- مسألةٌ: الأُولى بالإمامة: لا يخلو من أمرين:
الأمر الأوَّل: أن لا يكون لأحدهما ولايةٌ: فـ (الأَوْلَى بِالإِمَامَةِ) على تسع مراتبَ:
المرتبة الأُولى: يُقَدَّمُ (الأَجْوَدُ قِرَاءَةً الأَفْقَهُ)؛ لحديث أبي مسعودٍ البدريِّ رضي الله عنه: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا [مسلم 673]، ويُقَدَّمُ على الأكثر قرآنًا؛ لأنَّه أعظمُ أجرًا.
المرتبة الثَّانية: إن استووا في الجودة: يُقَدَّمُ الأكثر قرآنًا، (وَيُقَدَّمُ قَارِئٌ
الجزء: 1 - الصفحة: 159
لَا يَعْلَمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ) بل يأتي بها عادةً (عَلَى فَقِيهٍ أُمِّيٍّ)؛ للحديث السَّابق، ويأتي تعريف الأمِّيِّ.
وقيل: يُقَدَّمُ الأكثر قرآنًا على الأجود قراءةً؛ لحديث عمرو بن سلمةَ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» [البخاري 44302].
المرتبة الثَّالثة: إن استووا في القراءة وعدمها: يُقَدَّمُ الأفقه والأعلم بأحكام الصَّلاة؛ لمزيَّة الفقه.
(ثُمَّ) المرتبة الرَّابعة: إن استووا في القراءة والفقه، فَيُقَدَّمُ: (الأَسَنُّ)، أي: الأكبر؛ لحديث مالك بن الحويرث مرفوعًا: «وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» [البخاري 2848، ومسلم 674].
وعنه، واختاره ابن قدامةَ: يُقَدَّمُ الأقدمُ هجرةً على الأسَنِّ؛ لحديث أبي مسعودٍ البدريِّ رضي الله عنه السَّابق، وأمَّا حديث مالك بن الحويرث فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قدَّم الأكبر؛ لأنَّهما متساويان في الهجرة والإسلام، ففي روايةِ أبي داودَ [589]: «وَكُنَّا يَوْمَئِذٍ مُتَقَارِبَيْنِ فِي العِلْمِ».
(ثُمَّ) المرتبة الخامسة: إن استووا في السُّنِّ: يُقَدَّمُ (الأَشْرفُ)، وهو القرشيُّ؛ إلحاقا للإمامة الصُّغرى بالكبرى؛ لحديث أنسٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» [أحمد 12307].
المرتبة السَّادسة: إن استووا في الشَّرف: يُقَدَّمُ الأقدم هجرةً بنفسه لا
الجزء: 1 - الصفحة: 160
بآبائه؛ لحديث أبي مسعودٍ السَّابق.
المرتبة السَّابعة: إن استووا في الهجرة: يُقَدَّمُ الأسبق في الإسلام؛ لأنَّ في بعض ألفاظ حديث أبي مسعودٍ رضي الله عنه: «فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» [مسلم 673].
وفي وجهٍ، واختاره شيخ الإسلام: يُقَدَّمُ أقدمُهم هجرةً، ثمَّ أشرفُهم؛ لحديث أبي مسعودٍ البدريِّ رضي الله عنه السَّابق.
(ثُمَّ) المرتبة الثَّامنة: إن استووا فيما سبق: (الأَتْقَى وَالأَوْرَعُ)؛ لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: 13].
واختار شيخ الإسلام: تقديم الأتقى على الأشرف؛ لأنَّ شرف الدِّين خيرٌ من شرف الدُّنيا، وقد قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.
(ثُم) المرتبة التَّاسعة: إن استووا في كلِّ ما تقدَّم وتشاحُّوا: (يُقْرعُ) 1، فمن قَرَع صاحبَه فهو أحقُّ؛ قياسًا على الأذان؛ لأنَّ سعدًا رضي الله عنه أقرع بين النَّاس في القادسيَّة [البيهقي 2013].
وعنه: يُقَدَّمُ من يختاره الجيران، ثمَّ يُقْرَعُ؛ لما يحصل من الائتلاف والاجتماع على الإمام.
الجزء: 1 - الصفحة: 161
(وَ) الأمر الثَّاني: أن يكون له ولايةٌ: فـ (صَاحِبُ البَيْتِ وَإِمَامُ المَسْجِدِ، وَلَوْ عَبْدًا؛ أَحَقُّ) بالإمامة من غيره إذا كان ممن تصحُّ إمامتُه، وإن كان غيرُهما أفضلَ منهما؛ لحديث أبي مسعودٍ البدريِّ رضي الله عنه: «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» [مسلم 673]، ولقول أبي سعدٍ مولى بني أسيدٍ: «تزوَّجتُ وأنا مملوكٌ، فدعوتُ أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أبا ذرٍّ، وابن مسعودٍ، وحذيفةَ رضي الله عنهم، فحضرتِ الصَّلاة، فتقدَّم حذيفةُ ليصلِّيَ بنا، فقال له أبو ذرٍّ أو غيرُه: ليس ذلك لك، فقدَّموني وأنا مملوكٌ فأممتُهم» [عبدالرزاق 3822] (إِلَّا مِنْ ذِي سُلْطَانٍ فِيهَا)، فيُقَدَّم ذو سلطانٍ على صاحب بيتٍ وإمام المسجد؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَّ عتبانَ بن مالكٍ رضي الله عنه في بيته [البخاري 425، ومسلم 33].