- مسألةٌ: أحوال المأموم مع الإمام من حيث الاقتداء ثلاثة أحوالٍ:
الأُولى: المتابعة: وأشار إليها بقوله: (وَالأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ) المأموم
الجزء: 1 - الصفحة: 155
(فِي أَفْعَالِهَا) أي: الصَّلاة (بَعْدَ) شروع (إِمَامٍ)؛ لحديث عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» [البخاري 688، ومسلم 412]، والفاء للتَّعقيب.
الثَّانية: الموافقة، وأشار إليها بقوله: (فَإِنْ وَافَقَهُ فِيهَا) أي: في أفعال الصَّلاة وأقوالها لم يَخْلُ من أحوالٍ:
1 - الموافقة في تكبيرة الإحرام: فلا تنعقد صلاته؛ عمدًا أو سهوًا؛ لأنَّه ائتمَّ بمن لم تنعقد صلاته؛ إذ من شرط الائتمام أن يأتيَ بتكبيرة الإحرام بعد تكبيرة إمامه.
2 - (أَوْ سَلَامٍ) بأن يسلِّمَ مع الإمام: (كُرِهَ)؛ لمخالفته السُّنَّة، وصحَّت؛ لأنَّه اجتمع معه في الرُّكن.
وإن سلَّم الأُولى عقب فراغ الإمام من الأولى، والثَّانية كذلك جاز؛ لأنه لا يخرج بذلك عن متابعة إمامه، والأَوْلى أن يسلِّم عقب فراغه من التَّسليمَتَيْنِ؛ لأنه أبلغ في المتابعة.
3 - الموافقة في بقيَّة الأذكار: كما لو وافقه في تسبيح الرُّكوع، أو الدُّعاء بين السَّجدتين، أو التَّشهُّد؛ فلا كراهةَ.
4 - الموافقة في الأفعال: بأن يركعَ أو يسجدَ مع الإمام، فَيُكْرَهُ؛ لحديث أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعًا: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ
الجزء: 1 - الصفحة: 156
فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ» [أحمد: 8502، وأبوداود: 603].
الثَّالثة: المسابقة، وأشار إليها بقوله: (وَإِنْ سَبَقَهُ حَرُمَ)، ولا تخلو المسابقة من أحوالٍ:
1 - أن يسبقَه بتكبيرة الإحرام، فقال رحمه الله: (وَإِنْ كَبَّرَ لِإِحْرَامٍ مَعَهُ) أي: مع الإمام، وسبق في الموافقة، (أَوْ) كبَّر (قَبْلَ إِتْمَامِهِ لَمْ تَنْعَقِدْ) صلاته.
2 - (وَإِنْ سَلَّمَ) مأمومٌ (قَبْلَهُ) أي: قبل إمامه (عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ) للمأموم بطلت صلاته؛ لأنَّه ترك فرضَ المتابعة متعمِّدًا، (أَوْ) سلَّم مأمومٌ قبل إمامه (سَهْوًا وَلَمْ يُعِدْهُ) أي: السَّلام (بَعْدَهُ) أي: بعد سلام إمامه (بَطَلَتْ) صلاتُه؛ لأنَّه لا يخرج من صلاته قبل إمامه، وإن لم يُعِدْهُ بعده فقد ترك فرض المتابعة.
فأمَّا إن سلَّم قبل سلام إمامه لعذرٍ، كمرضٍ، وغلبة نعاسٍ، وتطويل إمامٍ؛ لم تَبْطُلْ، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث جابرٍ رضي الله عنه قال: أنَّ معاذًا رضي الله عنه صلَّى فقرأ سورة البقرة، فتأخَّر رجلٌ فصلَّى وحده، فقيل له: نافقتَ، قال: ما نافقتُ، ولكن لآتينَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا» [البخاري 6106، ومسلم 465].
3 - وإن سبقه ببقيَّة الأقوال؛ فلا يُكْرَهُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 157
4 - أن يسبقه في الأفعال، كأن يركع قبل إمامه؛ فيحرم؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: "أَمَا يَخْشَى الَّذي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ أَنْ يُحَوَّلَ الله رَأْسَه رَأْسَ حِمَارٍ" [البخاري 691، ومسلم 427].
-
مسألةٌ: (وَسُنَّ لإِمَامٍ التَّخْفِيفُ) في الصَّلاة (مَعَ الإِتْمَامِ)، لحديث أنسٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ» [مسلم: 469]، قال في «المبدع»: (ومعناه أن يقتصر على أدنى الكمال من التَّسبيح وسائر أجزاء الصَّلاة، إلَّا أن يُؤْثِرَ المأمومُ التَّطويل وعددهم ينحصر).
-
مسألةٌ: (وَ) سُنَّ للإمام (تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ) الرَّكعة (الأُولَى عَنِ) قراءة الرَّكعة (الثَّانِيَةِ)؛ لقول أبي قتادةَ رضي الله عنه: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ» [البخاري: 759، ومسلم: 451]، ويُسْتَثْنَى من ذلك:
1 - صلاة الخوف في بعض صورها؛ حين ينتظر الإمام في الرَّكعة الثَّانية فراغَ الطَّائفة الأُولى ودخول الطَّائفة الثَّانية.
[البخاري: 4129، ومسلم: 842].
2 - أن تكون الثَّانية أطولَ بمقدارٍ يسيرٍ، كما في حديث النُّعمان بن بشيرٍ رضي الله عنه: «كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي العِيدَيْنِ، وَفِي الجُمُعَةِ بِـ: "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى"، وَ "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ"» [مسلم: 878].
الجزء: 1 - الصفحة: 158
- مسألةٌ: (وَ) سُنَّ للإمام (انْتِظَارُ دَاخِلٍ) في ركوعٍ وغيره؛ لأنَّ الانتظار ثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف لإدراك الجماعة [البخاري: 4129، ومسلم: 842]، وذلك موجودٌ هنا، (إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى مَأْمُومٍ) فَيُكْرَهُ؛ لأنَّ حرمة الَّذي معه أعظمُ من حرمة الَّذي لم يدخل معه.