- مسألةٌ: (وَيَجِبُ) صوم شهر رمضانَ (عَلَى كُلِّ):
1 - (مُسْلِمٍ)، فلا يجب على كافرٍ وجوبَ أداءٍ بلا خلافٍ، ولا يصحُّ منه؛ لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) [البقرة: 183]، فتوجَّه الخطاب للمسلم دون الكافر.
2 - (قَادِرٍ)، لا مريضٍ يعجز عنه؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: 183].
3 - (مُكَلَّفٍ)، وهو البالغ العاقل؛ لحديث عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد 24694، وأبو داود 4403، والنسائي 3432، وابن ماجهْ 2041].
الجزء: 1 - الصفحة: 347
ولا يخلو غير المكلَّف من:
أ) مجنونٍ: فلا يصحُّ الصَّوم منه؛ لعدم النِّيَّة، ولا يجب عليه للحديث السَّابق.
ب) صغيرٍ غير مميِّزٍ: فلا يصحُّ الصَّوم منه؛ لعدم النِّيَّة، ولا يجب عليه للحديث السَّابق.
ت) صغيرٍ مميِّزٍ: فيصحُّ الصَّوم منه؛ كصلاته، ولا يجب عليه.
4 - مقيمٍ، فلا يجب على مسافرٍ، ويقضي إجماعًا؛ للآية السَّابقة.
5 - أن لا تكون المرأة حَائِضًا أو نفساءَ، فلا يجب عليهما الصِّيام بالإجماع؛ لحديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» [البخاري 304]، وتقضيانه وجوبًا بعد الطُّهر إجماعًا؛ لقول عائشةَ رضي الله عنها: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» [مسلم 335].
- فرعٌ: (لَكِنْ عَلَى وَلِيِّ صَغِيرٍ) ذكرٍ أو أنثى (مُطِيقٍ) للصَّوم (أَمْرُهُ بِهِ، وَضَرْبُهُ عَلَيْهِ) أي: الصَّوم (لِيَعْتَادَهُ) إذا بلغ؛ كالصَّلاة، إلَّا أنَّ الصَّوم أشقُّ فاعْتُبِرَتْ له الطَّاقة؛ لأنَّه قد يطيق الصَّلاة من لا يطيق الصِّيام.
الجزء: 1 - الصفحة: 348
- مسألةٌ: (وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُ) أي: الصَّوم (لِكِبَرٍ)؛ كشيخٍ هرمٍ وعجوزٍ يجهدهما الصَّوم، ويشقُّ عليهما مشقَّةً شديدةً، (أَوْ) عجز عنه لـ (ـمَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَفْطَرَ، وَعَلَيْهِ) إن كان فطره (لَا مَعَ عُذْرٍ مُعْتَادٍ كَسَفَرٍ) إطعام مسكينٍ (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) [البقرة: 184]: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ، وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» [البخاري 4505].
فإن كان فطره مع عذرٍ معتادٍ؛ بأن سافر مثلًا؛ فلا فدية عليه ولا قضاء؛ لعجزه عنه.
ويمكن أن يقال: تلزمه الفدية؛ لأنَّ الصَّوم لم يكن واجبًا عليه أصلًا، وإنَّما تجب الفدية، ولا فرقَ فيها بين الحضر والسَّفر.
- فرعٌ: مقدار الإطعام: عليه أن يطعم (لِمِسْكِينٍ مَا) أي: إطعامٌ (يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ)، وهو مدٌّ مِن برٍّ أو نصف صاعٍ من تمرٍ، أو زبيبٍ، أو شعيرٍ، أو أَقِطٍ، ؛ لما روى نافعٌ: أَنَّ ابن عمرَ رضي الله عنهما سُئِلَ عن المرأة الحَامل إِذا خافت على ولدها، قَالَ: «تُفْطِرُ، وَتُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [الموطأ 1/ 308]، وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «إِذَا عَجَزَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ عَنِ الصِّيَامِ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مَدًّا مَدًّا» [الدارقطني 2347، وصححه].
الجزء: 1 - الصفحة: 349
واختار ابن عثيمينَ: أنَّه يُرْجَعُ فيه إلى العُرْف، فَيُخْرِجُ من أوسط ما يطعم أهله؛ للإطلاق في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) [البقرة: 184]، والقاعدة: (أنَّ ما لم يَرِدْ تحديده في الشَّرع ولا في اللُّغة يُرْجَعُ في تحديده إلى العُرْف)، ويدلُّ لذلك قوله تعالى في كفَّارة اليمين: (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون به أهليكم) [المائدة: 89].
وذكر شيخ الإسلام: أنَّ الإطعام إذا لم يُقَدَّرْ في الشَّرع، فإَّنه يُرْجَعُ فيه إلى العُرْف، كالإطعام في كفَّارة اليمين.
- مسألةٌ: (وَسُنَّ فِطْرٌ، وَكُرِهَ صَوْمٌ) لمسافرٍ (بِسَفَرِ قَصْرٍ، وَلَوْ بِلَا مَشَقَّةٍ)؛ لحديث جابرٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» [البخاري 1946، ومسلم 1115].
واختار ابن عثيمينَ: أنَّ المسافر له ثلاث حالاتٍ:
الأُولى: أن يكون الصَّوم والفطر عنده سواءً، فالأفضلُ الصَّوم؛ لقول أبي الدَّرداء رضي الله عنه: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَابْنِ رَوَاحَةَ» [البخاري 1945، ومسلم 1122]، والصَّوم لا يشقُّ على الرَّسول صلّى الله عليه وسلَّم هنا؛ لأنَّه لا يفعل إلَّا الأرفقَ والأفضلَ.
الثَّانية: أن يكون الفطر أرفقَ به، فالفطر أفضلُ، وإذا شقَّ عليه بعض الشَّيء صار الصَّوم في حقِّه مكروهًا؛ لأنَّ ارتكاب المشقَّة مع وجود
الجزء: 1 - الصفحة: 350
الرُّخصة يشعر بالعدول عن رخصة الله عزّ وجل.
الثَّالثة: أن يشقَّ عليه مشقَّةً شديدةً غير محتملةٍ، فالصَّوم في حقِّه حرامٌ؛ لحديث جابرٍ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكَّةَ في رمضانَ فصام حتَّى بلغ كراعَ الغميم، فقيل له: إنَّ النَّاس قد شقَّ عليهم الصِّيام، وإنَّما ينظرون فيما فعلتَ، فدعا بقدحٍ من ماءٍ بعد العصر، فرفعه، حتَّى نظر النَّاس إليه، ثمَّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنَّ بعض النَّاس قد صام، فقال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» [مسلم 1114].