- مسألةٌ: (فَإِنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ أَوْ عَتَقَ الرَّقِيقُ) في الحجِّ، فلا يخلو من أمرين:
الأوَّل: أن يزول المانع (قَبْلَ الوُقُوفِ) بعرفةَ، (أَوْ بَعْدَهُ) أي: بعد الدَّفع من عرفةَ، فـ (إِنْ عَادَ فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ) ولم يكن سعى بعد طواف
الجزء: 1 - الصفحة: 394
القدوم: (أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ)، ووقعت فرضًا؛ لأنَّ الوقوف بعرفةَ هو ركن الحجِّ الأعظم، وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما موقوفًا: «إِذَا عَتَقَ العَبْدُ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ الحَجَّةُ، وَإِذَا عَتَقَ بِجَمْعٍ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ» [أخرجه عبد الله بن أحمد في مسائله 798].
فإن كان قد سعى بعد طواف القدوم قبل الوقوف؛ لم يجزئه الحجُّ؛ لوقوع الرُّكن في غير وقت الوجوب، أشبه ما لو كبَّر للإحرام ثمَّ بلغ، فلا يجزئ ولو أعاد السَّعي؛ لأنَّه لا يُشْرَعُ مجاوزة عدد السَّعي، ولا تَكراره، بخلاف الوقوف فإنَّه لا قدرَ له محدودٌ.
وفي وجهٍ: إذا أعاد السَّعي أجزأه الحجُّ؛ لحصول الرُّكن الأعظم وهو الوقوف بعرفةَ، وتبعيَّة غيره له.
الثَّاني: أن يزول المانع بعد فوات وقت الوقوف بعرفةَ؛ فلا يجزئه عن حجَّة الإسلام؛ لأثر ابن عبَّاسٍ السَّابق.
- (وَ) الشَّرط (الخَامِسُ: الِاسْتِطَاعَةُ)، وهو شرط للوجوب إجماعًا، دون الإجزاء والصِّحَّة؛ لقوله تعالى: (وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: 97]، فلو حجَّ الفقير أو المريض صحَّ، وأجزأهم عن حجَّة الإسلام؛ لأنَّ خلقًا من الصَّحابة حجُّوا ولا شيءَ معهم، ولم يُؤْمَر أحدٌ منهم بالإعادة.
الجزء: 1 - الصفحة: 395
- فرعٌ: (وَهِيَ) أي: الاستطاعة: (مِلْكُ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عمرَ رضي الله عنهما: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ ما يُوجِب الحجَّ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» [الترمذي 813، وابن ماجهْ 2897، قال الترمذي: حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم].
وعند المالكيَّة: الاستطاعة هي: إمكان الوصول بلا مشقَّةٍ عظيمةٍ زائدةٍ على مشقَّة السَّفر العاديَّة، مع الأمن على النَّفس والمال، ولا يُشْتَرَط عندهم الزَّاد والرَّاحلة، بل يجب على القادر على المشي إن كانت له صنعةٌ يحصِّل منها قوتَه في الطَّريق؛ كالحمَّال والنَّجَّار؛ لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، ومن قدر على المشي فهو مستطيعٌ. - فرعٌ: الاستطاعة في الحجِّ والعمرة تكون بتوفُّر أمرين:
1 - زادٌ: وهو ما يحتاج إليه من مأكولٍ، ومشروبٍ، وكسوةٍ، لذهابه وعودته ولو قربت المسافة 1، أو يملك ما يقدر به على تحصيل ذلك من نقدٍ أو عرضٍ.
2 - راحلةٌ (تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ)، لذهابه وعوده، (أَوْ مِلْكِ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ) من نقدٍ أو عرضٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 396
واختار ابن عثيمينَ: عدم اعتبار كون الرَّاحلة صالحةً لمثله، فيجب عليه الحجُّ إن وَجَد راحلةً تصل به إلى المشاعر ولو لم تكن صالحةً لمثله؛ لأنَّ ذلك لا يُعَدُّ عجزًا.
-
فرعٌ: يُعْتَبَرُ ملك الزَّاد والرَّاحلة (بِشَرْطِ: كَوْنِهِ) أي: الزَّاد والرَّاحلة (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ مِنْ كُتُبِ) علمٍ، (وَ) من (مَسْكَنٍ) لمثله، (وَ) من (خَادِمٍ) لنفسه، (وَ) أن يكون فاضلًا (عَنْ مُؤْنَتِهِ، وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ)؛ لحديث عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» [أحمد: 6495، وأبو داود: 1692، ]، (عَلَى الدَّوَامِ) حتَّى بعد رجوعه، من عقارٍ، أو بضاعةٍ يتَّجر فيها، أو صناعةٍ ونحوها، وإلَّا لم يلزمه؛ لتضرُّره بإنفاق ما في يده إذن.
-
مسألةٌ: (فَمَنْ كَمَلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ) أي: شروط السَّعي للحجِّ والعمرة (لَزِمَهُ السَّعْيُ فَوْرًا إِنْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ أَمْنٌ)، بناءً على أنَّ الأمر المطلق للفور، ويؤيِّده: حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرَادَ الحجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ» [أحمد 1834، وأبو داود 1732، وابن ماجهْ 2883].
-
فرعٌ: أمن الطَّريق من الاستطاعة، فإن لم يكن الطَّريق آمنًا لم يجب
الجزء: 1 - الصفحة: 397
عليه الحجُّ؛ لأنَّ في إيجاب الحجِّ مع عدم ذلك ضررًا، وهو منفيٌّ شرعًا.