-
مسألةٌ: (وَلَا) يجوز أن (تُدْفَعَ) الزَّكاة (إِلَّا إِلَى الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ)؛ الَّذين ذكرهم الله تعالى في قوله: (إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة التوبة: 60]، فدلَّت على حصر الزَّكاة في هؤلاء.
-
فرعٌ: (وَ) هؤلاء الأصناف (هُمْ): الصِّنف الأوَّل: (الفُقَرَاءُ): وهم من لا يجدون شيئًا من الكفاية، أو يجدون أقلَّ من نصفها.
(وَ) الصِّنف الثَّاني: (المَساكِينُ): وهم الَّذين يجدون أكثرَ كفايتهم أو نصفها.
(وَ) الصِّنف الثَّالث: (العَامِلُونَ عَلَيْهَا): وهم كلُّ من يُحْتَاج إليه في أمر الزَّكاة؛ كالجباة، والحفَّاظ، والرُّعاة، ونحوهم.
(وَ) الصِّنف الرَّابع: (المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ) جمع مؤلَّفٍ، وهو السَّيِّد المطاع في عشيرته، فَيُعْطَى الكافر ما يؤلِّف به قلبَه لإسلامه أو كفِّ شرِّهِ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أعطى صفوانَ بن أُمَيَّةَ تأليفًا لقلبه [مسلم: 2313]، ويُعْطَى المسلم لتقوية
الجزء: 1 - الصفحة: 331
إيمانه ونحو ذلك؛ لما ورد عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أعطى الأقرع بن حابسٍ الحنظليَّ وغيرَه وقال: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ».
[البخاري: 3344، ومسلم: 1064].
(وَ) الصِّنف الخامس: (فِي الرِّقَابِ)؛ ويشمل هذا الصِّنف ثلاثة أنواعٍ، وهو اختيار شيخ الإسلام:
1 - المكاتَب؛ لدخوله لغةً في قوله تعالى: (وَفِي الرِّقَابِ).
2 - شراء رقبةٍ لا تُعْتَق عليه فيعتقها؛ لعموم قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾.
3 - فكاك الأسير المسلم؛ لأنَّه فكُّ رقبةٍ من الأسر، أشبه المكاتَب.
(وَ) الصِّنف السَّادس: (الغَارِمُونَ)، والغُرْم في اللُّغة: اللُّزوم، وسُمِّيَ به للزوم الدَّين له، وهو نوعان:
النَّوع الأوَّل: الغارم لإصلاح ذات البين: وذلك بأن يقع بين جماعةٍ عظيمةٍ تشاجُرٌ في أموالٍ، ويحدث بسببها عداوةٌ، ويتوقَّف الصُّلح على من يتحمَّل ذلك، فيلتزم رجلٌ ذلك المال عوضًا عمَّا بينهم؛ ليطفئَ الثَّائرة.
النَّوع الثَّاني: الغارم لنفسه: وهو المدين لحظِّ نفسه، فيُعْطَى من الزَّكاة إن كان الدَّين في مباحٍ؛ لأنَّه غارمٌ.
(وَ) الصِّنف السَّابع: (فِي سَبِيلِ الله): وهم:
الجزء: 1 - الصفحة: 332
1 - الغزاة؛ لأنَّ السَّبيل عند الإطلاق هو الغزو، قال تعالى: (قاتلوا في سبيل الله)، ولا يصحُّ جعله في جميع وجوه الخير؛ لأنَّ ذلك يلغي الحصر المذكور في الآية.
2 - حجُّ فرض الفقير وعمرته؛ لحديث أمِّ معقلٍ رضي الله عنها مرفوعًا: «فَإِنَّ الحَجَّ فِي سَبِيلِ الله» [أحمد: 27107، وأبو داود: 1989].
واختاره شيخ الإسلام في فرض الحجِّ فقط؛ لعدم إيجابه العمرة.
(وَ) الصِّنف الثَّامن: (ابْنُ السَّبِيلِ) أي: الطَّريق، وسُمِّيَ بذلك لملازمته له، ولا يخلو هذا الصِّنف من أمرين:
1 - المسافر المنقطع به في سفره: فيُعْطَى من الزَّكاة بشرط أن يكون سفره مباحًا، فلا يُعْطَى في السَّفر المحرَّم؛ لأنَّه إعانةٌ على معصيةٍ، ولا في السَّفر المكروه؛ لأنَّه لا حاجةَ به إلى هذا السَّفر.
2 - المنشئ للسَّفر من بلده إلى غيرها: لا يُعْطَى من الزَّكاة؛ لأنَّ اسم ابن السِّبيل لا يتناوله حقيقةً، لكن إن كان محتاجًا للسَّفر فيُعْطَى لفقره، لا لكونه ابن سبيلٍ، كالسَّفر لعلاجٍ ونحوه.
- مسألةٌ: (وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ) في الزَّكاة (عَلَى) صنفٍ (وَاحِدٍ) من الأصناف الثَّمانية؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: 271]، فاقتصر على صنفٍ واحدٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 333
-
مسألةٌ: يجوز الاقتصار على واحدٍ (مِنْ صِنْفٍ) واحدٍ من تلك الأصناف الثَّمانية؛ كأن تُعْطَى الزَّكاة لفقيرٍ واحدٍ، أو غارمٍ واحدٍ؛ لحديث سلمةَ بن صخرٍ رضي الله عنه لمَّا ظاهر من امرأته وعجز عن الكفَّارة، قال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ» [أحمد: 16421، وأبو داود: 2213، والترمذي: 3299، وابن ماجهْ: 2062].
-
مسألةٌ: (وَتُسَنُّ) الزَّكاة (إِلى مَنْ لَا تَلْزَمُهُ) أي: لا تجب عليه (مُؤنَتُهُ) أي: نفقته (مِنْ أَقارِبِهِ)، كذوي رحمه، ومن لا يرثه؛ من نحو أخٍ وعمٍّ؛ لحديث سلمةَ بن عامرٍ رضي الله عنه: «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» [أحمد: 16233، والترمذي: 658، والنسائي: 2582، وابن ماجهْ: 1844].
فإن كانت تلزمه النَّفقة كالأصول، والفروع، والحواشي الوارثين، فلا يجوز دفع الزَّكاة إليهم؛ لأنَّهم مستغنون بالنَّفقة حينئذٍ عن الزَّكاة.