفاقًا؛ لإزالة النَّجاسة، وتطهير الميت من غير تعدِّي النَّجاسة إلى الغاسل.
7 - (وَحَرُمَ مَسُّ عَوْرَةِ مَنْ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ) فأكثرَ بغير حائلٍ؛ لأنَّ التَّطهير يمكن بدون ذلك، وحرمته ميتًا كحرمته حيًّا.
8 - (ثُمَّ يُدْخِلُ إِبْهَامَهُ وَسَبَّابَتَهُ -وَعَلَيْهِمَا خِرْقَةٌ مَبْلُولَةٌ بِمَاءٍ-)؛ صيانةً لليد وإكرامًا للميت، (بَيْنَ شَفَتَيْهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ، وَ) يدخلهما (فِي مَنْخِرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا) بها؛ لإزالة ما على تلك الأعضاء من الأذى.
9 - (ثُمَّ يُوَضِّئُهُ اسْتِحْبَابًا)؛ لحديث أمِّ عطيَّةَ رضي الله عنها: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لهنَّ في غسل ابنته: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا» [البخاري 167، ومسلم
الجزء: 1 - الصفحة: 264
939]، (وَلَا يُدْخِلُ مَاءً فِي فَمِهِ وَأَنْفِهِ)؛ فيقوم المسح فيهما مقام المضمضة والاستنشاق؛ خشية تحريك النَّجاسة بدخول الماء إلى جوفه.
10 - (وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ) أي: رأس الميت ولحيته؛ لأنَّ الرَّأس أشرف الأعضاء، (بِرَغْوَةِ السِّدْرِ) المضروب؛ لأنَّ الرَّغوة لا تَعْلق بالشَّعر فناسب أن يغسل بها الرَّأس واللِّحية، (وَ) يغسل (بَدَنَهُ بِثُفْلِهِ) أي: بثُفل السِّدر، ويكون السِّدر في كلِّ غسلةٍ؛ لحديث أمِّ عطيَّةَ رضي الله عنها: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [البخاري 1254، ومسلم 939].
واختار ابن قدامةَ: أنَّ رغوة السِّدر يُغْسَل بها الرَّأس واللِّحية وسائر البدن.
11 - (وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ، ثُمَّ) شقَّه (الأَيْسَرَ)؛ لحديث أمِّ عطيَّةَ السَّابق، وفيه: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا».
12 - (ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ)؛ ليعمَّه بالغسل.
- مسألةٌ: (وَكُرِهَ اقْتِصَارٌ عَلَى غَسْلِهِ) أي: الميت (مَرَّةً)؛ لحديث أمِّ عطيَّةَ رضي الله عنها: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، ويجزئ مرَّةً؛ لحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في الَّذي وقَصته
الجزء: 1 - الصفحة: 265
راحلته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [البخاري 1265، ومسلم 1206]، وهذا يصدق بمرَّةٍ واحدةٍ، (إِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ) من الميت بعد المرَّة.
(فَإِنْ خَرَجَ) شيءٌ (وَجَبَ إِعَادَتُهُ) أي: الغسل (إِلَى سَبْعِ) غسلاتٍ؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّ الشَّارع إنَّما كرَّر الأمر بغسلها من أجل توقُّع النَّجاسة، (فَإِنْ خَرَجَ) من الميت (بَعْدَهَا) أي: الغسلة السَّابعة، فلا يُعَاد غسله؛ لأنَّه عليه السَّلام لم يَزِدْ عليها، كما في حديث أمِّ عطيَّةَ في روايةٍ: «ثَلاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا»، ولم يَزِدْ على السَّبع [البخاري 1254، ومسلم 939].
وقال جماعةٌ: إنَّه يُعَاد غسله؛ لأنَّ الزِّيادة على الثَّلاث لأجل الإنقاء، فكذا ما بعد السَّبع؛ ولحديث أمِّ عطيَّةَ السَّابق: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ».
فإذا خرج منه شيءٌ بعد السَّابعة (حُشِيَ) المخرَج (بِقُطْنٍ)؛ كما تفعل المستحاضة؛ لأنَّه في معناه، (فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ) ذلك الحشو (فَـ) ـيُحْشَى (بِطِينٍ حُرٍّ) أي: خالصٍ، الَّذي له قوَّةٌ تمسك المحلَّ؛ ليمنع الخارج، (ثُمَّ يَغْسِلُ المَحَلَّ) المتنجِّس بالخارج وجوبًا، (وَيُوَضَّأُ) ميتٌ (وُجُوبًا)؛ كجنبٍ أحدث بعد غسله، لتكون طهارته كاملةً.
الجزء: 1 - الصفحة: 266