- مسألةٌ: (وَصَوْمُ رَمَضَانَ يَجِبُ) بواحدٍ من ثلاثة أمورٍ:
الأمر الأوَّل: (بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ) أي: هلال رمضانَ، إجماعًا؛ لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) [البقرة: 185]، ولما روى ابن عمرَ رضي الله عنهما مرفوعًا: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» [البخاري 1900، ومسلم 1080]. الأمر الثَّاني: (فَإِنْ لَمْ يُرَ) هلال رمضانَ (مَعَ صَحْوِ لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَصُومُوا)، وأكملوا شعبانَ ثلاثين يومًا، ثمَّ صاموا بعده بلا خلافٍ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بالصيام عند رؤيته، ولم يوجد، والأصل بقاء شعبان.
الجزء: 1 - الصفحة: 341
الأمر الثَّالث: (وَإِنْ حَالَ دُونَ مَطْلَعِهِ) أي: مطلع الهلال ليلة الثَّلاثين من شعبانَ (غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ) أي: غبرةٌ، (أَوْ غَيْرُهُمَا) أي: غير الغيم والقتر، كالدُّخان ونحوه، (وَجَبَ صِيَامُهُ) أي: صوم اليوم الَّذي بعده، (حُكْمًا ظَنِّيًّا احْتِيَاطًا)، لا يقينًا (بِنِيَّةِ رَمَضَانَ)؛ لحديث ابن عمرَ رضي الله عنهما مرفوعًا: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» [البخاري 1900، ومسلم 1080]، ومعنى: «فَاقْدُرُوا» أي: ضيِّقوا؛ لقوله تعالى: (ومن قُدِرَ عليه رزقه) [الطلاق: 7] أي: ضُيِّق، وهو أن يجعل شعبانَ تسعةً وعشرين يومًا.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يجب صوم ذلك اليوم قبل رؤية هلاله أو إكمال شعبانَ ثلاثين 1؛ لحديث أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعًا: «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ» [البخاري 1909]، وأمَّا حديث ابن عمرَ رضي الله عنه: «فَاقْدُرُوا لَهُ»، فالمراد به: التَّقدير، أي: قدِّروا شعبانَ ثلاثين، لرواية البخاريِّ [1970]: «فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثِينَ».
- فرعٌ: (وَيُجْزِئُ) صوم هذا اليوم (إِنْ ظَهَرَ) أنَّه (مِنْهُ) أي: من
الجزء: 1 - الصفحة: 342
رمضانَ، بأن ثبتت رؤيته بموضعٍ آخرَ؛ لأنَّ صومه وقع بنيَّة رمضانَ لمستندٍ شرعيٍّ؛ أشبه الصَّوم للرُّؤية.
-
فرعٌ: (وَتَثْبُتُ) تبعًا لوجوب صومه: (أَحْكَامُ الصَّوْمِ مِنْ صَلَاةِ تَرَاوِيحَ، وَوُجُوبِ كَفَّارَةٍ بِوَطْءٍ فِيهِ) أي: في ذلك اليوم، (وَنَحْوِهِ)؛ كوجوب إمساكٍ على من أكل فيه جاهلًا، (مَا لَمْ يُتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ) بأن لم يُرَ مع صحوٍ بعد ثلاثين ليلة من اللَّيلة الَّتي غمَّ فيها هلال رمضانَ، فيتبيَّن أنَّه لا كفَّارة بالوطء في ذلك اليوم.
(وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ الأَحْكَامِ) الشَّهرية بالغيم، (مِنْ نَحْوِ طَلَاقٍ وَعِتَاقٍ)، وحلول دَيْنٍ مؤجَّلٍ به ونحوه؛ عملًا بالأصل، خُولِفَ فيما تقدَّم؛ للنَّصِّ. -
مسألةٌ: (وَالهِلَالُ المَرْئِيُّ نَهَارًا)، قبل الزَّوال أو بعده فهو (لِلَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ)؛ لما روى شقيق بن سلمَةَ، قال: أتأنا كتاب عمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه ونحن بخانقين: «إِنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ» [الدَّارقطنيُّ 2197، وصحَّحه إسناده الحافظ].
الجزء: 1 - الصفحة: 343
- مسألةٌ: (وَإِذَا ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ) أي: هلال رمضانَ (بِبَلَدٍ لَزِمَ الصَّوْمُ جمَيِعَ النَّاسِ)؛ لحديث ابن عمرَ رضي الله عنهما السَّابق: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا»، وهو خطابٌ للأمَّة كافَّةً.
واختار شيخ الإسلام: إن اتَّفقت المطالع لزم الصَّوم وإلَّا فلا؛ لما ورد عن كُرَيْبٍ: أنَّ أمَّ الفضل بنت الحارث، بعثته إلى معاويةَ رضي الله عنهم بالشَّام، قال: فقدمت الشَّام، فقضيت حاجتها، واستهلَّ عليَّ رمضانُ وأنا بالشَّام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثمَّ قدمت المدينة في آخر الشَّهر، فسألني عبد الله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، ثمَّ ذكر الهلال فقال: «مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ » فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: «أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ » فقلتُ: نعم، ورآه النَّاس، وصاموا وصام معاويةُ، فقال: «لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ»، فقلتُ: أو لا تكتفي برؤية معاويةَ وصيامه؟ فقال: «لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [مسلم: 1087].