- مسألةٌ: (وَ) يجب أن (يَرْمِيَ الجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ) الصُّغرى، ثمَّ الوسطى، ثمَّ الكبرى اتِّفاقًا،
(بِهَا) أي: بمنًى، وذلك (أَيَّامَ التَّشْرِيقِ) إن لم يتعجَّل، (كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ)؛ لقول عائشةَ رضي الله عنها: «ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الجَمْرَةَ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ كُلُّ
الجزء: 1 - الصفحة: 462
جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَيُطِيلُ الْقِيَامَ، وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» [أبو داود: 1973]، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
- فرعٌ: (وَلَا يُجْزِئُ رَمْيُ) أيَّام التَّشريق إلَّا في وقته، (غَيْرِ سُقَاةٍ وَرُعَاةٍ) فلهم الرَّمي ليلًا ونهارًا؛ لأنَّهم يشتغلون باستقاء الماء والرَّعي، وأمَّا غيرهم فوقت الرَّمي بالنِّسبة لهم لا يخلو من أمرين:
1 - بدايته: وله وقتان:
أ) وقت الجواز: من بعد الزَّوال، وأشار إليه بقوله: (إِلَّا نَهَارًا بَعْدَ الزَّوَالِ)، فلا يجزئ الرَّمي قبله؛ لحديث جابرٍ رضي الله عنه قال: «رَمَى رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» [مسلم: 1299]، ولقول ابن عمرَ رضي الله عنهما: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا» [البخاري: 1746].
ب) وقت الاستحباب: قبل صلاة الظُّهر، ويأتي.
2 - نهايته: ينتهي وقت الرَّمي في كلِّ يومٍ من أيَّام التَّشريق بغروب الشَّمس، فإن لم يرمِ حتَّى غربت الشَّمس، لم يَرَمِ إلَّا من الغد بعد الزَّوال، ولا يجزئ الرَّمي ليلًا، وأشار إليه المؤلِّف بقوله: (فَإِنْ رَمَى لَيْلًا أَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يُجْزِئْهُ)؛ لقول ابن عمرَ رضي الله عنهما: «مَنْ نَسِيَ رَمْيَ الجِمَارِ إِلَى اللَّيْلِ؛
الجزء: 1 - الصفحة: 463
فَلَا يَرْمِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنَ الْغَدِ» [البيهقي: 9672].
وقيل: يصحُّ الرَّمي ليلًا؛ لحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: سُئِلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: رميتُ بعد ما أمسيتُ فقال: «لَا حَرَجَ» [البخاري: 1723]، ويدخل في المساء ما بعد الغروب.
يُسْتَثْنَى من جواز الرَّمي ليلًا: اليوم الثَّالث عشرَ؛ لأنَّه بغروب الشَّمس من الثَّالث عشرَ تنتهي أيَّام الرَّمي إجماعًا.
-
فرعٌ: (وَسُنَّ) كون الرَّمي بعد الزَّوال و (قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ)؛ لمفهوم قول ابن عمرَ السَّابق: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا».
-
مسألةٌ: (وَطَوَافُ الوَدَاعِ) ويُسَمَّى: «طواف الصَّدر»: (وَاجِبٌ، يَفْعَلُهُ كُلُّ مَنْ أَرَادَ الخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ) إذا فرغ من جميع أموره؛ لقول ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ» [البخاري: 1755، ومسلم: 1328].
-
فرعٌ: (ثُمَّ يَقِفُ) غير الحائض والنُّفساء بعد الوداع (فِي المُلْتَزَمِ) استحبابًا، وهو أربعة أذرعٍ (بَيْنَ الرُّكْنِ) الَّذي به الحجر الأسود (وَالبَابِ)؛ قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «الملْتَزَمُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالبَابِ» [عبد الرزاق: 9047]. وصفة الالتزام: أن يكون (مُلْصِقًا بِهِ) أي: بالملتزم (جَمِيعَهُ)؛ وجهه،
الجزء: 1 - الصفحة: 464
وصدره، وذراعيه، وكفيه مبسوطتين؛ لما روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه، قال: طفت مع عبد الله فلمَّا جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوَّذ؟ قال: «نَعُوذُ بِالله مِنَ النَّارِ»، ثمَّ مضى حتَّى استلم الحجر وأقام بين الرُّكن والباب، فوضع صدره، ووجهه، وذراعيه، وكفيه هكذا، وبسطهما بسطًا، ثمَّ قال: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ» [أبو داود: 1899، وضعفه ابن حجر وقال: قد اضطرب فيه المثنى مع ضعفه].
وذكر شيخ الإسلام: أنَّ هذا الالتزام يكون حال الوداع أو قبله، والصَّحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكَّةَ.
- فرعٌ: (دَاعِيًا) عند الملتزم (بِمَا وَرَدَ)، ومنه ما رُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه كان يقول: (اللَّهُمَّ البَيْتُ بَيْتُكَ، وَالعَبْدُ عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، حَتَّى سَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ، وَبَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ حَتَّى أَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِكَ، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمُنَّ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَاصْحَبْنِي بِالعَافِيَةِ فِي بَدَنِي، وَالعِصْمَةِ فِي دِينِي وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي)، قال البيهقيُّ: (وهذا من قول الشَّافعيِّ -رحمه الله-وهو حسنٌ)، وعن مجاهدٍ قال: «جئتُ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما وهو يتعوَّذ بين الرُّكن والباب» [عبد الرزاق: 9045].
- فرعٌ: (وَتَدْعُو الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ) بالدُّعاء السَّابق (عَلَى بَابِ
الجزء: 1 - الصفحة: 465
المَسْجِدِ)؛ لتعذُّر دخول المسجد عليها.
وقال ابن عثيمينَ: (ولا دليلَ على ذلك، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لما قيل له: إنَّ صفيَّةَ رضي الله عنها قد أفاضت، قال: «فَلْتَنْفِر»، ولم يقلْ فلتأتِ إلى المسجد وتقف ببابه، مع دعاء الحاجة إلى بيانه لو كان مشروعًا).
-
مسألةٌ: (وَسُنَّ دُخُولُهُ البَيْتَ) أي: الكعبة، لما ورد عن ابن عمرَ رضي الله عنهما أنَّه قال: «دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَأَمَرَ بِالبَابِ فَأُغْلِقَ، فَلَبِثُوا فِيهِ مَلِيًّا، ثُمَّ فَتَحَ البَابَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَادَرْتُ النَّاسَ فَتَلَقَّيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجًا وَبِلَالٌ عَلَى إِثْرِهِ، فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: «هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ » قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: «أَيْنَ؟ » قَالَ: «بَيْنَ العَمُودَيْنِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ»، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ: كَمْ صَلَّى؟ » [البخاري: 504، ومسلم: 1329]، فيدخلها (بِلَا خُفٍّ، وَلَا نَعْلٍ، وَلَا سِلَاحٍ)؛ تعظيمًا لها.
-
مسألةٌ: (وَ) إذا قضى الحاجُّ نسكه (تُسْتَحَبُّ) له (زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) أي: زيارة مسجده، أو زيارة مسجده وقبره معًا؛ لعموم حديث بريدةَ رضي الله عنه: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» [مسلم: 1977].
وبين شيخ الإسلام: أنَّ السَّفر إلى مسجد وقبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسامٍ:
الجزء: 1 - الصفحة: 466
1 - أن يقصد السَّفر إلى مسجده فقط: فهذا مشروعٌ بالإجماع؛ لحديث أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعًا: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الحرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» [البخاري: 1189، ومسلم: 1397].
2 - أن يقصد السَّفر إلى مسجده وقبره معًا: فهذا مشروعٌ بالإجماع أيضًا؛ لما تقدَّم.
3 - أن يقصد السَّفر إلى قبره فقط دون مسجده، فلا يخلو من أمرين:
أ) أن يقصد بذلك السَّفر التَّقرُّب إلى الله: فهذا محرمٌ بالإجماع.
ب) ألَّا يعتقد أنَّ ذلك السَّفر قُرْبَةٌ، وإنَّما يعتقد إباحته: فلا يجوز؛ لأنَّ قوله في الحديث: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» يتناول المنع من السَّفر إلى كلِّ بقعةٍ مقصودةٍ، ولم يُعْرَفْ عن أحدٍ من الصَّحابة القولُ باستحباب السَّفر لمجرد زيارة قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
- تنبيهٌ: زيارة مسجد المدينة وقبره صلَّى الله عليه وسلَّم ليس من مناسك الحجِّ، وإنَّما يذكرونه لأنَّ الحاجَّ يأتي من بعيدٍ غالبًا، فاستحبُّوا له زيارة مسجد المدينة؛ لما تقدَّم.
- فرعٌ: (فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ) أي: النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا أتى قبره، (مُسْتَقْبِلًا لَهُ) موليًا ظهرَه القِبْلَة، فيقول: السَّلام عليك يا رسول الله؛ لقول نافعٍ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؛ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتَاهُ» [عبدالرزاق: 6724]،
الجزء: 1 - الصفحة: 467
(ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ القِبْلةَ، وَيَجْعَلُ الحُجْرَةَ عَنْ يَسَارِهِ وَيَدْعُو) هكذا ذكره بعض الأصحاب، وغيرهم مجردًا عن الدَّليل.
وقال شيخ الإسلام: ولا يقف عند القبر للدُّعاء لنفسه فإنَّ هذا بدعةٌ، ولم يكن أحدٌ من الصَّحابة يقف عنده يدعو لنفسه.
- فرعٌ: (وَيَحْرُمُ الطَّوَافُ بِهَا) أي: بالحجرة النَّبويَّة، وبغير البيت الحرام اتِّفاقًا؛ لأنَّه من البدع.