- مسألةٌ: (وَتُسَنُّ):
1 - (تَحِيَّةُ المَسْجِدِ)، ركعتان فأكثرَ، لكلِّ من دخله، قصد الجلوس به أو لا؛ لحديث أبي قتادةَ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» [البخاري 444، ومسلم 714] 1.
ونصَّ أحمدُ: لا يجلس فيه حتَّى يصلِّيَ، وأمَّا إذا مرَّ فلا بأسَ؛ لظاهر التَّقييد في الحديث، ولما ورد عن نافعٍ: «أنَّ ابن عمرَ كان يمرُّ في المسجد ولا يصلِّي فيه» [ابن أبي شيبة: 3429]، وعن زيد بن أسلمَ أنَّه قال: «كان أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يدخلون المسجد، ثمَّ يخرجون ولا يصلُّون، ورأيت ابن عمرَ يفعله».
[ابن أبي شيبة: 3428].
2 - (وَسُنَّةُ الوُضُوءِ) عقبه؛ لحديث عثمانَ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [البخاري 159، ومسلم 226].
3 - (وَإِحْيَاءُ مَا بَيْنَ العِشَاءَيْنِ)، أي: التَّنفُّل بين العشاءين؛ لقول أنس بن مالكٍ رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ الآية [السجدة: 16]، قال: «كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ مَا
الجزء: 1 - الصفحة: 139
بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ يُصَلُّونَ» [أبوداود 1321] (وَهُوَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ)؛ لأنَّه من اللَّيل.
4 - (وَتُسَنُّ صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ وَلَوْ فِي خَيْرٍ)؛ كحجٍّ وعُمرةٍ إن كان نفلًا، والمراد في ذلك الوقت، فتكون الاستخارة في المباحات والمندوبات، لا في الواجبات والمحرَّمات والمكروهات، (وَيُبَادِرُ بِهِ) أي: بالخير (بَعْدَهَا)؛ لحديث جابرٍ رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلِّها، كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن، يقول: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي» [البخاري 6382].
5 - (وَتُسَنُّ صَلَاةُ الحَاجَةِ إِلَى الله تَعَالَى، أَوْ إِلَى آدَمِيٍّ)، لحديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه مرفوعًا: «مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللهِ حَاجَةٌ، أَوْ إِلَى
الجزء: 1 - الصفحة: 140
أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُحْسِنِ الوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللهِ، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لِيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» [الترمذي 479، وابن ماجهْ 1384، وهو ضعيفٌ جدًّا].
وفي فتاوى اللَّجنة الدَّائمة: أنَّ صلاة الحاجة جاءت بأحاديثَ ضعيفةٍ ومنكرةٍ فيما نعلم، لا تقوم بها حجَّةٌ، ولا تصلح لبناء العمل عليها.
6 - (وَتُسَنُّ صَلَاةُ التَّوْبَةِ) إذا أذنب ذنبًا، يتطهَّر، ثمَّ يصلِّي ركعتين، ثمَّ يستغفر الله تعالى؛ لحديث عليٍّ عن أبي بكرٍ رضي الله عنهم قال: سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ إِلَّا غَفَرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ»، ثمَّ قرأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135] [أحمدُ 2، وأبوداودَ 1521، والترمذي 406، وابن ماجهْ 1395].
- مسألةٌ: (وَيُسَنُّ سُجُودُ تِلَاوَةٍ) واختاره ابن عثيمينَ؛ للأوامر الواردة فيه، ولا يجب؛ لما روى زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه قال: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَالنَّجْمِ) فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» [البخاري 1073، ومسلم 577].
الجزء: 1 - الصفحة: 141
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّه واجبٌ مطلقًا في الصَّلاة وغيرها؛ للأمر به، كقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21].
وأجيب: بأنَّ الأمر صُرِفَ للاستحباب عن الوجوب للأدلَّة السَّابقة، وبأنَّ الذَّمَّ لمن تركه تكذيبًا واستكبارًا؛ ولهذا قال تعالى قبلها: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
-
فرعٌ: يُسَنُّ سجود التِّلاوة (مَعَ قِصَرِ فَصْلٍ) بين السُّجود وسببه، فإن طال الفصل لم يسجد؛ لفوات محلِّه.
-
مسألةٌ: يُسَنُّ سجود التِّلاوة (لِقَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ) وهو الَّذي يقصد الاستماع؛ لقول ابن عمرَ رضي الله عنهما: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعًا لجَبْهَتِهِ»، ولمسلمٍ: «فِي غَيْرِ صَلَاةٍ» [البخاري 1079، ومسلم 575].
ولا يُسَنُّ السُّجود للسَّامع، وهو من لم يقصد الاستماع؛ لما ثبت عن عثمانَ رضي الله عنه: «إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ» [مصنف عبد الرزاق 5906].
- فرعٌ: إن لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع؛ لما روى سليمانُ بن حنظلةَ قال: قرأت عند ابن مسعودٍ السَّجدة فنظرتُ إليه، فقال: «مَا تَنْظُرُ أَنْتَ قَرَأْتَهَا، فَإِنْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا» [عبدالرزاق 5907].
الجزء: 1 - الصفحة: 142
- مسألةٌ: (وَيُسَنُّ) في غير صلاةٍ (سُجُودُ شُكْرٍ) لله تعالى، (عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ) مطلقًا، سواءً كانت النِّعمة عامَّةً أو خاصَّةً، دينيَّةً أو دنيويَّةً؛ لحديث أبي بكرةَ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ، خَرَّ سَاجِدًا، شُكْرًا لِلهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» [أحمد 20455، وأبوداود 2774، والترمذي 1578، وابن ماجهْ 1394].