- مسألةٌ: (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ) ما اجتمع فيه أمران:
1 - (مَكِيلٍ)، فلا تجب الزَّكاة في معدودٍ كالفواكه، ولا في موزونٍ كالقطن؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه مرفوعًا: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» [البخاري: 1405، ومسلم: 979]، والوَسْقُ مَكِيلٌ، فدلَّ على أنَّ ما لا يُكَال لا تجب فيه الزَّكاة؛ لأنَّه لو لم يدلَّ على اعتبار الكيل لكان ذِكْرُ
الجزء: 1 - الصفحة: 302
الأوسق لغوًا.
2 - (مُدَّخَرٍ)، فلا تجب الزَّكاة فيما لا يُدَّخَرُ كالخضراوات، والزُّهور، والنِّعناع، والجرجير، ونحوها؛ لأنَّ ما لا يُدَّخَر لا تكمل فيه النِّعمة.
واختار شيخ الإسلام: أنَّ المعْتَبَر في الوجوب هو الادِّخار لا غيرَ؛ لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزَّكاة فيه، بخلاف الكيل والوزن فإنَّه تقديرٌ مَحضٌ، ولذا تجب الزَّكاة عنده في التِّين، والمشمش، والجوز، وغيرها؛ لأنَّها جميعًا مُدَّخَرَةٌ.
- فرعٌ: تجب الزَّكاة (مِنْ حَبِّهِ) أي: المكيل المدخَّر الخارج من الأرض (مِنْ قُوتِ البَلَدِ) كالبُرِّ والتَّمر، (وَ) تجب في (وَغَيْرِهِ) أي: غير القوت؛ كالحبَّة السَّوداء والفستق ونحوه.
وعدَّد المؤلَّف شيئًا ممَّا تجب فيه الزَّكاة وما لا تجب فيه، فقال: (فَتَجِبُ فِي كُلِّ الحُبُوبِ؛ كَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالأَرُزِّ، وَالحِمَّصِ، وَالجُلْبَانِ، وَالعَدَسِ، وَالتُّرْمُسِ، وَالكِرْسِنَّةِ، وَبِزْرِ القُطْنِ وَالكَتَّانِ، وَبِزْرِ الرَّيَاحِينِ وَالقِثَّاءِ)، ونحوها؛ لكونها مكيلةً مُدَّخَرَةً.
الجزء: 1 - الصفحة: 303
و (لَا) تجب الزَّكاة (فِي نَحْوِ: جَوْزٍ، وَتِينٍ، وَعُنَّابٍ)، وزيتونٍ، وتوتٍ، ونحوها، (وَلَا) تجب (فِي بَقِيَّةِ الفَوَاكِهِ؛ كَتُفَّاحٍ، وَإِجَّاصٍ، وَكُمَّثْرَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ)؛ كرمَّان، وخوخٍ، ونحوها.
- فرعٌ: تجب الزَّكاة في كلِّ مكيلٍ ومُدَّخَرٍ (بِشَرْطَيْنِ):
(أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْلُغَ) الخارج من الأرض (نِصَابًا)؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه السَّابق.
(وَقَدْرُهُ) أي: النِّصاب، (بَعْدَ تَصْفِيَةِ حَبٍّ) من قشره، (وَجَفَافِ) غيره، كورقٍ و (ثَمَرٍ)؛ لأنَّ التَّصفية في الحبِّ هي حال الكمال والادِّخار، واعْتُبِرَ الجفاف في غيره؛ لأنَّ التَّوسيق لا يكون إلَّا بعد التَّجفيف: (خَمْسَةُ أَوْسُقٍ)؛ لظاهر حديث أبي سعيدٍ السَّابق، (وَهِيَ) أي: الأوسق الخمسة: (ثَلَاثُمائَةِ صَاعٍ). - فرعٌ: (وَالوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا)، وقد نُقِلَتِ الأوسق من الكيل إلى الوزن؛ لتُحْفَظَ وتُنْقَلَ، فخمسة أوسقٍ تُسَاوي (300) صاعٍ، (وَالصَّاعُ)
الجزء: 1 - الصفحة: 304
بالغرامات كما سبق يُسَاوي (2040) غرام، وبالأرطال: (خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالعِرَاقِيِّ، وَهِيَ) أي: الأوسق الخمس: (ثَلَاثُمائَةِ) رطلٍ، (وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ بِالدِّمَشْقِيِّ)، وبالغرامات (612000) غرام، وبالكيلو غرام (612) تقريبًا من البُرِّ المتوسِّط.
الشَّرط (الثَّانِي: مِلْكُهُ) أي: النِّصاب (وَقْتَ وُجُوبِهَا) أي: وجوب الخارج من الأرض، فلا تجب فيما مُلِكَ بعد وقت الوجوب بشراءٍ أو إرثٍ، ولا فيما أخذه بحصاده، وإنَّما تجب على من كان مالكًا له وقت وجوبه؛ لقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) [المعارج: 24]، فقبل وقت الوجوب لم يكن في المال حقٌّ على أحدٍ، وعند وقت الوجوب ثبت حقُّ الزَّكاة في ذمَّة مالكها دون غيره.
- فرعٌ: (وَهُوَ) أي: وقت وجوب الزَّكاة، يكون:
1 - (فِي الحَبِّ): عند (اشْتِدَادِهِ)، أي: إذا قوي وصلُب؛ لأنَّه إذا اشتدَّ قُصِدَ للأكل والاقتيات.
2 - (وَفِي الثَّمَرِ): عند (بُدُوِّ صَلَاحِهِ)، وهو في النَّخل: أن يحمرَّ أو يصفرَّ، وفي غيره: أن يطيب أكلُه، ويظهر نضجه؛ لأنَّه وقت الخرص
الجزء: 1 - الصفحة: 305
المأمور به لحفظ الزَّكاة، ومعرفة قدرها، فدلَّ على تعلُّق الوجوب به.
- فرعٌ: (وَلَا يَسْتَقِرُّ) وجوب الزَّكاة (إِلَّا بِجَعْلِهَا) أي: الحبوب والثِّمار (فِي بَيْدَرٍ)، وهو موضع التَّشميس والتَّيبيس، (وَنَحْوِهِ) ممَّا تُجْمَع فيه الثَّمرة ليتكامل جفافها؛ لقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) [الأنعام: 141]، وإذا حُصِدَ الزَّرع فإنَّه يُجْعَل في البَيْدَرِ فَوْرًا.