كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 83-122
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح

صفحات 83-122
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وليس كلفظ "التمليك" و"الإباحة"، وهذه الطريقة أصح عند ابن الصباغ وغيره.
وإذا أطلقت الكلام واختصرت قلت: في المسألة ثلاثة أوجه، كما ذكر في "المهذب".
ثالثها: الفرق بين أن يحسن فلا يصح، أو لا يحسن فيصح، ونسب هذا إلى الإصطخري، ونقل الإمام عنه المنع مطلقاً.
وأصح الوجوه: الصحة مطلقاً، وحكم من يقدر على التعلم حكم من يحسن.
وقال الشيخ أبو حامدٍ: لا يجب التعلم وإن كان [له مهلة].
فرع: إذا [جوزناه بالعجمية]، فكان أحدهما يحسن العربية، والآخر لا يحسنها، فتكلم كل منهما بما يحسنه-[صح] إذا فهم كل منهما كلام الآخر، فإن لم يفهم ولكن أخبره ثقة عن معنى لفظ الآخر: فإن تعلمه صح، وإن لم يتعلمه لكنه صار بحيث لو سمعه مرة أخرى عرف معناه، ففيه وجهان.
وقيل: يشترط أن يكون الإيجاب والقبول بلغة واحدة.
ويشترط- أيضاً- فهم الشهود معنى اللفظين، والله تعالى أعلم.
فصل: ويجب تسلمي المرأة في منزل الزوج إن كانت ممن يمكن الاستمتاع بها- أي: إذا طلب- وكان الصداق مؤجلاً أو حالّاً مقبوضاً؛ لأنه ملك الاستمتاع بها بالعقد، فوجب تمكينه من استيفائه حيث شاء كما في العين المستأجرة.
وفي الأمة وجهٌ: أنه لا يجب تسليمها إلى الزوج في منزله إذا بوأها السيد بيتاً في داره.
والمخاطب بالتسليم الزوجة إن كانت حرّةً مكلفة، والسيد إن كانت أمة، والولي إن كانت غير مكلفة، أمَّا إذا لم يمكن الاستمتاع بها لصغرها أو مرضها، أو نِضْو خَلْقها، بحيث يُضِرُّ بها الوطء [إضراراً بيّناً] ولا تطيقه- فلا يجب تسليمها، ويكره لولي الصغيرة أني سلمها إليه في هذه الحالة.
ولو قال: سلّموها إلي لأستمتع بها فيما عدا الفرج، قال مجلي: لا تسلم إليه؛ لأنه لا يؤمن من تَوَقان النفس.
وقال في "التهذيب": تسلم إليه المريضة دون الصغيرة.
[وقال في "التتمة": تسلم إليه نضوة الخلق دون المريضة والصغيرة]؛ لأن

للصِّغَر غاية، [وليس لنضو الخلق غاية].
ووافقه صاحب "الشامل" في الحكم في المريضة ونضوة الخلق.
ولا خلاف في الحائض والنفساء: أنه يجب تسليمها؛ لأنها لا تخاف على نفسها ضرراً، كما في الرتقاء والقرناء، ويكتفي في منعه عن الوطء في الفرج بوازع الشرع، ونفرة الطبع.
نعم، لو علمت الحائض أنها إذا ضاجعته لم تمن على نفسها فلها الامتناع؛ إذ يجب عليها ذلك.
ومن أصحابنا من تردد فيه.
ولو كانت محرَّمة عليه بسبب إحرامه أو ظهاره، فهل يحرم عليها تمكينه؟ فيه وجهان محكيان في كتب العراقيين في كتاب الإيلاء.
فروع: مؤنة التسليم على الزوجة إذا دعاها إلى البلد الذي وقع فيه العقد، بخلاف تسليم المبيع المنقول؛ فإن فيه كلاماً ذكرته في البيع، ولو دعاها إلى غير بلد العقد: فإن كانت فوقها، كما إذا تزوجها ببغداد، وهي بالكوفة، واستدعاها إلى البصرة- فالنفقة عليها من الكوفة إلى بغداد، ومن بغداد إلى البصرة على الزوج.
وإذا اختلف الزوج والولي في بقاء الزوجة حيث يجب عليه التسليم، فقال الولي: ماتت، وقال الزوج: بل هي باقية- فالقول قول الزوج.
ولو اختلفا في صلاحيتها للتسليم، فقال أحدهما: لا تحتمله، وقال الآخر: بل تحتمله- فالقول قول من ينكر الاحتمال.
وفيه وجه: أنها [تُرى] لأربع نسوةٍ، أو رجلين من المحارم، ونقل في "الذخائر" في كتاب النفقات: أنه يكتفي بامرأةٍ واحدة، وأصل الاختلاف أن ذلك يسلك به مسلك الرواية أو الشهادة؟ قال: "فإن سألت إنظار ثلاثة أيام أُنظرت" أي: واجباً، وهذا هو المنقول في "المختصر"؛ [لما روى عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فلمَّا ذهبنا لندخل قال: "أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلاً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ"

[وخرجه] البخاري ومسلم بمعناه.
فإذا منعَ الزوج أن يطرق [زوجته] مغافصة، وأمره بإمهالها مع تقدم صحبته لها- فها هنا أولى.
وأمَّا اعتبار الثلاث؛ فلأنها مدة قريبة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ* فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: 64، 65]، [ولها] اعتبار في الشرع في [الانتظارات]: في انتظارات المُولِي إذا طولب بالوطء بعد المدة، [وفيما] إذا ادعى أن له بينة قريبة بالقضاء أو الإبراء، وفي خيار الفسخ بسبب الإعسار بالنفقة، وغير ذلك.
وحكى القاضي أبو حامد عن "الإملاء" قولاً: أنها لا تمهل؛ لأنه قد سلَّم العِوضَ، فوجب تسليم المعوَّض كالمتبايعين، فعلى هذا يكون مستحقّاً، والأول أصح، ومنهم من قطع به؛ لأن تسليم المعقود عليه يرجع فيه إلى العرف والعادة، والعادة لا تقتضي ذلك، ويخالف البيع؛ فإنه ليس للبائع في تأخير تسلم المبيع غرض صحيح، وقضية لفظ "الوسيط" إثبات خلاف في أنها تمهل [بقدر ما تتهيأ، أو ثلاثة أيام.
قال الرافعي: والأشبه خلافه.
ولا خلاف أنها لا تمهل]؛ لتجهيز الشّوار وحصول السِّمَنِ.
قال: "وإن كانت أمةً لم يجب تسليمها إلا بالليل"؛ لأن السيد يملك منفعتين من أمته: منفعة الاستمتاع، ومنفعة الاستخدام، فإذا زوجها عقد على إحدى المنفعتين وبقيت الأخرى، فيستوفيها في وقتها وهو النهار؛ كما أنه إذا أجّر أمته يسلمها للمستأجر نهاراً، ويمسكها لاستيفاء المنفعة الأخرى في وقتها وهو الليل.
ويتبين من هذا: أنه لو أراد السيد أن يسلمها نهاراً بدلاً من الليل لا يجوز؛ لأن الليل وقت الاستمتاع والاستراحة، وعليه التعويل في القَسْم في الغالب.

وفيه وجهٌ: أنها إذا كانت محترفةً بحرفة يمكن الإتيان بها في يد الزوج وجب تسليمها إليه ليلاً ونهاراً، وبه قال أبو إسحاق المروزي.
والأول أظهر؛ لأن السيد قد يبدو له في الحرفة ويريد أن يستخدمها.
وللسيد أن يسافر بها، وللزوج أن يسافر معها، ويستمتع بها.
والمكاتبة هل يجب عليها أن تسلم نفسها نهاراً مع الليل؟ فيه وجهان عبّر عنهما القاضي الحسين في كتاب النفقات بأنها هل تتبوأ مع الزوج بيتاً: أحدهما: نعم؛ لأنها مالكة لمنافعها، فأشبهت الحرة، وهذا ما جزم به الماوردي عند الكلام فيما إذا كان زوجها عبداً.
[والذي ذكره الغزالي في كتاب الكتابة]: [أنه لا يجب تسليمها نهاراً؛ كالأمة].
قال: "والمستحب إذا سُلِّمت إلى الزوج أن يأخذ بناصيتها أولَ ما يلقاها، ويقول: بارك الله لكل منّا في صاحبه".
[والناصية]: مقدم الرأس، وإنما استحب ذلك؛ لما روى أبو داود عن عبد الله ابن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمُ [امْرَأَةً] أَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً، فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَلْيَاخُذْ بِنَاصِيَتِهَا، وَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ".
قاله عبد الحق، والجبْل: هو الخلق، ولأن هذا ابتداء الوُصْلة؛ فاستحب أن يدعو بالبركة.
قال: "ويملك الاستمتاع بها من غير إضرار"؛ لأنه المعقود عليه، وفي "التتمة" في كتاب الأيمان رمز إلى أن النكاح لا يفيد ملكاً على رأي، وإنما هو عقدٌ على الحل؛ فإنه قال: لو حلف: لا ملك له، وله حقٌّ في منفعة ملك إنسان- حنث، وإن كان له زوجة فلنا أصل: وهو أنّ النكاح فيه ملك [أو هو عقد] على

الحل؟ فإن أثبتنا فيه ملكاً حنث في يمينه.
وفي "المحيط" عند الكلام فيما إذا وطئت في الدبر هل يتقرر المهر به؟ حكاية وجهين في أن المعقود عليه منافع البضع أم ذات المرأة؟ ويلزم من قال بأن المعقود عليه منافع البضع [ألا] يملك الاستمتاع بغيره، إلا أن يقول بحصول ذلك بطريق التبع، ولو أضرّ بها الاستمتاع في الفرج ضرراً لا تطيقه فلها منعه؛ كما إذا كان كبير الآلة، أو كانت مريضة، أو نِضْوة الخَلْق؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ".
قال: "وله أن يسافر بها إن شاء"- أي: إذا كانت حرّةً- لأنه- صلى الله عليه وسلم- كان يسافر بنسائه، ولأنه يملك الاستمتاع بها من غير تعلق حقٍّ بها؛ فوجب تمكينه من استيفائه حيث شاء كما في العين المستأجرة.
أمَّا لو كانت أمة فليس له السفر بها إلا بإذن السيد.
قال: "وله أن ينظر إلى جميع بدنها؛ لأنه محل استمتاعه، والنظر مما يستمتع به".
قال: وقيل: لا [يجوز النظر] إلى الفرج؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهُ يُوَرِّثُ الطَّمْسَ"، وهو العمى.
قال في "العُدَّة": يريد أن الولد يولد أعمى، وفي بعض الطرق الفصل بين ظاهر الفرج وباطنه.
قال الإمام: ولست أرى لهذا معنى، والأول أصح؛ لأن [له] الاستمتاع به؛

فجاز [له] النظر إليه كالفخذ، والخبر- إن صح- محمول على الكراهة كاستعمال الماء المُشَمَّس.
والنظر إلى باطن الفرج أشد، وكذلك يكره للإنسان أن ينظر إلى فرج نفسه من غير حاجةٍ.
ونظر السيد إلى أمته التي يجوز له الاستمتاع بها كنظره إلى زوجته، ونظر الزوجة إلى الزوج كنظره إليها، وقطع بعضهم بجواز نظرها إلى ذكر الزوج وقال: الخبر ورد في الفرج وهو الشَّقُّ.
قال: ولا يجوز [له] وطؤها في الحيض؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "افْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ"، وللإجماع: قال الإمام: ومما يجب التَّفَطُّنُ له أن [تحريم] وطء الحائض ليس لملابسة الأذى القائم بالفرج؛ فإن التضمُّخ بذلك الأذى بعد الانفصال غير محرم، وتحريم وقاع الحائض- وإن طهرت عن الأذى وغسلت المنفذ- قائم؛ فليفهم.
قلت: وما قاله يعارض ما [قاله] الشافعي؛ حيث قال في الوطء في الدبر: "إذا كان يحرم إتيان الحائض؛ لما بها من الأذى، فيجب أن يحرم الإتيان في غير المَاتَى؛ لأن الأذى دائم".
[ثم قوله]: "إن التضمخ به جائز"، قد يمنع؛ فإن الغزالي في "البسيط" في آخر صلاة الخوف حكى عن الصيدلاني أن التضمخ بالنجاسة من غير حاجة- ممتنعٌ، وفي استعمال جلد الميتة وجهان مشهوران، ووجه المنع: وجود النجاسة، فإذا كان الجلد لا يجوز لبسه مع وجود الانتفاع؛ للنجاسة، فدم الحيض أولى بالاجتناب، وفي "الرافعي" أن ابن كجٍّ نقل وجهاً: أنه يتجنب الحائض في جميع بدنها؛ لظاهر الآية.
قال: [ولا يجوز وطؤها] في الدبر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم وقد سُئِلَ عن ذلك وأيهم

السائل: "إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ؛ لَا تَاتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ"، وقوله: "لَا يَسْتَحْيِي [مِنَ الْحَقِّ] " أي: لا يترك شيئاً منه؛ لأن من استحيا من شيء تركه.
وقيل: لا يستبقى؛ مأخوذ من قوله: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 49]، أي: يستبقونهن، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا"، [ولما] تقدم من قول الشافعي.
وقال صاحب "التقريب": من الناس من يضيف على الشافعي قولاً في القديم: أنه لم يقطع بتحريمه، وتوقف فيه، وقال: "ليس عندي دلالة في تحريمه".
وقال محمد بن عبد الحكم: قال الشافعي: في تحريم ذلك حديث غير صحيح، والقياس عندي أنه حلال.
فحُكِيَ ذلك للربيع فقال: كذب، والذي لا إله إلا هو، وقد نصّ على تحريمه في ستة مواضع من كتبه.
وفي شرح "مختصر الجويني" أن بعضهم أقام ما رواه قولاً، فلو وطئها في الدبر تعلقت به أحكام الوطء في القُبل إلا في الإحصان والتحليل، وأبدى الإمام في التحليل [احتمالاً]، والفيئة وزوال العنة، وتعتبر صفة الإذن على الصحيح فيها، واستقرار المهر وثبوت العدة والرجعة والنسب إذا جرى في النكاح الفاسد،

أو في أمته، وحرمة المصاهرة على وجهٍ في الجميع.
وإن كان في غير الزوجة لا يبطل به إحصان المفعول به رجلاً كان أو امرأةً.
وقيل: إن كانت امرأة يبطل إحصانها، قاله في "التهذيب"، وأبدى فيه احتمالاً لنفسه، وهو موافق لما أطلقه الأصحاب من أنَّ قول الرجل لزوجته: وطئك فلان في دبرك، يوجب الحد عليه؛ فألحقوه بالوطء في القبل، وقد قال المزني لمَّا حكى ذلك: "لا أدري على ماذا أقيسه؟! " وكأنه أنكر هذا المذهب.
ويجوز التلذذ فيما بين الإليتين.
قال: "وإن كانت أمةً"- أي: الزوجة- فله أن يعزل عنها.
العزل: أن يجامع، فإذا قارب الإنزال نزع ولا يُنزل في الفرج.
وإنما قلنا [له] ذلك في الأمة؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم- حين سئل عن العزل في غزوة بني المصطلق: "مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا [ذَلِكَ]، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ" رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري.
وعن جابر قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنَ لي جاريةً قد أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل؟ قال: "اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ؛ فَإِنَّهُ سَيَاتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا" [قال]: فلَبِثَ الرجلُ ثم أتاه وقال: إن الجارية [قد] حملت، فقال- عليه السلام-: "قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ سَيَاتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا" أخرجه مسلم.
فالأول دلّ بعمومه، والثاني بخصوصه، ولأن له غرضاً في ألا يَرُقَّ ولده، وفيه وجهٌ: أنها كالحرة.
قال: "والأولى ألّا يعزل"، أراد بعدم الأولوية ثبوت الكراهة كما أطلقه في "المهذب"؛ لما روت جدامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن العزل، فقال: "هو الوَادُ الْخَفِيُّ، {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ

سُئِلَتْ} [التكوير: 8] "، أخرجه مسلم.
وقطع الخراسانيون بنفي الكراهة، ولم يحكِ الشاشي سواه.
قال: وإن كانت حرّة لم يجز إلا بإذنها؛ لما روى عن ابن عباس وابن مسعود- رضي الله عنهما- أنهما قالا: "تستأذن الحرة في العزل"، ولما يلحقها من الضرر بتبعيض الاستمتاع، وتهييج دواعيها، ولا غرض صحيح له.
قال في "التتمة": وهو ظاهر المذهب.
وقال الرافعي: إنه أظهر الطريقين.
وقال في "الذخائر": قال أصحابنا [وغيرهم]: وهذا غير صحيح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين حالتيها، وحقها ساقط عن الزوج في هذا المعنى، بدليل أنه لو غيب الحشفة في الفرج فأنزل على قرب.
قال: وقيل: يجوز من غير إذنها، وهو الأشبه عند مجلي، والأصح في "النواوي"، لظاهر الخبر، [ولأن] حقَّها في الوطء لا في الإنزال، بدليل

انقطاع طلبها في الإيلاء والعنة بتغييب الحشفة، فعلى هذا: هل يكره؟ فيه وجهان.
وقيل: [لا] يجوز وإن رضيت؛ لظاهر خبر جدامة.
وإذا اختصرت في الحرة والأمة قلت: فيه أربعة أوجه: الجواز المطلق، وهو الأصح في "الوسيط".
المنع المطلق.
الجواز [في الأمة].
تخصيص الجواز بالرضا.
ولا خلاف- على المشهور- في جوازه في أمته، والأولى تركه، والمستولدة رتبها مرتبون على الأمة المنكوحة، وهذه أولى بالمنع، وآخرون على الحرة، [وهي] أولى بالجواز؛ لأنها ليست رأساً في الفراش؛ ولهذا لا تستحق القسم، وهذا أظهر.
ثم حيث قلنا بتحريم العزل، فذاك إذا نزع على قصد أن يقع الإنزال خارجاً خشية من الولد، أمَّا إذا عنَّ له أن ينزل لا على هذا القصد، فيجب القطع بأنه لا يحرم، كذا قاله الإمام.
قال: وله أن يجبرها على ما يقف عليه الاستمتاع، كالغسل [من الحيض] وترك السُّكر أي: وإن كانت ذميّة.
أمَّا الغسل؛ فلأن التمكين من الوطء واجبٌ عليها، وهو لا يحل بدونه، فإن لم

تفعل غسلها الزوج، واستفاد الحل، وإن لم يوجد منها النية؛ للضرورة، كما تجبر المجنونة المسلمة، وحكى الجيلي وجهاً: أنه ينوي عنها، ويمكن أن تخرج نيته على الوجهين فيما إذا امتنع رب المال من إخراج الزكاة فأخذها الإمام قهراً، هل ينوي عنه؟ وعن الحليمي- تخريجاً على الإجبار على الغسل- أن للسيد إجبار أمته المجوسيّة أو الوثنية على الإسلام؛ لتحلّ له، [وهو ما حكاه القاضي الحسين في باب كفارة يمين العبد بعد أن يعتق]، والمذهب خلافه؛ لأن الرق أفادها الأمان من القتل؛ فلا تجبر كالمستأمنة، ولأن غسلها غسل تنظيف لا غسل عبادة، والتنظيف حقٌّ للزوج، فجاز أن يجبرها عليه، والإسلام ليس حقّاً له.
وأمَّا السّكر؛ فلأنها لا ترد يد لامس، وتلتحق بالمجنونة، فلا يأمن أن تجني عليه، فيختل الاستمتاع، وهل له منع الذميّة من القدر الذي لا يسكر؟ فيه قولان، وأطلق المراوزة قولين في أنه: هل يمنعها من الشرب من غير تفصيل بين القليل والكثير؟ ويجري الوجهان في منع المسلمة من القدر الذي لا يُسكر من النبيذ إذا كانت تعتقد إباحته.
ومنهم من قطع في أصل المسألة بجواز المنع مطلقاً؛ لأن القدر الذي [لا] يسكر لا ينضبط.
قال: وأمَّا ما يكمل به الاستمتاع كالغسل من الجنابة- أي: إذا كانت ذميّةً، أمَّا المسلمة فقد جزم في "المهذب" بالإجبار عليه.
قال: واجتناب النجاسة، وإزالة الوسخ، والاستحداد، وهو إزالة شعر العانة، وهو الذي حول الفرج، مأخوذ من الحديد، وهو الموسى التي يحلق بها.
قال: فيه قولان [أي]: في المسلمة والكتابيّة.
أحدهما- وهو الأصح-: أن له إجبارها؛ لتوقف كمال الاستمتاع- الذي هو حقّه-[عليه].

والثاني: لا؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع، ولا يتعدى، وهذا كما قلنا فيما يكمل به انتفاع المستأجر: إنه لا يجب على المؤجر.
وحمل بعضهم الإجبار في الغسل على ما إذا طالت المدة، وكانت النفس تعافها، والمنعَ: على قِصَرِها، وعدم العيافة، ولم يثبت فيه قولين.
ولو تفاحش طول الأظفار وشعر العانة والإبط والأوساخ حتى خرج ذلك عن العادة، ونفرت منه النفس- أجبرها على إزالته قولاً واحداً، وأطلق في "التتمة" جواز الإجبار له من غير فرق بين حالةٍ وحالةٍ.
ويخرج على الخلاف ما إذا أكلت ما يتأذّى بريحه أو لُبْسه كالجلود الطاهرة، أمَّا جلود الميتات قبل الدبغ فله المنع.
وهذا يوافق ما حكيناه عن البغوي في إجبار المسلمة على الغسل [من الجنابة] لوجوبه عليها.
ومنهم من قطع بجواز المنع.
وفي منع الكتابية من أكل لحم الخنزير طرق: أحدها: ليس له المنع قولاً واحداً.
والثاني: له قولاً واحداً.
والثالث: إثبات قولين.
والرابع: إن كانت نفسه تعافه كان له منعها، وإلا فلا.
قيل: وهذا ظاهر النص، ومهما تنجَّس فمها أو عضو آخر، قال الرافعي: فلا خلاف أنه يجبرها على غسله؛ لتمكنه من الاستمتاع، والله أعلم.


باب ما يحرم من النكاح

المراد بالتحريم هنا: عدم الصحة.
قال: لا يصح نكاح المُحْرِم؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "المُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ ولا يُنْكِحُ".
فرع: نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان يجوز في حال إحرامه؟ فيه وجهان؟ أصحهما في "البحر": نعم؛ لأن المنع خشية إفضاء الأمر إلى الوطء المفسد للحج، وهو مأمون منه، صلى الله عليه وسلم.
قال: والمرتد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221]، ولأن طرآن الردة يقطع دوام النكاح؛ فَمَنَعَ ابتداءه من طريق الأولى، وعلله بعضهم بأن النكاح يراد للدوام، والمرتد مقتول عن قربٍ، ويَرِدُ عليه صحة نكاح الزاني المحصن، مع وجود ما ذكره من العلة فيه.
قال: "والخنثى المشكل"؛ لأنه لو تزوج امرأة احتمل أن يكون امرأة، ولو تزوج رجلاً احتمل أن يكون رجلاً، وإن تزوج خنثى احتمل أن يكونا رجلين أو امرأتين، والشرط في النكاح تحقق الشرائط حالة العقد، حتى لو ظهر بعد العقد أنه امرأة، وكان العاقد عليه رجلاً، أو بالعكس- لم يصح، كما لو قال الولي لرجلٍ: زوجتك ابنتي هذه، وكان له ابنتان: إحداهما محرمة عليه، ولم يعرف أن المعقود عليها هي الحلال أم لا، فقبل- لم يصح.
وقد [ذكر] في "الوسيط" فيما لو اقتدى رجل بخنثى، ثم ظهر بعد الصلاة: أنه رجلٌ- في صحة الصلاة وجهين، وإن كانت النية معتبرة فيها فما الفرق؟ ولو

قيل بالعكس لكان الفرق ظاهراً؛ من حيث إن النكاح عقد، فهو إلى الوقف أقرب؛ ألا ترى أنه لو باع مال أبيه على ظن أنه حي، فإذا هو ميت، كان في صحته وجهان، ولا كذلك في الصلاة! وقد يفرق بينهما بأن الحظر في النكاح في نظر الشرع آكد من الحظر في أمر الصلاة؛ من حيث إن أثر النكاح غير قاصر على الزوجين، وأثر الصلاة قاصر على المصلى؛ فاحتاط الشرع في النكاح بما لم يحتط به في الصلاة؛ ألا ترى أنه لم يجوز الإقدام على النكاح [بالاجتهاد] عند اشتباه من يحل له نكاحها بمن لا يحل، [له نكاحها] وجوّز ذلك فيما يتعلق بالصلاة من طهارة، [وستارة]، واستقبال القبلة! قال: "وهو الذي له فرج الرجل وفرج المرأة، ويبول منهما دفعةً واحدةً"- أي: [وكذلك [الانقطاع منهما، ويميل [طبعه] إلى الرجال والنساء ميلاً واحداً]، أي: ولم يوجد مع ذلك ما يرجح أحد] الجانبين.
وسُمِّي بهذا الاسم؛ لاشتراك الشبهين فيه، مأخوذ من قولهم: تخنث الطعام [والشراب]، إذا اشتبه أمره فمل يخلص طعمه المقصود وشارك طعم غيره.
قال الماوردي في باب رضاع الخنثى.
أمّا لو سبق بوله من أحدهما، اعتبرنا الأسبق على الصحيح من المذهب، وكذا لو استويا في الابتداء، وانقطع من أحدهما قبل الآخر- اعتبرنا المتأخر على الأصح.
فعلى هذا: لو كان أحدهما أسبق خروجاً، والآخر أبطأ انقطاعاً- فالحكم للأسبق خروجاً، وقيل: هو مشكل.
ولو كان يبول من هذا تارةً، ومن الآخر أخرى، أو كان يسبق [من]

أحدهما تارة، [والآخر يسبق تارة]- اعتبر [أكثر] الحالين منهما، فإن استويا فهو مشكل، حكاه الماوردي في كتاب الرضاع، ولا ترجيح بالكثرة مع الاستواء في الخروج والانقطاع [ولا بالترشيش والتزريق]، ولا بزيادة عدد الأضلاع، ولا نبات اللحية ونهود الثدى الأصح.
ويرجح بالمني والحيض إذا تكرر في زمن إمكانه، وفي "الحاوي" حكاية وجهٍ: أنه لا يرجح بالحيض.
فإن أمنى منهما فقد قيل: هو مشكل، والأصح: أنه يعتبر صفة المني: فإن كان بصفة مني الرجال فرجل، أو بصفة مني النساء فامرأة، وإن كان بصفتهما فهو مشكل.
وإن أمنى بفرج الرجال، وحاض بفرج النساء على الوجه المعتبر- ففيه [ثلاثة] أوجه: قيل: امرأة.
وقيل: رجل.
وقيل: [وهو] مشكل، وهو أعدلها.
ولو تعارض البول مع المني أو الحيض، فوجهان محكيان في "الرافعي" في كتاب الطهارة: أحدهما: أنه يحكم بمقتضى البول.
وأصحهما: أنه يستمر الإشكال.
ورؤية اللبن هل يرجح بها؟ قال أبو إسحاق: يعرض على القوابل، فإن قلن: إنه لا يكون هذا اللبن إلا لامرأة، حكم بأنوثته.
وعن ابن أبي هريرة: أنه يستدل باللبن على الأنوثة عند فقد سائر الأمارات.
وظاهر المذهب: أن اللبن لا يقتضي الأنوثة، ذكر ذلك الرافعي في كتاب الرضاع.

ولو كان له آلة لا تشبه آلة الرجال ولا [آلة] النساء، بل مجرد ثقبة- فهو مشكل أيضاً.
ولا حكم لاختياره الذكورة و [لا] الأنوثة مع وجود الدلائل الظاهرة، كالمولود إذا تنازع فيه رجلان، فألحقه القائف بأحدهما- فلا حكم لانتسابه بعد قول القائف.
ويزول باختياره الإشكالُ عند فقد العلامات على المشهور.
وفي "الحاوي" في باب الحضانة: أنه لو أخبر عن اختياره بأنه رجل أو امرأة، عمل على قوله في سقوط الحضانة، وهل يعمل على قوله في استحقاقها؟ فيه وجهان.
[ووجه] عدم القبول: التهمة.
قلت: ومقتضى هذا الوجه: أن يجري هذا الوجه في جميع ما يترتب له على اختيار الذكورة أو الأنوثة، إلا أن يختار ذلك، ثم يطرأ سبب الاستحقاق؛ لانتفاء علة عدم القبول.
ثم الاختيار يناط بميل الطبع.
وإذا اختار أحدهما ترتب عليه جميع الأحكام المنوطة به، ولا رجوع عنه إلا أن يختار الرجولة، فيحبل، هذا قول الرافعي هنا.
وقال في كتاب الطهارة: إنه لو اختار شيئاً، ثم ظهرت الأمارات من بعد-

يجوز أن يقال: لا يبالي بها، ويستصحب الحكم الأول، ويجوز أن يقال: يعدل إلى الأمارات الظاهرة.
وهذا الاحتمال الثاني هو ما حكاه الماوردي في باب رضاع الخنثى.
ووقت الاختيار: بعد الحكم ببلوغه؛ لأنه لازم كما في لحوق النسب، بخلاف الحضانة؛ لأنه ليس بلازم.
ومن الأصحاب من قال: يكفي وقوعه في سن التمييز؛ كالحضانة يخيّر فيها الصبي بين الأبوين.
وإذا أخر الاختيار بعد البلوغ وميل الطبع، أثم، والله أعلم.
قال: "ويحرم على الرجل نكاح الأم والجدات" أي: من قبل الأب [أو الأم]، والبنات، وبنات الأولاد وإن سفلوا، [والأخوات] أي: من الأبوين أو من أحدهما، وبنات الأخوات وبنات أولاد الأخوات وإن سفلوا، وبنات الإخوة، أي: من الأبوين أو من أحدهما، وبنات أولاد الإخوة وإن سفلوا، والعمات والخالات وإن علون، أي: كأخت الجد للأب أو الأم، وأخت الجدة للأم أو للأب؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: 23].
وأمك: كل أنثى انتهيت إليها بالولادة بواسطةٍ أو غير واسطةٍ، سواء كانت الواسطة ذكراً أو أنثى.
وبنتك: كل أنثى تنتهي إليك بالولادة، بواسطةٍ أو غير واسطةٍ.
وأختك: كل أنثى ولدها أبواك الأدنيان أو أحدهما.
وبنات الأخ وبنات الأخت كبناتك منك.
والعمة: كل أنثى [هي] أخت ذكرٍ ولدك بواسطةٍ أو بغير واسطةٍ، وقد تكون من جهة الأم كأخت أبي الأم.
وخالتك: كل أنثى هي أخت أنثى ولدتك بواسطة أو بغير واسطة، وقد تكون من جهة الأب] كأخت أم الأب، وقد ضبط ذلك بعبارتين:

أحدهما- ما قاله الأستاذ أبو منصور البغدادي-: أن نساء القرابات محرمات إلا ما دخل في اسم ولد العمومة، وكذا الخئولة.
والثانية- قالها الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني-: أنه يحرم على الرجل أصوله وفصوله، وفصول أول أصوله، وول فصل من كل أصل بعده، أي: بعد أول الأصول [، والأصول: الآباء والأمهات، والفصول: البنات، وفصول أول الأصول]: الأخوات وبنات الأخ وبنات الأخت، وأول فصلٍ من كل أصل بعده: العمات والخالات.
وأبدى الرافعي في هذا الموضع فائدةً، فقال: ذكرنا في الوقف [خلافاً] في دخول بنات الأولاد في اسم البنات، وفي الوصيّة خلافاً في دخول جميع الجدات في اسم الأمهات، فإن قلنا بالدخول فالذي ذكرناه الآن في تفسير الأمهات والبنات حقيقة اللفظين، وإن لم نقل بالدخول، وهو الذي جرى عليه العراقيون، فقالوا: تحرم البنات بالحقيقة والمجاز، وكذلك سائر المذكورات إلا الأخت فلا مجاز فيها- فيمكن أن يقال: المراد بالآية التقييد المذكور، ويمكن أن يقال: المراد الحقيقة، وصور المجاز مقيسة بها؛ لأن الجد حكمه حكم الأب، وابن الابن حكمه حكم الابن في الميراث والولاية والعتق بالملك ورد الشهادة؛ فَلَأَنْ يكون كالأب والابن في التحريم- ومبناه على التغليظ- أولى، وقد ادعى ابن يونس أن دليل التحريم في ذلك الإجماع.
فروع: أحدها: إذا زنى بامرأة، فأتت بابنةٍ- كره له نكاحها، فإن تحقق أنها منه فهل تحرم عليه؟ فيه وجهان، أصحهما: لا، وعن ابن القاصِّ وجهٌ مطلق: أنه لا يجوز للزاني نكاحها.
قال في "الشامل": [وادعى] أنه مذهب الشافعي، وإنما كره للزاني نكاح من

أرضعته المزني بها، والأول هو المشهور.
الثاني: المنفية باللعان لا يجوز للملاعن نكاحها، إن كان قد دخل بالملاعنة.
وإن لم يدخل بها فوجهان، أصحهما: المنع.
قال في "التتمة": وعلى هذا، ففي وجوب القصاص بقتلها، والحد بقذفها، والقطع بسرقة مالها، وقبول شهادته [لها]- وجهان.
والفرق: أن سقوط العقوبة عن الأب إنما كان لأن العقوبة مشروعة للزجر، وفي طبع الآباء شفقة تمنع الجناية على الأولاد؛ فلا تقع الحاجة إلى الزجر [بالعقوبة]، وعلة الولاية والشهادة: الشفقةُ، ولا شفقة بين النافي والمنفي، بل العداوة، والعتق بالملك؛ للمنع من الاستذلال حتى لا يؤدي إلى قطيعة الرحم، والرحم بينهما مقطوعة، فنفينا هذه الأحكام.
وأمَّا النكاح فيراد للنسب؛ ولهذا اختص بالذكر والأنثى؛ لأن الاستمتاع بينهما سبب التناسل، واكتساب سبب النسب في محل النسب لا يجوز، وفي المنفية شبهة النسب قائمة؛ فمنعنا العقد الذي يقصد به اكتساب النسب.
الثالث: إذا أقرّ أحد الابنين بنسب أخت، [وكذبه الآخر]- فهل يحرم عليه نكاحها؟ قال القاضي: إن كانت مجهولة النسب ثبتت الحرمة، وإن كانت مشهورة النسب لغير من نسبها إليه هذا المُقِر، ففي ثبوت الحرمة وجهان حكاهما الإمام في كتاب الإقرار.
قال: "ويحرم عليه أم المرأة وجداتها"- أي: بمجرد العقد، [سواء] كانت من جهة الأب أو الأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23]، [وفيه وجه: أنها لا تحرم إلا بالدخول كالربيبة، واستدل هذا القائل بقوله تعالى: ﴿اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] وأعاده على النساء في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23]، وهو قول الكوفيين، وهذا لا يصح؛ لاختلاف

العوامل، ذكره [مكي] في [شرح] الهداية، ولما روى عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ نَكَحَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا، وَلَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِ بِنْتُهَا".
ولما روي عن زيد بن ثابتٍ أنه سئل عن رجلٍ تزوج امرأة، ففارقها قبل أن يصيبها: هل تحل له أمها؟ فقال: لا الأم مبهم ليس فيها شرط، إنما الشرط في الربيبات.
وروى عن ابن عباس أنه قال: "الأم مبهم؛ فأَبهِموا من أبهم الله"، وليس المراد إبهام الأم، وإنما المراد: تحريمها مطلقاً؛ فإنها لا تحل بوجه كالبهم من الخيل الذي لا يخالط لونَه لونٌ آخر.
هكذا قاله المتولي؛ فتكون هذه الرواية كالمفسرة للآية.
قال: "وبنت المرأة وبنات أولادها"- أي: تحريم جمع؛ لأنه إذا حرم الجمع بين المرأة وأختها، مع جواز نكاحهما على الترتيب-[فَلَأَنْ تحرم بينها وبين بنتها [ولا يجوز نكاحهما] على الترتيب] كان أولى.
قال: "فإن بانت الأم منه قبل الدخول بها حَلَلَن له، فإن دخل بها حَرُمْن على التأبيد"؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23].
قال الجوهري: الربيب: ابن امرأة الرجل من غيره، وهو بمعنى: مربوب،

والأنثى: ربيبة، والرابُّ: زوج الأم، والرابة: امرأة الأب.
وذكر "الحجور" جرياً على الغالب [وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له]، كقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، ولما تقدم من الحديث، والفرق بين الأم والبنت ما قاله المتولي أن الرجل يبتلى في العادة بمكالمة أم الزوجة عقيب النكاح؛ لأنها هي التي ترتب الأمور، فحرمها الشرع بنفس العقد؛ حتى يتمكن من الخلوة بها، ويسهل عليها ترتيب أمرها، وما لابدّ لها في أمر الزفاف منه، بخلاف البنت؛ فإنها لا تسعى في مصالح الأم؛ فانتفى هذا الغرض.
ولا يحرم على الرجل بنت زوج الأم ولا أمه، ولا بنت زوج البنت [ولا أمه، ولا أم زوجة الأب ولا بنتها، ولا أم زوجة الابن ولا بنتها، ولا زوجة الربيب]، ولا زوجة الراب.
قال: ويحرم عليه أم من وطئها بملك أو شبهة وأمهاتها، [وبنت من وطئها بملك أو شبهة]، وبنات أولادها؛ لأنه معنى تصير به المرأة فراشاً يثبت النسب، ويوجب العدة، فيتعلق به تحريم المصاهرة كالنكاح.
وفي "شرح فروع" ابن الحداد وغيره حكاية قول ضعيف: أن الوطء بالشبهة لا يثبت حرمة المصاهرة كالزنى.
والمذهب الأول؛ لأن الله تعالى قرن به النسب فقال- عزّ من قائل-: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ [الفرقان: 54]، والنسب يثبت به؛ فكذلك حرمة المصاهرة.
ثم ذلك إذا شملت الشبهة الواطئ والموطوءة، فإن اختصت الشبهة بأحدهما والآخر زانٍ، مثل: أن يأتي الرجل فراش غير زوجته غالطاً، فيظن أنها زوجته، وهي عالمة، أو: أتت غير زوجها غالطة، وهو عالم، أو كانت جاهلة أو نائمة أو مكرهة، وهو عالم، أو مكنت العاقلة البالغة مجنوناً أو مراهقاً- فثلاثة أوجه:

أصحها: أن الاعتبار بالرجل.
والثاني: بهما.
والثالث: أن الشبهة بأيّهما كانت تُثبت حرمةَ المصاهرة، وعلى هذا فوجهان: أحدهما: أنها تختص بمن اختص به الشبهة، حتى لو كان الاشتباه عليه حرم عليه أمها وبنتها، ولا يحرم عليها أبوه وابنه، وكذلك العكس.
والثاني: أنها تعمهما.
واعلم أن وطء الشبهة من ثلاثة أوجه [كما حكاها الإمام عن شيخه في باب حد الزنى:].
أحدها: أن تكون في الفاعل بأن يجد على فراشه امرأة فيظنها زوجته أو أمته.
الثاني: أن تكون الشبهة في المحل بأن يكون له [في الموطوءة] ملك، أو شبهة ملك كالجارية المشتركة يطؤها أحد الشريكين، أو وطئ جارية أبيه، أو مكاتبته.
الثالث: الشبهة في الطريق بأن يكون حلالاً له عند بعض أهل الاجتهاد، مثل: النكاح بلا ولي، ونكاح المتعة، ونظائرهما.
ومتى وجدت إحدى هذه الشبهة أسقطت الحد، وقال الصيرفي: الوطء في النكاح المختلف فيه يوجب الحد على من يعتقد تحريمه، [كما سنذكره إن شاء الله تعالى].
وأمَّا الزنى على صورة الجهل إذا كان الزاني قريب عهد بالإسلام فلا حدّ فيه، وهل يثبت النسب ويوجب المهر، ويكون الولد به حرّاً إن كان الفعل بأمةٍ؟ فيه وجهان، أصحهما: الثبوت.
والمجنون إذا وطئ هل يثبت النسب؟ فيه وجهان، الأصح الثبوت.
هكذا نقله

البغوي في المتعة، ونقله الإمام والغزالي [في غير المجنون] في كتاب الرهن، ونقلا الكلام في المجنون، وأن حكمه حكم الجاهل من تخريج القاضي: [والظاهر من كلام الأصحاب فيه: عدم تعلق الأحكام وإن انتفى فيه الحد؛ لأنهم جعلوا وطأه زنى في باب حد الزنى، واحترزوا عن إدخال المجنون فيمن يجب عليه حد الزنى بقولهم: العاقل].
ثم الأحكام التي تتعلق بالوطء وتختلف بالشبهة وعدمها خمسة: النسب، والعدة، وهما معتبران بالرجل، فإن ثبتت الشبهة في حقه [ثبتا، وإلا لم يثبتا.
والمهر يعتبر بالمرأة، وسقوط الحد يعتبر بمن وجدت الشبهة في حقه،] وحرمة المصاهرة، وفيها ما ذكرناه من الخلاف.
ثم لتعلم أن الوطء في النكاح وملك اليمين كما يوجب الحرمة يوجب المحرميَّة حتى يجوز للواطئ المسافرة بأم الموطوءة وابنتها، ولابنه الخلوة والمسافرة بها.
وفي وطء الشبهة وجهان- ويقال: قولان-: أحدهما: أن الحكم كذلك، وهو الأصح عند الإمام.
والثاني: المنع، وهو الأصح عند عامة الأصحاب.
وحكوه عن نصه في "الإملاء"؛ لأنه لا يجوِّز الخلوة بالموطوءة والمسافرة بها فبأمها وابنتها أولى، وليس كالوطء في النكاح وملك اليمين؛ [لأن أم الموطوءة وابنتها يدخلان عليها، ويشق عليهما الاحتجاب عن زوجها،] ومثل هذه الحاجة مفقودة هنا، والله أعلم.
فائدة: أطلق الشيخ في "المهذب" قوله بأن وطء الشبهة [حرام، وحمله بعض مشايخنا على الشبهة في الموطوءة كما ذكرناه، وجزم القول بأن الشبهة] في الفاعل لا تحرم الوطء؛ فإن التحريم يلازمه الإثم، ولا إثم على من وطئ امرأةً وجدها في فراشه على ظن أنها زوجته، والذي دلّ عليه كلام الأئمة: أن هذا النوع حرام، وقد صرح به القاضي الحسين في "التعليق" عند الكلام فيما إذا قال

لزوجته: أنت طالق للسُّنَّة، ثم قال: ولا يأثم به؛ لأنه لم يقصد ذلك.
وصرح به أيضاً [كذلك البندنيجي عند الكلام في قتل الخطأ، وكذا] المحاملي في "المجموع" في كتاب "اللعان" عند الكلام فيما يسقط الحضانة، وإيراد ابن الصباغ في ذلك الموضع يدلُّ عليه؛ حيث قال: الثالث: أن يطأ في غير ملكٍ وطأً حراماً ليس بزنى، مثل: أن يطأ بشبهة، أو عقد فاسد، أو جارية ولده.
وحكى أيضاً في ضمن مسألة من كتاب اللعان، وهي إذا قال: هذا الحمل ليس مني، عن القاضي أبي الطيب: أنه حكى عن أبي إسحاق وأبي علي الطبري أنهما قالا: إذا قذفها بالزنى، أو بوطء شبهةٍ، أو إكراه تلاعنا، ويجوز أن يسمى ذلك قذفاً؛ لأنه وطء حرام.
وفي "النهاية" في فصل أوّله: "اللعان لا يجري إلا بعد أن تُنسب المرأة إلى وطءٍ محرم في النكاح"-: وإن أحببنا قلنا: إلى وطءٍ لا يحكم بتحليله، حتى لا يمنع وطء الشبهة عن الدخول، والله أعلم.
قال: "فإن لمسها بشهوةٍ فيما دون الفرج ففيه قولان:" أحدهما: أنه لا يحرم؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] فشرط الدخول في التحريم، ولأنه لا يوجب العدة؛ فلذلك لا يثبت تحريم المصاهرة، وهذا هو الأصح عند الإمام واختيار ابن أبي هريرة وابن القطان وغيرهما.
والثاني: أنه يحرم، وهو اختيار صاحب "التهذيب" والقاضي الروياني؛ لأنها مباشرة [لا تستباح إلا بالملك، فثبتت حرمة المصاهرة كالوطء، ولأنه تلذذ بمباشرة] فأشبه الوطء، ولأنه استمتاع يوجب الفدية على المُحْرِم فكان كالوطء.
واعلم أن محل القولين عند معظم الأصحاب ما إذا كان ذلك [بشهوةٍ]، كما ذكره الشيخ، فأمَّا اللمس بغير شهوة فلا أثر له في التحريم.
قال الإمام: ومنهم من أرسل ذكر الملامسة ولم يقيده بالشهوة؛ فيجوز أن يقال: تكفي صورة الملامسة [كما تكفي في نقض الطهارة.
وحكم المفاخذة والتقبيل حكم الملامسة]، والوطء في الدبر [حكمه]

حكم الوطء في القبل، قاله في "الذخائر".
وقال في "التتمة": إن وطئها في الدبر ظانّاً أنه القبل فيوجب التحريم، وإن كان عالماً به فوجهان، وقد تقدم حكاية وجهٍ فيه فيحمل على هذه الصورة، وأمَّا النظر بشهوة فلا يقتضي حرمة المصاهرة، ونهم من حكى فيه قولاً ضعيفاً عن العراقيين، ثم خصصه بعضهم بالنظر إلى الفرج، [وهو ذكر الرجل] وقبل المرأة، ومنهم من لم يفرق بين الفرج وغيره، ومنهم من خصصه بما يحرم النظر إليه من الرجل والمرأة على ما حكاه في "الذخائر".
وتثبت حرمة المصاهرة [بما] إذا استدخلت المرأة ماء زوجها، أو ماء أجنبي بالشبهة، كما يثبت [به] النسب وتجب [به] العدة، وإن كان في تقرير المهر ووجوبه للمفوّضة وثبوت الرجعة ووجوب الغسل ووجوب المهر في صورة الشبهة- وجهان، أصحهما: المنع.
وإن أنزل الأجنبي بزنى لم يثبت النسب باستدخاله، [ولا حرمة للمصاهرة كالوطء، وإن أنزل الزوج بالزنى حكى صاحب "التهذيب": أنه لا يثبت النسب]، ولا حرمة المصاهرة ولا تجب [به] العدّة وقال من عند نفسه: وجب أن تثبت هذه الأحكام؛ كما لو وطئ زوجته على ظن أنه زنى.
قال: "ويحرم عليه زوجة أبيه وأزواج آبائه" أي: من قِبَل الأب أو الأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] على ما ذهب إليه أكثر المفسرين.
قال: وزوجة ابنه وأزواج أبنائه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: 23]، وقوله: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ بيان لعدم تحريم زوجة [ولد] التبنِّي.
وكذلك يحرم عليه نكاح زوجات أولاد البنات، وهذا التحريم

يحصل بالعقد، وفي "تعليق" القاضي الحسين في كتاب الرجعة: أن الرجل إذا طلق زوجته، ثم اختلفا، فقالت الزوجة: دخل بي، وأنكر الزوج أنها تحرم على أبيه وابنه، وإن ادعى الزوج الدخول وأنكرت المرأة فلا تحرم على أبيه وابنه.
ولم أَرَ ذلك في غير هذا الكتاب، فلعله سهوٌ من الناسخ.
قال: ومن دخل بها الأب بملكٍ أو شبهةٍ، أو دخل بها آباؤه، أو دخل بها الابن بملك أو شبهةٍ، أو دخل بها أولاده؛ لما سبق".
قال: فإن تزوج امرأةً [ووطئها] أبوه أو ابنه بشبهة، أو وطئ هو أمَّها أو بنتها بشبهة- انفسخ نكاحها"؛ لأنه معنى يوجب تحريماً مؤبداً، فإذا طرأ على النكاح أبطله كالرضاع.
ويجب للموطوءة على الواطئ مهر مثلها، وهل يجب لها على زوجها شيء مع ذلك؟ قال ابن الحداد: لا يجب، وعلله ابن الصباغ بأنّ الفسخ جاء من قِبَلها دونه، وهي مطاوعة على الوطء.
وقال آخرون: يجب عليه نصف ما سمّى لها.
وتوسط الشيخ أبو علي، فقال: إن كانت نائمة أو مكرهةً، أو صغيرةً لا تعقل فلها نصف المسمّى على الزوج.
وإن كانت عاقلةً وطاوعت؛ ظانَّةً أن الواطئ زوجها فلا مهر لها.
نعم، لو اشتبه الحال في هذه الصورة فيتجه التردد هنا على ما قاله ابن الحداد والأصحاب.
وإذا أوجبنا على الزوج نصف المسمّى، فهل يطالب الواطئ بشيء؟ قال الرافعي وغيره هنا: نعم؛ لأنه قد أفسد عليه النكاح.
وفي قدر ما يرجع به ثلاثة أقوال كما في الرضاع: أحدها: مهر المثل.
والثاني: نصفه.

والثالث: ما غرمه.
وقال ابن الصباغ في كتاب الرضاع حكاية عن المذهب: إنه لا يجب عليه مهرٌ [للزوج].
والفرق بينه وبين الرضاع: أن الأب إذا وطئ وجب لها عليه المهر؛ فلا يجب عليه شيء آخر، بخلاف الرضاع.
وقال أبو حامدٍ: إنه يجب كما في الرضاع.
وفي "التتمة" حكاية وجهين في هذه المسألة، وصحح وجه الوجوب.
ثم هذا كله إذا لم يكن الزوج قد دخل بها، فإن [كان قد] دخل بها، فهل يجب على الواطئ للزوج شيء؟ يتجه تخريجه على نظير المسألة في الرضاع، والمذهب فيها: أنه يجب على المفسد للزوج مهر المثل.
وقيل: لا يجب عليه [شيء].
قال: "ويحرم عليه أن يجمع بين المرأة وأختها" أي: من الأبوين أو من أحدهما، ابتداءً أو دواماً؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "مَلْعُونٌ مَنْ جَمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ".
قال: "وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها"، أي: ابتداءً أو دواماً؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "لَا يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ [وَعَمَّتِهَا]، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا".

وكذا لا يجمع الرجل بين المرأة وخالة أحد أبويها، أو عمة أحد أبويها، والمعنى فيه: أن ذلك يؤدي إلى قطع الرحم؛ لما في الطباع في التباين والغَيْرة من الضرات.
وجملة من يحرم الجمع بينهما: كل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج بالآخر لو كان ذكراً لأجل القرابة، [وقولنا: "لأجل القرابة"]، يحترز به عن المرأة وأم زوجها، وإن شئت قلت: وزوجة ابنها.
[وعن المرأة وابنة زوجها]؛ فإنه يجوز أن يجمع بينهما، وإن كان لا يجوز لأحدهما أن ينكح الأخرى [لو كان ذكراً].
قال الرافعي: [ولو] قلت يحرم الجمع بين امرأتين أيتهما قُدِّرت ذكراً حرمت الأخرى عليه، لاكتفيت به؛ لأن الصورتين المحترز عنهما لا يطرد التحريم في كل واحدة لو قدرناها ذكراً.
إذا تقرر ذلك، فلو نكح من يحرم الجمع بينهما [معاً] بطل نكاحهما، وإن نكح واحدة، ثم نكح الأخرى قبل أن أبان الأولى- فنكاح الثانية باطل، فإن وطئ الثانية بشبهة لم ينفسخ نكاح الأولى، لكن يستحب ألا [يطأ الأولى] حتى تنقضي عدة الموطوءة، فإن أبان الأولى صح نكاح الثانية.
فرع: لو ادعى الزوج أن الأولى أخبرته بانقضاء عدتها في زمن الإمكان، وأراد نكح الأخرى، فكذبته الأولى وقالت: لم تنقضِ عدتي بعدُ- فله نكاح أختها؛ لزعمه انقضاء عدتها، ومؤاخذته بمقتضى قوله في تحريمها عليه، ولو طلقها لا يقع طلاقه، ولو وطئها وجب عليه الحد.
وقال القفال والحليمي: ليس له نكاح أختها، ولو طلقها وقع، ولو وطئها لا يحدُّ.
والأول أظهر، وهو المحكي عن نصه في "الإملاء"، وتجب لها النفقة.

قال: "وما حرم من ذلك بالنسب حرم بالرضاع"؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23]، فنصّ على الأم والأخت، وقسنا الباقي عليه، ولقوله- صلى الله عليه وسلم-: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ"، وَيُرْوَى: "مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ".
قال في "التهذيب": أربع من النسوان يُتَصَوَّرْنَ حلالاً في الرضاع، ولا يتصور وجود ذلك في النسب: أم أختك، وأم نافلتك، وجدّة ولدك، وأخت ولدك.
فهؤلاء في النسب حرام؛ لأن أم أختك: إمّا أمك أو زوجة أبيك، وأم نافلتك إمَّا بنتك أو زوجة ابنك، وجدة ولدك: إما أمك أو أم زوجتك، وأخت ولدك إما [بنتك أو ربيبة].
وفي الرضاع يتصور أن يكنَّ حلالاً إذا كانت المرضعة لهن أجنبية، وزاد غيره: أم العم والعمة، وأم الخال والخالة.
وهذه الصور غير واردة على من أطلق ولم يستثنها؛ لأن التحريم فيها جاء من قبل المصاهرة، لا من قبل النسب، وقد ذكر الرافعي هذا في كتاب الرضاع، وإن كان قد قال في هذا الباب- كما قاله البغوي-: لكن يلزم على ذلك ألا يكون في كلام الشيخ ما يدل على [تحريم] المصاهرة عند فقد النسب وثبوت الرضاع، [وقد قال الأئمة: إن ما يحرم بسبب المصاهرة عند ثبوت النسب، يحرم عند ثبوت الرضاع]، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ذكرناه.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: 23]، فقد ذكرنا أن ذلك [ذكر]؛ ليخرج ولد التبنِّي، وإلا فالوالد من الرضاع تحرم موطوءته كما تحرم موطوءة الابن من النسب، والله أعلم.

فرع: إذا اختلطت من لا يحل له نكاحها بسبب الرضاع بعددٍ من النساء، هل يحل له أن ينكح واحدة منهن؟ ينظر: إن كان العدد لا ينحصر لآحاد الناس: كنسوةِ بلدٍ أو قريةٍ كبيرة، فله نكاح واحدة منهن، قال الإمام: وهذا ظاهر إذا عم الالتباس، أمَّا إذا أمكنه نكاح امرأةٍ لا يرتاب فيها، فيحتمل أن يقال: لا ينكح اللواتي يرتاب فيهن، والظاهر: أنه لا حجر [عليه].
وإن كان الاختلاط بنسوةٍ معدودات يتمكن آحاد الناس من عددهن، فيتجنبهن.
وحكى في "الوسيط" وجهاً: أن له أن ينكح واحدة منهن بالهجوم، وهو ضعيفٌ، وهذا يؤخذ من كتاب "التنبيه" من كتاب الرضاع حيث قال: وإن وطئ رجلان امرأة فأتت بولدِ، فارتضع طفل بلبنه .. إلى آخره، فعلى المذهب: لو خالف ونكح إحداهن، حكى الشيخ أبو عليه فيه وجهين، والأصح منهما: المنع.
آخر: إذا نكحت المرأة، ثم ادعت أن بينها وبين الزوج رضاعاً محرماً.
قال: ومن حرم نكاحها [ممن ذكرناهن] حرم بالرضاع ومن حرم نكاحها ممن ذكرناه حرم وطؤها بملك اليمين؛ لأنه إذا حرم النكاح فَلَأَنْ يحرم الوطء- وهو المقصود- بطريق الأولى.
وإذا ملك أختين أو جارية وعمتها أو خالتها، كان له أن يطأ أيتهما شاء، فإذا وطئها لم يحل له وطء الأخرى حتى يحرم على نفسه الموطوءة ببيع كلها أو بعضها وينقضي بالخيار، أو بالهبة مع الإقباض، أو العتق، أو التزويج، أو الكتابة، وإلا كان جامعاً بين الأختين، فلو خالف ووطئها قبل ذلك لم يعد إلى وطئها حتى يحرم الأولى بأحد ما ذكرناه.
ولا يكفي الحيض والإحرام والعدة عن وطء الشبهة وعروض الردة.
وفي الرهن وجهان، أصحهما المنع.
ولو باع بشرط الخيار بحيث يجوز للبائع الوطء لا تحل به الثانية، وحيث لا يجوز فوجهان، قال الإمام: والوجه عندي القطع بحل الأخرى؛ لثبوت الملك للمشتري ونفوذ تصرفاته؛ ولذلك لا يكفي لحل وطء الثانية استبراء الأولى.
وعن القاضي الحسين: أن القياس يقتضي الاكتفاء به.
وذكر القاضي ابن كجٍّ أن القاضي أبا حامدٍ قال: غلط بعض أصحابنا فقال: إذا

قال: حرّمتها على نفسي، حرمت عليه، وحلت له الأخرى.
فرع: لو ملك أمة، فادّعت أنها أخته من الرضاع، نظر: إن كان ذلك قبل أن يملكها حرمت عليه، ولا تحل له، وإن ادعت ذلك بعد أن مكنته من الوطء فلا تحرم.
وإن كان بعد [أن ملكها] وقبل أن تمكنه، فهل تحرم؟ فيه وجهان، وهما يجريان فيما لو ادعت أنها موطوءة الأب، بخلاف ما لو ادعت أنها أخته من النسب، وهي مجهولة النسب؛ فإنها لا تحرم.
وفُرِّق بينهما بأن التحريم بالنسب إنما يثبت إذا ثبت النسب، والنسب لا يثبت بقول النساء، وأمَّا الرضاع فيثبت بقولهن؛ فكذلك التحريم مثله، قاله القاضي الحسين في "التعليق" في كتاب الطلاق.
آخر: الوطء في الموضع المكروه كالوطء في الفرج في تحريم الأخرى، وفي اللمس، والقبلة، [والنظر] بشهوة مثل الخلاف المذكور في حرمة المصاهرة.
تنبيه: قول الشيخ: ممن ذكرناهن، فيه فائدة حسنة؛ فإنه لو قال: ومن حرم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين، اندرج فيه الأمة الكتابية؛ فإنه لا يحل للمسلم نكاحها، ويحل له وطؤها بملك اليمين.
قال: "وإن وطئ أمته بملك اليمين، ثم تزوج أختها أو عمتها أو خالتها- حلت المنكوحة، وحرمت المملوكة"؛ لأن فراش النكاح أقوى في استباحة الوطء؛ لأنه يملك به حقوقاً لا تملك بفراش المملوكة: كالطلاق، والظهار، والإيلاء، واللعان، وسائر الأحكام، ولأن ولد المنكوحة لا ينتفي إلا باللعان ويلحق بالإمكان، وولد المملوكة ينتفي بدعوى الاستبراء، ولا يلحق بالإمكان، وذلك دليل القوة والضعف، وإذا كان فراش النكاح أقوى لم يندفع بالأضعف؛ كما أن ملك اليمين لمَّا كان أقوى في ملك الرقبة؛ من حيث إنه يملك به الرقبة

والمنفعة إذا طرأ على النكاح- ثبت، وسقط [به] به النكاح، وكذلك لو كان في نكاحه إحدى الأختين مثلاً، فملك الأخرى فالمنكوحة حلال كما كانت، والتي ملكها حرام عليه.
قال: "ويحرم على المسلم نكاح المجوسية"؛ لأن الأصل في الكفار تحريمهن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221]، ثم خصص الله- سبحانه وتعالى- منهن أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5]، ولم يثبت للمجوس كتاب، وإذا كان الأصل التحريم فلا يباح بالشك.
وقال أبو ثور: إنه يجوز نكاحها؛ لأنها تُقَرُّ على دينها بالجزية، فيجوز نكاحها كاليهودية.
وقد نُقِلَ عن الشافعي قولٌ مثله.
وقال أبو إسحاق وأبو عبيد بن حربويه: جواز نكاحها مبني على أن المجوس هل كان لهم كتاب أم لا؟ وفيه قولان، أشبههما: نعم، فعلى هذا يجوز نكاحها، [على القولين] وعلى مقابله لا يجوز، والمذهب: أنه لا يجوز نكاحها على القولين جميعاً؛ لما روى عن عبد الرحمن بن عوف أنه- عليه الصلاة والسلام- قال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ، غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ"، وأمّا

[حقن الدم]؛ فلأن لهم شبهة كتاب، والشبهة في الدم تقتضي الحقن، وفي البضع تقتضي الحظر، والكتاب إنما يفيد الحل إذا قال من أثبته: إنه كان متلوّاً [ومتضمناً] للأحكام، فإن قنع من قال [به] بأصل الكتاب لزمه مثله في صحف إبراهيم- عليه السلام- وما في معناه، والله أعلم.
قال: والوثنيّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221]، وكذلك الحكم في عَبَدَة الأصنام، والبقر، والشمس، والقمر، والمُعَطِّلة، والدهرية.
وهل تحل الوثنية لمن هو من أهل الكتاب؟ فيه وجهان.
قال: "والمرتدة"؛ للآية؛ ولأنها أسوأ حالاً من الوثنيّة؛ لأن الوثنية تقر على دينها بالرق، بخلاف المرتدة، كذا علله المتولي، وكذلك الحكم في الزنديقة.
قال: "والمتولدة [بين] المجوسي والكتابيَّة"؛ لأن الولد ينسب إلى الأب، ويشرف بشرفه؛ فأُعطى حكمه.
قال: "وهل تحرم المتولدة بين الكتابي والمجوسيّة؟ فيه قولان:" أحدهما: لا؛ لما مرَّ أن الولد ينسب إلى أبيه، والأب كتابي فيحلّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5].
والثاني: المنع، وهو الأصح في "التهذيب"، والمذهب في "التتمة"؛ تغليباً للتحريم؛ كما أن المتولد بين المأكول وغير المأكول حرام، وليس كما لو كان أحد الأبوين مسلماً؛ فإنه يجعل مسلماً؛ لأن الإسلام لا يَشْرَكُ الشركَ؛ فغلب لعلوه، والشرك يَشْرَكُ الشرك؛ فاستويا.
وعلى هذا: إذا بلغت المتولدة بين الكتابي والمجوسية، وتدينت بدين الكتابي- فالمهذب أنها لا تحل [كالمجوسيّة إذا دانت اليهوديَّةَ بعد البلوغ.
وقيل: تحل]؛ لأن فيها شهبة من كل واحد منهما، إلا أنَّا غلبنا جانب

الحظر ما دامت محكوماً عليها بحكم الأبوين، فإذا بلغت فلها حكم نفسها، [ولها أن تدين بدين أي الأبوين شاءت]، هكذا قاله في "التهذيب"، [ومثله حكاه عن رواية الإمام في باب الصيد والذبائح].
ولو تدينت بدين المجوس، فالحكاية عن القفال: أنها تمكن منه، ويجري عليها حكم المجوس.
وقال الإمام: لا يمتنع أن يقال: إذا أثبتا لها حكم اليهودية بالمناكحة فنمنعها من التمجُّس إذا منعنا الكافر [من] الانتقال من دينٍ إلى دين.
وتحل مناكحة اليهود والنصارى إن كان آباؤهم من بني إسرائيل وقوم عيسى؛ لأنه [اجتمع لهم] شرف النسب والتعلُّق بالكتب، أمَّا من لم تكن منهم، ودخل [أول آبائها] في دينهم فله خمس أحوال: إحداها: أن يدخل بعد بعثته- عليه السلام- ونسخ شريعتهم، فلا تحل مناكحتهم.
والثانية: أن يدخل قبل بعثته- عليه السلام- وقبل التحريف أو بعده، ولكن عرف المحرّف فاجتنبه- فقد قال العراقيون: تحل مناكحتهم، وحكى الخراسانيون قولاً: أنها لا تحل؛ رعاية لشرف النسب.
والثالثة: أن يدخل بعد التبديل، وآمن بالمبدَّل، فقد قطع بعضهم بالبطلان، وهو اختيار العراقيين، وقيل: فيه قولان.
والرابعة: أشكل: هل دخل قبل التبديل أو بعده؟ جزم العراقيون بالتحريم، وحكى المراوزة فيه قولين.
والخامسة: أشكل: [هل دخل قبل] النسخ أو بعده؟ فلا تحلُّ [مناكحتهم].
وقال في "التتمة": حكمه حكم اليهوديّة إذا تنصرت في زماننا، والحكم فيها ينبني

على أنَّها هل تُقَرُّ على النصرانية أم لا؟ إن قلنا: تقرُّ، جاز، وإلا فلا، ومن دان بدين اليهود بعد مبعث عيسى- عليه السلام- كمن دان به بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: كمن دان بعد التحريف.
وأمَّا السامرة فهل هم من اليهود، والصابئة من النصارى؟ فيهم أربعة طرق: القطع بأنهم منهم.
القطع بأنهم ليسوا منهم، وهو اختيار الإصطخري.
طَرْدُ القولين، نقلهما أبو علي عن الخراسانيين.
والمذهب الذي ذهب إليه [جمهور الأصحاب]: أنهم إن كانوا يخالفون اليهود والنصارى في أصول الأديان فليسوا منهم، وإن وافقوهم في أصول الدين وخالفوهم في فروعهم، فهم منهم.
وقطع العراقيون بحل مناكحتهم إذا قلنا: إنهم منهم، وكذلك القاضي الحسين في باب [عقد الذمة]، وتردد فيه الخراسانيون.
ووجه المنع: أنهم كالمبتدعة في ديننا، ومبتدعة ديننا تحل مناكحتهم؛ لأمور سمعيّة [منعتنا من] ذلك وهي مفقودة في حقهم.
وأمَّا غير اليهود والنصارى من أهل الكتب: كمن يؤمن بصحف إبراهيم وشيث، وزَبُور داود، فلا يحلُّ للمسلم مناكحتهم؛ لأن ما فيه مواعظُ، وليس بحُكْم.
وقال في "التتمة": "حكمهم حكم المجوس".
[وحكى القاضي أبو الطيب في "تعليقه" في باب "عقد الذمة" عن أبي إسحاق: أنه تحل مناكحتهم، وتحل ذبائحهم].
إذا تقرر ذلك فيكره نكاح من قلنا: يحل نكاحها، حربيّة كانت أو ذميّة، والكراهة في الحربيّة أشد؛ خشية من أن تسبى فيُسترَق ولده ولا يصدَّق بأنه مسلم.
وقيل في الذمية: إنه لا يكره نكاحها، وهو ما حكاه الغزالي.

وحكى الإمام تردداً في [كراهة] نكاح الحربيّة عن الأصحاب، ونقل في "الحلية" للشاشي وجهاً عن بعض العراقيين: أنه لا يصح نكاح المسلم الحربية.
وحكم حل ذبيحةِ من ذكر، ووطئه بملك اليمين إذا كان امرأة- حُكْمُ نكاحِهِ، والله أعلم.
قال: "ويحرم على المسلم نكاح الأمة الكتابيّة"، أي: حرّاً كان أو عبداً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25].
ولأنه اجتمع فيها نقصانان لكل منهما أثر في المنع من النكاح، فلا يجوز للحرّ المسلم نكاحها كالمجوسية الحرة، والنقصان في الفرع: الكفر والرق، وفي الأصل: الكفر؛ ولأنها إن كانت لكافرٍ استُرِقَّ ولده، وإن كانت لمسلم لا يأمن أن ينقلها لكافر فيسترق ولده.
ونقل في "الذخائر": أن بعض الأصحاب خرّج وجهاً في جواز نكاح الأمة الكتابية إذا كانت مملوكة لمسلم، وضعفه.
وقيل: إن كان عبداً هل له نكاحها، وهل يحرم على الحرّ الذمي؟ فيه وجهان، أصحهما: الجواز، والصحيح: حلها للعبد الذمي.
والمجوسيّة والوثنيّة هل تحل لأهل دينها؟ فيه وجهان محكيان في "الشامل".
فرع: لو تزوج مسلم بحربيّة، فاسترقت وجوزناه على أحد الوجهين- فهل ينفسخ النكاح؟ [المذهب: أنّه ينفسخ،] وذُكر وجه غريب: أن النكاح لا ينقطع؛ [فإن] ذلك محتمل في الدوام.
قال الغزالي في كتاب "السير": وهذا إن أُريد به أن يتوقف إلى إسلامها [قبل انقضاء] العدة فله وجه [ما]، وإلا فلا وجه له.

قال: "ولا يحرم وطؤها بملك اليمين"؛ لأنه يباح له وطء حرائرهن بملك اليمين، فيباح له وطء الإماء بملك اليمين، وللأمن [من] المحذور المانع من نكاحها، ولأن الاستباحة به أوسع؛ فإنه غير محصور.
نعم، لو كانت الأمة مجوسية انبنى حلُّ وطئها على جواز نكاحها، وهل يملك السيّد إجبار [أمته] المجوسيّة والوثنية على الإسلام؟ فيه خلاف تقدّم ذكره عند الكلام في إجبار الذميّة على الغسل.
قال: ويحرم على الحرّ نكاح الأمة المسلمة إلا أن يخاف العنت- أي: الزنى- ولا يجد، [أي] في الموضع الذي هو [فيه]، صداق حرّة، أي: مسلمة يمكنه وطؤها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾ [النساء: 25] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25]، ولما روى عن جابر أنّه قال: من وجد صداق حرةٍ لا ينكح الأمة.
وروي مثل ذلك عن ابن عباس، رضي الله عنهما.
[والطَّوْل: السَّعة في الفضل، قاله ابن عباس].
والعنت: المشقة [الشديدة.
ويقال: إنه الهلاك، والمراد به في الآية: الزنى، وسمي به؛ لأنه سبب المشقة] والهلاك بالحد في الدنيا، والهلاك في الآخرة بالعقوبة.
وليس المراد بخوف الزنى: أن يغلب على ظنه الوقوع فيه، بل المراد: الذي يتوقعه لا على سبيل الندور.
وليس غير الخائف: هو الذي يعلم الاجتناب عنه، لكن غلبة الظن بالتقوى والاجتناب تنافي الخوف؛ فمن غلبت شهوته ورقّ تقواه فهو خائف، [ومن ضعفت شهوته، وهو يستبعد الوقوع في الزنى لدينٍ أو مروءةٍ أو حياءٍ- فهو غير

خائفٍ].
وإن غلبت شهوته وتقواه، ففيه احتمالان للإمام: أظهرهما: أنه لا يجوز له نكاح الأمة.
[والثاني: إن كان ترك الوقاع يجر ضرراً عظيماً أو مرضاً، فله نكاح الأمة]، وإلا فلا.
قال مجلي حكاية عن الغزالي: وفي هذا التفصيل نظرٌ؛ إذ فرّق فيه بين الفاجر والتقي، [وسلط] الفاجر على الرخصة؛ [لسبب فجوره]، وقد ساواه التقي في الحاجة، وذلك بعيد.
قال مجلي: ويمكن أن يجاب عنه بأن سبب الرخصة موجود في الفاجر، مأمون في التقى؛ فاختصّ الفاجر بها؛ فإن المعنى إذا عُقِلَ، ووقف الحكم عليه، تبعه في الثبوت والانتفاء.
تنبيه: القيد الأول من كلام الشيخ يخرج المجبوب عن أن يجوز له نكاح الأمة؛ إذ لا يتصور منه الوطء مباحاً ولا حراماً، قاله الإمام والمتولي، وفي البحريّة للقاضي الروياني: [أنّ] للخصى والمجبوب نكاح الأمة عند خوف الوقوع في الفعل المأثوم به.
ومن في ملكه أمة تحل له فلا يحل له نكاح الأمَة؛ لأنه مستغنٍ عن إرقاق ولده.
وفي كتاب الحناطي [ذكر] خلاف فيه، ويمكن أن يكون مخرجاً [على] ما إذا قدر على شراء أمةٍ: هل يحل له نكاح الأمة؟ وفيه خلاف، والأصح- ولم يذكر في "التهذيب" سواه-: أنه لا يجوز.
ومن تحته منكوحة يمكنه الاستمتاع بها فلا يحل له نكاح الأمة، وسواء كانت المنكوحة مسلمة أو كتابية، حرّة أو رقيقة؛ لأنه غير خائف للعنت، وحكى ابن كجٍّ وجهين في أن وجود الحرة الكتابيّة هل يمنع نكاح الأمة، [كالوجهين الآتي

ذكرهما في أن القدرة على نكاحها هل تمنع [نكاح] الأمة، أمَّا إذا لم يتيسر الاستمتاع بها كما إذا كانت: صغيرة، أو غائبة، [أو مجنونة]، أو مجذومة، أوب رصاء، أو رتقاء، أو قرناء، أو مفضاة لا تحتمل الجماع، فهل يجوز له نكاح الأمة؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو الأصح في "المهذب"، وبه أجاب ابن الصباغ وطائفة من العراقيين، واختاره القاضي الحسين على ما حكاه الرافعيّ-: أن له نكاح الأمة؛ [لأنه] لا غَنَاء في الحرة التي تحته ولا استغناء.
والثاني- وهو الذي ذكره الإمام والغزالي والبغوي، واختاره القاضي الحسين على ما حكاه المتولي-: المنع؛ لأن نكاح الصغيرة والغائبة كنكاح البالغة والحاضرة في منع نكاح الأخت، فكذلك في منع نكاح الأمة، فعلى هذا: لا تُنْكح الأمة حتى تبين الحرة، وعلى الأول ليس له أن ينكح [أمة] مثل هذه الحرة.
فرع: المجنون هل يجوز لوليه أن يزوجه أمةً؟ قال في "التهذيب": إن كان معسراً، ويخاف العنت جاز.
وقال في "التتمة": فيه وجهان.
ووجه المنع: أن فعل المجنون ليس بزنى، فهو لا يخاف العنت.
ذكر ذلك عند الكلام في تزويج المجنون.
قلت: ويتجه أن يكون مادة الخلاف: أن وطأه كوطء الشبهة حتى يلتحق به [النسب] أو لا؟ وفيه خلاف قدّمناه، والأصح الأول، ومقتضاه: عدم الجواز هنا.
والقيد الثاني إن أجرى على عمومه دخل فيه: ما لو قدر على صداق حرّة كتابية، فلا يجوز له نكاح الأمة.
وهو أصح

الوجهين، وقائله قال: لفظ "الإسلام" في الآية جرى على الأعم؛ فإن الغالب أن المؤمن إنما يرغب في المؤمنات، كما [جاء] في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخرها [الأحزاب: 49]؛ فإن المسلمة والكتابية في حكمهم سواء، ولأن الكتابية لا ترغب في نكاح المسلم إلا بأكثر من مهر المسلمة؛ فيكون من لا يقدر على مهر المسلمة لا يقدر على مهر الكتابية.
وعن أبي الطيب: أن أبا إسحاق قطع به، وجعل في "الوسيط" الوجه المقابل له [أحسن أو] أظهر على حسب اختلاف النسخ.
وما إذا قدر على مهر حرة قرناء أو رتقاء، وفيه وجهان بناهما المتولي.
على أن وجودها في نكاحه هل يمنع من نكاح الأمة؟ فإن قلنا: يمنع، منع، وإلا فلا، وجزم الغزالي والبغوي بأن ذلك لا يمنع، وإن كان جوابهما المنع عند الوجود في النكاح.
ويجري الخلاف في الرضيعة، وأولى بجواز نكاح الأمة، ويجري في المجنونة والمجذومة وأولى بالمنع؛ لإمكان الاستمتاع.
وما إذا وجد صداق حرة، ولم يجد من ترضى به أصلاً؛ لنقصه، أو لم يكن في البلد من هي خالية من زوج، ولا نزاع بين الأئمة في أنه يجوز له نكاح الأمة.
نعم: لو كانت توجد في بلد أخرى، أطلق بعضهم جوابه بجواز نكاح الأمة، وفصل أكثر الأصحاب فقالوا: إن كان يخاف العنت في مدة قطع المسافة، أو تلحقه مشقة ظاهرة بالخروج إليها- فله نكاح الأمة، وإلا فلا، وضبط الإمام المشقة المحتملة بأن ينسب محتملها في طلب الزوجة إلى الإسراف ومجاوزة الحد.
ويخرج ما إذا كان يقدر على صداق حرة في بلد، وهو فاقد له في موضع إقامته؛ فإنه يجوز له نكاح الأمة؛ لأنه يصدق عليه أنه غير واجد كما في

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل