- مسألةٌ: (وَسُنَّ) عند دفن الميت أمورٌ، منها:
1 - (أَنْ يُدْخَلَهُ) أي: القبر (مَيْتٌ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ) أي: القبر، بأن يُوضَع النَّعش آخر القبر، فيكون رأس الميت في الموضع الَّذي تكون فيه رجلاه إذا دُفِنَ، ثمَّ يُسَلُّ الميت في القبر سلًّا رفيقًا؛ لما ورد عن أبي إسحاقَ، قال: أوصى الحارث الأعور أن يصلِّيَ عليه عبد الله بن يزيدَ، فصلَّى عليه، ثمَّ أدخله القبر من قِبل رِجْلي القبر، وقال: «هَذَا مِن السُّنَّةِ» [أبو داود: 3211، وصححه الحافظ]، (إِنْ كَانَ) ذلك (أَسْهَلَ) بالميت، (وَإِلَّا) يكن إدخاله من
الجزء: 1 - الصفحة: 282
عند رجليه أسهل (فَـ) يدخله (مِنْ حَيْثُ سَهُلَ) إدخاله منه، إذ المقصود الرِّفق بالميت.
2 - (وَ) يُسَنُّ (قَوْلُ مُدْخِلِهِ) أي: مُدْخِل الميتِ القبرَ: (بِاسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ لحديث ابن عمرَ رضي الله عنهما: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا أدخل الميت القبر، قال: «بِاسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله» [أبو داود: 3213، والترمذي: 1046، وابن ماجهْ: 1550]، ولفظ التِّرمذيِّ: «بِاسْمِ الله وَبِالله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله».
3 - (وَحَثْوُ التُّرَابِ عَلَيْهِ) أي: الميت (ثَلَاثًا) باليد (ثُمَّ يُهَالُ) عليه التُّراب؛ لحديث أبي هريرةَ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ، فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا» [ابن ماجهْ: 1565، وصححه الألباني].
4 - (وَتَلْقِينُهُ) أي: الميت بعد الدَّفن عند القبر؛ لحديث أبي أمامةَ الباهليِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، فَسَوَّيْتُمِ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ؛ فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ اللهُ، وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ.
فَلْيَقُلْ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا،
الجزء: 1 - الصفحة: 283
وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمْا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: انْطَلِقْ بِنَا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ قَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكُونُ اللهُ حَجِيجَهُ دُونَهُمَا» [الطبراني: 7979، وضعفه ابن القيِّم].
وقال ابن قدامةَ: (وقال المصنِّف: لم نسمع في التَّلقين شيئًا عن أحمدَ، ولا أعلم فيه للأئمَّة قولًا سوى ما رواه الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله: فهذا الَّذي يصنعون إذا دفنوا الميت، يقف الرَّجُل فيقول (يا فلان بن فلانة؛ إلى آخره) فقال: ما رأيت أحدًا فعل هذا إلَّا أهل الشَّام، حين مات أبو المغيرة).
وقال شيخ الإسلام: (هذا التَّلقين المذكور قد نُقِلَ عن طائفةٍ من الصَّحابة: أنَّهم أمروا به، كأبي أمامةَ الباهليِّ، وغيره، ورُوِيَ فيه حديثٌ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لكنَّه ممَّا لا يُحْكَمُ بصحَّتِهِ؛ ولم يكن كثيرٌ من الصَّحابة يفعل ذلك، فمن الأئمَّة من رَخَّصَ فيه كالإمام أحمدَ، وقد استحبَّه طائفةٌ من أصحابه وأصحاب الشَّافعي، ومن العلماء من يكرهه لاعتقاده أنَّه بدعةٌ، فالأقوال فيه ثلاثةٌ: الاستحباب، والكراهة، والإباحة، وهذا أعدل الأقوال).
5 - (وَالدُّعَاءُ لَهُ) أي: الميت (بَعْدَ الدَّفْنِ) عند القبر؛ لحديث عثمانَ رضي الله عنه، قال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» [أبو داود: 3221].
الجزء: 1 - الصفحة: 284
6 - (وَرَشُّ القَبْرِ بِمَاءٍ)؛ لما روى جعفر بن محمَّدٍ، عن أبيه: «أنَّ الرَّشَّ على القبر كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» [البيهقي: 6739، وهو مرسلٌ صحيحُ الإسناد]، ولئلَّا يذهب ترابه بسبب ريحٍ ونحوها.
7 - (وَرَفْعُهُ) أي: القبر عن الأرض (قَدْرَ شِبْرٍ)؛ لحديث جابرٍ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُلحِدَ وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصَبًا، وَرُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الْأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ» [ابن حبَّان: 6635، وفيه ضعفٌ]، وَلِيُعْرَفَ أنَّه قبرٌ، فَيُتَوَقَّى، وَيُتَرَحَّمُ على صاحبه.
- مسألةٌ: (وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ) بمن يُرْجَى حياتُه، بأن كان يتحرَّك حركةً قويَّةً، وانفتحت المخارج، وله ستَّة أشهرٍ فأكثرَ، (حَرُمَ شَقُّ بَطْنِهَا) للحمل؛ لأنَّه هتك حرمةٍ متيقَّنةٍ لإبقاء حياةٍ متوهَّمةٍ، إذ الغالب أنَّ الولد لا يعيش.
وفي وجهٍ: يُشَقُّ بطنُها إذا غلب على الظَّنِّ أنَّه يحيى؛ لأنَّه تعارض حقَّاهما، فَقُدِّمَ حقُّ الحيِّ لكون حرمته أَوْلى.
- فرعٌ: (وَأَخْرَجَ النِّسَاءُ) من بطن الحامل إذا ماتت (مَنْ تُرْجَى حَيَاتُهُ؛ فَإِنْ تَعَذَّرَ) عليهنَّ إخراجُه (لَمْ تُدْفَنْ حَتَّى يَمُوتَ) الحمل؛ لحرمته، ولا يُشَقُّ بطنُها، ولا يُوضَع عليه ما يُمَوِّتُهُ؛ لعموم النَّهيِّ عن قتل النَّفس المحرَّمة، ولا يخرجه الرِّجال؛ لما فيه من هتك حرمتها.
الجزء: 1 - الصفحة: 285
وعنه، واختاره المجد: يخرجه الرِّجال إن عجزْنَ النِّساء؛ كمداواة الحيِّ.
واختار ابن عثيمينَ: يُشَقُّ بطنُها إذا رُجِيَ بقاؤه؛ لما في ذلك من إنقاذ حياة الجنين.
- فرعٌ: (وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) أي: الحمل (حَيًّا شُقَّ) بطنُها (لِلْبَاقِي) أي: لخروج باقي الحمل؛ لتيقُّن حياته بعد أن كانت موهومةً.
(فَلَوْ مَاتَ) الحمل (قَبْلَ الشَّقِّ) أي: شقِّ البطن، لم يَخْلُ من حالين: الأُولى: أن يتمَّ له أربعةُ أشهرٍ: 1 - فإن أمكن إخراجه (أُخْرِجَ حَتَّى يُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ بِلَا شَقٍّ).
2 - (فَإِنْ تَعَذَّرَ إِخْرَاجُهُ غُسِلَ مَا خَرَجَ مِنْهُ)؛ لأنَّه في حكم السِّقط، (وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) أي: الحمل، سواءً خرج بعضُه أو لا (مَعَهَا) أي: مع أمِّه المسلمة بأن ينوي الصَّلاة عليهما حيث تمَّ له أربعةُ أشهرٍ.
(وَ) الثَّانية: (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهَرٍ فَأَكْثَرُ صُلِّيَ عَلَيْهَا) أي: الأمِّ (دُونَهُ) أي: الحمل؛ لأنَّ السِّقط إذا كان دون أربعة أشهرٍ لم يُغَسَّل، ولم يُصَلَّ عليه اتِّفاقًا؛ لأنَّه ليس بآدميٍّ، لعدم نفخ الرُّوح فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 286