كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 453-16
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطلاق

صفحات 453-16
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والثاني: أنه كما لو ابتدأ به؛ لاحتمال أن النية قد تغيرت؛ هكذا حكاه الرافعي قبل فصل اعتبار النية في الكناية.
وفي "النهاية" في كتاب الصداق عند الكلام في مهر السر والعلانية: أنه لو قال لزوجته: إذا قلت: أنت طالق ثلاثاً، لم أرد به الطلاق، وإنما غرضي أن تقومي، وتقعدي، أو أريد بالثلاث واحدة- فالمذهب أن ذلك لا عبرة به.
وفيه وجه: أن الاعتبار بما تراضيا عليه.
قال الإمام: وذلك مبني على قاعدة مهر السر والعلانية، وعليها تجري الأحكام المتلقاة من الألفاظ.
الرابع: إذا حرك لسانه بكلمة الطلاق، ولم يرفع صوته بقدر ما يسمع، ففي "التتمة": أن [الكرخي] حكى أن المزني حكى فيه قولين: أحدهما: وقوع الطلاق؛ لأنا نوقع الطلاق بالكناية مع النية، فعند التلفظ أولى.
والثاني: المنع؛ لأنه ليس بكلام؛ ولهذا يشترط في قراءة الصلاة أن يسمع نفسه.
قال: والكنايات: [أن يقول: أنت] خلية، وبرية، وبتة، وبتلة، وبائن، وحرام، وأنت كالميتة، واعتدي، واستبرئي- أي: رحمك- وتقنعي، واستتري، وتجرعي، وابعدي، واغربي، واذهبي، والحقي بأهلك، وحبلك على غاربك، وأنت واحدة، وما أشبه ذلك؛ أي: كقوله: تجردي، وتزودي، واخرجي، وسافري، وتزوجي، وذوقي، وتحرري، والزمي الطريق، وودعيني، ولا حاجة لي فيك، وأنت حرة، وأعتقتك، ولا أنده سربك، وعفوت عنك، وأبرأتك، وأنت ثلاث فثلاث، وأمرك بيدك، وأنت كأمي، وما في معناه، ولست لي بامرأة؛ على المذهب.

وفي "النهاية" وجه: أنه لا يكون كناية؛ لأنه صريح في الإقرار والإخبار.
وفي الإشراف للهروي [حكاية] وجه أن قوله: تزوجي، لا يكون كناية؛ حكاه قبل فصل نسخه السجل.
وضابط الكناية: [أن] كل لفظ محتمل للفراق، ولم يسمع استعماله [فيه] شرعاً ولا عرفاً- فهو كناية.
وحَدَّها القاضي الحسين في "التعليق": بأن كل لفظ [ينبئ عن] الفرقة بوجه ما، دق أو جل، أو ينبئ عن انطلاق ما يكون محتبساً- فهو كناية.
وأصلها الستر، يقال: كنيت الشيء، إذا سترته؛ فكأنه لم يفصح عن الفراق بصريح اللفظ؛ فقد كنه.
ثم الكناية منقسمة: إلى جلية: وهي التي يكثر استعمالها في الفراق، وتقوى دلالتها عليه.
وإلى خفية: وهي التي تنحط رتبتها عن الوجهين.
أما الجلية: فقد حصرها الشيخ أبو حامد في ستة ألفاظ، وهي التي صدر الشيخ بها كلامه.
وأضاف إليها أبو الفرج أربعة أخرى، وهي: اعتدى، واستبرئي رحمك، وأنت حرة، وأنت واحدة.
وأما الخفية، فعند الشيخ أبي حامد ما عدا الستة.
وعند أبي الفرج ما عدا العشرة.
ثم قوله: أنت خلية، الخلية: فعيلة بمعنى فاعلة، أي: خالية من الزوج، [وهو خال منها.
وقوله: برية، البرية من البراءة، أي: برئت من الزوج].
وقوله: بتة: [البتة]: من بت [يبت]؛ إذا قطع، أي: قطعت الوصلة بيننا.
وقوله: بتلة، البتلة: [من] تبتل يتبتل؛ إذا ترك النكاح، وانفرد.

وقوله: بائن، البائن: من البين، وهو الفراق، وهذه اللغة الفصيحة: بائن؛ كطالق، وحائض؛ لأنه مختص بالأنثى، وفي لغةق ليلة تجوز بائنة، وطالقة، وحائضة، وحاملة.
وقوله: حرام، أي: حرام عليَّ، ممنوعة مني؛ للفرقة.
وقوله: وأنت كالميتة، أي: حرام بالطلاق، كماي حرم أكل الميتة.
وقوله: اعتدى، واستبرئي رحمك، أي: طلقتك؛ فاعتدي، واستبرئي [رحمك].
وقوله: وتقنعي، واستتري، أي: حرمتك بالطلاق، فاختفي عني.
[وقوله: وتجرعي، أي: الفراق ومرارته وقوله وابعدي وقوله: أجنبية مني]، وقوله: واعزبي هو بعين مهملة، وزاي معجمة، وباء وياء، أي: تباعدي، يقال: عزب يعزب؛ إذا تباعد.
وفي غير التنبيه بغين وراء، ومعناه: صيري غريبة مني، أجنبية.
ويقال: عزب عني يعزب، إذا غاب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ الآية [يونس: 61].
وقوله: وحبلك على غاربك، أي: خليت سبيلك؛ كما يخلى البعير في الصحراء، ويترك زمامه على غاربه، وهو ما تقدم من الظهر، وارتفع من العنق، ويقال: هو أعلى السنام.
وقوله: أنت واحدة هو برفع واحدة، أي: متوحدة بلا زوج، وقيل: ذات تطليقة واحدة.
وقول الزوج لها: لا أنده سربك: نده الإبل أي: زجرها، والسرب: الإبل، وما يدعى من المال، أي: فارقتك؛ فلا أهتم بشأنك.
قال: فإن نوى به الطلاق وقع؛ للإجماع.
وفي "النهاية" حكاية وجه: أن قوله: اعتدي، واستبرئي رحمك، لا يقع به

الطلاق وإن نوى؛ إذا لم تكن مدخولاً بها.
ثم النية المؤثرة في ذلك بالاتفاق أن تقترن بجميع اللفظ من قوله: أنت إلى آخر القاف من طالق، كما صرح به المتولي في باب النية في الصلاة، فإن اقترنت بأوله، ثم عزبت في أثنائه، فالمذهب الوقوع.
ولو خلا أوله، وهو قوله: أنت عن النية، [ثم] نوى في أثنائه عند قوله: طالق، ففي الوقوع وجهان.
قال: وإن لم ينو، لم يقع؛ لما قدمناه من أثر عمر- رضي الله عنه- فإنه لو كان يقع من غير نية، لما كان في التحليف فائدة.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى كعب بن مالك قبل نزول توبته أن يعتزل امرأته، ولا يقربها، فقال كعب لامرأته: الحقي بأهلك، وكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، ولما نزلت توبته، لم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما.

ولأن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وغيره؛ فلا يقع بها الطلاق [ما لم] ينوه، كالإمساك عن الشراب والطعام لما احتمل العبادة وغيرها، لم يصرف [إلى العبادة] إلا بالنية.
ثم اعلم أن عد الحرام في الكنايات جواب على أنه لا يلتحق بالصرائح، كما صار إليه المتقدمون من الأصحاب، وهو ما دل عليه كلام الشيخ كما تقدم.
أو يفرض في البقاع التي لم يشتهر اللفظ فيها، وقلنا: إن لفظ الحرام غير صريح في إيجاب الكفارة.
أما إذا قلنا: إنه صريح، فقد حكى الحناطي وجهاً: أنه لا يكون طلاقاً، وهو قضية الضابط المذكور في النهاية وغيرها: أن اللفظ إذا كان صريحاً في باب، ووجد نفاذاً في موضوعه، فلا سبيل إلى رده عن العمل فيما هو صرحي فيه، ويستحيل أن يكون صريحاً نافذاً في أصله ووضعه، ويكون كناية منوية في وجه آخر، وهو ما جزم به في التهذيب؛ تفريعاً على هذا القول عند الكلام فيه.
والمذهب أن يكون طلاقاً.
قال في "الذخائر": لأنه إنما يكون صرحياً في إيجاب الكفارة عند عدم النية، فأما مع وجود النية فلا يكون صرحياً في الكفارة.

فإن قيل: إذا قلتم بأن لفظ الحرام صريح عند الإطلاق في إيجاب الكفارة، وقلتم: إنه صريح في الطلاق؛ [لشيوعه] فهل تحكمون بوقوع الطلاق، ووجوب الكفارة، أو ماذا تصنعون؟ قلنا: قضية ما في "التهذيب": أنه يتعين الطلاق.
وفي "النهاية": أنا إن حكمنا بأن مأخذ الصراحة الشيوع، فلا يتصور كون لفظ التحريم صرحياً في الناس؛ فإن معنى الشيوع ألا يستعمل في اطراد العادة إلا في المعنى المطلوب، وحينئذ لا يتصور أن يشيع لفظ على الحد الذي ذكرناه في المعنيين مع اتحاد الزمان والمكان؛ فإن شاع أحد المعنيين، كان صريحاً فيه، كناية في الثاني؛ ولذا جوزنا أن يكون للصرائح مأخذان: أحدهما: ورود الشرع.
والثاني: الشيوع على النعت المتقدم.
فلو فرض شيوع التحريم في الطلاق، فلا يتجه إلا أحد أمرين: إما تغليب وقوع الطلاق؛ فإنه يحرم النفس، والتحريم الموجب للكفارة لا يحرمها.
وإما خروج اللفظ عن كونه صريحاً في الناس جميعاً؛ لتعارض العرف والشرع، واستحالة الجمع، وامتناع تخصيص أحد الجانبين؛ فلا يعمل اللفظ إذن في أحد المعنيين إلا بقصد، والله أعلم.

قال: وإن قال: اختاري، فهو كناية، أي: [في] تفويض الطلاق إليها؛ لأنه يحتمل الطلاق وغيره.
وكذا لو قال: أمرك بيدك.
قال: يفتقر إلى القبول- أي: وهو الاختيار وما في معناه- في المجلس على المنصوص.
وقيل: يفتقر إلى القبول في الحال.
والكلام على ذلك قد تقدم [ذكره] عند تفويض صريح الطلاق، وكان اللائق [أن] يذكر هذا الفرع عقيبه.
قال: فإن قالت: اخترت، ونويا الطلاق- وقع، أي: نوى الزوج عند قوله: اختاري التفويض إليها، ونوت هي عند قولها: اخترت الطلاق.
قال: وإن لم ينويا، أو أحدهما، لم يقع؛ لأن هذا شأن الكنايات.
واعلم أن بعض الناس يورد على الشيخ أن قوله: ينويا لا حاجة إليه مع قوله: أحدهما؛ لأنه لا يقع إذا لم ينو أحدهما.
وبيانه: أن الذي لم ينو إن كان هو الزوج، لم يقع؛ لأنه لم يوجد منه التفويض المتسلط على التطليق، وإن كانت المرأة؛ فلأن الطلاق يقع بقبولها، ولم يوجد شرط وقوعه، وهذا بخلاف ما لو قال لها: طلقي نفسك، ونوى ثلاثاً، فقالت: طلقت ولم تنو الثلاث؛ فإنه يقع على أحد الوجهين؛ لأن البناء في العدد أقرب من البناء في أصل الطلاق، وكأنه فوض إليها أصل الطلاق، وتولى بنفسه قصد العدد.
فإن قيل: قد قلتم: إنه إذا دفع الزكاة إلى وكيله، ونوى رب المال، ولم ينو الوكيل- إنه يجزئ على قول، مع ان النية شرط فيها؛ كما أنها شرط هنا.
فالجواب: أن من قال بالإجزاء في الزكاة، بناه على أن النية السابقة على الدفع

إلى الفقير تجزئ، وقد وجدت، وليس لفعل الوكيل في ذلك أثر حتى لو كانت الزكاة على الأرض، وأمر الفقير بأخذها، فأخذها، كانت مجزئة، وليس ها هنا كذلك، فإن قول الوكيل هو الموقع للطلاق.
فرع: لو قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلقت نفسي، [أو طلقت]، ولم تتلفظ بعدد، ولا نوته، فقد قال القاضي: يقع الثلاث.
قال الإمام: وهذا ماش على القول بأن التفويض إليها تمليك.
أما إذا جعلنا التفويض توكيلاً، فالوجه أنه لا يقع الثلاث، فإن تصرف الوكيل لا يبني على التوكيل.
ولا فرق في وقوع الطلاق عند نيتها بين أن تقول: اخترت، وتقتصر على ذلك، أو تقول: اخترت نفسي.
وفي التهذيب: أنه لابد [من] أن تقول: اخترت نفسي، بخلاف ما إذا قال: اختاري نفسك، فقالت: اخترت، فإنه يقع وإن لم تقل: نفسي.
وفي تعليق القاضي الحسين في هذه الصورة حكاية وجه [آخر:] أنه يفتقر إلى ذلك كالمسألة الأولى.
ولو قالت: اخترت الأزواج، أو أبوي، أو أخي، أو عمي، ونوت اللاق، ففي [وقوع الطلاق] وجهان: أظهرهما في الرافعي الوقوع.
ولو اختارت الزوج، قال في المهذب: لم يقع [الطلاق]، وعلله بأن عائشة- رضي الله عنها- لما خيرها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فاختارته، لم يكن طلاقاً.
وبأن اختيار الزوج اختيار للنكاح، لأنه لا يحتمل غيره؛ فلم يقع به الطلاق.
وما قاله قد يعترض عليه فيه، فيقال: إن كان مع كونها نوت الفراق، فلا يحسن الاستدلال بالخبر؛ لأن عائشة- رضي الله عنها- لم تنو الطلاق، بل ظهر منها ما يدل على خلافه.

وإن كانت لم تنو فعدم وقوع الطلاق؛ لعدم النية؛ [إذ قد] تقرر أن لفظ الاختيار كناية، فقوله: اختيار الزوج لا يحتمل غيره، [و] لا وجه له، لأنه لو احتمل غيره كان الحكم كذلك؛ لعدم النية.
ولو نوى الزوج بقوله: أمرك بيدك إنجاز الطلاق، ففي وقوعه قبل اخيتارها وجهان.
قال: وإن رجع فيه- أي: الإيجاب- قبل القبول، صح الرجوع، أي: سواء قلنا: إنه تمليك، أو توكيل.
أما إذا قلنا: إنه توكيل؛ فلأنه عقد جائز في أصله.
وأما إذا قلنا: إنه تمليك؛ فلأن التمليكات يجوز الرجوع فيها قبل القبول.
قال: وقيل: لا يصح- أي إذا قلنا: إنه تمليك- وهو قول ابن خيران، ووجهه بأنه إذا قال: طلقي نفسك، فكأنه قال: إذا تلفظت بتطليق نفسك فأنت طالق، والطلاق المعلق لا يقبل الرجوع.
قال الإمام: وهذا مردود لا أصل له، والعجب أن شيخي كان لا يحكي في التفريع على قول التمليك غيره، وكان يعبر عنه بأنه تمليك متضمن بتعليق.
ووجه المذهب: أن الإيجاب يقتضي قبولاً؛ فكان له الرجوع عن الإيجاب قبل القبول، كإيجاب البيع.
قال: وإن قال لها: ما اخترت، فقالت: اخترت، فالقول قوله، [أي]: مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح، وإقامة البينة عليه [غير] ممكنة.
قال: [وإن قال لها:] ما نويت، فقالت: نويت فالقول قولها؛ لأنها ادعت ما لا يمكن إقامة البينة عليه، فكان القول قولها [فيه]، كالحيض.
قال: وقيل: القول قوله، وهو قول أبي سعيد الإصطخري؛ كما لو ادعت الاختيار.

فرع: لو جعل أمر الزوجة إلى الوكيل، فقال لها الوكيل: أمرك بيدك، وقال: نويت الطلاق، وصدقته المرأة، وكذبه الزوج- فالقول قول الوكيل على المذهب.
وفيه وجه: أن القول قول الزوج.
وتعليلهما: ما ذكرناه؛ كذا حكاه القاضي ابن كج.
قلت: وهذا تفريع منه على أن الزوج إذا قال لها: أمرك بيد:، ونوى تنجيز الطلاق- أنه يقع.
أما إذا قلنا: إنه لا يقع من الموكل، فالوكيل أولى.
ولو توافق الزوجان على تكذيبه، لم يقبل قول الوكيل عليهما.
قال: وإن قال لها: طلقي نفسك، فقالت: اخترت، ونوت، وقع [الطلاق]، وكذا لو قالت: أبنت، وأنا خلية، وغير ذلك من الكنايات؛ كما لو قال: بع، فباع بلفظ التمليك.
قال: وقيل: لا يقع حتى يأتي بالصريح-[أي]: إما بلفظ الطلاق أو غيره- وهو قول ابن خيران، ويروي عن أبي عبيد بن حربويه؛ إذ هو المفوض إليها.
ويجري الخلاف فيما لو فوض الطلاق ببعض الكنايات، ونوى، فقالت: طلقت نفسي.
وعن القاضي الحسين وغيره أن الخلاف يجري فيما إذا قال لأجنبي: طلق زوجتي فقال: أبنتها، ونوى.
أو قال: أبن زوجتي، ونوى، فقال الوكيل: طلقتها.
ولو قال لزوجته: أبيني نفسك، فقالت: أنا خلية، ونويا، فهل يقع الطلاق تفريعاً على هذا الوجه الثاني؟ حكى الإمام فيه تردداً [مثل هذا التردد فيما إذا قال: طلقي، فقالت: سرحت، ولم أره] قال: والأوجه: ألا يمنع.
فروع: لو قال لها: طلقي نفسك، فقالت: أنا طالق، إذا قدم زيد، لم يصح التعليق؛ لأنه لم يملكها إياه.

وكذا الحكم في حق الأجنبي.
وفيها وجه حكاه الحناطي.
ولو قال لها: علقي طلاقك بكذا، أو قاله لأجنبي ففعل وفعلت، فظاهر المذهب: أنه لا يصح التعليق، وهو ما أجاب به في التهذيب؛ لأن التعليق يجري مجرى الأيمان؛ فلا يدخله التفويض.
وفي التتمة حكاية وجهين آخرين عن أبي عاصم العبادي: أحدهما: أنه يجوز تفويض التعليق كتفويض التخيير.
والثاني: [أنه] ينظر في الصفة التي أمر بالتعليق بها: إن كانت توجد [لا محالة: كطلوع الشمس، فيجوز؛ لأن مثل هذا التعليق ليس بيمين.
وإن كانت قد توجد] وقد لا توجد: كدخول الدار، فهو يمين؛ فلا يجوز.
قلت: ولو خرج وجه فارق بين أن يفوض إلى أجنبي؛ فلا يجوز، وبين أن يفوض إلى الزوجة؛ فيجوز؛ بناءً على مذهب ابن خيران: أن التفويض إليها تعليق على تلفظها- لكان له وجه.
ولو قال لها: طلقي نفسك إذا جاء رأس الشهر، انبنى على القولين: إن قلنا: إنه تمليك؛ فلا يجوز، وإلا فيجوز.
وفي تعليق القاضي الحسين غجراء قولين فيما لو قال ذلك للوكيل؛ وهذا منه يدل على أن الخلاف جارٍ فيها وإن قلنا: إنه توكيل؛ لأنه سوى بينها وبين الوكيل، ثم فرع على ذلك، فقال: إن قلنا: يصح، فإن كان التفويض إلى المرأة، فعليها أن تطلق نفسها إذا جاء رأس الشهر في المجلس، وإن قلنا: إن الوكالة فاسدة، فلو طلق في الحال، فهل يقع أم لا؟ فيه وجهان.
والأظهر: أنه لا يقع.
قال: وإن قال: أنت الطلاق، فقد قيل: هو صريح؛ لأن لفظ الطلاق لا يطلق- كيف فُرِضَ الأمر فيه- إلا على قصد الفراق، فإذا جرى لفظ على خلاف ما يعرف ويؤلف، فالاعتبار بأصل الكلمة.

قال: وقيل: هو كناية، وهو الأصح، واختيار القفال، لأن هذا اللفظ لم يثبت له شيوع في العرف، ولا تكرار في القرآن، [وليس] جارياً على قياس اللسان؛ فلم يكن صريحاً، وإنما كان كناية؛ لأن المصدر قد يستعمل بمعنى اسم الفاعل؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَاتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: 30] أي: غائراً؛ فكذلك ها هنا يصير اللفظ بالنية كأنه قال: أنت طالق، وقد استعمل في الشعر بمعنى الطلاق قال الشاعر: وإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن ... وإن تخرقي يا هند فالخرق ألأم فأنت طلاقٌ والطلاق عزيمة ... ثلاثاً، ومن يخرق أعق وأظلم فبيني بها إن كنتِ غير رفيقة ... فما لامرئ بعد الثلاث مقدم

فرع: حكى الرافعي: عن التهذيب: أنه لو قال: أنت نصف طلقة فهو كناية كقوله: أنت طلقة.
قال: وإن قال: أنا منك طالق، أو فوض الطلاق إليها، فقالت: أنت طالق، فهو كناية؛ لأن مأخذ الصراحة القرآن والإشاعة في الاستعمال، ولم يوجد واحد منهما.
قال: لا يقع إلا بالنية؛ إذ هو شأن الكنايات، وإنما وقع بالنية؛ لأن الزوج في حجر النكاح على الجملة؛ من حيث إنه لا يتمكن من نكاح أربع سواها، ولا يتمكن من نكاح أختها ونحوها من الأقارب اللاتي يحرم الجمع بينهن، والطلاق حل لذلك الحجر؛ فيصح إضافته إلى الزوج كالمرأة.
والمراد بالنية هنا: أن ينوي إضافة الطلاق إلى الزوجة، لا مجرد الطلاق، وإلا فقد تقدم أن الكناية لا يقع بها طلاق إلا بالنية.
ووجه اعتبار ذلك: أن الزوج ليس محلاً في العادة لإضافة الطلاق إليه؛ ولذلك كان اللفظ كناية، وإذا كان كذلك فلابد أن ينوي المحل الذي تصح الإضافة إليه، وهو الزوجة؛ [و] هذا هو الذي عليه الجمهور.

وقال الإمام: وذهب طوائف من المحققين إلى أن قصد الطلاق كاف وإن لم يضفه لفظاً وعقداً بالنية، وهو الذي اختاره القاضي، وهو القياس.
نعم: لو نوى الزوج طلاق نفسه، فالوجه عندنا أنه لا يقع.
وقد ذكر بعض الخلافيين: أن اللفظ صريح وإن قصد تطليق نفسه، وهذا [لا احتفال] به.
وشبه مشبهون هذا بما لو قال لامرأته: أنت طالق؛ من حيث إن لفظ الطلاق جرى على صيغة مستشنعة حائدة [عن جهة العرف في الاستعمال.
واعلم أن قول الشيخ: لم يقع إلا بالنية] يفهم أنه متى وجدت النية وقع، وهذا منه تفريع على أنه لو فوض إليها الطلاق بالصريح، فأتت بالكناية مع النية يقع الطلاق.
[و] أما إذا قلنا بمذهب ابن خيران، وهو عدم الوقوع [ثم]، فلا يقع ها هنا [- أيضاً-] وقد أشار إلى ذلك الإمام.
[فرع]: قال في التتمة: لو فوض الطلاق إليها بلفظ البينونة، فقالت للزوج: أبنتك، ونوت، أو قال الزوج لها: أنا منك بائن، ونوى- فحكمه ما تقدم.
وفي النهاية: أنه لابد من تبيين أحدهما نية أصل الطلاق والثانية [نية الإيقاع عليها.
قال مجلي: وفي هذه المسألة نظر؛ من حيث إن لفظ الطلاق هنا كناية] لا يقع به الطلاق إلا بالنية، والكناية لا يكون عنها كناية؛ لضعفها، وإنماالكناية تكون عن الصرائح؛ فينبغي ألَّا يقع الطلاق في هذه الصورة بشيء من الكنايات.
قلت: وهذه المادة مأخوذة من قول الشيخ أبي حامد فيما إذا قال لزوجته: أنت كالميتة، واراد به: أنت حرام؛ فإنه قال: إن قلنا: إن لفظ الحرام كناية، لم يجب شيء؛ لأن الكناية لا ينوى بها [الكناية؛ كذا حكاه ابن الصباغ عنه، وما قاله قد يمنع]، ويقال: إن المأتى به كناية عن قوله: أنت طالق، وحينئذ

فلا تكون للكناية كناية؛ كما لو نوى بقوله: أنت [كالميتة] الطلاق.
قال: وإن قال: كلي واشربي، فقد قيل: هو كناية؛ كقوله: تجرعي، والمعنى: كلي ألم الفراق، واشربي شراب الفرق، وهذا هو الصحيح، واختيار الشيخ أبي حامد.
وقيل: ليس بشيء [أي] ولو نوى به الطلاق، وهو اختيار أبي إسحاق، كما لو قال: أطعميني أو اسقيني؛ على أن فيهما- أيضاً- وجهاً، وسيأتي ذكره.
وإنما قلنا: إنه لا يقع بقوله أطعميني، وما في معناه؛ لأ، ما أتى به لا دلالة [له] على الطلاق؛ فلم يوجد سوى مجرد النية، وهي لا يقع بها الطلاق، [و] لأنه حل عقد؛ فلا يقع بمجرد النية؛ كالإقالة في البيع، وروي عن الشيخ أبي محمد القطع بأن قوله: كلي ليس بكناية.
قال: وأما إذا قال اقعدي، أو بارك الله عليك، وما أشبه ذلك، فليس بشيء؛ نوى أو لم ينو؛ لأن النية إنما تؤثر فيما يحتمله اللفظ؛ وهذا اللفظ لا يدل على الفراق بحال؛ وهذا ما جزم به في التتمة، والتهذيب في قوله اقعدي.
وفيه وجه: أنه كناية.
وألحق في الإقناع قوله: بارك [الله فيك] بقوله بارك الله عليك، بخلاف قوله: بارك الله [لك]؛ فإنه كناية.
قال: وغن قال: أنت عليَّ كظهر أمي، ونوى [به] الطلاق، [لم يقع الطلاق]، أي: وإن كان محتملاً له؛ لما يشتركان فيه من إفادة التحريم- بل يكون ظهاراً؛ لأنه وجد نفاذاً في موضوعه صريحاً؛ فلا ينصرف عنه بمجرد النية، وقد تعذر الجمع بينهما؛ فنفذ في موضوعه، واقتصر عليه.
قال: وإن قال لرجل: [أطلقت] امرأتك؟ فقال: نعم، طلقت، أي: وإن

لم ينو؛ لأن قوله: نعم صريح في الجواب؛ ولهذا لو قال الحاكم للمدعى عليه: أعليك ألف؟ فقال: نعم، وجبت عليه؛ وحينئذ يكون تقدير الكلام نعم طلقتها وهذا قول الشيخ أبي حامد.
وفي "الشامل" حكاية قول آخر: أنه كناية؛ لأن نعم ليست معدودة من صرائح الطلاق.
قال القاضي أبو الطيب: وهذان القولان كالقولين فيما إذا قال: زوجتك، فقال: قبلت، ولم يذكر لفظ النكاح.
وفي الرافعي و"النهاية": أنهما مبنيان عليهما، وقضيته ترجيح قول الكناية، لكن ابن الصباغ والروياني رجحا كونه صريحاً.
وفي النهاية بعد حكاية القولين عن رواية صاحب التلخيص: أن الشيخ أبا علي- كما صرح به مجلي- لم ييرض هذه الطريقة، وأن قوله: نعم في جواب السؤال ينبغي ألا يكون صريحاً في الطلاق، ولا كناية، بل هو صريح في الإقرار بالطلاق، ثم إن كان كاذباً فلا يقع به الطلاق باطناً، وينفذ الحكم بالإقرار ظاهراً، ثم لا ينبغي أن يكون في ثبوت الإقرار اختلاف قول.
قال الرافعي: وفي كلام بعض النقلة إثبات الخلاف [على الإطلاق] حتى لا يكون قوله: نعم في صورة الاستخبار صريحاً على قوله.
قلت: وقد أشار إليه الإمام- أيضاً- بقوله: فهو صريح في الإقرار على الظاهر عند الكلام في قبول النكاح.
وفي "الوسيط": أنه [إن] قال ذلك جواباً [لمن] التمس منه إنشاء الطلاق، فإن نوى وقع، وإلا فقولان، وإن كان جواباً لمن استخبر منه فهو صريح في الإقرار.
فرع: لو قيل له: أطلقت؟ فقال: قد كان بعض ذلك، وفسر كلامه بما سنذكره [لم] يجعل ذلك إقراراً بالطلاق؛ لاحتمال أن يكون قد جرى منه وعد به، أو تعليق، [ومثل ذلك يصحح مثل هذا] اللفظ.
[و] قال في "التتمة": إن كان السؤال عن ثلاث طلقات، فيلزمه طلقة، وإن

كان عن طلقة فلا يلزمه شيء.
[فرع] آخر: لو قال لرجل: [أطلقت امرأتك؟] فقال: اعلم أن الأمر على ما تقوله.
قال الرافعي: حكى جدي في أنه هل يكون إقراراً بالطلاق وجهين: أصحهما: أنه لا يكون إقراراً.
ولو قال في جوابه: طلقت، فقد قيل: هو كما لو قال: نعم، فيكون على القولين في أنه صريح أو كناية.
وقيل: ليس بصريح لا محالة؛ حكاه الرافعي في الفروع.
قال: وإن قال: ألك زوجة؟ فقال: لا، لم يكن شيئاً، أي: وإن نوى، وهذا نصه في "الإملاء"، وهو ما أورده كثير من الأصحاب، على ما حكاه الرافعي، وصرح به المحاملي في "المجموع"، ووجهه: أنه كذب محض؛ فلا يتعلق به حكم.
وفي "المهذب": أنه إن نوى [به] الطلاق؛ وقع، وإلا فلا.
فإن حمل كلام الشيخ هنا على ما في المهذب؛ كان معنى قوله: لم يكن شيئاً؛ أي: إذا لم ينو.
وفي "النهاية" قبل كتاب الصداق في ضمن فرع- وهو إذا ادعت المرأة نكاح رجل، وأنكر-: أن ظاهر النص: أن إنكار الزوج طلاق، وهو مُشْكِل.
وقال قبيل [كتاب] الصداق: إن كونه لا يكون قاطعاً للزوجية مسلكاً بعيداً، ومفهومه: أن الراجح عنده أن لا يكون قاطعاً لها.
وقال عند الكلام في هذا الفرع: قال أصحابنا: لا يتعلق به حكم، وقال المحققون: هو كناية في الإقرار، وقال القاضي: عندي أن هذا صريح في الإقرار بنفي الزوجية، وهو ما حكاه قبل فصل أوله: أنت طالق من وثاق.
وفي "التتمة"- على رأي القاضي-: أنه لو رجع، وادعى الزوجية؛ لم يقبل.

والمذكور في "التهذيب" ما ذكره المحققون، لكنه قال: ولها تحليفه أنه لم يرد طلاقها، وفيما قاله من أن لها تحليفه نظر؛ من حيث إنه فرع على القول بأنه كناية في الإقرار.
والدعوى بالإقرار، المذهب أنها لا تسمع، فما ظنك له؟! وقال الرافعي: لو فرق في هذه المسألة بين أن يكون السائل مستخبراً، أو منشئاً؛ كما في الصورة قبلها، لم يكن به بأس؛ لأنه ذكره في كنايات الطلاق: أنه لو قال مبتدئاً: لست بزوجة لي، كان كناية على الأظهر.
وفي ابن يونس: أن [المشهور الصحيح]: أنه كناية؛ لأنه يحتمل الطلاق؛ فأشبه سائر الكنايات، وإنما لم نجعله صريحاً؛ لأنه يحتمل أن يريد [به] أن لا زوجة له غير هذه؛ فبهذا فارق المسألة قبلها؛ لأن قوله: نعم لا يحتمل غير الطلاق.
انتهى.
وفي قوله: أن لا زوجة له غير هذه إشارة إلى أن المسألة مفروضة في نفي زوجية امرأة معينة، وليست مسألة الكتاب كذلك؛ فلم يظهر كون النقل متوجهاً إليها.
قال: وإن كتب [الطلاق]- أي: لفظ الطلاق الصريح- ونوى- أي: بكتابته- الطلاق، ففيه قولان: أصحهما: أنه يقع، وهو المنصوص في المختصر، والأم، واختاره المزني، وجزم به بعضهم؛ لأن الكناية أحد الخطابين؛ فجاز أن يقع بها الطلاق كاللفظ.
والثاني: لا يقع، وهو نصه في الإملاء، وبه جزم بعضهم- أيضاً- لأنه فعل من قادر على القول؛ فلم يقع به الطلاق، كالإشارة من الناطق.
ولناصر القول الأول ألا يسلم الحكم في الإشارة؛ فإنه [قد] حكي عن صاحب التلخيص: أن إشارته ككتابته في كونها كناية، وأنه اختيار القفال، وأن الشيخ أبا علي حكى أن الأستاذ أبا زيد أجاب به فيما إذا قالت المرأة: طلقني، فأشار بيده.
وعلى تقدير تسليم الحكم في الأصل- وهو الأظهر- فالفرق: أن الإشارة لم توضع للخطاب ولا لتبيين المراد، وإنما يستدل بها على سبيل الندور؛ لاختلافها

بالأحوال والأشخاص، واختلاف الناس في فهمها، بخلاف الكتابة فإنها حروف موضوعة للإفهام، كالعبارة.
فإن قيل: إذا كانت موضوعة لذلك، فلم تشترطون في وقوع الطلاق بها النية؟ فالجواب: أن الشيخ أبا علي قد حكى عنه: أنه أوقع الطلاق بها، وأن الكتابة صريحة كالعبارة.
وعلى المذهب وهو عدم الوقوع، فالفرق: أن اللفظ صريح في الخطاب، والكتابة قد يقصد بها الحكاية، وتجربة القلم، والنسخ؛ فلم يقع الطلاق بها من غير [نية]؛ كالألفاظ المحتملة، والله أعلم.
ومحل القولين عند بعضهم في حال الغيبة، فأما في حال الحضور فلا يكون كناية قولاً واحداً، وعند بعضهم: أن محلها في حال الحضور، فأما في حال الغيبة فيكون كناية قولاً واحداً، وقيل: القولان في الحالين، وهو الأظهر.
ثم القول بأن الكتابة غير مؤثرة مفروض فيما إذا لم يفرض معها قراءة المكتوب ولا بعدها، أما لو وجدت القراءة، فادعى أنه لم ينو بها الطلاق، وإنما قصد [بها] الحكاية- ففي قبول قوله في الظاهر وجهان، كالوجهين فيما لو قال لها: أنت طالق، وهو يحل وثاقها، وقال: أردت حل الوثاق.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكتب على الكاغد، والرق، واللوح، وبين أن ينقشه على الحجر، والخشب.
ولا عبرة برسم الحروف على الماء والهواء؛ لأنها لا تثبت.
وقال الإمام: لا يمتنع أن يلتحق هذا بالإشارات؛ فإنها حركات يفهم منها شكل الحروف؛ فتنزل منزلة الإشارة المفهمة.
ولو كتب كناية من كنايات الطلاق، ونوى، فلا يقع بها طلاق على القولين معاً، قاله في الذخائر، وعلله بأن الكتابة كناية؛ فلا تصح بكناية؛ إذ لا يكون للكناية [كناية].

وفي تعليق القاضي الحسين أنه يقع؛ كما لو قال لامرأته: أنا منك بائن، فإنه كناية من وجهين، وإذا نوى به الطلاق وقع.
تنبيه: ما ذكره الشيخ مفروض فيما إذا صدر من ناطق، أما إذا صدر من أخرس، فلم يتعرض له، ونحن نذكره، ونقدم عليه مقدمة نحتاج إلى ذكرها في الباب- أيضاً- فنقول: الإشارة معتبرة من الأخرس في وقوع طلاقه، للضرورة؛ لأنه كذلك يعبر، ويدل على ما في ضميره، ويكتفي بها إذا كانت مفهمة، وإن لم ينو بها الطلاق؛ على ما حكاه في التهذيب من غير تفصيل.
وقسم الإمام وغيره الإشارة إلى صريحة تغني عن النية، وهي التي يفهم منها الطلاق كل من وقف عليها، وإلى كناية محتاجة إلى النية، وهي التي يختص بفهم الطلاق منها المخصوصون بالفطنة والذكاء.
قال الرافعي: وظني أني سمعت- أو رأيت- لبعضهم: أن الكناية [هي] التي يختص بفهم الطلاق منها من خالطه، واختبر أحواله وإشارته.
والصريح: ما يفهمه الخلطاء والأجانب.
ولا فرق في اعتبار إشارته بين أن يقدر على الكتابة، أو لا يقدر؛ لحصول الفهم.
وفي التتمة: أنها إنما تعتبر إذا لم يقدر على الكتابة المفهمة، أما إذا قدر عليها فالكتابة هي المعتبرة؛ لأنها أضبط وأدل على المراد إلا أنه لابد وأن يكتب مع ذلك: إني قصدت طلاقها.
إذا تقرر ذلك عدنا إلى الكلام في وقوع طلاقه بالكتابة، والذي ذهب إليه

الجمهور أنها كناية في حقه وهو الصحيح؛ لأنها تحتمل امتحان القلم، ومحاذاة الخط، ولا يشترط معها الإشارة؛ لأنها قائمة في حقه مقام العبارة.
وإن قلنا: يقع بالكتابة مع النية؛ فلا يحتاج إلى الإشارة بالطلاق، ويكفي أني فهمنا أنه نوى الطلاق.
ورأى الشيخ أبو محمد: أن الكتابة في حقه صريحة؛ وهذا تفريع منه على أنها ليست في حق الناطق صريحة.
أما إذا قلنا: إنها في حق الناطق صريحة؛ فها هنا أولى.
قال: وغن قال [لها]: شعرك طالق، أو، بعضك طالق، طلقت؛ لأن الطلاق لا يتبعض، فكان إضافته إلى الجزء، كالإضافة إلى الكل؛ كما في العفو عن القصاص.
واستدل الرافعي على وقوعه عند الإضافة إلى الجزء المشاع بالإجماع.
وحكم السن، والظفر، وسائر الأجزاء التي تقبل الإزالة والتي لا تقبلها، الظاهرة [منها] والباطنة في هذا المعنى- حكم الشَّعْر، وكذلك الإضافة إلى الجزء الشائع والمعلوم كالثلث، والربع مثلاً كالإضافة إلى الجزء المبهم.
وخص الشيخ- رضي الله عنه- الشعر بالذكر؛ لأنه محل الخلاف، [و] إذا ثبت فيه مع كونه جائز الإزالة من غير عذر، فلأن يثبت في غيره مع كونه لا يقبل الإزالة مع بقاء الحياة أو غير جائز- أولى، وفي كتاب القاضي ابن كج [حكاية] قول في الشعر: أنه لا يقع؛ كما أنه لا يبطل الوضوء بلمسه، قال الرافعي: ولاشك في اطراده في السن والظفر.
والفرق على المذهب بين نقض الطهارة وما نحن فيه: أن نقض الطهارة يتعلق بمس ما هو محل للذة [المس]، والشعر لا لذة في مسه، وهنا الاعتبار [بأن يكون] متصلاً بها اتصال خلقة أو مباحاً بعقد النكاح، والشعر متصل، ويستباح النظر إليه بعقد النكاح.
وحيث حكمنا بوقوع الطلاق فهل وقع على ما سماه، ثم سرى [إلى]

باقيها، أو وقع على [جميع] الجملة ابتداء؟ فيه وجهان، تظره فائدتهما في صور تتعلق بالطلاق وغيره.
منها: إذا قال: إن دخلت الدار فيدك طالق، ثم بانت اليد، ودخلت الدار، أو قال لمن لا يمين لها: يمينك طالق- فإن قلنا بالأول، لم يقع.
وإن قلنا بالثاني، وقع.
وقطع بعضهم في المسألة الثانية بعدم الوقوع؛ لأنه [إن جعل] البعض عبارة عن الكل؛ فلابد من وجود البعض المضاف [إليه]؛ لتنتظم الإضافة، فإذا لم يكن لغت؛ كما لو قال لها: لحيتك أو ذكرك طالق.
قال الإمام: ويجب أن يكون هذا متفقاً عليه.
ومنها: إذا قال: حسنك أو بياضك طالق إن قلنا بالأول، لم يقع؛ لأنه لا يمكن وقوع الطلاق على الصفات، وإن قلنا بالثاني؛ وقع، وتجعل الصفة عبارة عن الموصوف؛ هكذا حكاه في "التتمة"، وقضيته أن يكون الراجح وجه السراية، وقد رجحه الرافعي؛ لهذا البناء؛ لأن الظاهر أنه لا يقع الطلاق في هذه الصورة.
ومنها: إذا قال لوكيله: طلق زوجتي طلقة فقال لها: يدك أو رجلك طالق، فإن قلنا: إنه يقع بطريق التعبير بالبعض عن الكل، فيقع الطلاق.
وإن قلنا: يقع ثم يسري فلا يقع؛ هكذا حكاه في التتمة، ولم يحك فيما إذا أضاف الوكيل الطلاق إلى جزء شائع، أو قال لها: أنت طالق نصف طلقة خلافاً في الوقوع، وكان مقتضى ما ذكره أن يجري فيهما؛ لما مضى، ولما سيأتي أنه إذا قال لها: أنت طالق نصف طلقة: أن الطلاق يقع بطريق التعبير بالبعض عن الكل، أو بطريق السراية.
ومنها: إذا قال لأمته: يدك أم ولدي، أو قال لصغير مجهول النسب: يدك ابني فإن قلنا بالثاني كان إقراراً بأمية الولد والنسب.
وإن قولنا بالأول فلا؛ كذا قاله المتولي.

قلت: وقد يضاف إلى ذلك [ما إذا ضمن إحضار جزء] شائع من إنسان أو غير شائع، لا تبقى الحياة بدونه، فإن قلنا: إنه بطريق السراية، لم يصح الضمان.
وإن قلنا بطريق التعبير [بالبعض] عن الكل؛ [لم يصح، لكن لو قيل به للزم أن يكون الصحيح: نه يقع بطريق التعبير بالبعض عن الكل فإن]؛ الصحيح صحة الضمان، وقد حكينا: أن الراجح خلافه.
نعم: هو ماش فيما لو أضاف الضمان إلى جزء تبقى الحياة بدونه.
قال: وإن قال: [ريقك أو [دمك] طالق]، لم تطلق.
أما في الريق، وما في معناه: كالدمع، والمخاط، والعرق، والبول، وما جانس ذلك؛ فلأنها غير متصلة بها اتصال خلقة، ولا يلحقها الحل والتحريم، والطلاق شرع لقطع الحل الثابت بالعقد.
وأما في [الدم؛ فلأنه] لا يلحقه حل ولا تحريم؛ فكان كالبول.
ومن أصحابنا من قال: [إنه] يقع في الجميع، على ما حكاه الإمام والحناطي.
ويجري مثله- على ما ذكره الحناطي- فيما إذا قال: الماء والطعام الذي في جوفك طالق.
ومنهم من قطع في الدم بوقوع الطلاق؛ لأنه في معنى الروح؛ إذ به قوام البدن.
ومنهم من حكى- أيضاً- في الروح خلافاً مبنياً على أن الروح جسم أو عرض.
ولو أضاف الطلاق إلى الأخلاط المشكلة في البدن: كالبلغم والمريء،

فهو كالإضافة إلى الفضلات على ما حكاه الإمام.
والإضافة على المني واللبن كالإضافة إلى البول، أو كالإضافة إلى الدم؛ [لأنهما يتولدان منه]؟ وفيه خلاف.
والإضافة إلى الجنين لا توقع الطلاق، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه.
وفي ابن يونس حكاية وجه فيه، وهو مروي في الرافعي [عن حكاية أبي الفرج.
وفي الإضافة إلى الشحم تردد للإمام، وسبيله إلى أنه لا يقع.
قال الرافعي]: والأقرب وقوعه.
ولو قال: سمنك طالق، لم يقع.
ولو أضاف [الطلاق] إلى المعاني القائمة بالذات: كالسمع، والبصر، والكلام، والضحك، والبكار، [والغم] [والفرح]، والسكون، والحركة- لم يقع.
ونقل الحناطي في الحركة والسكون، والبصر، والكلام- وجهين: أحدهما: الوقوع.
والثاني: أنه لا يقع حتى يريده.
ولو قال: اسمك طالق، لا يقع إلا أن ينوي بالاسم وجودها وذاتها [فيقع]؛ قاله في "التتمة".
ولو قال: حياتك طالق، ففي النهاية: أنه يقع.
وفي التهذيب: أنه إن أراد الروح وقع، وإن أراد المعنى القائم بالحي لم يقع.

واعلم: أن ما ذكرناه هو شرح ما هو موجود في النسخ.
وفي النووي: أن الذي ضبط عن نسخ المصنف بدل قوله: دمك: دمعك، وهو الأصوب، والله أعلم.
ولنختم الباب بذكر الفروع التي تقدمت الإشارة إليها، مقتصرين على ما يغلب على الظن وقوعه.
[الفرع الأول:] لو قال لوكيله: إذا أخذت مالي من زوجتي فطلقها أو خالعها، أو: خذ مالي، ثم طلقها- لم يجز تقديم الطلاق على أخذ المال.
وكذلك لو قال: خالعها على أن تأخذ مالي منها.
ولو قال: خذ مالي منها، وطلقها، فهل يشترط تقديم أخذ المال، أو لا يشترط، ويجوز تقديم الطلاق، كما لو قال: طلقها وخذ مالي؟ فيه وجهان: رجح صاحب التهذيب منهما الأول؛ حكى ذلك الرافعي قبيل كتاب الخلع.
[الفرع الثاني:] إذا قال: برئت من نكاحك، ونوى، طلقت، [ولو قال: برئت من طلاقك، لم يقع وإن نوى.
ولو قال: طلقك الله، طلقت].
قال الرافعي: وهذا يشعر [بأنه صريح].
ورأى البوشنجي إلحاق ذلك بالكنايات.
ولو قال: أنت طال وترك القاف، طلقت؛ حملاً على الترخيم.
وقال البوشنجي: لا ينبغي أن يقع وإن نوى.
نعم: لو قال: يا طال، ونوى- وقع؛ لأن الترخيم في العربية إنما يعتمد في النداء والشعر.
ولو قال: الطلاق لازم لي، أو: واجب علي، تطلق؛ للعرف.
ولو قال: فرض علي، لم تطلق؛ لأنه لم يجر العرف به.
وكل ذلك مروي عن حكاية الشيخ أبي عاصم [العبادي] في الزيادات.

وفي العدة: لو قال: طلاقك لي لازم، فهو صريح عند أكثر الأصحاب.
وفي فتاوى القفال: أنه إذا قال لزوجته: اذهبي إلى بيت أبوي، ونوى الطلاق عند قوله: اذهبي، وقع، وإن نواه بمجموع اللفظين، لم يقع؛ وأنه لو قال لامرأته: يا بنتي، وقعت الفرقة بينهما عند احتمال السن.
ولو قال: امرأتي هذه محرمة علي لا تحل لي أبداً، نقل الرافعي عن جده: أنها لا تطلق؛ لأن التحريم قد يكون بغير الطلاق، وقد يظن ما لا يحرم محرماً.
وقيل: يحكم عليه بالبينونة بمقتضى لفظه.
وعند صاحب التلخيص: أن قوله: أغناك الله كناية.
[وفي التهذيب أن قوله]: قومي كناية، والصحيح خلافه.
وفي قوله: تزوَّدي، حكاية وجه أنه كناية، والله أعلم.

كفاية النبيه شرح التنبيه

الجزء الرابع عشر المحتوى تتمة كتاب الطلاق- كتاب الأيمان

بسم الله الرحمن الرحيم

باب عدد الطلاق [والاستثناء فيه]

الاستثناء: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ بـ "إلا" وأخواتها.
وأصله من: ثنيت الشيء: إذا أَمَلْتُه، فكأنه يميل اللفظ إلى خصوصه.
قال: إذا خاطبها بلفظ من ألفاظ الطلاق- أي: الصريح منها والكناية- ونوى به طلقتين أو ثلاثاً- أي: إذا كان حرّاً- وقع، ووجهه ما روي أن ركانة ابن عبد يزيد قال: [يا] رسول الله، إني طلقت امرأتي شهيبة البتة، والله ما أردت إلا واحدة، فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
دل هذا الحديث على أنه لو نوى ما زاد على الواحدة، لوقع، وإلا لما كان لاستحلافه فائدة.
ولأن اللفظ يحتمل العدد؛ بدليل أنه يجوز أن يفسر به، وهو أن يقول: أنت طالق طلقتين، أو ثلاثاً أو: بائن طلقتين، أو ثلاثاً، وما احتمله اللفظ إذا نواه- وقع؛ كالطلاق بالكناية.
قال: إلا قوله: أنت واحدة، فإنه لا يقع به أكثر من طلقة؛ لأن [لفظ الواحدة] لا يحتمل ما زاد عليها، فلو أوقعنا زيادة عليها، لكان إيقاعاً للطلاق بالنية دون اللفظ.
وفي الذخائر: أن القاضي الحسين زيف هذا القول.
وفي الجيلي: أنه الأصح.
قال: وقيل: يقع به ما نوى؛ إذ يحتمل أن يريد: أنت طالق واحدة مع واحدة، أو مع اثنتين.
ويحتمل أن يكون معنى قوله: [أنت] واحدة أنك تتوحدين مني بالعدد الذي أوقعته عليك.
وفي التهذيب: أنه الأصح.
وفي النهاية: [أنه] الذي قطع به الأئمة في طرقهم؛ حملاً للواحدة على التوحد والتفرد.
وقال الغزالي: إن خطر بباله معنى التوحيد، فالمنوي يقع وجهاً واحداً وإن لم

يقصد ذلك، ولكن نوى بهذا اللفظ: الثلاث؛ فهذا فيه احتمال، وما ذكره أبداه الإمام من عند نفسه.
ولو قال: أنت طالق واحدة، ففيه الوجهان السابقان.
ووجه ثالث يحكي عن اختيار القفال: أنه إن قسط منه الاثنتين أو الثلاث على جميع اللفظ، لم يقع ما زاد على الواحدة؛ وإن نوى الطلقتين أو الثلاث بقوله: أنت طالق، وقع ما نواه، ولغا ذكر الواحدة؛ وهذا منه تفريع على أن نية الاستثناء لا تعتبر بعد الفراغ من اللفظ، وهو الصحيح.
أما إذا قلنا: إنها تصح بعد الفراغ، لم يبق فرق، بين الحالتين.
فرعان: إذا قال: أنت طالق واحدة، وقال: أردت أنها [ملفقة] من ثلاث طلقات- فالصحيح من المذهب وقوع الثلاث.
ومن أصحابنا من قال: لا يقع إلا طلقة؛ لأن اللفظ لا ينبئ عما قاله، ولا يحتمله، والنية إنما تؤثر مع اللفظ المحتمل.
ولو قال: أنت باثنتين أو بثلاث، ونوى العدد، وقع، ثم إن نوى طلقتين أو ثلاثاً فذاك، وإن لم ينو شيئاً وقع الملفوظ [به]؛ لأن ما أتى به صريح في العدد، كناية في الطلاق، وقد وجدت معه النية.
وإن نوى واحدة، فوجهان: أحدهما: يقع ما تلف به، وهو ما حكاه في "التتمة".
والثاني: لا يقع إلا واحدة؛ لأنه قد يريد ثلاثة أثلاث طلقة، أو نصفي طلقة.
قال: وإن قال: أنت طالق واحدة في اثنتين، ونوى طلقة مقرونة بطلقتين، [أو مع طلقتين]، طلقت ثلاثاً؛ لأن لفظ "في" يستعمل بمعنى "مع"، قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أمم، وقال تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: 29]، أي: مع عبادي.
واعلم أن هذه المسألة مصورة في النهاية [بما] إذا كانت الزوجة مدخولاً بها.

أما إذا لم تكن مدخولاً بها؛ فيتجه أن يجيء في وقوع ما زاد على الواحدة الخلاف الذي يأتي من بعد، عند قوله: طلقة مع طلقة، وسنبين مأخذه.
قال: وإن لم ينو شيئاً، وهو [ممن] لا يعرف الحساب، وقعت طلقة؛ لأن اللفظ المأتي به على سبيل الإيقاع، ليس إلا واحدة.
قال: وإن نوى موجبها عند أهل الحساب، لم يقع إلا طلقة.
أما وقوع [الطلقة؛ فلقوله]: أنت طالق.
وأما [عدم] وقوع الزائد عليها؛ فلأن [ما] لا يفهم من معنى اللفظ والبيان، لا يثبت عند الإبهام، وإنما يثبت عند التحقيق والتفصيل؛ [وهذا] هو الذي عليه الأكثر.
قال: وقيل: يقع طلقتان، وإليه ذهب الصيرفي؛ لأنه موجبه في الحساب وقد قصده، ويجري مثل [هذا] الخلاف فيما إذا قال: طلقت امرأتي مثل ما طلق زيد، وهو لا يدري كم طلق زيد؟ وكذا يكون الحكم لو نوى عدد [طلاق زيد، ولم يتلفظ، وشبه الأصحاب الوجهين بما إذا أتى العجمي] بلفظ الطلاق، وقال: أردت بها ما يريده العربي، وهو لا يعرف معناه.
قال: وإن كان يعرف [الحساب] ونوى موجبها [عند أهل] الحساب، وقعت طلقتان؛ لأن ذلك موجبها في الحساب.
قال: وإن لم تكن له نية، وقعت طلقة على ظاهر النص؛ لأنه يحتمل الحساب، ويحتمل الظرف؛ فلا يزاد على المستيقن، وهو طلقة، وما زاد مشكوك فيه.
قال: وقيل: يقع طلقتان؛ لأنه الاستعمال المشهور في الأعداد، والرجل عارف به، واختلف الأصحاب في هذا القول: فمنهم من يثبته للشافعي.
ومنهم من ينفيه عنه، ويثبته لأبي إسحاق.

وحكى الشيخ أبو محمد والفوراني قولاً ثالثاً: أنه يقع الثلاث؛ لتلفظه بها.
قال الرافعي: ويجيء هذا القول فيمن لا يعرف الحساب إذا لم ينو شيئاً؛ وكذلك الإمام، لكنه [قال]: لست أثق بهذا القول.
ولو نوى بقوله: في اثنتين الظرف قبل [ولم يقع] جعله ظرفاً.
فإن قيل: كان يتجه أن يكون في قبول ذلك منه ظاهراً قولٌ: أنه لا يقبل، مبني على أنه [إذا] لم يرد شيئاً يقع طلقتان؛ لأن ذلك صرحي في إيقاعهما، وما كان صريحاً في شيء لا ينصرف عنه بالنية.
ومثل هذا السؤال يأتي عند قول الشيخ: أنت طالق، أنت طالق وقد مضى التنبيه على مثله في كتاب الخلع فيما إذا نوى بالخلع الطلاق؛ فإن الشيخ جزم بأنه يكون طلاقاً وإن كان قد حكى فيما إذا لم ينو [أنه] يكون صريحاً في الخلع على قول، لكن حكينا ثم: أن بعض الأصحاب التزم موجب هذا السؤال؛ حتى لم يجعل الخلع طلاقاً بالنية؛ إذا قلنا: إنه صريح في الفسخ.
ويقرب منه ما إذا قال: أنت طالق نصف طلقتين، وأوقعنا به طلقتين؛ لأجل الإشاعة، فقال أردت بالنصف: طلقة؛ فإنه هل يقبل منه في الظاهر؟ فيه وجهان: فإن لم يقبل منه، أوقعنا طلقتين أيضاً.
وإن قبلنا، أوقعنا طلقة، ولم أر لأحد مثله هنا.
فالجواب أن من قال هنا وفي الموضع الآتي: إن ذلك صريح، إنما قاله عند عدم النية لا مطلقاً، ويؤيده أن الإمام جعل ذلك وما ناظره قسماً ثالثاً بين الكناية والصريح، وإذا كان كذلك اندفع السؤال.
قال: وإن قال: أنت طالق طلقة مع طلقة، طلقت طلقتين: أما إذا كانت مدخولاً بها؛ فلأن الطلاق وجد محلّاً ينفذ فيه، لكن في كيفية وقوعهما وجهان: أظهرهما: أنهما يقعان معاً؛ لأن المعية تقتضي الضم والمقارنة، فصار كما لو قال: أنت طالق طلقتين.

وعلى هذا فوقت وقوعهما تمام الكلام.
والثاني: يقعان على الترتيب؛ لِتَرتُّب اللفظين.
وأما إذا كانت غير مدخول بها، فإن قلنا بالوجه الأول، وقعت [- أيضاً-] طلقتان؛ لما قدمناه، وإن قلنا بالثاني، لم يقع إلا واحدة كما لو قال: أنت طالق طلقة فطلقة، ويحكى هذا عن المزني في المنثور، وإليه أشار الشيخ بقوله: وقيل: إن كانت غير مدخول بها، لم يقع إلا طلقة، [وفي المدخول بها- أيضاً- وجه أنه لا يقع عليها إلا طلقة] كما لا يلزم به في الإقرار إلا درهم واحد؛ وهذا ما اختاره القاضي ابن كج والحناطي.
ولو قال: أنت طالق طلقة فوق طلقة، أو تحت طلقة، فالذي ذكره الإمام والغزالي: أن هذه الصلات تقتضي الجمع كالمعية [فالجواب فيها كالجواب في الطلقة] مع الطلقة.
وفي "التتمة" ما يقتضي الجزم بأنه لا يقع في غير المدخول بها إلا طلقة؛ لأن وصف الطلاق بالفوقية والتحتية محال؛ فيلغو اللفظان، ويصير كما لو قال أنت طالق طالق.
قال: وإن قال للمدخول بها: أنت طالق طلقة قبلها طلقة، [وبعدها طلقة، طلقت ثلاثاً؛ لأن الجمع يصادف الزوجية، ولو اقتصر على قوله: قبلها طلقة] وقعت طلقتان.
وفي كتاب القاضي ابن كج: أنه لا يقع إلا طلقة واحدة؛ لجواز أن يكون المعنى: قبلها طلقة مملوكة، أو بائنة.
والأول هو الصحيح المشهور، لكن في كيفية وقوع الطلقتين وجهان: أحدهما- وبه قال ابن أبي هريرة-: أنه يقع أولاً المنجزة التي بدأ بها في اللفظ، ثم يتعقبها الطلقة المتضمنة، ويلغو قوله: قبلها كما لو قال: أنت طالق أمس.
والثاني: أنه يقع أولاً الطلقة المتضمنة، ويتلوها الطلقة المنجزة؛ لأن المعنى يقتضي ذلك، ويحكى هذا عن القاضي أبي الطيب؛ وهذا أرجح عند ابن الصباغ

وغيره، وليس المراد أن الطلقة المتضمنة تتقدم على تمام اللفظ، بل يقعان بعد تمام اللفظ، لكن تقع المتضمنة أولاً، وتقع المنجزة في لحظة عقيبها؛ كذا حكاه الرافعي.
[و] في الذخائر نسبة الوجه الأول إلى أبي الطيب، والثاني إلى أبي إسحاق، وحكاية وجه آخر في المهذب نسبه إلى ابن أبي هريرة، وهو أنهما يقعان معاً، وتظهر فائدة الخلاف فيما لو قال ذلك لغير المدخول بها، فإن قلنا بالأول، وقعت طلقة، وإن قلنا بالثاني، فهل تقع طلقة أو لا يقع شيء أصلاً؟ فيه وجهان بناهما القاضي الحسين على الخلاف في مسألة الدور، فإن صححنا الدور، لم يقع الطلاق ها هنا، وإلا وقعت طلقة بقوله: أنت طالق، وألغينا قوله: قبلها، ولم يرتض الإمام هذا البناء، وقال: المعنى المانع من الوقوع هنا: أنه أوقع طلقة مسبوقة بطلقة، ولا يتصور في غير المدخول بها وقوع طلقة مسبوقة بطلقة، وإذا لم يقع طلقة مسبوقة بطلقة، وجب ألَّا يقع شيء، وإلا لكان الوقوع غير ما أوقعه، وهذا المعنى لا يختلف بين أن نصحح الدور، أو لا نصححه.
قلت: وهذا المأخذ يشابه ما حكاه البغوي عن فتاوى القاضي: أنه إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة رجعية: أنها لا تقع وفي التهذيب-[على المذهب] وإن كان قد أبدى من عند نفسه احتمالاً في الوقوع.
قال الإمام: ووجه وقوع الواحدة ها هنا أن مقصوده توزيع الطلقتين على زمانين لا أن تصير طلقة وصفاً لطلقة؛ فكذلك نحكم بوقوع طلقة فيما إذا قال: أنت طالق طلقة بعدها [طلقة]، ولا نقول: لا يقع؛ لأنه وصف الطلقة الموقعة باستعقاب أخرى، فإذا لم تقع أخرى، لم يحصل الوصف.
وربما فرق بين الطريقين بأنه لو قال: أول ولد تلدينه فهو حر، فولدت ولداً عتق، وإن لم تلد غيره.
ولو قال: ثاني ولد تلدينه [فهو] حر، لم يكن بد من أول.
وعلى الوجه الأول يقع طلقتان؛ حكاه الشيخ أبو علي، ويصير كما لو قال: أنت طالق طلقتين.

فرع: لو قال: أنت طالق طلقة قبلها وبعدها طلقة، طلقت ثلاثاً؛ إذا كانت مدخولاً بها؛ لأن الطلقة الواحدة تتوزع على ما قبلها وبعدها فيكمل النقصان [بها].
وفي "التتمة": أن هذا على طريقة من يقول: يقع الطلاق على الترتيب الذي أوقعه، أما على طريقة من يقول: يلغو قبله يقع عليها طلقتان، ويصير كما لو قال: طلقة بعدها طلقة، وقد حكاه أبو علي في الشرح وجهاً.
قال: وإن قال- أي: للمدخول بها-: أنت طالق طلقة قبلها طلقة، وادعى أنه أراد [قبلها] [طلقة] من نكاح آخر، أو من زوج آخر؛ فإن كان ذلك، قبل [منه]- أي: مع يمينه- لأنه يحتمل ما يدعيه، والأصل عدم وقوع الطلاق.
وإن لم يكن، لم يقبل- أي: في الحكم- بل يقع طلقتان، ويُدَيَّن؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر.
ولو ادعى أنه أراد طلقة في هذا النكاح؛ فهو كما لو قال لها [ذلك] في تفسير قوله: أنت طالق أمس؛ على ما حكاه الرافعي، وسيأتي الكلام فيه مستفيضاً إن شاء الله تعالى.
ولو قال: أنت طالق طلقة بعدها طلقة، وقال: أردت بالبعدية: أن أوقع عليها بعد ذلك طلقة، لم يقبل في الحكم، [و] لكن يدين فيما بينه وبين الله عز وجل.
فإن قيل: قد حكى الشيخ في كتاب الأيمان فيما إذا قال الحالف: أقسمت بالله أو: أقسم بالله، وادعى أنه أراد بالأول الخبر عن ماضٍ، وبالثاني الخبر عن مستقبل- خلافاً في قبول ذلك منه في الحكم، وكان يتجه أن يجيء مثله ها هنا.
فالجواب عن المسألة الأولى: أن مسألة الأيمان مصورة فيما إذا لم يظهر ما قاله بالبينة، وحيث جرى الخلاف فيه عند عدم البينة، لم يجر ها هنا؛

لأن الأبضاع مما يحتاط فيها، والطلاق يحرمها، والشبهة في المحرم كحقيقة التحريم، واليمين لا تحرم المحلوف عليه.
أما إذا ظهر ما قاله بالبينة، فالحكم كما ذكرناه هنا.
وعن المسألة الثانية: أن قوله: أقسم بالله، يحتمل الوعد بالقسم، وإنما حمل على الإنشاء في الحال عند العراقيين من غير نية؛ لعرف الشرع، فإذا ادعى أنه أراد الوعد، كان اللفظ مساعداً له؛ فقبل، والصيغة المأتيُّ بها في الطلاق لا تقتضي [الوعد بالتطليق في المستقبل، فإذا ادعى ذلك، كان ما ادعاه] مخالفاً لمقتضى اللفظ؛ فلم يقبل.
فرع: لو قال: يا مطلقة أنت طالق، وكان قد طلقها قبل ذلك، فقال: أردت بذلك [تلك] الطلقة [هل] يقبل قوله، أو تقع طلقة أخرى؟ فيه وجهان محكيان في الرافعي عن فتاوى الفراء قبل القسم من كتاب الطلاق.
[فائدة]: قال ابن يونس: في هذا الفصل مسألتان، نقلهما صاحب "التلخيص": إحداهما: إذا قال: أنت طالق طلقتين، فماتت قبل أن يقول: طلقتين- لا يقع الطلاق، وكذا لو ماتت قبل قوله: إن شاء الله.
وخالفه بعض الأصحاب، وما قاله من الحكم صحيح، لكن قد يظهر أن مأخذ عدم الوقوع في المسألة الأولى مغاير لمأخذ المسألة الثانية؛ لأن من قال بعدم الوقوع في [المسألة] الأولى- اعتبر اللفظ بجملته، وقد خرجت عن أن تكون محلّاً للطلاق في بعضه؛ فبطل بجملته.
ومن قال بعدم الوقوع في الثانية، اعتبر صدر الكلام، وجعل ما بعده تابعاً له؛ فأعمل الاستثناء، ولم يوقع الطلاق.
وليس الأمر كذلك؛ بل لعدم وقوع الطلاق في المسألة الثانية مأخذان: أحدهما: هذا.
والثاني: المأخذ المذكور في المسألة الأولى بعين ما قرر.

وفي المسألة الأولى القول الثالث الذي تقدمت حكايته في الباب الأول: أنه يقع طلقة واحدة.
وقال إسماعيل البوشنجي: الذي تقتضيه الفتوى: أنه إن نوى الثلاث أو الطلقتين بقوله: أنت طالق، وكان قصده أن يحقق باللفظ المنوي- وقع المنوي، وإن لم يقصد لم يقع إلا واحدة.
واعلم أن حكم إسلام الزوجة وردتها إذا لم تكن مدخولاً بها قبل قوله: طلقتين أو ثلاثاً حكمُ الموت، وكذا لو أخذ واحد على فيه، ومنعه من أن يقول: طلقتين أو ثلاثاً، [والله- عز وجل- أعلم].
قال: وإن قال: أنت طالق هكذا وأشار بأصابعه الثلاث، وقع الثلاث؛ [لأن الإشارة بالأصابع الثلاث في باب العدد بمنزلة النية.
فإن قال: أردت بعدد الأصبعين] المقبوضين- قبل [منه]، [أي: مع النية- بيمينه] لأنه يحتمل الإشارة بهما.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يقبل في الحكم؛ لأن الظاهر خلاف ما يدعيه، نعم: يدين.
ولو قال: أردت واحدة، [لم] يقبل منه في الحكم، ويدين؛ لأن الإشارة تصريح في [باب] العدد.
وقال صاحب "التقريب": كناية، فيقبل؛ كذا حكاه [عنه] في "التهذيب".
قلت: ومقتضى ذلك ألا نوقع بها الثلاث من غير نية عند الإطلاق، ويؤيده ما سنذكره في الفرع بعده.
وفي الجيلي حكاية ذلك عن ابن سريج.
ولو قال: أنت طالق، وأشار بأصابعه، ولم يقل: هكذا- لم يلزمه العدد؛ لأنه قد يشير ولا يريد العدد.
نعم لو قال: أردت العدد، لزمه.

ولو قال: أنت هكذا، وأشار بأصابعه الثلاث، ولم يقل: طالق، ففي التعليق للقاضي الحسين: أنه لا يقع.
وفي الجيلي حكاية وجه عن بحر المذهب: أنه يقع طلقة.
ووجه آخر: أنه يقع الثلاث وإن لم ينو، وادعى أنه الأصح.
وفي فتاوى القفال: أنه إن نوى بقلبه الطلاق، طلقت ثلاثاً، وإن لم ينو أصل الطلاق، لم يقع شيء.
ولو قال: أنت، وأشار بأصابعه الثلاث، ونوى الطلاق- لم يقع شيء؛ لأن قوله: أنت ليس من ألفاظ الطلاق، فلو أوقعنا [به] الطلاق لكان بالنية دون اللفظ.
[وأيضاً: فلو قال لامرأته: (ثلاث طلقات، ولم يشر إليها، لم يقع؛ فكذا هنا؛ حكاه القاضي الحسين قبيل كتاب اختلاف الحكام والشهادات، وشبه به ما إذا قال لامرأته: أنت طالق طلقة ثلاث طلقات، فإنه يقع عليها طلقة، ولا يقع الثلاث- كما قال الشافعي- لأنه إذا قال: أنت طالق طلقة كان طلاقاً مستقلّاً بنفسه، وقوله: ثلاث طلقات لم يكن معطوفاً على اللفظ الأول؛ فأشبه ما ذكرناه).
فرع: إذا قال: أنت طالق، وأشار بأصبعه، ثم قال: أردت به الأصبع دون الزوجة، لم يقبل في الحكم، وهل يدين؟ فيه وجهان: اختيار الشاشي منهما: أنه لا يدين.
قال: وإن قال: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث، طلقت طلقتين؛ لأن إلى للغاية، وما كان كذلك فيجوز دخوله فيما قبل، ويجوز ألا يدخل؛ فلم نوقع ما بعد الغاية بالشك، وتقع الأولى والثانية؛ لأنه أوقع ما بين الأولى والثالثة، وهي الثانية، ومن ضرورة وقوع الثانية أن يتقدمها أُولى؛ فوقعت طلقتان.
وقيل: يقع طلقة؛ لأن من لابتداء الغاية، وإلى [لانتهاء الغاية]، والابتداء والانتهاء لا يدخلان في الحكم، كما لو قال: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط؛ فإنه لا يدخل الحائطان في البيع؛ وهذا الوجه ما صدر به الشيخ كلامه في كتاب الإقرار فيما إذا قال: له عليَّ من درهم إلى عشرة؛ فإنه يلزمه ثمانية،

وإن كان الأصح عند الشيخ أبي حامد والعراقيين: أنه يلزمه تسعة، وهو يشابه الوجه الأول [هنا].
وفي الجيلي حكاية وجه آخر: أنه يلزمه الثلاث، وقاله ابن الصباغ تخريجاً من [عند نفسه، وعلله بأنه قد وجد منه التلفظ بالثلاث؛ فلا سبيل إلى إلغائها، وهو] يشابه الوجه الثالث في الإقرار الذي قال صاحب التهذيب فيه: إنه الأصح.
ولو قال: أنت طالق ما بين الواحدة والثلاث، ففي الجيلي: أنه وقع طلقة.
وقيل: تعود الأوجه الثلاثة.
فرع: لو قال: أنت طالق حتى تتم الثلاث ففيه وجهان: أحدهما: أنه ثلاث.
والثاني: يرجع إليه، فإن لم ينو شيئاً، وقعت واحدة.
قال الرافعي في كتاب الطلاق قبل القسم الثاني منه: ويقرب منه ما إذا قال: [أنت طالق] حتى أكمل ثلاثاً، أو: أوقع عليك ثلاثاً.
قال: وإن قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق [ولم تكن له نية]، وقعت طلقة؛ وكذا لو قال: أنت طالق، وطالق، وطالق؛ لأنه أوقع الأولى قبل الثانية؛ فوجب وقوعها، وإذا وقعت بانت بها، فلم يقع ما بعدها.
وفي القديم حكاية قول على ما حكاه في المهذب وغيره: أنه يقع الثلاث.
وفي الشامل و"التتمة": أن الطبري حكاه وجهاً؛ لأنه إذا لم ينقطع بعض الكلام عن البعض، كان شبيهاً بقوله: أنت طالق ثلاثاً.
والفرق على الجديد: أن قوله: ثلاثاً تفسير لقوله: أنت طالق، وأما العطف والتكرار، فليس متعلقاً بالأولة.
وفي الرافعي: أن القول المحكي عن القديم أن حكمها في وقوع الطلاق حكم المدخول بها، حتى يأتي فيه التفصيل الذي يذكر من بعد، وهو الأشبه.

فرع: لو قال: أنت طالق إحدى عشرة طلقة، طلقت ثلاثاً.
ولو قال: واحدة ومائة، [طلقت طلقة واحدة].
ولو قال: إحدى وعشرين طلقة، ففيه وجهان: أحدهما: تطلق ثلاثاً: والثاني: واحدة؛ حكاه في التهذيب.
قال: وإن قال ذلك للمدخول بها، فإن نوى العدد، وقع؛ لأن اللفظ تأكد بالنية، ولا يفتقر في قبول قوله إلى يمين؛ إذ في ذلك تغليظ عليه، ولكن هل يتعلق التحريم بالأخيرة أو بالمجموع؟ فيه خلاف تقدمت حكايته.
قال: وإن نوى التأكيد- أي: تأكيد الأولى بالطلقتين الأخيرتين- لم يقع إلا طلقة؛ لأن التأكيد في الكلام معهود في جميع اللغات، والتكرار أعلى درجات التأكيد، وكثيراً ما وقع ذلك في كلامه، عليه السلام.
قال الإمام: ويُبْغَى به شيئان: أحدهما: الاحتياط: إيصال الكلام إلى فهم السامع؛ إن فُرض ذهول وغفلة.
والثاني: إيضاح القصد إلى الكلام، والإشعار بأن لسانه لم يسبق إليه.
وإذا كان التأكيد معهوداً، والتكرير أقوى درجاته، صح التفسير به، لكن مع اليمين.
ولو نوى بالثانية تأكيد الأولى، وبالثالثة الاستئناف، [وقعت طلقتان.
وكذا لو نوى بالثانية الاستئناف]، وبالثالثة تأكيد الأولى، فهل يقبل ذلك منه؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه لا يقبل.
قال في الذخائر: وعلى هذا تقع الثلاث، وكذلك الرافعي أيضاً.
قلت: وفي وقوع الثلاث على الجزم نظر؛ من حيث إن هذه النية التي ادعاها إذا لم تكن معتبرة- لما فيها من الفصل بين المُؤَكِّد والمؤكَّد- فينبغي أن يكون الحكم كما لو قال ذلك، ولم ينو به شيئاً، وسيأتي الخلاف فيه، بل بطريق الأولى؛ لأنه عند الإطلاق لم يقصد عدم الإيقاع، وهنا قصده.

ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنا عند الإطلاق إنما لم نوقع عليه الثلاث- على رأي- لأن اللفظ الثاني والثالث صالح للتأكيد، كما هو صالح للإنشاء، فلو أوقعنا عليه الثلاث لكان إيقاعاً بالشك؛ وهنا لما أظهر لنا أنه لم يرد التأكيد المعتبر بنية تأكيد الأولى بالثالثة- بطل أحد الاحتمالين الذي لأجله لم نوقع الطلاق؛ فتعين الآخر، وهو إيقاع الثلاث.
قال: وإن لم ينو شيئاً، ففيه قولان: أصحهما: أنه يقع بكل [لفظة] طلقة، وهذا هو المنقول في الأم؛ لأن اللفظ الثاني والثالث مثل الأول، وقد وقع بالأول الطلاق؛ فوجب أن يقع بهما أيضاً.
والثاني: لا يقع إلا طلقة واحدة، وهو المنقول عن الإملاء؛ لأن ذلك يحتمل التأكيد ويحتمل الاستئناف، فلا نوقع ما زاد على الواحدة بالشك؛ وهذا كله فيما إذا والى بين الألفاظ الثلاثة، ولم يفصل بينها، أما لو وقع بينها [فصل] بأن ذكرها في مجالس، أو في مجلس واحد، وسكت فوق سكتة التنفس، [ونحوه، وقعت للثلاث].
[وأبدى الرافعي في كتاب الإقرار فيها احتمالاً نذكره ثم، إن شاء الله تعالى] فلو ادعى إرادة التأكيد، لم يقبل في الحكم، ولكن يدين؛ وهذا بخلاف ما إذا أقر في مجلس بألف، [ثم في] مجلس آخر بألف، وقال: أردت إعادة الأول، وليس عليَّ [إلا] ألف واحد؛ حيث يقبل؛ لأن الإقرار إخبار، والمخبر عنه لا يتعدد بتعدد الخبر، والطلاق إيقاع وإنشاء، فإذا تعددت كلمة الإيقاع تعدد الواقع.
ويخالف- أيضاً- ما إذا قال لزوجته: والله لا أجامعك مرتين، وأطلق في المرتين، أو قيده بمدة واحدة، وادعى إرادة التأكيد؛ فإنه لا فرق في قبول ذلك بين أن يتحد المجلس أو يختلف، ولا بين أن يطول الفصل [أو لا].

وفي النهاية حكاية وجه فيه: [أنه] إذا طال الفصل لا يقبل، وتكون اللفظة الثانية يميناً أخرى.
وأجرى الخلاف فيما إذا كرر تعليق الطلاق ببعض الصفات على ما حكاه في آخر كتاب الإيلاء، وسنذكره [فيه] إن شاء الله تعالى.
ولو قال: أنت طالق، طالق، طالق، فعن القاضي الحسين القطع بأنه لا يقع عند الإطلاق غلا طلقة واحدة؛ لأنه لم يوجد كلمة الاستئناف، وهي قوله: أنت؛ فحمل المطلق على التكرار.
والجمهور على أنه لا فرق بين اللفظين.
ولو قال: أنت طالق واحدة ألف مرة، ولم ينو العدد، لا يقع إلا طلقة؛ لأن ذكر الواحدة يمنع لحوق العدد؛ قاله في "التتمة".
قال: وإن أتى بثلاثة ألفاظ، مثل أن قال: أنت طالق، وطالق، فطالق، وقع بكل لفظة طلقة؛ لأن المغايرة بينها بالعطف تسقط حكم التأكيد، فإن ادعى أنه أراد التأكيد، لم يقبل في الحكم؛ لأنه [يخالف الظاهر]، ويدين؛ قاله في المهذب.
وقال مجلي: إن الأصحاب خالفوه في ذلك.
واعلم أن الحكم بوقوع الثلاث هنا مفرع على النص فيما إذا قال: أنت طالق، فطالق [في] أنها تطلق طلقتين.
أما إذا قلنا بالقول المخرج مما إذا قال: له على درهم فدرهم: إنها لا تطلق سوى طلقة واحدة؛ فيتجه ها هنا: ألَّا يقع إلا طلقتان.
ثم تمثيل الشيخ الثلاثة ألفاظ بما ذكره فيه نظر؛ لأن ما ذكره [فيه] تغاير بين حروف العطف، وأما تغاير الألفاظ، فمثل قوله: أنت مطلقة، أنت مسرحة، أنت مفارقة، وفي ذلك وجهان: أحدهما: أنه بمنزلة تغاير الحروف.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل