- مسألةٌ: إهداء القُرَبِ للميت: وهي على قسمين:
القسم الأوَّل: قُرَبٌ يجوز إهداؤها للميت اتِّفاقًا، وهي: 1 - الدُّعاء والاستغفار؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) [الحشر: 10]، ولحديث أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [مسلم: 1631]. 2 - العبادات المالية، كالصَّدقة والعتق؛ لحديث عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ إنَّ أمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ولم تُوصِ، وأظنُّها لو تكلَّمت تصدَّقت، أفلها أجرٌ إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: «نَعَمْ» [مسلم: 1004]. القسم الثَّاني: قُرَبٌ تُنُوزِعَ في جواز إهدائها للميت، وهي باقي العبادات؛ كالصَّلاة، والصَّوم، والحجِّ، وغيرها، والمذهب الجواز، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث بريدةَ رضي الله عنه قال: بينا أنا جالسٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أتته امرأةٌ، فقالت: يا رسول الله؛ إنَّهُ كان عليها - أي: أمِّها - صومُ شهرٍ، أفأصوم عنها؟ قال: «صُومِي عَنْهَا»، قالت: إنَّها لم
الجزء: 1 - الصفحة: 288
تحجَّ قط، أفأحجُّ عنها؟ قال: «حُجِّي عَنْهَا» [مسلم: 1149]، وتُقَاس باقي العبادات على ما تقدَّم من النُّصوص، وإلى ذلك أشار المؤلِّف بقوله: (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فُعِلَتْ) من مسلمٍ (وَجُعِلَ ثَوَابُهَا لِمُسْلِمٍ) غيره؛ (حَيٍّ أَوْ مَيْتٍ نَفَعَهُ ذَلِكَ).
-
مسألةٌ: (وَتُسَنُّ زِيَارَةُ القُبُورِ لِلرِّجَالِ)، وحكاه النَّوويُّ إجماعًا؛ لحديث أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعًا: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا» [مسلم: 977]، وفي روايةٍ: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» [أبو داود: 3235، والترمذي: 1054، وابن ماجهْ: 1571].
-
مسألةٌ: (وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ) زيارة القبور؛ لحديث أمِّ عطيَّةَ رضي الله عنها: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» [البخاري: 1278، ومسلم: 938]، (وَإِنْ عَلِمْنَ) أي: النِّساء (أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُنَّ مُحَرَّمٌ) بزيارتهنَّ (حَرُمَتْ) زيارتهنَّ لها؛ وعليه يُحْمَلُ حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه: «لَعَنَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ» [الترمذي: 1056، وابن ماجهْ: 1575]، غيرَ قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وصاحِبَيْهِ فَيُسَنُّ.
وعنه، واختارها شيخ الإسلام: يحرم مطلقًا؛ لظاهر الحديث السَّابق، وجاء في حديث ابن عبَّاسٍ أيضًا: «لَعَنَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» [أحمد: 2030، وأبو
الجزء: 1 - الصفحة: 289
داود: 3236، والترمذي: 320، والنسائي: 2043]، وأمَّا قول أمِّ عطيَّةَ رضي الله عنها: «وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» فهذا فهمها للنَّهي، والحجَّة فيما روى الرَّاوي لا فيما رأى.
- مسألةٌ: (وَيَجُوزُ البُكَاءُ عَلَى المَيْتِ)؛ لحديث ابن عمرَ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أتى سعد بن عبادةَ يوم مات، فبكى، وقال: «إِنَّ الله لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ» [البخاري: 1304، ومسلم: 924].
واختار شيخ الإسلام: استحباب البكاء على الميت رحمةً له؛ لفعل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وحاله أكمل الأحوال، حيث جمع بين الرِّضا بالقدر، والرَّحمة بالميت.