- مسألةٌ: القدرة في الحجِّ والعمرة على أربعة أقسامٍ:
القسم الأوَّل: أن يكون قادرًا بماله وبدنه: فيجب عليه الحجُّ والعمرة على الفور؛ لما سبق.
القسم الثَّاني: أن يكون قادرًا ببدنه دون ماله: فلا يجب عليه الحجُّ والعمرة إلَّا بوجود الاستطاعة، وهي: الزَّاد والرَّاحلة، وسبقت المسألة.
القسم الثَّالث: أن يكون عاجزًا بماله وبدنه: فيسقط عنه وجوب الحجِّ والعمرة بغير خلافٍ؛ لعدم الاستطاعة.
القسم الرَّابع: أن يكون قادرًا بماله دون بدنه: وأشار إليه بقوله: (فَإِنْ عَجَزَ) من توفَّرت فيه شروط الوجوب (عَنْهُ) أي: عن السَّعي إلى الحجِّ ببدنه لم يخلو من أمرين:
الأوَّل: أن يعجز بسبب مرضٍ يُرْجَى بُرْؤُه: فإنَّه يؤخِّرُ الحجَّ والعمرة إلى وقت القدرة، ولا يجوز له أن يُنِيبَ غيرَه عنه؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما ورد في النِّيابة عن الشَّيخ الكبير الَّذي لا يُرْجَى منه حجٌّ، فلا يُقَاس عليه إلَّا من كان مثله.
الثَّاني: أن يعجز (لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ) مكانه (نَائِبًا حُرًّا) لا عبدًا، (وَلَوْ امْرَأَةً يَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ عَنْهُ) على الفور؛ لحديث
الجزء: 1 - الصفحة: 398
ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: جاءت امرأةٌ من خثعمٍ عام حجَّة الوداع، فقالت: يا رسول الله؛ إنَّ فريضة الله على عباده في الحجِّ أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستويَ على الرَّاحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: «نَعَمْ» [البخاري 1855، ومسلم 1334]، فأقرَّها النبي صلى الله عليه وسلم على وصف الحجِّ على أبيها بأنَّه فريضةٌ مع عجزه عنه ببدنه.
- فرعٌ: ليس للعبد أن ينوبَ في الحجِّ والعمرة عن غيره؛ لأنَّه لم يُسْقِطْ عن نفسه الحجَّ والعمرة، فهو كالحرِّ البالغ الذي لم يحج عن نفسه.
وقال ابن قدامةَ: ويحتمل أنَّ له النِّيابة في حجِّ التَّطوُّع دون الفرض؛ لأنَّه من أهل التَّطوُّع دون الفرض. - فرعٌ: يصحُّ أن يكون النَّائب امرأةً عن رجلٍ، أو عكسه اتِّفاقًا، ولا كراهةَ؛ لظاهر حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق.
- فرعٌ: يلزم النَّائب أن يحجَّ ويعتمر عن المنيب (مِنْ حَيْثُ وَجَبَا)، أي: من بلد المنيب، أو من الموضع الَّذي أيس فيه؛ لأنَّ القضاء يحكي الأداء، والبدل يقوم مقام المبدَل منه.
واختار ابن عثيمينَ: لا يلزمه أن ينيب من يحجُّ من بلده؛ بل يجزئ ولو من مكَّةَ؛ لإطلاق حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق. - فرعٌ: (وَلَا يَصِحُّ) ولا يجوز (مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ)، وكذا من
الجزء: 1 - الصفحة: 399
عليه حجُّ قضاءٍ أو نذرٍ؛ (حَجٌّ عَنْ فَرْضِ غَيْرِهِ) حيًّا كان المحجوج عنه أو ميتًا؛ لحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمةَ، قال: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟ » قال: أخٌ لي -أو قريبٌ لي- قال: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ » قال: لا، قال: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» [أبو داود: 1811، وابن ماجهْ: 2903]، (وَلَا) يجوز أن يحرم (عَنْ نَذْرِهِ وَلَا) عن (نَافِلَةٍ) وعليه حجَّة الإسلام.
-
فرعٌ: (فَإِنْ فَعَلَ) أي: حجَّ عن غيره قبل نفسه، أو أحرم بنذرٍ أو نافلةٍ وعليه حجَّة الإسلام؛ (انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الإِسْلَامِ) في الصُّور كلِّها؛ لأنَّ نيَّة التَّعيين ملغاةٌ، فيصير كما لو أحرم مطلقًا.
-
مسألةٌ: (وَتَزِيدُ الأُنْثَى) سواءً كانت شابَّةً أو عجوزًا (شَرْطًا سَادِسًا: وَهُوَ أَنْ تَجِدَ لَهَا) محرمًا؛ فإن لم تجد المحْرَم لم يجب عليها الحجُّ، ولا الإنابة فيه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فقال رجلٌ: يا رسول الله؛ إنِّي أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحجَّ، فقال: «اخْرُجْ مَعَهَا» [البخاري 1855، ومسلم 1334]، وهو عامٌّ في كلِّ سفرٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 400
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تحجُّ كلُّ امرأةٍ آمنةٍ مع عدم المحْرَم 1، وقال: (هذا متوجِّه في كلِّ سفرِ طاعةٍ)؛ لأنَّ «عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ أَذِنَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ» [البخاري 1860].
- فرعٌ: المحْرَم في السَّفر إمَّا أن يكون (زَوْجًا) للمرأة، (أَوْ مَحْرَمًا) لها على التَّأبيد؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه مرفوعًا: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوِ ابْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» [مسلم 1340].
- فرعٌ: يُشْتَرَطُ في المحْرَم أن يكون:
1 - مسلمًا؛ لأنَّ الكافر لا يُؤْمَنُ عليها أن يفتنها في دينها.
وقال ابن مفلحٍ: (ويتوجَّه: أنَّه لا يُعْتَبَر إسلامه إن أُمِنَ عليها)، واختاره ابن عثيمينَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 401
2 - ذكرًا، ولو عبدًا؛ لأنَّ المقصود منه الحفظ.
3 - (مُكَلَّفًا) أي: بالغًا عاقلًا؛ لأنَّ غير المكلَّف لا يحصل به المقصود من الحفظ؛ لأنَّه يحتاج إلى من يحفظه، فلا يقدر على حفظ غيره.
- فرعٌ: نفقة المحْرَم زمنَ سفره معها لأداء نسكها على المرأة؛ لأنَّه من سبيلها، (وَ) لذا يُشْتَرَطُ لوجوب النُّسك عليها: (أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ) بآلتهما، (لَهَا وَلَهُ)، وأن تكون الرَّاحلة وآلتها صالحين لهما على ما تقدَّم، فإن لم تملك ذلك لهما لم يلزمها.