- مسألةٌ: الكلام في الصَّلاة لا يخلو من أمرين:
1 - أن يكون عن عمدٍ: فتبطل الصَّلاة به إجماعًا؛ لحديث معاويةَ بن الحكم رضي الله عنه: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» [مسلم: 537].
2 - أن يكون عن سهوٍ، أو جهلٍ، أو يظنُّ أن صلاته تمَّت: فتبطل به أيضًا؛ لعموم الحديث السَّابق.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا تبطل؛ لقصَّة ذي اليدين، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تكلَّم ولم يُعِدِ الصَّلاة، والسَّاهي مثلُه؛ لأنَّ ما عُذِرَ فيه بالجهل عُذِرَ فيه بالنِّسيان.
3 - (أَوْ قَهْقَهَ) أي: ضحك، ولو لم يَبِنْ حرفان؛ بطلت الصَّلاة، ولزمه استئنافها؛ لأنَّه في حكم المصلِّي، وقد فعل ما يُبْطِلُها، والقهقهة تُبْطِلُ الصَّلاة؛ لما فيها من الاستخفاف والتَّلاعب المناقض لمقصود الصَّلاة، وقد حُكِيَ الإجماع على ذلك.
4 - النَّحنحة كالكلام في الحكم، وأشار إليه المصنِّف بقوله:
الجزء: 1 - الصفحة: 121
(أَوْ تَنَحْنَحَ) في الصَّلاة (بِلَا حَاجَةٍ) إلى النَّحنحة (فَبَانَ حَرْفَانِ) منها: (بَطَلَتْ) صلاته؛ لأنَّه من جنس كلام الآدميِّين، فإن كانت لحاجةٍ لم تبطل؛ لقول عليٍّ رضي الله عنه: «كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَدْخَلانِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ» [أحمد: 608، والنسائي: 1212]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا تبطل الصَّلاة بالنَّحنحة ولو من غير خشية الله؛ لأنَّها ليست كلامًا.
- فرعٌ: (لَا) تبطل صلاته:
1 - (إِنْ نَامَ) مصلٍّ نومًا يسيرًا قائمًا، أو جالسًا (فَتَكَلَّمَ)؛ لأنَّ النَّائم مرفوعٌ عنه القلم.
2 - (أَوِ انْتَحَبَ) مصلٍّ؛ بأن رفع صوته بالبكاء، فلا يخلو من أمرين:
- أن يكون من (خَشْيَةِ) الله تعالى: فلا تبطل؛ لحديث مُطَرِّف بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ» يعني: من البكاء [أحمد: 16312، والنسائي: 1214].
- أن يكون من غير خشية الله، فبان حرفان: بطلت الصَّلاة؛ لأنَّه يدلُّ بنفسه على المعنى، فكان من جنس كلام الآدميِّين، وإن لم يبن حرفان لم تبطل.
الجزء: 1 - الصفحة: 122
واختار شيخ الإسلام: لا تبطل الصَّلاة بالنَّحيب؛ لأنَّه ليس بكلامٍ، ودلالته على المعنى إنَّما هي بالطَّبع لا بالوضع ففارق الكلام.
3 - (أَوْ غَلَبَهُ سُعَالٌ، أَوْ عُطَاسٌ، أَوْ تَثَاؤُبٌ، وَنَحْوُهُ) كبكاءٍ: فلا تبطل، ولو بان حرفان؛ لأنَّه لا يمكنه التَّحرُّز منه.
-
ضابطٌ: ذكر شيخ الإسلام أنَّ الألفاظ على ثلاثة أقسامٍ: الأوَّل: ما دلَّ على معنًى بالوضع؛ إمَّا بنفسه، أو مع لفظٍ غيره: فهذا كلامٌ، وهو الَّذي يُبْطِل الصَّلاةَ، مثل: في، ويد.
الثَّاني: ما دلَّ على معنًى بالطَّبع كالتَّأوُّه، والأنين، والبكاء: فلا يُبْطِلُ الصَّلاة ولو بان حرفان؛ لأنَّه ليس كلامًا.
الثَّالث: ما دلَّ على معنًى لا بالطَّبع ولا بالوضع؛ كالنَّحنحة: فلا تَبْطُل؛ لأنَّها ليست كلامًا. -
مسألةٌ: (وَ) من شكَّ في الصَّلاة هل زاد فيها أو نقص؛ فإنَّه (يَبْنِي عَلَى اليَقِينِ -وَهُوَ الأَقَلُّ-)؛ لحديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» [مسلم: 571].
الجزء: 1 - الصفحة: 123
فـ (ـمَنْ شَكَّ فِي) ترك (رُكْنٍ) فلم يدر هل أتى به أو لا: فهو كمن تركه؛ لأنَّ الأصل عدمه، فيأتي به وبما بعده، ويسجد للسَّهو، (أَوْ) شكَّ في (عَدَدِ رَكَعَاتٍ)، بأن تردَّد أصلى اثنتين أم ثلاثًا: فيبني على الأقلِّ، ويسجد للسَّهو؛ لوقوع موجب السُّجود وهو الشَّكُّ.
- فرعٌ: لا فرقَ بين من غلب على ظنِّه شيءٌ، أو لم يغلب على ظنِّه، فيبني على اليقين مطلقًا، وذلك في جميع حالات الشَّكِّ.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّ الشَّكَّ في جميع أقسامه لا يخلو من أمرين: 1 - إن لم يغلب على ظنِّه شيءٌ: بنى على الأقلِّ؛ لحديث أبي سعيدٍ السَّابق، وفيه: «فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ».
2 - إن غلب على ظنِّه شيءٌ بنى عليه؛ لحديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ» [البخاري: 401، ومسلم: 572]. - فرعٌ: (وَلَا أَثَرَ لِلشَّكِّ) في ثلاثة مواضعَ:
1 - أن يكون الشَّكُّ (بَعْدَ فَرَاغِهَا) أي: بعد انتهاء العبادة؛ لأنَّ الأصل صحَّة العبادة.
2 - أن يكون لا حقيقةَ له، وإنَّما هو مجردُ وهمٍ عارضٍ؛ لأنَّ الوهم لا
الجزء: 1 - الصفحة: 124
عبرةَ به شرعًا.
3 - أن يكثر الشَّكُّ مع الإنسان؛ لأنَّه يُوَلِّد الوسواس.