كتاب الطلاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والثاني: أنه بمنزلة اللفظ الواحد إذا كرره.
وأرجحهما على ما يقتضيه كلام الرافعي: الأول.
ثم الفرق بين تغاير الألفاظ والحروف على الوجه الثاني: أن الحروف هي العاملة، وبها يعرف الاستئناف والعطف، وليس كذلك تغاير الألفاظ.
ولو قال: أنت طالق، وطالق، وطالق، أو: طالق، فطالق، فطالق، [أو طالق] ثم طالق، ثم طالق وقع بالأولى والثانية طلقتان؛ لتغاير اللفظين، ويرجع في الثالثة إليه، فإن أراد الاستئناف، أو التأكيد، قبل.
وإن أطلق فعلى القولين السابقين في الفصل قبله.
وإن قال: قصدت [بالثانية] تأكيد الأولى، لم يقبل؛ لاختصاص الثاني بالواو المقتضية للعطف، وموجب العطف التغاير.
وإن قال: قصدت بالثالثة تأكيد الأولى، لم يقبل؛ [كما لا يقبل] تأكيد الأولى بالثانية، [وبل أولى؛ لتخلل] [الفصل]؛ هكذا حكاه الرافعي هنا، و [حكى] في كتاب الإقرار في نظير المسألة عن النهاية وجهين:
أظهرهما: ما ذكره هنا، ثم قال: وهكذا الحكم في الطلاق، [وسنعيد الكلام في هذا في باب الطلاق، إن شاء الله تعالى].
ولو قال: أنت طالق، وطالق، لا بل طالق، وقال: كنت شككت في الطلقة الثانية، واستدركت بقولي: لا بل طالق لأحقق إيقاع الثانية- حكى العراقيون عن نصه في الإملاء: أنه يقبل، ولا يقع إلا طلقتان، ولم يحك في الشامل سواه، وحكاه الإمام عن رواية صاحب التقريب، ونقل أنه قال: جعل الأصحاب المسألة على قولين:
أحدهما: هذا، [وهو بعيد].
والثاني- وهو القياس، وظاهر نصه في المختصر-: وقوع الثلاث.
ثم حكى عنه فيما لو قال: بل طالق، من غير كلمة لا طريقين:
أحدهما: أنها على القولين.
والثاني: القطع بوقوع الثلاث.
قلت: ومقتضى قبول قوله: أنه إذا [أطلق يكون في وقوع الثالثة] خلاف؛ كما تقدم في الفصل السابق، وعليه يدل قوة كلام الرافعي.
ولو قال: أنت [طالق] طلقة، بل طلقتين، وقع الثلاث.
وفي المهذب والحلية حكاية وجه: أنه يقع طلقتان، وأبداه الإمام احتمالاً.
ولو قال: أنت طالق طلقة فطلقتين، ثم قال: أردت إعادة تلك الطلقة الأولى في الطلقتين، فالمذهب: أنه لا يقبل منه، ويقع الثلاث.
وقيل: تقع طلقتان؛ حكاه القاضي الحسين في آخر كتاب الطلاق.
قال: وإن قال: أنت طالق نصف تطليقة، أو: نصفي طلقة، طلقت طلقة:
أما في المسألة الثانية؛ فلأن نصفي الطلقة طلقة:
وأما في [المسألة] الأولى؛ فلأن الطلاق لا يتبعض؛ لأن العبد على النصف من الحر، وجعل له طلقتان، ولو كان يتبعض، لكان له تطليقة ونصف، وإذا لم يتبعض كان إيقاع بعضه [بمنزلة إيقاع] جميعه، كما لو طلق بعض المرأة.
ولأن مقتضى ما أوقعه التحريم، ومقتضى ما لم يوقعه: بقاء الحل، والفرج إذا دار بين التحريم والإباحة، يغلب التحريم.
نعم: هل يفتقر وقوعها إلى النية؟
المذهب المشهور: أنه لا يفتقر.
وفي الرافعي: حكاية وجهين عن رواية أبي الحسن العبادي، حكاهما عند الكلام في صرائح الطلاق.
وإذا وقعت الطلقة، فهل تقع بطريق التعبير بالبعض عن الكل، أو يقع
البعض ثم يسري؟ فيه خلاف منقول في الذخائر، في ضمن المسألة الرابعة في ربط الطلاق بالطلاق، والأول منها هو الذي حكاه الإمام، وقال: لا [تتخيل التسرية] في ذلك، والذي دل عليه كلام الشيخ في مواضع من الكتاب الثاني.
وفي ابن يونس حكاية وجه في المسألة الثانية: أنه [يقع] طلقتان، وإليه أشار الغزالي بقوله: الصحيح: أنه يقع واحدة.
قال: وإن قال: أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة، فقد قيل: يقع طلقة؛ لأن الأجزاء المذكورة مضافة إلى طلقة، والواحدة لا تشتمل على تلك الأجزاء؛ فتلغو الزيادة، ويصير كأنه قال: أنت [طالق] نصفي طلقة أو: ثلاثة أثلاث طلقة.
وقيل: تقع طلقتان؛ لأن ثلاثة أنصاف طلقة: طلقة ونصف؛ فنكمل النصف.
وعلى هذا القياس: [قوله:] خمسة أرباع طلقة، أو نصف وثلثا طلقة.
وحكى الحناطي وجهاً ثالثاً: أنه يقع ثلاث طلقات، ويجعل كل نصف من طلقة.
وضابط هذا الخلاف: أنا هل ننظر إلى المضاف، أو إلى المضاف إليه؟ وعليه يخرج ما لو قال: ثلاثة أنصاف [طلقتين] فمن نظر إلى المضاف أوقع الثلاث، ومن نظر إلى المضاف إليه أوقع طلقتين.
وكذا لو قال: خمسة أنصاف طلقتين، وعلى هذا فقس.
قال: وإن قال: [أنت طالق] نصف طلقتين، فقد قيل: [تقع] طلقة، وهو الأصح عند الغزالي والرافعي؛ لأن نصف الطلقتين طلقة، وحمل اللفظ عليه صحيح ظاهر؛ فلا نوقع الزيادة عليها من غير يقين، ولا ظهور.
وقيل: [يقع طلقتان]، ويحكى هذا عن اختيار أبي إسحاق؛ لأنه أضاف النصف إلى طلقتين، وقضيته: النصف من هذه، والنصف من هذه؛ ألا ترى أنه لو قال: [لفلان نصف هذين العبدين، كان إقراراً بالنصف من كل واحد منهما؛ وعلى
هذا لو قال]: أردت طلقة واحدة يدين، وهل يقبل [منه] ظاهراً؟ فيه وجهان.
والفرق- على الوجه الأول- بينه وبين مسألة العبدين: ما قاله الإمام: أن العبدين شخصان، لا يتماثلان؛ فإضافة النصف غليهما إضافة إلى كل واحد منهما، والطلقتان مضاهيتان العدد المحض، والنصف إذا أضيف إلى اثنين يتوجه حمله على واحد.
ولو قال: ثلاثة أنصاف الطلاق، ففي "التتمة": أنه يقع ثلاث طلقات.
ونقل الحناطي وجهين في أنه: [هل] يقع واحدة أو ثلاثاً.
قال: وإن قال: نصف طلقة، ثلث طلقة، سدس طلقة، طلقت طلقة؛ لأن هذه أجزاء الطلقة، ولم يزد عليها.
فلو زادت، بأن قال: نصف طلقة، ثلث طلقة، ربع طلقة، ففي [أمالي] أبي الفرج: أنه على الوجهين فيما إذا قال: ثلاثة أنصاف طلقة.
قال: وإن قال: نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة، طلقت ثلاثاً؛ لأنه أضاف كل جزء [إلى] طلقة، وعطف البعض على البعض؛ فاقتضى ذلك تغاير الطلقات.
وفرق الأصحاب بين هذه المسألة والتي قبلها بأنه إذا لم يدخل الواو، لم يكن بعضها معطوفاً على بعض؛ فلم يقصد تغايرها؛ فلم تحتمل طلقات، بل احتملت طلقة واحدة؛ فوقعت.
قال ابن الصباغ: وهذا التعليل ليس بصحيح؛ لأن العطف إنما دخل في الألفاظ دون الطلقات؛ لأنه لو كانت الطلقات غير متغايرة، لكان يرد عليها بلام التعريف، فيقول: نصف طلقة، وثلث الطلقة، وسدس الطلقة، وهذه العلة موجودة إذا لم يعطف بعضها على بعض.
وينبغي أن يكون الفرق أن الثلث والسدس إذا لم يعطف على النصف، لم يقع؛ لأنه ليس فيه لفظ الإيقاع، ولا عطف على ما فيه لفظ الإيقاع، كما لو قال: أنت طالق طلقة طلقة، لم يقع إلا واحدة.
قال مجلي: وهذا الفرق يئول إلى ما قيل أولاً.
وفرق الرافعي: بأنه إذا لم يدخل الواو كان الكل بمنزلة كلمة واحدة، وإذا أدخلها فلكل واحدة حكمها؛ ولهذا لو قال: أنت طالق [طالق] لم يقع إلا واحدة، ولو قال: أنت طالق وطالق، وقعت طلقتان.
قلت: وما استشهد به من قوله: أنت طالق طالق قد يظن أنه ذكره [بناءً] على مذهب القاضي فيه، والمذهب خلافه؛ فلا يحسن الاستشهاد به، وليس كذلك، بل مراده: [أنه] لو نوى [بذلك طلقة] واحدة، قبل، ولم يقع سواها؛ بخلاف ما لو قال: طالق وطالق؛ فإنه لا يقبل منه إرادة طلقة واحدة، بل نوقع عليه طلقتين.
واعلم أن الإمام حكى في مسألة الفصل أن من أصحابنا من قال: إذا نوى صرف هذه الأجزاء إلى طلقة واحدة، قبل ذلك منه.
وقال في "الوسيط": إن منهم من رد جميع ذلك إلى طلقة واحدة، وجعل تكراره للتأكيد، وصدر به في الوجيز كلامه، فإن كان ما حكاه الغزالي محمولاً على ما قاله الإمام، وإلا فهو وجه ثالث في المسألة، وقد رأيت في كلام الإمام- أيضاً- إشارة إليه، عند الكلام فيما إذا أوقع بين نسائه سدس طلقة، وثلث طلقة ونصف طلقة.
ولو قال: أنت [طالق] نصف وثلث وسدس طلقة، طلقت طلقة.
ولو قال: أنت طالق: نصف ثلث سدس، وقعت [طلقة] بقوله: أنت طالق.
ولو قال: أنت طالق نصفاً، وثلثاً، وسدساً [فإن أراد به: نصفاً من طلقة، وثلثاً من طلقة، وسدساً] من طلقة- وقعت ثلاث تطليقات، وإن لم يكن [له] نية وقعت واحدة.
فرع: لو قال: أنت نصف طلقة، فهل يكون مثل قوله: أنت طلقة؟ وفيه وجهان:
أحدهما: أنه صريح.
والثاني: أنه كناية.
قال: وإن قال لأربع نسوة: أوقعت بينكن طلقة، أو طلقتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً- أي: وأطلق- وقع على كل واحدة طلقة؛ لأنه إذا وزع ذلك عليهن أصاب كل واحدة منهن طلقة، أو بعض طلقة؛ وتكمل.
وفي الذخائر أن أبا علي حكى في الإفصاح: أنه يقسم كل طلقة بين الجميع، والأصح الأول؛ لبُعْد ما قاله عن الفهم؛ ألا ترى أنه لو قال لعبده: اقسم هذين الدرهمين على هؤلاء الأربعة، لم يفهم المأمور منه قسمة كل درهم عليهم.
نعم: لو نوى ذلك، عمل به، ووقع بقوله طلقتين: على كل واحدة طلقتان، وبالثلاث ثلاث، وكذلك بالأربع.
ولو ادعى أنه أراد إيقاع ذلك على بعضهن دون بعض، فيدين، وهل يقبل في الحكم؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يقبل؛ لأن ظاهر اللفظ يقتضي الشركة؛ لقوله: عليكن.
والثاني: يقبل، وهو الأظهر عند الفوراني؛ لأنه إذا كانت المطلقة فيهن كان الطلاق بينهن.
ولأن [مثل] هذا اللفظ يطلق للحصر في الجملة، كما يقول من يتهم واحداً من الجمع بالسرقة: السرقة بين هؤلاء، يريد الحصر فيهم، ولا يريد التشريك بينهم.
وفي "الذخائر" بعد حكاية ما ذكرناه عن العراقيين والخراسانيين: أن من العراقيين من قال: الوجهان في التديين، وأما في الحكم فلا يقبل وجهاً واحداً.
وفي "التتمة" جزم بعدم القبول في الحكم فيما إذا أوقع طلقة [واحدة]، ثم قال: أردت إشاعتها بين اثنتين.
وفي "الشامل" حكاية وجه فيه [أيضاً]: أنه يقبل، وعزاه إلى أبي حفص بن الوكيل.
وفي "الرافعي" تخريج وجه في جريان هذا التفصيل [فيما] إذا [قال]:
أوقعت عليكن.
ثم ما حكيناه من الخلاف عند المراوزة فيما إذا لم يعطل بعض المطلقات، مثل أن أوقع عليهن أربع طلقات، ثم ادعى أنه أوقع على هذه طلقتين و [على] هذه طلقتين.
أما لو قال: [أوقعت] الأربع على هذه، ففي قبوله- أيضاً- وجهان مرتبان.
وحيث قلنا بعدم [القبول فذاك] في حق من نفى عنها، أما من أوقع عليها فيقبل.
ولو أوقع بين ثلاث منهن ثلاث طلقات، وقال: أردت إيقاع طلقتين على هذه، وقسمة الأخرى على الباقيات، حكى الرافعي في قبول ذلك وجهين:
أظهرهما: أنه يقبل، و [به] قطع الشيخ أبو علي، وأطال في توجيهه.
والثاني- عن رواية أبي الحسين بن القطان-: أنه لا يقبل، ويجب استواؤهن.
قلت: وفي عدم القبول نظر في هذه الصورة؛ بل يتجه أن يقبل ذلك منه قولاً واحداً من غير يمين؛ [لأن فيما ادعاه] تغليظاً عليه، واللفظ يحتمله.
ووجه ما قلته: أن عند عدم الإرادة يقع على كل واحدة [منهن] طلقة، فإذا ادعى ما ذكرناه، فقد ادعى أنه أوقع على واحدة منهن طلقتين، [وعلى كل واحدة من الباقيات طلقة.
نعم: لو صور المسألة بما إذا أوقع بينهن أربع طلقات] وقال: أردت إيقاع طلقتين على هذه، وطلقتين على الباقين- اتجه جريان الخلاف فيها؛ لأنه يصرف بذلك عن كل واحدة [من الباقيتين طلقة؛ لأن مقتضى الاشتراك أن يقع على كل واحدة] منهن طلقة وربع، ويكمل.
وقد صور الإمام محل الخلاف بمثل ذلك، وقال: من قبل منه إخراج بعضهن من قسمة الطلاق، [فلا شك أنه] يقبل ها هنا أيضاً.
ومن لم يقبل إخراج بعضهن، فهل يقبل التفاوت في القسمة؟ هذا محل التردد.
فروع:
إذا قال: أوقعت بينكن نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة، إن قلنا عند مخاطبة الواحدة بذلك: تقع واحدة، فكذلك ها هنا؛ وإن قلنا: يقع الثلاث فكذلك [يقع] ها هنا: على كل واحدة ثلاث.
قال الإمام: ويحتمل أن يجعل كما لو قال: أوقعت بينكن ثلاث طلقات، والقسمة المستوية في ذلك لا توجب إلا طلقة طلقة إذا قال: أوقعت بينكن طلقة، وطلقة، وطلقة.
قال الرافعي: يجوز أن يقال: هو كما لو قال: ثلاث طلقات؛ فتطلق كل واحدة طلقة.
ويجوز أن يقال: تطلق كل واحدة ثلاثاً.
[و] إذا قال لثلاث منهن: أوقعت عليكن طلقة، فإن كل واحدة تطلق طلقة، ثم قال للرابعة: أشركتك معهن، ونوى الطلاق؛ فينظر:
إن أراد طلقة؛ لتكون كواحدة منهن، [طلقت] طلقة؛ وإن أراد أن تشارك كل واحدة منهن في طلقتها، طلقت ثلاثاً؛ وإن أطلق، ولم ينو واحدة، ولا عدداً، فوجهان:
أظهرهما: أنها تطلق واحدة.
والثاني: طلقتين؛ لأنه جعل الواحدة شريكة الثلاث، وفي مقابلتهن، وقضية ذلك أن يصير ما لحقهن مقسوماً بينهن، وقد لحقهن ثلاثً؛ فيلحقها نصفها، وهو طلقة ونصف، ويكمل.
قال الرافعي: لو قيل بناءً [على] هذا التوجيه: يلحقها ثلاث طلقات، لم يكن بأبعد منه.
وعلى قياس المسألة: لو طلق اثنتين، ثم قال للأخيرتين: [أشركتكما معهما]
ونوى الطلاق، وأطلق- فتطلق كل واحدة طلقة؛ على قياس الوجهين [معاً].
ولو طلق إحدى امرأتيه ثلاثاً، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، ونوى الطلاق، ولم ينو العدد، أجاب أبو بكر الشاشي بأنها تطلق واحدة، وتوقف البوشنجي فيه، وقال: قد أوقع على الأولى ثلاثاً، والتشريك أن يكون لها مثل ذلك.
قال: ولو قال: أوقعت بينكن خمس تطليقات، وقعت على كل واحدة طلقتان؛ [لأن التقسيط على السواء يقتضي أن يقع على كل واحدة طلقة] وربع؛ فيكمل؛ وهكذا الحكم في الست والسبع والثماني.
ولو قال: أوقعت بينكن تسع تطليقات، وقع على كل واحدة ثلاث طلقات؛ بطريق التكميل.
وقد فهم مما تقدم التفصيل الذي يمكن أن يذكر في هذا الفصل.
قال: وإن قال: أنت طالق ملء الدنيا، أو: أطول الطلاق، أو: أعرضه، طلقت طلقة إلا أن يريد به الثلاث.
الدنيا: بضم الدال على المشهور، وحكي كسرها، [وجمعها: دنا]، وهي من: دنوت؛ لدنوها وسبقها الدار الآخرة، وينسب إليها: دُنْيَوِيٌّ، ودُنْيِيٌّ ودُنْياوِيٌّ.
وفي حقيقة الدنيا قولان للمتكلمين:
أحدهما: أنها الهواء، والجو.
والثاني: كل المخلوقات: من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة، وهو الأظهر.
والدليل على ما ذكره الشيخ: أن ليس فيما ذكره [ما] يقتضي العدد، وقد تتصف الطلقة الواحدة به.
وكذا الحكم فيما لو قال: ملء السماء والأرض والبلد، أو مثل الجبل العظيم، أو أعظم من الجبل.
ولو قال: ملء السماوات، أو: الأرضين، أو: البيوت الثلاث، طلقت ثلاثاً.
ولو قال: عدد التراب، قيل: تقع طلقة؛ حكاه الإمام وغيره؛ لأن التراب شيء واحد.
وقال البغوي: وقيل: تقع الثلاث، وهو الأصح عندي؛ كما لو قال: عدد ذر التراب أو: أنواعه.
ولو قال: أنت طالق بعدد كل شعرة على جسد إبليس، قال إسماعيل البوشنجي: قياس مذهبنا: أنه لا يقع شيء؛ لأنا لا ندري هل على جسد إبليس شعر أم لا؟ والأصل العدم.
وعن أصحاب أبي حنيفة: أنها تطلق طلقة، كذا حكاه الرافعي عنه في باب الشك في الطلاق، وفيما قاله نظر.
ولو قال: أنت طالق وزن درهم، أو درهمين، أو ثلاثة، وكذا سائر الأوزان، [ولم ينو]- لم يقع إلا طلقة؛ صرح به الرافعي وغيره.
وفي تعليق القاضي الحسين: أنه إذا قال: أنت طالق مثقالاً، يقع عليها طلقة، ولو قال: مثقالين فكذلك؛ لأنه أراد بذلك الصنج التي يوزن بها الدنانير.
ولو قال: ثلاثة مثاقيل يقع طلقتان، ولو قال: خمسة مثاقيل تقع طلقة.
ولو قال: ثمانية مثاقيل، طلقت ثلاثاً.
ولو قال: عشرة مثاقيل طلقت واحدة؛ حكي ذلك عن اختيار القفال.
ومن أصحابنا من قال: الاعتبار بالوزن، فلو قال: أنت طالق مثقالاً، أو درهماً، يقع طلقة، ولو قال: مثقالين، يقع طلقتان، ولو قال: ثلاثة مثاقيل، يقع الثلاث وكذلك خمسة مثاقيل.
ولو قال: يا مائة طالق، أو: أنت مائة طالق، طلقت ثلاثاً.
ولو قال: أنت طالق كمائة، قال ابن الصباغ: عندي أنها تطلق ثلاثاً.
وفي "التتمة" حكاية وجهين:
أحدهما: موافق لاختيار ابن الصباغ.
والثاني: أنها تطلق طلقة.
قال: وإن قال: أنت طالق كل الطلاق، أو أكثر الطلاق، طلقت ثلاثاً، لأن الثلاث كله وأكثره، والمراد بالأكثر ها هنا أكثر ما يملك الزوج إيقاعه من الطلاق على وزان قولنا: أكثر الحيض، وأكثر النفاس، وأكثر مدة الخيار كذا، والمراد أقصى ما يثبت الشرع له هذا الحكم كذا.
واعلم أن بعض المشتغلين بالفقه يستشكل وقوع الثلاث بقوله: أنت طالق أكثر الطلاق؛ فإن لفظة [ففيه] أكثر تستدعي أن يبقى بقية، كما إذا قال: لفلان أكثر هذه الدار؛ فإنه لا يتناول كلها، وإذا كان كذلك فينبغي أن تطلق طلقتين؛ إذ به يتحقق هذا الوصف.
وجوابه ما ذكرناه.
ويمكن أن يجاب عنه بوجه آخر: وهو أنه لو قال لها: أنت طالق أقل الطلاق طلقت طلقة، ولو قال لها: أوسط الطلاق، وأراد في العدد طُلِّقَتْ طلقتين، وقد صرح بذلك القاضي الحسين [فيما إذا] قال: أكثر الطلاق، [و] لو أوقعنا به طلقتين، لزم أن نسوي بين [قوله: أوسط، وبين قوله: أكثر] والتفاوت بينهما ظاهر.
وفي التعليق للقاضي- أيضاً-: أنه إذا قال: أوسط الطلاق، وأراد الأوسط في الطلاق دون الأطول؛ فلا يقع إلا واحدة، وقد أجاب بعضهم [عن هذا] السؤال بأن قوله: أكثر الطلاق، أراد به: الأكثر بالنسبة إلى طلاق العبد؛ فإن العبد يملك طلقتين، والحر ثلاثاً؛ فهو على وِزَان- قولك: هذا أكثر من هذا، وهذا فيه نظر؛ من حيث إنه لو كان ذلك المراد، لزم أن يقع بقوله: أنت طالق أقل الطلاق طلقتان، وليس الأمر كذلك كما نقلناه، والله أعلم.
فرع: لو قال: أردت بقولي: أكثر الطلاق: أكثر الثلاث يتجه في هذه الصورة أن يقبل قوله باليمين؛ لأن اللفظ يحتمل ذلك، وتقع طلقتان؛ لأن وصف الأكثر بهذا التفسير يصدق بالزيادة على النصف ولا سبيل إلى إيقاع ما دون الطلقتين؛ لما تقدم [من] أن الطلاق لا يتبعض؛ ولا إلى إيقاع ما زاد عليهما؛ لأنه في محل الشك،
فيقع طلقتان، اللهم إلا أن يريد زيادة على طلقتين، فحينئذٍ يقع الثلاث؛ وهذا أبديته تفقهاً، ولم أره منقولاً، فليتأمل.
ولو قال: أنت طالق [أكثر الطلاق، أو أكمله أو أتمه،] أو أشده، أو أغلظه- لم يقع إلا واحدة.
قال: وإن قال: أنت طالق أو لا؟ لم يقع شيء؛ لأن ذلك استفهام لا إيقاع.
وفي الرافعي في كتاب الإقرار: أنه إن قال ذلك في معرض الإنشاء وقع؛ كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً لا تقع عليك، وإن قاله في معرض الإخبار لم يقع.
ولو قال: أنت طالق واحدة؛ أو لا شيء، قال ابن الصباغ: الذي يقتضيه قياس قول أبي العباس: أنه لا يقع شيء؛ لأن قوله: واحدة صفة للطلاق الموقع، وصفة الشيء ترجع إليه؛ فصار كقوله أنت طالق أو لا شيء؟.
ولو قال: أنت طالق أوَّلاً بتشديد الواو، وهو يعرف العربية، وقع الطلاق؛ لأن معناه: أنت [طالق] أول في الطلاق وكذلك لو قال: أن طالق لا؛ لأن حرف لا وحده ليس موضوعاً للاستفهام؛ فكان المقصود منه رفع مقتضى الكلام.
قال: وإن قال: أنت طالق طلقة لا تقع عليك، طلقت طلقة؛ لأنه أوقع الطلاق، ثم أراد رفعه بالكلية، والطلاق لا يرتفع بعد وقوعه.
وقولنا: بالكلية نحترز به عما إذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار؛ فإنه رفع للطلاق، ولكن ليس بالكلية، [بل] في الحال.
قال: وإن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، وقع الثلاث.
نقدم على [الكلام في] هذا الفصل مقدمة ينبني عليها أكثر الأحكام التي تأتي، [وهي أن] الاستثناء صحيح في الجملة، وهو في اللسان معهود، وفي الكتاب والسنة موجود، ثم هو على قسمين:
استثناء يمنع وقوع العدد.
واستثناء يرفع الأصل:
فالأول عبارة عما وراء المستثنى منه، وله ثماني صيغ:
[إلا وهي أم الباب- وغير، وسوى، وخلا، وعدا، وحاشا، وليس، ولا يكون، والاستثناء] ضد المستثنى عنه؛ [وإن كان المستثنى عنه] إثباتاً فهو نفي، وإن كان نفياً فهو إثبات؛ وهذا القسم إنما يستعمل، ويصح بشرطين:
أحدهما: ألَّا يكون مستغرقاً، فإن كان فهو باطل بالإجماع؛ على ما حكاه الإمام فخر الدين، وإذا بطل بقي المستثنى عنه بحاله.
والثاني: أن يكون متصلاً باللفظ، وقد قصد اللافظ الاستثناء من أول كلامه على الأصح- أعني: في الأخير- فلو انفصل، أو خلا عن القصد، لم يؤثر، وسكتة النفس، والعي لا تمنع الاتصال.
قال الإمام: والاتصال المعتبر ها هنا أبلغ مما يراعى بين الإيجاب والقبول؛ فإن الإيجاب والقبول صادران من شخصين، والمقصود ألا يتخللهما ما يشعر بإعراضه عن الجواب، والاستثناء والمستثنى منه صادران من شخص واحد، وقد يحتمل بين كلام شخصين ما لا يحتمل بين أبعاض [كلام شخص واحد]؛ ولذلك لا ينقطع الاتصال بين الإيجاب والقبول بالكلام اليسير [على الأصح، وفي الاستثناء ينقطع.
وحكى القاضي ابن كج وجهاً آخر: أن الكلام اليسير] الأجنبي بين المستثنى والمستثنى عنه لا يقدح.
وفي خلو أول الكلام عن قصد الاستثناء وجه: أنه لا يضر؛ إذا وجد في أثنائه.
ولو وجد قصد الاستثناء بعد تمام المستثنى منه، لم يؤثر على الأصح.
وادعى أبو بكر الفارسي فيه الإجماع.
وحكي عن أبي إسحاق أنه يؤثر.
والقسم الثاني من الاستثناء: ما يرفع الأصل: كقوله لزوجته: أنت طالق إن شاء الله، وسيأتي الدليل على اعتباره، إن شاء الله تعالى.
قال مجلي: وفي تسمية هذا القسم استثناء تساهل؛ إذ حقيقة الاستثناء ما كان بأحد الصيغ الثمانية المقدم ذكرها، وليس هذا كذلك؛ فإن هذه الصيغة [[صيغة
تعليق] الطلاق على الشروط: كقوله: إن دخلت الدار، ونحو ذلك، وإذا انتظمت هذه الصيغة] تعلق الطلاق بالمشيئة؛ فلا يقع إلا بعد حصول الشرط، وهو المشيئة كالطلاق المعلق على دخول الدار، لا يقع قبل [دخول الدار].
ثم لا سبيل لنا إلى الإطلاع على حصول المشيئة؛ فامتنع وقوع الطلاق؛ لعدم العلم بحصول الشرط؛ وبهذا فارق الاستثناء المستغرق إذا وقع الطلاق ثم رام رفعه بالكلية، فلم يرتفع.
وقال الإمام: لا يبعد عن اللغة تسمية كل تعليق استثناء؛ فإن قول القائل: أنت طالق يقتضي وقوع الطلاق من غير تقييد بقصد، فإذا علقه بشرط فقد ثناه عن مقتضى إطلاقه؛ كما أن قول القائل: أنت طالق ثلاثاً [إلا طلقة] يثني اللفظة عن مقتضاها.
وفي الحلية حكاية وجهين:
أحدهما: أن هذه الصيغة صيغة استثناء تمنع انعقاد [اللفظة، فتصير اللفظة بوجودها] كأن لم تكن.
والثاني: حكاه عن أبي إسحاق: أنه شرط، وينعقد منه على الشرط، ولكن يمتنع الوقوع؛ لعدم الشرط، وأسند ذلك إلى الحاوي.
قال مجلي: ولم أر هذا الخلاف إلا بعد أن وقع لي ما ذكرته من الاستدراك.
ثم هذا القسم يعتبر فيه الاتصال لفظاً، و [اقتران القصد] بأول الكلام كما ذكرناه في القسم الأول؛ قاله الرافعي، وألحق به سائر التعليقات، وهو قضية ما في "التتمة" في كتاب الأيمان.
وقال مجلي: لم أر للشيخ أبي حامد الإسفراييني في التعليق اشتراط قصد، وفيما ذكر نظر؛ فإن الأشبه على قولنا: إنه من قبيل التعليق؛ كقوله: إن دخلت الدار، وتعليق الطلاق على الشرط لا يفتقر إلى قصد، ولم يذهب إليه ذاهب، ولو ذهب إليه قائل لكان باطلاً؛ لأن وقوع الطلاق يتبع الصفات، والإيقاع يترتب في صورة التعليق على وجود الشرط؛ فيتبعه، ولم يشترط وجود النية؛ كما يتبع الوقوع وجود اللفظ المنجز
وإن لم تحصل نية في الإيقاع؛ هذا على قولنا: إنه تعليق، وكذلك يجيء على قولنا: إنه استثناء؛ فإن الاستثناء بصيغ الاستثناء من الأعداد، ولا أعلم خلافاً فيها، ولم أر أحداً من الأصحاب ذهب إلى اشتراط ذلك فيه، والمطلوب منهما واحد، لأن هذا يرفع الجميع، والاستثناء بصيغة يرفع البعض؛ فاستويا في المقصود.
نعم: يشترط القصد إلى إيجاد اللفظ؛ لينفصل عمن عادته التلفظ به؛ كمن يقول: إن شاء الله تعالى عادة في كل شيء؛ على سبيل التبرك؛ هذا آخر كلامه.
[قلت: والجواب عنه: أن مراد الأصحاب في اشتراط النية: أن تكون نية التعليق مقترنة بأول لفظه؛ كما يشترط ذلك في المشيئة، حتى لو لم تكن موجودة عند قوله: أنت طالق، [و] وجدت عند قوله: إن دخلت الدار، وقع الطلاق قبل الدخول على الأصح، وإذا كان كذلك اندفع ما ذكره، والله أعلم].
عدنا إلى مسألة الكتاب: فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، طلقت ثلاثاً؛ لما ذكرناه.
ووجهه في الذخائر بأن حقيقة الاستثناء إخراج بعض ما تناوله اللفظ: كقوله: جاءني القوم إلا زيداً؛ فإذا كان مستغرقاً خرج عن حقيقته، وصار رفعاً لما أوقعه من الطلاق، ورفع الطلاق بعد إيقاعه لا يجوز.
فإن قيل: هذا يقتضي ألا يصح الاستثناء مطلقاً، وإن لم يكن مستغرقاً؛ فإنه إذا قال: أنت طالق ثلاثاً، فقد أوقع الثلاث، فإذا قال: إلا طلقتين، أو: إلا واحدة، فقد رفع باستثنائه ما أوقعه؛ فلا يصح؛ لما ذكرتموه.
قال مجلي: وطريق الجواب عنه: أن الاستثناء مع المستثنى منه كالجملة الواحدة، وهو عبارة عما بقي بعد الاستثناء فإذا قال: له علي عشرة إلا درهماً، كان كقوله: له على تسعة، فأفاد مجموع الكلام، وإذا كان مستغرقاً: كقوله: ثلاثاً إلا ثلاثاً، لم يبق للفظ فائدة، وصار تشبيهاً بالعبث؛ كقوله: ثلاثاً لا تقع عليك؛ فافترقا.
ولو [قال]: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين وواحدة، فوجهان:
أحدهما: تقع ثلاث طلقات.
والثاني: طلقة.
وكذا لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة وواحدة وواحدة، فمن جمع أوقع الثلاث؛ لكونه مستغرقاً، ومن فرق أوقع طلقة، وأعمل الاستثناء بين المتقدمتين وصار كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقة وطلقة فإنه يقع طلقة.
وفي الرافعي حكاية وجه في هذه المسألة الأخيرة: أنه يقع الثلاث.
فرع: لو قال: كل امرأة لي طالق إلا عمرة، ولا امرأة له سواها، وقع عليها الطلاق؛ لاستغراق الاستثناء، بخلاف ما لو قال: النساء طوالق إلا عمرة، ولا زوجة له سواها؛ فإنها لا تطلق؛ لأنه لم يضفهن إلى نفسه، حكاه الرافعي عن القفال بعد الكلام في النية في الكناية.
قال: وإن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا نصف طلقة، وقع الثلاث؛ لأنه نفى نصف طلقة؛ فيكمل.
وحكى أبو علي من الخراسانيين وجهاً: أنه تقع طلقتان، وجعل استثناء النصف كاستثناء الكل؛ كما أن إيقاع النصف كإيقاع الكل، والظاهر الأول؛ لأن التكميل إنما يكون في طرق الإيقاع؛ تغليباً للتحريم.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا نصفاً، يراجع:
فإن قال: عنيت: إلا نصفها، يقع طلقتان.
وإن قال: عنيت نصف طلقة، طلقت ثلاثاً، على الأصح.
وإن قال: لم أرد شيئاً، حمل على استثناء النصف من الجميع.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقتين و [نصفا، فإن جعلنا استثناء النصف كاستثناء الكل، فهو كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقتين وطلقة] وإن قلنا بالأصح، ففيه احتمالان للإمام:
أحدهما: يبطل ذكره النصف، ويبقى قوله: ثلاثاً إلا اثنتين.
والثاني: أنه يجعل ذكر النصف كذكر الكل؛ لأنه يؤثر في الإيقاع.
قال: وإن قال: أنت طالق وطالق وطالق إلا طلقة، طلقت ثلاثاً على المنصوص.
وقيل: تقع طلقتان؛ لأن الواو شركت بين الثلاثة؛ فصار كقوله: أنت طالق ثلاثاً، والأول هو الأصح، واختيار ابن الحداد؛ [لأن الجمل المعطوفة تفرد] بالحكم وإن كان الواو للجمع؛ ألا ترى أنه لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق، لا يقع إلا [طلقة] واحدة، ولا ينزل منزلة ما لو قال: أنت طالق طلقتين؟ وإذا كان كذلك رجع الاستثناء إلى ما يليه، وهو مستغرق؛ فيبطل.
وهكذا الحكم فيما لو قال: أنت طالق فطالق ثم طالق؛ حكاه البندنيجي في تعليقه.
قال: وإن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقتين، طلقت طلقة؛ عملاً بقضية الاستثناء؛ لأنه أثبت ثلاثاً، ونفى طلقتين؛ فبقيت طلقة.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، طلقت طلقتين، لما قلناه.
قال: وإن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقتين إلا طلقة، طلقت طلقتين؛ لما تقدم أن قاعدة الاستثناء أنه من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي.
والمعنى: ثلاثاً تقع، إلا اثنتين لا تقعان، إلا واحدة تقع من الاثنتين؛ فتضم إلى الباقية من الثلاث فتقعان.
وأبدى الحناطي وجهاً آخر على سبيل الاحتمال: أن الاستثناء الثاني ينصرف إلى [أول] اللفظ؛ وعلى هذا فيكون الحكم كما لو قال: إلا اثنتين وواحدة.
قال: وإن قال: أنت طالق خمساً إلا ثلاثاً، فقد قيل: تطلق ثلاثاً، وبه قال أبو علي الطبري، وابن أبي هريرة؛ لأن الزيادة على الثلاث لغو، لا سبيل إلى إيقاعها؛ فلا عبرة بذكرها.
وإذا كان كذلك، كان الاستثناء مستغرقاً، فيلغو.
وقيل: طلقتين، وبه قال ابن الحداد، وأكثر الأصحاب، ونص الشافعي في البويطي [يوافقه]؛ حيث [قال: إذا] قال: أنت طالق ستّاً إلا أربعاً، وقع عليها طلقتان، ووجهه: أن الاستثناء لفظي، فيتبع فيه موجب اللفظ، ولا فرق في اللغة بين اثنتين
وبين خمسة إلا ثلاثة.
وما ذهب إليه أبو علي جار في المسألة التي ذكرناها عن النص ونظائرها.
ولو قال: خمساً إلا اثنتين، فإن قلنا: إن الاستثناء يرجع إلى المجموع، طلقت ثلاثاً.
وإن قلنا: يرجع إلى المملوك، طلقت طلقة.
قال: وإن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين)، فقد قيل: يقع الثلاث، ويحكى عن [أبي علي] ابن أبي هريرة، لأن الاستثناء الأل مستغرق لاغ، والثاني مرتب على ما هو لغو، فيلغو أيضاً.
وقيل: [يقع] طلقتان؛ لأنه [لما] عقب الاستثناء بالاستثناء، خرج الأول عن أن يكون مستغرقاً، وكان ذلك استثناء ثلاث إلا اثنتين من ثلاث، وثلاث إلا اثنتين: واحدة؛ فكأنه قال: ثلاثاً إلا واحدة.
وقيل: طلقة؛ لأن الاستثناء الأول فاسد؛ لاستغراقه، فينصرف الاستثناء الثاني إلى أول الكلام، ويصير كأنه قال: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين.
والأصح منهما في الرافعي الثاني؛ حكاية عن الإمام والغزالي.
فرع: لو قال لها: أنت إلا واحدة طالق ثلاثاً، حكي في المهذب عن بعض الأصحاب: أنه لا يصح الاستثناء، ويقع الثلاث، ثم قال: ويحتمل عندي: أنه يصح، ولا يقع إلا طلقتان.
قلت: وهذا موافق لما حكاه ابن الصباغ في كتاب الأيمان فيما إذا قال: له على [إلا] عشرة دراهم مائة درهم: أنه يلزمه تسعون، وعزاه إلى القاضي.
وحكى الرافعي في هذه الصورة وجهاً: أنه لا يصح الاستثناء، وهو موافق للوجه الأول في المسألة الأولى.
قال: وإن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا أن يشاء أبوك واحدة فقال أبوها: شئت واحدة، لم تطلق، كما لو قال: أنت طالق إلا أن يدخل أبوك الدار، فدخل.
وعلى هذا لو شاء اثنتين أو ثلاثاً، لم يقع شيء أيضاً؛ لأنه شاء واحدة وزيادة.
وقيل: تقع اثنتان، ويكون تقدير الكلام: إلا أن يشاء أبوك واحدة؛ فلا تقع تلك
الواحدة، ويقع ما سواها؛ وهذا محكي في "التتمة".
وقيل: تقع واحدة، ويكون تقدير الكلام: إلا أن يشاء أبوك واحدة؛ فلا يقع الثلاث، وتقع الواحدة.
ومحل الخلاف عند الإطلاق، فلو قال: أردت المعنى الثاني أو الثالث، قُبِلَ.
ولو قال: أردت المعنى الأول، وفرعنا على الوجه الثاني أو الثالث، فهل يقبل منه، حتى لا يقع شيء؟ فيه وجهان:
أظهرهما: القبول.
ولو قال: أنت طالق واحدة إلا أن يشاء أبوك ثلاثاً؛ فإن شاء ثلاثاً، لم يقع شيء؛ جواباً على الوجه الأول، وهو الصحيح.
وإن لم يشأ [شيئاً]، أو شاء واحدة أو اثنتين، وقعت واحدة؛ كذا حكاه الرافعي، ولم يتعرض للتفريع على ما عدا القول الأول.
ويظهر أنا إذا فرعنا على القول الثالث: أنها تطلق ثلاثاً.
وعلى القول الثاني: أن الحكم مثل الأول.
والحكم فيما لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا أن يشاء [زيد أو] تشائي كما لو قال: إلا [أن] يشاء أبوك.
قال: ولو قال: أنت طالق إن شاء الله تعالى، أو: أنت طالق إلا أن يشاء الله لم تطلق:
أما في] المسألة الأولى؛ فلما روى عن معاذ: أنه- عليه السلام- قال له في حديث طويل: "إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، فله استثناؤه، ولا طلاق فيه".
ولقوله- عليه السلام-: "مَنْ أَعْتَقَ أَوْ طَلَّقَ، وَاسْتَثْنَى، فَلَهُ ثُنْيَاهُ".
ولأنه لما جاز تعليق جميع الأيمان من عتق، وطلاق، وغيره بالشروط، والصفات، كان تعليقها بمشيئة الله تعالى كذلك، وإذا جاز تعليقه بمشيئة الله تعالى، لم يقع.
وقد وجهه [بعض] الأصحاب بشيئين:
أحدهما- وهو طريقة المتكلمين من أصحابنا-: أنه إنما لم يقع؛ لأن هذا يقتضي مشيئة جديدة، ومشيئة الله- تعالى- قديمة، وإذا [لم] تتصور الصفة،
لا يقع الطلاق؛ كما لو قال لامرأته: إن شاء زيد فأنت طالق؛ فإنه يقتضي مشيئة جديدة من زيد، لا المشيئة الماضية.
والثاني- هو طريقة الفقهاء-: أنه لم يقع؛ لأنه علق الطلاق بالمشيئة، ونحن ما تحققنا المشيئة؛ فالطلاق لا يقع؛ لأن الأصل بقاء النكاح؛ كما لو قال [لها]: أنت طالق إن شاء زيد [ثم مات] زيد، ولم تتحقق مشيئته، لا يحكم بوقوع الطلاق؛ كذلك ها هنا.
واختار الحليمي التوجيه الثاني، واعترض على الأول بأن قضيته: أن يقع ثلاث طلقات فيما إذا قال: أنت طالق ثلاثاً في الأصل إن شاء الله تعالى، ثم قال: أنت طالق، [فإنا قد عرفنا] مشيئة الله- تعالى- حيث وقع الطلاق.
قال الرافعي: ولك أن تقول: إنما يلزم ذلك أن لو كان المعنى إن شاء الله أن تطلقي.
أما إذا كان المعنى: إن شاء الله أن تطلقي ثلاثاً؛ فلا يلزم.
ثم قال: والظاهر الثاني؛ لانصراف اللفظ إلى جملة المذكور.
ثم مشيئة الله تعالى وإن كانت قديمة، لكنها تتعلق بالحادث، ويصير الحادث عند حدوثه مراداً؛ فقوله: إن شاء الله تعليق بذلك التعليق المتجدد؛ هذا هو المشهور، والمنصوص عليه في المختصر وغيره.
ومن مقتضى التوجيه الأول: أن يكون في وقوع الطلاق في الحال قول كما في التعليق على صعود السماء، ونظائره على ما سيأتي، وقد حكى عن رواية صاحب التقريب و [رواية] الشيخ أبي علي، لكن أخذه بعضهم من نص مروي في الظهار: أنه لو قال: أنت علي كظهر أمي إن شاء الله: أنه يكون مظاهراً، ووجهه: أنه استثناء رفع الطلاق أصلاً ورأساً؛ فأشبه الاستثناء المستغرق.
وفرق الأصحاب بينه وبين الاستثناء المستغرق: بأن الاستثناء المستغرق كلام متناقض غير منتظم، وها هنا التعليق منتظم، والصفة المعلق عليها قد تعلم، وقد
تجهل، وإذا جهلت لم يحكم بنزول الطلاق.
و [فرقوا] بينه وبين الظهار بأن الظهار إخبار، والإخبار عن الواقع لا يتعلق بالصفات، بخلاف الإنشاء؛ وهذا القائل ذهب إلى أنه لو قال: على عشرة إن شاء الله تعالى تلزمه العشرة، ولا يعمل الاستثناء.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يقول: أنت طالق إن شاء الله، أو: إن شاء الله فأنت طالق.
وألحق في الشامل بهما إذا قال: إن شاء الله أنت طالق وذكر الحناطي في هذه اللفظة وجهاً آخر.
ولو قال: أنت طالق متى شاء الله، أو: إذا شاء الله، فهو كقوله: إن شاء الله.
فرع: من زيادات العبادي: إذا قال: أنت طالق اليوم طلقة إن شاء الله، [وإن لم يشأ فثنتين]، فلم يطلقها حتى مضى اليوم، طلقت طلقتين؛ لأن الله لو شاء واحدة، لأجراها على لسانه.
وأما في المسألة الثانية؛ فلأن عدم المشيئة غير معلوم؛ كما أن المشيئة غير معلومة.
ولأن الوقوع بخلاف مشيئة الله- تعالى- محال؛ فأشبه ما إذا قال: أنت طالق إن جمعت بين السواد والبياض؛ فإنه لا يقع.
وعن صاحب التقريب: أنه يقع؛ لأنه ربط الوقوع بما يضاده؛ لأن الوقوع بخلاف مشيئة الله تعالى محال؛ فكان كما إذا قال: أنت طالق طلاقاً لا يقع عليك.
وقرب الخلاف في المسألة من الخلاف في مسألة دور الطلاق من جهة أنه لو وقع الطلاق، لكان بمشيئة الله تعالى، ولو شاء الله عدم وقوعه لما وقع؛ لأن التعليق بعدم المشيئة قد يعكس، فيقال: إذا لم يقع لم يشأ الله وقوعه، وإذا لم يشأ [وقوعه، فقد] حصلت الصفة؛ فيجب أن يقع، لكن لو وقع لما وقع؛ لما تبين؛ فإن الشرط والجزاء متضادان لا يجتمعان؛ كما [أن] في مسألة الدور وقوع طلقة
في الحال وثلاث قبلها متضادان، وليس هذا كالتعليق باجتماع السواد والبياض؛ فإن التضاد هناك بين السواد والبياض، لا بين الشرط والجزاء.
قال: وإن قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله، فالمذهب أنه يقع، وكذلك حكاه في التهذيب، وهو اختيار ابن سريج، وادعى القاضي الحسين في التعليق: أنه القياس وإن كان قد حكى عند الكلام في تعليق الطلاق بمشيئتها: أنه لا يقع، وأنه لا فرق بين قوله: إن شاء الله، وبين قوله: إلا أن يشاء الله.
وحكي عن بعض أهل العلم أنه يقع، ووجهه: أنه أوقع الطلاق، وجعل المخرج عنه المشيئة، وأنها غير معلومة؛ فلا يحصل الخلاص، وصار كما لو قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد، فمات زيد، ولم تعلم مشيئته؛ فإنه يقع الطلاق.
وقيل: لا يقع؛ لأن هذه الصيغة- أيضاً- تعليق بعدم المشيئة؛ لأنها توجب حصر الوقوع في حال عدم المشيئة؛ فكان كالمسألة قبلها؛ وهذا ما حكاه القفال عن النص، واختاره، ورجحه الإمام والغزالي.
وفرق [بينه] وبين المسألة المستشهد بها- إن سلم الحكم فيها- بأنه إذا أوقع الطلاق عليها، وعلق منع الوقوع بمشيئة زيد، فيتصور وقوع الطلاق عليها من [غير] مشيئة زيد إذا لم يعلم بالتعليق، أو علم وسكت، ولو علم وشاء ألا يقع، لا يقع.
فأما إذا علق منع الوقوع بمشيئة الله تعالى؛ فلا يتصور وقوع الطلاق عليها [دون مشيئة من جهة الله تعالى؛ لأنه] ما من شيء في الكون يتصور وجوده إلا بمشيئة الله تعالى.
قال: وإن قال: أنت طالق إن شاء زيد، فمات زيد، أو جن-[أي]: قبل المشيئة، وكذا لو غاب- لم تطلق؛ لعدم وجود الشرط.
قال: وإن خرس فأشار، لم تطلق؛ لأن مشيئته كانت بالنطق عند التعليق، فتعلق بها، ولم توجد؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين في التعليق، وينسب إلى اختيار الشيخ أبي حامد.
[وقيل: يقع]، وهو الصحيح في المهذب والرافعي؛ لأنه [في] حال بيان المشيئة من أهل الإشارة، والاعتبار بحال البيان؛ ولهذا لو كان عند التعليق أخرس، ثم صار ناطقاً، [كانت] مشيئته بالنطق.
ولو سكر وأشار في حال سكره، فعلى الخلاف في أنه [هل] يسلك به مسلك الصاحي أم لا؟
ولو شاء وهو صبي، أو معتوه، فهل يقع؟ فيه وجهان:
والأصح في تعليق القاضي الحسين في باب ما يقع به الطلاق: أنه لا يقع.
ولو قال: [أنت طالق إن شاءت الملائكة] لم يقع؛ لأن لهم مشيئة، وحصولها غير معلوم؛ فصار كما لو قال: [أنت طالق] إن شاء الله.
ولو قال: أنت طالق إن شاء الحمار، فهو كما لو قال: إن طرت.
ولو قال: أنت طالق إن شئت أنا، فهو تعليق، فمتى شاء وقع.
ولو قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد، فمتى وجدت المشيئة في مدة العمر، لم تطلق، وإن لم توجد حتى مات، وقع الطلاق قبل عجزه عن المشيئة إذا اتصل العجز بالموت.
وقال القاضي الحسين في التعليق: عندي أن هذا لا يصح؛ لأنه أوقع الطلاق، وعلق منع الوقوع بمشيئة زيد، فإذا مات زيد [فيحكم بوقوع الطلاق من حين لفظه، وفي الحال يحال بينه وبينها، كما لو قال: إن كنت حاملاً فأنت طالق، وبان أنها حامل.
ولو مات زيد] ولم تعلم مشيئته ففي وقوع الطلاق وجهان:
الذي ذهب إليه الجمهور منهما، على ما حكاه الإمام، والأكثر، على ما حكاه الرافعي: أنه يقع، وهو ما حكاه القاضي الحسين في التعليق، وهو موافق لقول من قال بالوقوع فيما إذا قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله، ويؤيده ما حكاه الغزالي في الأيمان عن نص الشافعي فيما إذا قال: لا أدخل الدار إلا أن يشاء زيد، ثم دخل، ومات [زيد] ولم يعرف أنه شاء أم لا؟ أنه يحنث.
والثاني- وهو الصحيح الذي رجحه الإمام-: أنه لا يقع.
تنبيه: حكى الرافعي: أن قول القائل: أنت طالق إلا أن يشاء الله، أو: إلا أن يشاء زيد، معناه: إلا أن يشاء وقوع الطلاق، كما أن قوله: إن شاء الله، معناه: إن شاء وقوع الطلاق؛ وحينئذ فالطلاق تعلق بعدم مشيئة الطلاق، لا [بمشيئة] عدم الطلاق، وعدم مشيئة الطلاق تحصل بأن يشاء عدم الوقوع، وبألَّا يشاء شيئاً أصلاً؛ وعلى التقديرين يقع الطلاق، وإنما لا يقع إذا شاء زيد أن يقع.
وذكر بعضهم: أن معناه: أنت طالق إلا أن يشاء زيد ألا تطلقي.
وعلى هذا فلو شاء أن تطلق، تطلق؛ وكذلك ذكره في التهذيب، والصحيح الأول إلا أن يقول المعلق: أردت الثاني.
فروع:
لو قال: أنت طالق إلا أن أشاء، أو [يبدو لي]، قال في التهذيب: يقع في الحال؛ لأنه ليس بتعليق؛ لأنه أوقع الطلاق، وأراد رفعه، إذا بدا له؛ وهذا يوافق أحد الاحتمالين اللذين أبداهما صاحب التقريب فيما إذا قال الناذر: لله علي أن أتصدق بعشرة دراهم إلا أن يبدو لي، ثم بدا له على ما حكاه الإمام عنه في الاعتكاف.
وحكى عن شيخه أن الأوجه إبطال هذا الاستثناء، لكن قد نص الشافعي في الإقرار- على ما حكاه في الإشراف-: أنه لو قال: لفلان على ألف درهم إلا أن يبدو لي، فهو استثناء صحيح، ومقتضى ذلك: ألا يقع الطلاق هنا إذا بدا له؛ كما أبداه الرافعي احتمالاً من عند نفسه؛ قياساً على ما لو قال: إلا أن يشاء الله، وهو ما حكاه في "التتمة" في قوله: إلا أن أشاء أنا؛ على أن الشيخ أبا الطيب خالف هذا النص، ولم يصح الاستثناء على ما حكاه في الإشراف [أيضاً].
وإيراد صاحب الإشراف يقتضي ترجيح النص، ويدل عليه- أيضاً- أنه ذكر في الأصول التي ساقها؛ لبيان القواعد كل قول في عقد إيجاب أو إقرار إذا عقب بالاستثناء، أو بالتخصيص، أو بقوله: إلا أن يبدو لي- أثر فيه هذه المعاني، إلا إذا قال: (يا زانية طلقتك إن شاء الله؛ فإنه قاذف، ولا طلاق على ما حكاه ابن سريج، لأن
قوله: يا زانية اسم فيه خبر عن فعل، والاستثناء لا يرفع الاسم.
ولو قال: أنت طالق لولا أبوك لطلقتك، لم تطلق في الظاهر، ولا في الباطن؛ [إن] أراد أن عدم التطليق لأجل الأب، وإن لم يرد ذلك، وقع في الباطن، وإذا صرح بذلك وآخذناه [به] في الظاهر أيضاً.
ولو قال: أنت طالق لولا [أبوك، فالأصح] أن الحكم كما في المسألة قبلها.
وفي "التتمة" حكاية وجه آخر؛ أنه يقع.
قال: وإن قال: أنت طالق ثلاثاً واستثنى بعضها بالنية، لم يقبل في الحكم؛ لأن اللفظ أقوى من النية، بدليل أنه يقع به الطلاق من غير نية، والنية لا يقع بها الطلاق من غير لفظ، فلو أعملنا النية، لرفعنا القوي بالضعيف، وذلك لا يجوز؛ كنسخ الكتاب بالسنة، نعم: هل يدين؟ فيه وجهان.
قال: وإن قال: نسائي طوالق، واستثنى بعضهن بالنية، لم يقبل في الحكم؛ لأن اللفظ عام، متناول لجميعهن فلا يمكن صرف مقتضاه بالنية، كما لو قال: أنت طالق، وقال: أردت إذا جاء رأس الشهر، ويدين في البطن بخلاف المسألة قبلها على أحد الوجهين، [وبخلاف ما لو قال: ثلاثتكن طوالق، ونوى: إلا فلانة؛ حيث قلنا: لا يدين على أحد الوجهين].
والفرق أن الثلاث نص في العدد المعلوم، واستعمالها في بعض العدد غير معهود؛ بخلاف استعمال اللفظ العام في الخاص؛ فإنه معهود.
وفي "التتمة": أنه لو قال: أربعتكن طوالق إلا فلانة، لم يصح الاستثناء، وكذلك إذا نواه لا يدين.
وفي "الوسيط" نسبة ذلك إلى القاضي.
وفي "التهذيب": أنه يصح.
قال: وقيل: يقبل في [النساء]، وهو ظاهر النص؛ لأن اللفظ يحتمل العموم والخصوص، فإذا ادعى إرادة أحدهما قبل.
قال: وليس بشيء؛ لأنه وإن احتمل الخصوص إلا أن الظاهر العموم؛ فلم يقبل في الحكم دعوى الخصوص، وأيضاً فإن من أخذ من ظاهر كلام الأصوليين أن العموم يخصص، فلابد معه من دليل على الخصوص، ولا دليل يدل عليه؛ فتعين حمله على العموم، وأول النص على أنها لا تطلق في الباطن.
ولا فرق في جريان الخلاف بين ألا يكون ثمَّ قرينة تصدقه، وبين أن تكون، كما إذا خاصم إحدى نسائه، فقالت: تزوجت علي؟، فقال في إنكاره: كل امرأة لي طالق، ثم قال: أردت [غير المخاطبة].
لكن الأظهر عند القفال والمعتبرين: أنه لا يقبل في الظاهر إن لم تكن [ثم] قرينة، ويقبل إن وجدت قرينة؛ وهذا اختيار القاضي [الروياني.
ومن هؤلاء من حمل النص على ما إذا وجدت القرينة.
وفي تعليق القاضي] الحسين أه لو قال: نسائي [طوالق]، وعزل ثلاثاً بالقلب، لم يقبل وجها ًواحداً؛ لأن العموم إنما يصح إرادة الخصوص به بشرط أن يبقى على صيغة العموم، وإذا عزل عن الأربع ثلاثاً، أخرجه عن صيغة العموم.
وفي "الرافعي": [أن] في بعض التعاليق: أن القاضي الحسين فرق بين أن يقول: كل امرأة لي طالق، ثم عزل بعضهن بالنية، وبين أن يقول: نسائي [طوالق]، وعزل ثلاثاً منهن بالنية؛ فإنه لا يقبل في المسألة الأخيرة؛ لأن اسم النساء لا يقع على الواحدة، ولو قال: عزلت واحدة، يقبل.
وذكر تفريعاً على هذا وجهين فيما لو عزل اثنتين، ومثل هذا الخلاف في القبول ظاهر.
أما إذا قال: أنت طالق، وكان يحل وثاقها، وادعى أنه أراد بقوله: أنت طالق من الوثاق- فالظاهر القبول.
ولو قال: أنت طالق، ونوى: إن شاء الله، فالمشهور في كتب كبراء المذهب: أنه لا يدين، ويدين في قوله: أردت عن وثاق، أو: إن دخلت الدار، وإن شاء زيد؛ وهذا ما
أورده صاحب التهذيب، وذكر القاضي الروياني أنه ظاهر المذهب.
وفرقوا بين قوله: إن شاء الله، وبين سائر الصور بأن التعليق [بمشيئة الله تعالى يرفع حكم الطلاق جملة؛ فلابد فيه من اللفظ، والتعليق] بالدخول لا يرفع جملته ولكن يخصصه بحال دون حال، وقوله: من وثاق تأويل، وصرف اللفظ من معنى إلى معنى؛ فكفت فيه النية وإن كانت ضعيفة، وشبه ذلك بأن الفسخ لما كان رافعاً للحكم، لم يجز إلا باللفظ، والتخصيص يجوز بالقرائن كما يجوز باللفظ.
وفي "الوسيط": أن الأقيس: أنه [لا يدين في] قوله: نويت إن دخلت الدار؛ لأنه ليس يحتمله اللفظ، ولا ذكر ما يدل عليه، وليس كما لو قال: أنت طالق، ونوى طلاقاً من وثاق؛ فإن اللفظ كالمجمل من حيث اللغة لولا تخصيص الشرع.
وقسم القاضي الحسين ما يبديه الشخص، ويدعيه من النية، مع ما أطلقه من اللفظ إلى أربع مراتب، ويمكن أن يضاف إليها مرتبة [أخرى] خامسة:
إحداها: أن يكون ما يبديه رافعاً لما صرح به، كما إذا قال: أنت طالق، ثم قال: أردت طلاقاً لا يقع عليك، أو قال: لم أرد إيقاع الطلاق، أو نوى استثناء مستغرقاً- فلا مبالاة بما يقوله لا ظاهراً ولا باطناً؛ وكذا قوله: إن شاء الله على الأصح.
والثانية: أن يكون ما يبديه مقيداً لما تلفظ به مطلقاً؛ كما إذا قال: أنت طالق، ثم قال: أردت عند دخول الدار، ومجيء الشهر- لا يقبل في مثل ذلك قوله ظاهراً، وفي التديين خلاف.
والثالثة: أن يرجع ما يدعيه إلى تخصيص عموم، كقوله: نسائي طوالق، ويريد: إلا فلانة؛ فهذا يدين فيه، وفي القبول ظاهراً خلاف.
والرابعة: أن يكون اللفظ محتملاً للطلاق من غير شيوع وظهور فيه، وفي هذه الدرجة تقع الكنايات، ويعمل فيها بموجب النية.
والمرتبة الخامسة: أن يكون ما يبديه ينقل اللفظ من حال إلى حال، كما إذا نوى الطلاق من الوثاق؛ فإن وجدت قرينة حل الوثاق، قبل في الظاهر على الأظهر، وإن لم تكن قرينة لا يقبل في الحكم ويدين.
قال في التهذيب: وضابط ما يدين [فيه]: أن كل ما لو وصله باللفظ مطلقاً يقبل في الحكم، فإذا نواه بقلبه لا يقبل في الحكم فيما له، ويدين في الباطن إلا في الاستثناء؛ وهذا ما تقدمت الإشارة إليه من قبل.
فروع:
الاستثناء كما يمنع انعقاد اليمين، يمنع صحة التعليق إذا قال: أنت طالق ثلاثاً وثلاثاً إن شاء الله أو: واحدة [وثلاثاً- أو ثلاثاً وواحدة- إن شاء الله].
قال ابن الصباغ: الذي يقتضيه المذهب أنه لا يقع شيء، وتابعه المتولي.
قال الرافعي: وقد ذكرنا الانصراف إلى الأخيرة وحدها، وكأنه يشير إلى ما تقدم في الاستثناء.
قال: ويوافق هذا ما ذكره في التهذيب: أنه لو قال: حفصة طالق، وعمرة إن شاء الله، فيرجع الاستثناء إلى عمرة وحدها، أو إليهما جميعاً؟ فيه وجهان، والأصح [منهما] الأول.
ولو قال: أنت طالق واحدة واثنتين إن شاء الله، ففي النهاية تخريجه على الوجهين: إن جمعنا المفترق لم يقع شيء، وإن لم نفرق وقعت واحدة.
ولو قال: أنت طالق واحدة ثلاثاً إن شاء الله، فعن القفال: أنه لا يقع شيء.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاً ثلاثاً إن شاء الله، فكذلك الجواب، وفي معناه ما لو قال: أنت طالق أنت طالق [أنت طالق] إن شاء الله وقصد التأكيد.
ولو قال: يا طالق إن شاء الله، وقع على الأظهر.
وميل الإمام إلى عدم الوقوع.
وقد ذكر الرافعي في كتاب الأيمان فروعاً عن القاضي أبي الطيب، أحببت نقلها [هنا]؛ فإنه أمر بها:
فمنها: لو قال: إن شاء الله فأنت طالق وعبدي حر لا يقع الطلاق، ولا تحصل الحرية؛ وكذا لو قال: إن شاء الله أنت طالق عبدي حر من غير واو؛ لأن حروف العطف قد تحذف مع إرادة العطف، كقولنا: التحيات المباركات.
قال الرافعي: وليكن هذا فيما إذا نوى صرف الاستثناء إليهما جميعاً، فإن أطلق فيشبه [أن يجيء] خلاف في اختصاصه بالجملة الأولى، أو ينصرف غليهما جميعاً.
ولو قال: أنت طالق وعبدي حر إن شاء الله تعالى، [فيجيء خلاف في أنه يختص بالجملة الثانية، أو ينصرف غليهما.
ولو قال: عبدي حر إن شاء الله]، وامرأتي طالق، ونوى صرف الاستثناء إليهما جميعاً، قال ابن كج: [يصح، والله أعلم].
باب الشرط في الطلاق
من صح منه الطلاق- أي: بطريق الاستقلال- صح منه أن يعلق الطلاق- أي: الذي يملكه- على شرط، ومن لم يصح منه الطلاق، لم يصح أن يعلق الطلاق على شرط، وإذا علق الطلاق على شرط، وقع عند وجود الشرط- أي: واستمرار الزوجية- ولا يقع قبل وجوده وإن كان الشرط متحقق الوجود، واستأنس الأصحاب في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ"، وقاسوه على العتق؛ فإن الشرع ورد بالتدبير، وهو تعليق العتق بالموت، والطلاق والعتاق متقاربان في كثير من الأحكام.
قالوا: والمعنى فيه أن المرأة قد تخالف زوجها في بعض مقاصده؛ فتفعل ما يكرهه، وتمتنع عما يرغب، ويكره الرجل طلاقها من حيث إنه أبغض المباحات، ومن حيث إنه يرجو موافقتها؛ فيحصل غرضه؛ فيحتاج إلى تعليق [الطلاق بفعل ما يكرهه، وترك ما يريده، فإما أن تمتنع، وتفعل فيحصل] غرضه أو تخالف؛ فتكون هي المختارة للطلاق، هكذا قاله الرافعي، وفيما قاله مباحثات:
أحدها: أن ما ذكره من المعنى يقتضي جواز التعليق عند وجوده، أما عند عدمه فلا، ولا قائل بالفرق.
الثاني: أن كونه يكره طلاقها من حيث إنه أبغض المباحات فيه نظر؛ لأن الطلاق في مثل هذه الصورة ليس بمكروه على ما بيناه من قبل، بل قد يكون ما تفعله وتتركه من حقوق الله تعالى؛ فيكون طلاقها في هذه الصورة مستحباً، اللهم إلا أن يريد بذلك الجنس.
الثالث: أن قوله: إذا خالفت تكون هي المختارة للطلاق مبني على ما ذكره أولاً من كونه [مكروهاً]، وقد تقدم الكلام عليه.
وعلى تقدير أن يكون مكروهاً، فهو الذي سلطها عليه، فإذا فعلته قد ينسب إليه
الكراهة، ومما يؤيده أنه لو قال لزوجته: إذا قدم زيد فأنت طالق، فقدم في حالة الحيض، فإن الطلاق يكون بدعيّاً؛ لتعليقه.
وكذلك التعليق عند القفال.
وأما القياس على العتق، ففيه نظر من حيث إن العتق محبوب والطلاق مبغوض [من] الرب؛ وقد دل على ذلك ما أورده إسحاق في [مسند، معاذ] بن جبل أنه- عليه السلام- قال: "يَا مُعَاذُ، مَا خَلَقَ اللهُ- عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَتَاقِ، وَمَا خَلَقَ اللهُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ [أَبْغَضَ إِلَيْهِ] مِنَ الطَّلاقِ"، وإذا كان كذلك، فتعليق العتق تُوسع [فيه] لكونه محبوب الرب، والطلاق ضده، ولا يحسن أن يقاس الشيء على ضده، ومثل هذا السؤال يرد على كل من يبغض الطلاق؛ إن كان مأخذه القياس على العتق.
ثم لتعلم أن التقييد بالاستقلال يحترز به عن الوكيل [إذا فوض إليه الزوج أن يطلق زوجته، وأن يعلق طلاقها على شرط، فإن الوكيل] يصح منه الطلاق، وهل يجوز أن يعلقه؟ فيه ثلاثة أوجه، تقدم ذكرها في كتاب الطلاق.
و [احترز] بالذي يملكه، عن العبد [إذا علق] الطلاق الثلاث على [صفة، ثم وجدت الصفة بعد عتقه؛ فإن الثلاثة تقع على] أحد الوجهين.
وقد يورد الوجه المقابل [له]، وهو عند بعضهم أصح على كلام الشيخ من حيث إنه لا يصح من العبد أن يوقعها في الحال، ويصح تعليقها.
وألحق المحاملي بهذه الصورة ما إذا كانت المرأة حائضاً؛ فإنه يقدر أن يعلق طلاقها على وجود السنة، ولا يقدر على إيقاعه في الحال سنياً.
و [احترز] باستمرار الزوجية، عما إذا وجد الشرط في حال البينونة؛ فإن الطلاق غير واقع.
وعما إذا أبانها، ثم جدد نكاحها، ثم [وجد الشرط] في النكاح الثاني؛
فإن فيه خلافاً سيأتي.
و [احترز] بالوقوع عند وجود الشرط [وإن كان متحقق الوجود؛ للتنبيه على مذهب الإمام مالك، فإن عنده أن الطلاق] المعلق [على] متحقق الوجود يقع في الحال.
وفي النهاية: أن ما يتحقق وجوده إذا ربط وقوع الطلاق به- تأقيتٌ وليس بشرط؛ فإن الشرط هو الذي [لا] يقطع بوقوعه، كذا حكاه عند الكلام في الطلاق السني والبدعي؛ فإن كان الشيخ يوافقه على هذا الاصطلاح؛ فلا يكون في قوله: عند وجود الشرط ما يفهم الاحتراز عن [مذهب] الإمام مالك، والظاهر خلافه.
تنبيه: قال في "التتمة": الشرط في تعليق الطلاق أن تكون الصفة مقرونة بكلمة الطلاق نطقاً لا يتخللهما شيء، فإن تخلل بينهما شيء، لم يتعلق به، ويحكم بوقوعه في الحال؛ ولذلك يشترط أن يكون قد عزم أن يصل كلمة الشرط بكلمة الطلاق قبل أن يتلفظ بهما، فإن لم يوجد ذلك لا يحكم بوقوع الطلاق في الظاهر، ويقع في الباطن.
وإن أحدث النية في أثناء الكلمة، فعلى وجهين.
انتهى.
وقد حكينا في الباب الذي قبل هذا الباب عن مجلي ما يخالف ذلك؛ فليتأمل.
قاعدة: قال المحاملي: لا يوجد طلاق معلق بصفة دون وجود الصفة إلا في خمس صور:
أن يقول [لها]: إذا رأيت الهلال، فأنت طالق، طلقت برؤية غيرها.
وأن يقول لها: أنت طالق أمس، أو الشهر الماضي؛ [فإنها تطلق] في الحال؛ على الأصح.
وأن يقول لها: أنت طالق لرضا فلان، [فإنها تطلق] في الحال.
وأن يقول لمن لا سنة لها ولا بدعة: أنت طالق للسنة أو للبدعة.
وأن يقول: أنت طالق طلقة حسنة قبيحة فإنه يقع في الحال.
وفيما قاله نظر لا يخفى على متأمل.
قال: وإن قال لامرأته ولها سنة وبدعة في الطلاق: أنت طالق للسنة، طلقت في حال السنة، فإن كانت في الحال متصفة بذلك طلقت، وإلا فحتى تتصف بها، وحينئذ يقع.
وإن قال: أنت طالق للبدعة، أو: طلاق الحرج، طلقت في حال البدعة، فإن كانت في الحال متصفة بذلك طلقت، وإن لم تكن متصفة بذلك فلا تطلق في الحال، ولكن تطلق برؤية الدم، فإن انقطع قبل أن تبلغ أقل الحيض بان أنه لم يقع؛ قاله في "التتمة".
قال الرافعي: ويشبه أن يجيء فيه الخلاف المذكور فيما إذا قال: إن حضت فأنت طالق.
وتطلق- أيضاً- بالجماع قبل الحيض، ويجب عليه النزع، وسيأتي مثل ذلك والتفريع عليه في كتاب الإيلاء، إن شاء الله تعالى.
وإنما انتظرنا حال السنة، وحال البدعة إذا لم تكن متصفة بهما عند صدور اللفظ؛ لأن اللام فيما ينتظر للتأقيت، دليله قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، وحالة السنة والبدعة حالتان منتظرتان يتعاقبان على المرأة تعاقب الأيام والليالي، وتتكرران [بتكرار] الأسابيع والشهور؛ فأشبه ما إذا قال: أنت طالق لرمضان، ومعناه ومفهومه: إذا جاء رمضان فأنت طالق.
وطلاق الحرج: ما خالف السنة، وأثم به، وذلك هو طلاق البدعة، والحرج: بفتح الحاء والراء.
فرع: لو قال: أنت طالق ثلاثاً للسنة، وأراد توزيع الثلاث على ثلاثة أقراء، ففي التهذيب: أنه لا يقبل في الحكم، ويدين.
وقد تقدمت حكاية وجهين عن الشيخ أبي علي في أنه هل يقبل في الحكم؟
قال الإمام: وقول القبول بعيد، [و] يخالف المذهب.
وقال في هذا الموضع: الظاهر إلحاق هذا بما لو أضمر تأقيتاً، أو تعليقاً.
قلت: والأقيس عنده أنه لا يدين فيهما؛ فيكون ها هنا كذلك؛ فتلخص من مجموع ذلك ثلاثة أوجه:
الثالث: يدين، ولا يقبل في الظاهر، وهو الأصح.
وفي "التتمة": أنه إذا قال ذلك من يعتقد تحريم جميع الطلقات في قرء واحد، قبل قوله في الظاهر؛ لأن تفسيره يستمر على اعتقاده.
قال: وإن قال: أنت طالق أحسن الطلاق، وأعدله، وأتمه، طلقت للسنة، وكذا إذا وصفه بصفات المدح؛ لأنه المتصف بهذه الصفات إلا أن ينوي ما فيه تغليظ عليه؛ بأن تكون في حال البدعة، وأراد به الوقوع في الحال، ووصفه بالحسن، لسوء خلقها وعشرتها، أما لو كانت في حال السنة، وأراد إيقاعه في حال البدعة؛ لما ذكر من التفسير، فلا يقبل في الحكم على الأصح، ويدين.
قال: وإن قال: أنت طالق أسمج الطلاق وأقبحه، طلقت للبدعة، وكذا كل صفة من صفات الذم؛ لأنه المتصف بهذه الصفات.
وأسمج: بالجيم، وهو القبيح.
[قال الجوهري:] سمج- بضم الميم- سماجة فهو سمج؛ كضخم فهو ضخم.
قال: إلا أن ينوي ما فيه تغليظ عليه، [أي:] بأن يكون في حال السنة، وأراد به [الوقوع] في الحال، ووصفه بالقبح؛ لأن طلاق مثلها مستقبح؛ لحسن خلقها وعشرتها.
ولو قال: أنت طالق لا للسنة، فهو كقوله: للبدعة.
ولو قال: لا للبدعة فهو كقوله: للسنة والبدعة، ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق للسنة، أو: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق للسنة، فإن وجد الشرط وهي في حالة السنة طلقت، وإلا فحتى تنتهي إليها وحينئذ تطلق.
فرع: لو قال لها في زمان البدعة: أنت طالق طلاقاً سنيّاً، أو في زمان السنة: (أنت
طالق طلاقاً بدعيّاً، ونوى الوقوع في الحال- قال الرافعي: [عن التتمة] لا يقع الطلاق؛ لأن النية [إنما تعمل] فيما يحتمله اللفظ لا فيما يخالفه صريحاً، وإذا تنافيا تلغى النية، ويعمل باللفظ؛ لأنه أقوى.
قلت: ويظهر من مقتضى هذا أنه لا يقع الطلاق في الحال فيما إذا قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار، وأراد في الحال، والنقل فيها أنه يقع.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن الشيخ في المهذب والرافعي صورا المسألة الثانية بما إذا قال: أردت الإيقاع في الحال، وسبق لساني إلى ذكر الدخول، وإذا كان كذلك فما قاله محتمل، وفيه تغليظ عليه، فيقبل، وهو وزان ما قرر في المسألة.
فرع آخر: لو قال: أنت طالق كالثلج، أو كالنار، فهذه الصفة لغو؛ فيقع الطلاق في الحال، [قاله في التتمة].
قال: وإن قال: أنت طالق ثلاثاً بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة، طلقت طلقتين في الحال، فإذا حصلت في الحالة الأخرى، وقعت الثالثة؛ لأن الشيء إذا أضيف إلى جهتين بلفظ البعض، لزمت التسوية.
قال الرافعي: ألا ترى أنه لو قال: هذه الدار بعضها لزيد، وبعضها [لعمرو، يحمل إقراره على التشطير] إذا لم تكن نية.
قلت: وها هنا أولى؛ لأن قوله: هذه الدار بعضها لزيد وبعضها لعمرو يحتمل أن يكون قد بقي منها شيء لخالد مع صدق ما أقر به، فإذا حمل على التشطير مع ما أبديناه من الاحتمال، [فلأن يحمل على التشطير هنا واللفظ ينفي هذا الاحتمال] كان أولى، وإذا حمل على التشطير كمل المبعض؛ فيقع طلقتان.
وقال المزني: تقع طلقة في الحال، وتتأخر طلقتان إلى الاستقبال؛ لأن لفظ البعض يقع على القليل والكثير، فالمستيقن وقوع الواحدة.
وجعل الحناطي والإمام وغيرهما هذا وجهاً في المذهب.
قال الرافعي: ومن صار إليه لا يكاد يسلم مسألة الإقرار، ويقول بأنه مجمل يرجع
فيه إليه، وكذلك أبداه الإمام.
ونقل الحناطي وجهاً ثالثاً: أنه يقع الثلاث في الحال؛ حملاً على إيقاع بعض من كل طلقة.
قال: فإن ادعى: [أنه] أراد طلقة في الحال، وطلقتين في الثاني، فالمذهب أنه يقبل؛ لأن البعض يقع على القليل والكثير حقيقة.
قال ابن يونس: ولهذا لو قال: هذه الدار بعضها لزيد، وبعضها لعمرو، ثم فسر البعض بأقل من النصف قبل.
قال: وقيل: لا يقبل في الحكم- أي: ويدين- وينسب هذا إلى ابن أبي هريرة؛ لأنه يؤخر طلقة يقتضي الإطلاق تعجيلها؛ فلا يقبل؛ كما لو قال: أنت طالق، ثم قال: أردت إن دخلت الدار.
قال الرافعي: وربما علل بأن تسمية الثنتين بعضاً من الثلاث بعيدٌ؛ لأن معظم الشيء لا يكاد يعبر عنه بالبعض، لكنه موجود فيما إذا قال: أردت طلقتين في الحال، وواحدة في الاستقبال، ومع هذا يقبل قولاً واحداً، إلا أن هناك هو مقر على نفسه بالأغلظ؛ فله يتهم.
وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا ندم على ما فعل، وأراد أن يخالعها حتى تصير إلى الأخرى، وهي بائن؛ فتنحل اليمين ثم يعود، ويتزوجها، وقلنا: إن الخلع طلاق، فإن قلنا: الواقع في الحال طلقة أمكنه ذلك، وإلا فلا.
فروع:
لو قال: أنت طالق ثلاثاً، بعضهن للسنة، واقتصر [على ذلك] وكانت في حال السنة، قال في الشامل: يجيء على الوجه الأصح، وهو القبول فيما إذا قال: أردت طلقة في الحال، وثنتين في الاستقبال [للسنة]- أنه لا يقع في الحال إلا طلقة؛ لأن البعض ليس عبارة عن النصف، وإنما حملناه في المسألة الأولى على الشطر؛ لأنه أضاف البعض إلى الحالتين جميعاً؛ فسوينا بينهما، وها هنا لم يضف إلى الحالتين.
ولو قال: أنت طالق خمساً: بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة، ولم ينو شيئاً؛ فيتخرج على الخلاف [السابق] في أن الزيادة على المملوك من الطلاق تنصرف إلى المملوك، أو لا يتبع اللفظ؟ إن قلنا بالأول يقع في الحال طلقتان، وفي الثاني طلقة؛ تفريعاً على المذهب.
وإن قلنا بالثاني- وهو الأصح- يقع الثلاث؛ أخذاً بالتشطير والتكميل.
ولو قال: [طلقة للسنة والبدعة، أو طلقة] حسنة قبيحة، وقعت في الحال.
ولو قال: أنت طالق طلقتين: طلقة للسنة، وطلقة للبدعة، يقع في الحال طلقة، وأخرى في [الحالة] الثانية.
ولو قال: طلقتين للسنة والبدعة، فوجهان:
أصحهما [على] ما حكاه في التهذيب: أنه يقع الطلقتان في الحال؛ لأن قوله: للسنة والبدعة وصف للطلقتين في الظاهر، والصفتان متناقضتان؛ فتساقطتا، وبقيت الطلقتان، وهذا كما لو قال: ثلاثاً للسنة والبدعة؛ فإنه يقع الثلاث [في الحال] ولو قال: أنت طالق لا للسنة ولا للبدعة، وقع الطلاق في الحال.
قال: [وإن قال لامرأة لا سنة لها ولا بدعة: أنت طالق للسنة، أو: أنت طالق للبدعة، طلقت]، طلقت في الحال؛ لأن اللام وضعها للتعليل، وإنما تستعمل [في] الوقت إذا قرنت بذكر الوقت، أو قرنت بما يمر ويجري جريان الوقت، ولم يوجد واحد منهما، فحملت على التعليل، وسيأتي نظير ذلك، إن شاء الله تعالى.
ووجه بعض الأصحاب المسألة الأولى بأن السني هو الذي لا تحريم فيه، وأنه كذلك؛ وهذا مبني على تفسير السني بالجائز، والأول مبني على غيره من التفاسير.
وعلى الأول لو قال: أردت التأقيت، قال الرافعي: هو كما لو قال: لرضا فلان، والحكم فيه: أنه يدين، ولا يقبل منه في الظاهر؛ على [الأصح].
وفي النهاية: أنه يدين، ولا يقبل منه في الظاهر، وإن حكى في مسألة رضا فلان الوجهين.
وعن حكاية الشيخ أبي علي في المسألة الثانية: أنه يحمل الأمر على التأقيت، وينتظر مجيء حالة التحريم بأن تحيض الصغيرة، ويدخل بغير الممسوسة.
وفي شرح مختصر الجويني، والرقم للعبادي: أن ابن القطان حكى عن ابن الوكيل أن الطلاق لا يقع؛ لتعلقه بصفة لا توجد؛ فأشبه ما لو قال: أنت طالق إن صعدت السماء.
قال الرافعي: وهذا يطرد في قوله: للسنة.
فرعان:
أحدهما: لو صرح بالوقت، فقال: أنت طالق لوقت السنة، أو: لوقت البدعة، قال في البسيط: إن لم ينو شيئاً، فالظاهر وقوع الطلاق في الحال، وإن قال: أردت التأقيت المنتظر، فيحتمل أن يقبل؛ لأن تصريحه بالوقت يكاد يلحقه بالمواقيت؛ فيتأمله الناظر فلا يقبل فيه.
قال مجلي: ويحتمل أن يقال: إن كانت ممن لا يتأتى في حقها ذلك كالآيسة، فتصريحه بالوقت كعدمه؛ [إذ لا] يتأتى [في] حقها ذلك؛ فيقع في الحال، وتكون اللام للتعليل.
وإن كانت ممن ينتظر ذلك في حقها: كالصغيرة، والحامل، وغير المدخول بها إن كانت ممن تحيض [أو] ينتظر حيضها، فإن قصد التعليل وقع في الحال، وإن قصد التأقيت حمل عليه.
ومن أصحابنا من قال: لا يقبل منه حكماً، ويدين فيه؛ حكاه ابن الصباغ.
وإن لم يكن له قصد، فيحتمل إجراء قولين؛ كمن كرر لفظ الطلاق من غير قصد.
ووجه التردد أن اللفظ يقتضي التأقيت، وحكم المخاطبة بذلك يدفعه، ويقتضي التعليل؛ فلذلك وقع التردد.
الثاني: إذا قال لها: أنت طالق للسنة، إن كنت في هذا الحين ممن يقع عليك طلاق السنة، أو: للبدعة إن كنت ممن يقع عليك طلاق البدعة، فقد قال الشافعي في
الأم: وقع عليها الطلاق في الحال؛ لأنه وصفها بصفة محال فلغت.
قال القاضي: وفيه نظر.
وقال الشيخ أبو حامد: فيما علق عنه: [إنه] لا يقع [الطلاق]؛ لأن الشرط ليس بموجود كقوله: إن كنت علوية فأنت طالق، ولم تكن علوية [وتخالف الصفة؛ لأن الصفة تلغو إذا لم تتصف بها].
قال الشيخ أبو نصر: ولما قاله الشافعي عندي وجه، وهو أن قوله: أنت طالق إن كان يقع طلاق السنة يقتضي طلاقاً مضافاً إلى السنة، وهو يقع عليها، وقوله: وصفها بصفة محال، يريد: أنه إذا قال [لها]: أنت طالق للسنة، فإنه يقع وتلغو الصفة.
قال: وإن قال: أنت طالق في كل قرء طلقة- أي: وهي مدخول بها من أهل الأقراء- طلقت في كل طهر طلقة- أي: ولا تطلق في الحيض وإن كان يسمى قرءاً لغة- لأن الأقراء الوارد بها الشرع عندنا هي الأطهار؛ على ما سيأتي بيانه في العدد [إن شاء الله تعالى، وإذا كان كذلك، وجب حمل اليمين عليها؛ وهذا] بخلاف ما لو قال [لها]: إن رأيت عيناً فأنت طالق، فإنها تطلق على رأي بأي عين رأتها؛ لأن الشرع لم يستعمل العين في شيء بعينه وترك ما عداه؛ حتى ينزل اليمين عليه؛ وهذا ما رجحه الإمام في مسألة العين في كتاب التدبير بعد حكاية التردد في الوقوع.
ومقابل الوقوع: أنها لا تطلق مالم تر جميع ما يطلق عليه مسمى العين، ومن جملة ذلك أحد الأخوين من أب وأم؛ كما حكاه الإمام ثَمَّ.
أما إذا كانت غير مدخول بها؛ فإنه يقع عليها في الحال طلقة، وتبين بها سواء كانت طاهراً أو حائضاً؛ هكذا قاله الشيخ أبو حامد.
وقال القاضي أبو الطيب: إن كنت حائضاً، لم تطلق حتى تطهر؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين والإمام ومن تابعه، وفي "التتمة" والرافعي: أنه المشهور.
وإذا وقع الطلاق، ولم يتزوجها حتى مضى قرءان آخران، ثم تزوجها، لم يلحقها طلاق على الأصح؛ خلافاً للإصطخري.