- مسألةٌ: (وَسُنَّ لِمُرِيدِ الإِحْرَامِ وَهُوَ) في اللُّغة: نيَّة الدُّخول في التَّحريم، وفي الشَّرع: (نِيَّةُ) الدُّخول في (النُّسُكِ)، لا نيَّة أن يحجَّ أو يعتمر، فَيُسَنُّ لمريده:
الجزء: 1 - الصفحة: 406
أوَّلًا: (غُسْلٌ)، ذكرًا كان أو أنثى؛ لحديث زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجَرَّدَ لِإِهْلالِهِ وَاغْتَسَلَ» [الترمذيُّ 830]، ولو حائضًا ونفساءَ؛ لحديث جابرٍ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأسماءَ بنت عميسٍ رضي الله عنها وهي نفساءُ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» [مسلم 1218].
- فرعٌ: (أَوْ) أي: وسُنَّ (تَيَمُّمٌ) لمن عدم الماء أو عجز عن استعماله؛ لأنَّه غسلٌ مشروعٌ فناب التَّيمُّم عنه؛ كالواجب.
وعنه، واختاره ابن قدامةَ: لا يتيمَّم؛ لأنَّ الغسل يراد للنَّظافة الحسِّيَّة، والتَّيمُّم نظافته معنويَّةٌ.
ثانيًا: (وَ) سُنَّ لمريد الإحرام (تَنَظُّفٌ)، بأخذ شَعَرٍ؛ من حلق عانةٍ، وقصِّ شاربٍ، ونتف إبْطٍ، وتقليم أظفارٍ، وقطع رائحةٍ كريهةٍ؛ لقول إبراهيمَ: (كانوا يستحبُّون إذا أرادوا أن يحرموا أن يأخذوا من أظفارهم وشواربهم، وأن يستحِدُّوا، ثمَّ يلبسوا أحسن ثيابهم) [سعيد بن منصورٍ، ذكره شيخ الإسلام في شرح العمدة 4/ 163 ولم نقف عليه]، ولئلَّا يحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكَّن منه.
واختار شيخ الإسلام: أنَّ ذلك ليس من خصائص الإحرام؛ لأنَّه لم يُنْقَل عن أحدٍ من الصَّحابة، لكن يُشْرَعُ إن احتاج إليه.
ثالثًا: (وَ) سُنَّ لمريد الإحرام (تَطَيُّبٌ)، وهو على ثلاثة أقسامٍ:
الجزء: 1 - الصفحة: 407
1 - التَّطيُّب في الرَّأس: مستحبٌّ؛ لقول عائشةَ رضي الله عنها: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ المِسْكِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» [البخاري 271، ومسلم 1190].
2 - التَّطيُّب (فِي بَدَنٍ): مستحبٌّ؛ لقول عائشةَ رضي الله عنها: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» [البخاري 1539، ومسلم 1189].
3 - التَّطيُّب في ثوبٍ: وأشار إليه بقوله: (وَكُرِهَ فِي ثَوْبٍ)، ولا يحرم؛ لأنَّ المنع إنَّما ورد في ابتداء التَّطيُّب وابتداء لبس المطيَّب، لا استدامته، ويُكْرَهُ خروجًا من الخلاف.
واختار ابن بازٍ وابن عثيمينَ: يحرم تطييب الثِّياب؛ لحديث ابن عمرَ رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم: «وَلا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ» [البخاري 366، ومسلم 1177].
رابعًا: (وَ) سُنَّ لمريد الإحرام (لُبْسُ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ)؛ لحديث ابن عمرَ رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَليُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَنَعْلَيْنِ» [أحمد 4899].
وسُنَّ كونهما (أَبْيَضَيْنِ، نَظِيفَيْنِ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ» [أحمد 2219، وأبو داود 3878، والترمذي 994، وابن ماجهْ 1472].
الجزء: 1 - الصفحة: 408
خامسًا: يُسَنُّ أن يفعل ذلك (بَعْدَ تَجَرُّدِ ذَكَرٍ عَنْ مَخِيطٍ)؛ كقميصٍ، وسراويلَ، وخفٍّ؛ لحديث زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» [الترمذي: 830]. سادسًا: (وَ) سُنَّ أن يكون (إِحْرَامُهُ عَقِبَ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ) عقب (رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا)؛ لحديث عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» [البخاري 1534]. واختار شيخ الإسلام: يُسْتَحَبُّ أن يحرم عقيب فرضٍ إن كان وقته، وإلَّا فليس للإحرام صلاةٌ تخصُّه؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه صلَّى للإحرام ركعتين، وأمَّا حديث عمرَ رضي الله عنه فالمراد: ركعتا الظُّهر.
-
فرعٌ: يُصَلِّي الرَّكعتين النَّافلة (فِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ)، وتقدَّم الخلاف في فعل ما له سببٌ في أوقات النَّهي، في صلاة التَّطوُّع.
-
مسألةٌ: (وَنِيَّتُهُ) أي: نيَّة الإحرام (شَرْطٌ)، فلا يصير مُحْرِمًا بمجرد التَّجرُّد أو التَّلبية من غير نيَّة الدُّخول في النُّسك؛ لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: 1، ومسلم: 1907].
الجزء: 1 - الصفحة: 409
- مسألةٌ: (وَأَفْضَلُ الأَنْسَاكِ) الثَّلاثة (التَّمَتُّعُ)؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لمَّا طافوا وسَعَوا أن يجعلوها عمرةً إلَّا من ساق هديًا، وثبت على إحرامه لسوقه الهدي، وتأسَّف بقوله: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّوا» [البخاري 1651، ومسلم 1216]، ثمَّ الإفراد؛ لقول عمرَ رضي الله عنه: «فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ» [مسلم 1224]، ولإتيانه بالحجِّ تامًّا من غير احتياجٍ إلى جبرٍ فكان أَوْلَى، ثمَّ القِرَان.
واختار شيخ الإسلام: التَّفصيل، وأنَّه لا يخلو من حالين: الأُولى: إذا ساق الهدي: فإنَّ الأفضل في حقِّه القِرَان؛ لحديث عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» [البخاري 1556، ومسلم 1211]. الثَّانية: إن لم يسق الهدي: فالتَّمتُّع أفضلُ مطلقًا؛ إلَّا أن تكون عمرته قبل أشهر الحجِّ ويبقى إلى الحجِّ، فالإفراد أفضلُ باتِّفاق الأئمَّة.