- مسألةٌ: اقتداء المأموم بالإمام لا يخلو من قسمين:
القسم الأوَّل: أن يكون المأموم داخل المسجد: وأشار إليه بقوله: (وَإِذَا جَمَعَهُمَا) أي: الإمام والمأموم (مَسْجِدٌ؛ صَحَّتِ القُدْوَةُ) أي: الاقتداء (مُطْلَقًا)، سواءً رأى المأمومُ الإمامَ أو من وراءه أم لم يَرَهُمْ، وسواءً اتَّصلت الصُّفوف أم لا، حكاه النَّوويُّ والمجد إجماعًا؛ لأنَّ المسجد بُني للجماعة، فكلُّ من حصل فيه فقد حصل في محلِّ الجماعة،
الجزء: 1 - الصفحة: 176
فتصح الصلاة (بِشَرْطِ):
1 - (العِلْمِ بِانْتِقَالَاتِ الإِمَامِ) بسماع التَّكبير أو بمشاهدة الإمام أو من خلفه؛ لتمكُّنه من الاقتداء.
2 - زوال الفَذِّيَّة؛ لما سبق.
القسم الثَّاني: (وَإِنْ لَمْ يَجْمَعْهُمَا) أي: الإمام والمأموم مسجدٌ، بأن كانا خارجين عنه، أو المأموم وحده خارجًا عنه، (شُرِطَ) لصحَّة الاقتداء: (رُؤْيَةُ الإِمَامِ، أَوْ) رؤية (مَنْ وَرَاءَهُ)، ولو لم تتَّصل الصُّفوف، فإن لم ير أحدَهما لم يصحَّ اقتداؤه به، ولو سمع التَّكبير؛ لما ورد عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: (قد صلَّى نسوةٌ مع عائشةَ زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حجرتها فقالت: لا تُصَلِينَ بصلاة الإمام فإنَّكنَّ دونه في حجابٍ) [البيهقي في الكبرى 5028، معلَّقًا]، ولأنَّه لا يمكن الاقتداء به في الغالب.
وعنه: يصحُّ إن سمع التَّكبير، ولو لم يره؛ لإمكان الاقتداء.
- فرعٌ: تكفي الرُّؤية (وَلَوْ فِي بَعْضِهَا)، أي: في بعض الصَّلاة أو من شبَّاك ونحوه، إن أمكن الاقتداء؛ لحديث عائشةَ رضي الله عنها، قالت: «كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ» [البخاري 378،
الجزء: 1 - الصفحة: 177
ومسلم 411]، والظَّاهر أنَّهم كانوا يرونه حال قيامه.
ويمكن أن يقال: يجوز اقتداء المأموم بالإمام إن كان خارج المسجد بشرطين:
1 - اتِّصال الصُّفوف، قال شيخ الإسلام: (فإن كانت الصُّفوف متَّصلةً جاز باتِّفاق الأئمَّة)، فإن لم تتَّصل الصُّفوف لم تصحَّ الصَّلاة، واختاره شيخ الإسلام.
2 - إمكان الاقتداء بالإمام برؤيته، أو رؤية من وراءه، أو سماعٍ، لحديث عائشةَ السَّابق.
- مسألةٌ: (وَكُرِهَ عُلُوُّ إِمَامٍ عَلَى مَأْمُومٍ ذِرَاعًا فَأَكْثَرَ)؛ لأنَّ عمَّار بن ياسر رضي الله عنهما صلَّى بالمدائن على دكَّانٍ والنَّاس أسفل منه، فتقدَّم حذيفةُ فأخذ على يديه فاتَّبعه عمَّارٌ، حتَّى أنزله حذيفةُ، فلمَّا فرغ عمَّار من صلاته قال له حذيفةُ رضي الله عنهما: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ»، قال عمَّارٌ: «لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ» [أبو داود 598]، ولا تبطل؛ لأنَّ عمَّارًا أتمَّ صلاته؛ ولو كانت فاسدةً، لاستأنفها.
ولا بأسَ بعلوٍّ يسيرٍ، كدرجة منبرٍ ونحوها ممَّا دون ذراعٍ؛ جمعًا بين ما تقدَّم وبين حديث سهلٍ رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى على المنبر، ثمَّ نزل القهقرى، فسجد، وسجد معه النَّاس، ثمَّ عاد حتَّى فرغ، ثمَّ قال «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا
الجزء: 1 - الصفحة: 178
صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» [البخاري 917، ومسلم 544]، والظَّاهر أنَّه كان على الدَّرجة السُّفْلى لئلَّا يحتاج إلى عملٍ كثيرٍ في الصُّعود والنُّزول، فيكون الارتفاع يسيرًا.
- فرعٌ: (لا عَكْسُهُ)، أي: لا يُكْرَهُ علوُّ مأمومٍ على إمامٍ ولو كثيرًا؛ لما روى صالح مولى التَّوْأمة: «أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ بِصَلَاةِ الإِمَامِ وَهُوَ تَحْتَهُ» [عبدالرزاق 4888].
- (وَكُرِهَ حُضُورُ مَسْجِدٍ، وَ) حضور (جَمَاعَةٍ) ولو بغير مسجدٍ (لِمَنْ أَكَلَ بَصَلًا أَوْ فُجْلًا وَنَحْوَهُ)، كثومٍ وكرَّاثٍ، أو من له صنانٌ أو بخرٌ، (حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ)؛ لحديث جابرٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكَلَ البَصَلَ وَالثُّومَ وَالكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» [مسلم 592].