كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 225-264
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

صفحات 225-264
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

["الصيام"] و"الصوم" في اللغة: الإمساك عن كل شيء، يقال: صام فلان، أي: أمسك عن الكلام، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ [مريم: 26] أي: صمتاً وسكوتاً؛ [ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ [مريم: 26]؟! وتقول العرب لوقت الهاجرة: قد صام النهار؛ لإمساك الشمس فيه عن السير، وتقول: خيلٌ صِيامٌ؛ بمعنى: واقفة قد أمسكت عن السير، قال النابغة: خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ تحتَ العَجاجِ وأخرى تَعْلُكُ اللُّجُما وفي الشرع: إمساك جميع النهار القابل للصوم، عن إدخال عين من الظاهر إلى الباطن في منفذ مفتوح، وعن الجماع واستنزال الماء والاستقاء، مع النية، من عاقل مسلم ظاهر عن الحيض والنفاس.
وسيأتي على ذلك كلام الشيخ.
قال: يجب صوم رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم.

الأصل في ذلك قبل الإجماع عليه، من الكتاب قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: 183]، والمراد: فرض عليكم، كما في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: 21] أي: فرض الله، والمراد بالأيام المعدودات: أيام شهر رمضان، وذكرها بجمع القلة، ليهونها على النفوس، ولأنها قليلة بالنسبة إلى أيام السنة، ويدل على ذلك قول ابن عباس: [إن] أول ما فرض صوم شهر رمضان فذكره بلفظ الأيام مجملاً، ثم بينه بقوله: شهر رمضان.
فإن قيل: الآية تأبى ذلك؛ لأنه قال: لم يكن واجباً على من قبلنا.
قلنا: قد حكى القاضي الحسين أن ما من أمة من الأمم السالفة إلاَّ وقد فرض عليهم شهر رمضان، إلا أنهم قد ضلوا عنه، ولئن سلمنا أنه لم يكن واجباً على من قبلنا فالتشبيه في أصل الصوم تشبيه لنا في الابتلاء به إلا أنه كهو من كل وجه.
ويجوز أن يكون التشبيه عائداً إلى صفة الصوم؛ [لأن في بعض الشرائع السالفة إذا قام المكلف بالصوم] حرم عليه الإفطار إلى الليلة المستقبلة، وقد نقل أنه كان في صدر الإسلام الأكل والشرب والنكاح مباحاً للصائم ما بين صلاة المغرب و [صلاة] العشاء حسب، فإذا صلى العشاء أو نام قبل ذلك حرم عليه الأكل والشرب والجماع إلى الليلة المستقبلة، ثم نسخ، وسبب نسخه: أن رجلاً اختان نفسه

وجامع أهله بعد أن نام، وروي نحو من ذلك عن عمر بن الخطاب، وروى البخاري وغيره أن صرمة بن قيس كان يعمل في أرض له وهو صائم، فجاء إلى أهله وقت الغروب والتمس عشاء، فذهبت امرأته تصنعه له فرجعت إليه، وقد غلبه النوم، فأنبهته وقالت: خَيْبَةً لك، فلم يذق في ليلته شيئاً.
ولما كان من الغد مضى إلى عمله فغشي عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية [البقرة: 187]. وقد قيل [إن:] المراد بالأيام: الأيام البيض؛ لأنه قال: أيَّاماً، و"الأيام" إنما تطلق على ما دون العشرة، وعلى هذا لا تكون الآية دالة على وجوب صوم رمضان، بل

تكون دالة على وجوب صوم الأيام البيض كما قال به بعضهم، وأن ذلك نسخ بقوله: شهر رمضان.
ويعضده قول عائشة: يعتبر فرض الصوم على ثلاثة أنحاء: فرض [يوم] عاشوراء، ثم نسخ بقوله: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] وهي أيام البيض، ثم نسخ بشهر رمضان.
كذا قاله القاضي الحسين، وحكى الإمام نحواً من ذلك عن معاذ.
وقد قيل: إن صوم رمضان ناسخ لوجوب يوم عاشوراء، حكاه الماوردي، ولم يورد البغوي غيره.
والذي اختاره الشافعي – كما قال القاضي الحسين -: الأول، وعبارة الماوردي: إن ذلك أشبه بمذهبه.
ومن السنة: ما روى مسلم في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأناس من عبد القيس:"آمركم بأربعٍ: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأقيموا الصَّلاة،

وآتوا الزَّكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم".
وروى مسلم عن [ابن] عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمسٍ: على أن توحِّدوا الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وصيام رمضان، والحجِّ"، فقال رجل: الحج، وصيام رمضان قال: "لا، صيام رمضان والحج"، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان فرض صوم شهر رمضان في شعبان سنة اثنتين من الهجرة، وهي السنة التي فرضت فيها زكاة الفطر، وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم [بذلك] قبل الفطر بيومين، وفيها خرج إلى المصلَّى، فصلَّى بالناس العيد، وهو أول عيد صلى فيه، [وفيها أقرَّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر؛ لأنها كانت ركعتين فجعلت أربعاً]، وفيها حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة كما تقدم.
وقد اقتضى كلام الشيخ أن الحائض والنفساء يجب عليهما صوم رمضان، وإن كان لا يصح منهما ويحرم عليهما فعله، وهو رأي بعض الأصوليين، ولم يحك البندنيجي غيره، واقتضى إيراد القاضي الحسين ترجيحه، وهو موافق لقول الشافعي

الذي سنذكره، لكن المشهور أنها لا تخاطب بالوجوب ما لم تطهر؛ فتخاطب بالقضاء، وكذلك قال في "التهذيب": صوم رمضان فريضة على كل مسلم عاقل بالغ، إذا كان مقيماً قادراً، فالكافر لا يصح صومه، فإذا أسلم لا قضاء عليه، بخلاف المرتد، ولا يجب على الحائض والنفساء، فإذا طهرتا يجب عليهما القضاء.
ولمن تصدى لتصحيح كلام الشيخ إذا أراد حمله على [ذلك] كما حمل عليه النص، أن يقول: الشيخ تجوَّز في هذا اللفظ، وأحلَّ السبب محل المسبَّب؛ فإن رمضان بلا خلاف هو السبب في وجوب الصوم في غيرهن وذلك جائز.
تنبيه: قول الشيخ: يجب صوم رمضان، من غير إضافة الصوم إلى الشهر – اتبع فيه ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه"، ولا معارضة بين ذلك وبين قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا رمضان، و [لكن] قولوا: شهر رمضان" كما رواه أبو هريرة.
وقد جاء أنه اسم من

أسماء الله؛ لأنا نحمل النهي على ما إذا لم تكن قرينة تدل على أن المراد الشهر، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من صام رمضان" قرينة دالة على أن المراد الشهر؛ فنزل ذلك منزلة النطق به، كذا قال القاضي الحسين والماوردي والبندنيجي، وقالوا: يكره ذلك مع [عدم] القرينة [ولا يكره مع القرينة].
ولماذا سمي بـ"رمضان؟ " اختلف فيه: قال القاضي الحسين: روي عن أنس أنه قال: سمي رمضان؛ لأنه وافق ابتداء الصوم زماناً حاراً، وكنا يرمض فيه العشب –يعني يحترق – لالتهاب الرمضاء في ذلك [الوقت؛ فسمي رمضان لشدة الحر، ثم ثبت اسمه فيما بعد ذلك].
وحكى البندنيجي ذلك عن ابن عمر.
وقيل: سمي رمضان؛ لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها، وهذا ما عزاه الماوردي والبندنيجي إلى أنس، وقال [القاضي] أبو الطيب: إنه قول النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: فأما الكافر: فإن كان أصليَّا لم يجب عليه؛ لأنه لا يصح منه فعله في

حال كفره، ولا يجب عليه قضاؤه بعد إسلامه؛ فكان بمنزلة الحائض في تركها الصلاة، وهذا ما أورده الماوردي [أيضاً]، وحكاه القاضي أبو الطيب وغيره وجهاً لأصحابنا، وقال: الأصح: أنه واجب عليه ومخاطب به؛ لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ الآية [المدثر: 42].
قلت: وهو ظاهر النص في "المختصر"؛ فإنه قال: وصوم شهر رمضان واجب على كل بالغً من رجل وامرأة وعبد.
والكلام فيه محال على كتاب الصلاة.
قال: وإن كان مرتداً وجب عليه: لأنه حق التزمه بالإسلام فلا يسقط بالردة كحقوق الآدميين.
قال: وأما الصبي فلا صوم عليه؛ للخبر المشهور، ولأنها عبادة على البدن من شرطها النية؛ فلم تجب على الصبي كالصلاة، وقولنا: من شرطها النية، أخرجنا به العدَّة، فإنها عبادة تجب على الصغيرة لكن النية ليست شرطاً فيها، بدليل ما لو طلقت المرأة ولم تعلم حتى انقضت عدتها حلَّت، على أنها ليست على البدن.
قال: غير أنه يؤمر به لسبع، أي: إذا كان يطيقه، ويضرب على تركه لعشر؛ قياساً على الصلاة، والحكمة في ذلك تمرنه على العبادة.
قال: وما زال عقله بجنون، أو مرض، لم يجب عليه الصوم؛ للخبر المشهور، ولما ذكرناه من القياس، ولا يتلحق به المغمي عليه في ذلك، بل هو ملحق بالنائم بلا خلاف، ولأنه مكلف.
قال البندنيجي: نعم، في "تعليق" القاضي الحسين عن القديم إلحاقه بالإغماء؛ فإنه قال: إن الشافعي قال في القديم: لو أصابه لمم أذهب عقله، أو أغمي عليه جميع الشهر –لزمه قضاء الشهر، ولا يلزمه قضاء الصلاة.
واللمم: هو الجنون، فجعل الجنون كالإغماء.
قال: وإليه ذهب ابن سريج والإصطخري.
واقتصر الماوردي وأبو الطيب على [نسبته] إلى ابن سريج لا غير، وخطَّأه [فيه، وقال] أبو الطيب: إنه ليس مذهب الشافعي، والفرق بينه وبين الإغماء: أن الإغماء مرض يحدث مثله للأنبياء، والجنون نقص يزول معه التكليف، ولا يجوز حدوث مثله على الأنبياء.

وعن المحاملي أن المزني نقل في "المنثور" عن الشافعي أنه قال: إذا أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما مضى كمذهب أبي حنيفة، وألا فلا، وهو ما ادعى الإمام أن العراقيين نسبوه إلى ابن سريج، ولعله لا يصح عنه.
قلت: وكذلك منع البندنيجي نسبة القول الأول إليه أيضاً، وقال: إنه حكى أن المزني حكى في "المنثور": أن الشافعي قال: يقضي ما مضى.
وقال أبو العباس: الذي حكاه المزني لا يعرف للشافعي.
فرع: لو شرب دواء حتى زال به عقله، وفاته بذلك رمضان، ثم أفاق بعد الشهر أو في أثنائه-هل يلزمه القضاء أم لا؟ قال: فإن بلغ الصبي، أي: مفطراً؛ لأن الكلام فيما إذا بلغ صائماً سيأتي، ولأنه قرنه بالمجنون يفيق، وسوَّى بينهما [في الحكم]، ولا صوم مع الجنون، أو أفاق المجنون في أثناء النهار - لم يلزمهما صوم ذلك اليوم على ظاهر المذهب؛ لأنهما لم يدركا من الوقت بعد وجود أهلية التكليف ما يمكن فيه الصوم؛ لفقد شرطه وهو النية من الليل؛ فأشبه ما لو طرأ الحيض والجنون على من دخل [عليه] وقت الصلاة ولم يمض قدر ما يؤدي فيه الفرض؛ فإنها لا تجب، وعلى هذا لا يجب قضاؤه، كما لو بلغ الصبي وأفاق المجنون بعد الغروب، وهذا ما حكاه ابن الصباغ عن نصه في "البويطي" فيهما وصححه.
وخلاف ظاهر المذهب: أنه يلزمهما كما تلزمهما الصلاة بإدراك جزء من آخر وقتها وإن كان لا يسعها، وكونه لا يصح صومهما فيما أدركاه من الوقت لا يقدح في الوجوب، دليله: وجوب الصوم على الحائض؛ فعلى هذا يلزمهما قضاء يوم كامل.
والقائلون بالأول فرّقوا بينه وبين إدراك آخر وقت الصلاة بأنه لم يمكنه أن يتم الصلاة خارج الوقت؛ فكان إدراك بعضها موجباً لكلها، ولا كذلك في الصوم؛ لأنه

لا يمكن إتمامه؛ فهو نظير ما ذكرناه من طروء الحيض في أول وقت الصلاة.
وقد افهم كلام بعضهم أن الواجب صوم ما أدرك من النهار فقط على هذا الوجه، وأداؤه لا يمكن، وقضاؤه لا يمكن إلا بصوم كامل؛ فوجب كما نقول فيمن وجب عليه وهو محرم كفارة هي نصف مدٍّ، وأراد الصوم، فظاهر كلام الشيخ الأول، وكلام غيره إلى الثاني أميل.
وقد أثبت القاضي الحسين الخلاف في المسألة وجهين، وقال: إنهما ينبنيان على أنه إذا قال: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم في خلال النهار – هل يقضي يوماً مكانه أم لا؟ [وفيه] قولان، كذلك هاهنا، وقال في موضع آخر: إن [على] الخلاف يخرج ما إذا نذر صوم نصف يوم، هل ينعقد نذره أم لا؟ إن قلنا: لا يلزمه القضاء [هنا]، لم ينعقد، وإلا انعقد.
ويجيء في المسألتين وجهان آخران؛ لأن الغزالي حكى تبعاً للفوراني والقاضي الحسين: في أنه هل يجب عليهما وعلى الكافر إذا أسلم في أثناء النهار إمساك بقية النهار؟ أربعة أوجه، فقال الإمام: إنها متفرقة في الطرق: أحدها – وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب والماوردي لا غير، وحكاه البندنيجي عن نصه في "البويطي"-: أنه لا يلزمهم؛ كما إذا قدم المسافر مفطراً في أثناء النهار، وقد عزاه القاضي أبو الطيب في "الكافي" إلى نصه في "حرملة"، وصححه في الجميع ابن الصباغ والإمام.
والثاني: يلزمهم؛ لأنهم صاروا مخاطبين في بعض النهار، فيجعل كأنهم خوطبوا به في ابتدائه، إلا أنهم لم ينووا فلم يصح صومهم؛ فلا أقل من أن يتشبهوا بالصَّائمين، وقد حكاه البندنيجي عن بعض الأصحاب، و [قد] نسبه ابن الصباغ في الصبي والكافر إلى [رواية أبي حامد في "التعليق"، موجهاً له بأنه لا يجب عليهما القضاء.
والثالث: أنه يلزم الكافر] [دونهما؛ لأنه غير معذور في كفره، وهما

معذوران].
[والرابع: أنه يلزم الكافر] والصبيَّ دون المجنون؛ لأن الصبي مأمور بالصوم وهو ابن سبع، ومضروب عليه وهو ابن عشر، والكافر يقدر على صحة الصوم بالإسلام، بخلاف المجنون.
وهذا الوجه يؤخذ من كلام البندنيجي- أيضاً – لأنه حكى الوجهين الأولين في المجنون تفريعاً على أن الجنون ينافي الصوم، ثم قال: أما إذا قلنا: إنه لا ينافيه، فهو ملحق بالمريض، والمريض إذا برأ في أثناء النهار الذي أفطر فيه يلزمه إمساك بقيته قولاً واحداً كما قال، وإن كان فيه شيء سأذكره.
ثم قال الغزالي: إن الأصحاب قالوا: إن قضاء هذا اليوم في حقهما يبني على الإمساك فمن ألزم الإمساك ألزم القضاء، ومن لا فلا.
وقال الصيدلاني: من أوجب الإمساك اكتفى [به]،ومن لا يوجبه أوجب القضاء.
وهذا ما أورده في "التتمة" حيث قال: الصبي إذا بلغ في أثناء النهار مفطراً هل يلزمه التشبه بالصائمين؟ فيه وجهان ينبنيان على أنه هل يجب عليه القضاء أم لا؟ فإن قلنا: لا يجب، وجب التشبُّه: لأنه أدرك زمان العبادة [وليس يلزمه ترك العبادة]، فإذا لم يأمره بالإمساك لا يظهر لإدراك وقت العبادة أثر.
وهذا موافق لما قدمت ذكره من تعليل الشيخ أبي حامد، وقد عكس في "التهذيب" ذلك فقال: إن قلنا: يجب القضاء، وجب التشبُّه، وإلاّ فلا.
فإذا عرفت ذلك وتأملته ظهر لك الوجهان؛ لأن من جعل وجوب القضاء مفرعاً على وجوب الإمساك يلزمه أن يقول: يجب القضاء على الصبي دون المجنون على وجه، كما وجب عليه الإمساك دون المجنون، وكذلك قال الفوراني: إن الأوجه الأربعة في وجوب الإمساك جارية في القضاء.
وقد أشار إليه صاحب "التهذيب" حيث حكى الوجهين في المجنون كما هما في الصبي، [ثم قال: ومنهم من قال: لا يجب عليه قولاً

واحداً، وذلك ستمد من قول القاضي الحسين: إن الوجهين في وجوب القضاء على المجنون مرتبان على الوجهين في الصبي]، وأولى بالمنع، والفرق: أن الصبي يمكنه أن ينوي من الليل فلم يكن معذوراً فيه، بخلاف المجنون، وعلى قول الصيدلاني يلزمه أن يجب القضاء على المجنون دون الصبي إذا قلنا: إن الإمساك لا يجب على المجنون ويجب على الصبين وهذا لم أره فيما وقفت عليه.
واعلم أن الشيخ قد سكت عن بيان حكم الكافر في قضاء اليوم الذي يسلم فهي من رمضان، وسكوته [عنه] يجوز أن يكون لاعتقاده إمكان أخذه من الحكم الذي ذكره في المجنون إذا أفاق في أثناء النهار؛ لأنهما متساويان عنده في عدم الوجوب في أوله وعدم القدرة على النية من الليل مع تلك الحالة؛ فيجيء فيه الخلاف الذي ذكره، وقد حكاه الماوردي وغيره من العراقيين وقال: إن مذهب الشافعي الذي نص عليه في "حرملة" و"البويطي": أنه لا يلزمه.
وحكى أبو الطيب ذلك عن "الأم" والقديم، وقضية ما حكيناه عن الصيدلانيِّ وغيره من بناء القضاء على الإمساك: أن يكون فيه مع الصبي والمجنون أربعة أوجه.
ثالثها – وهو ما اقتضاه كلام الصيدلاني-: أنه لا يجب عليه، ويجب على الصبي والمجنون، وهذا في نهاية البعد، وبه يظهر تضعيف قول الصيدلاني وإن كان [الإمام] قد قال: إنه [ليس] خالياً عن الفقه.
ورابعها: أنه يجب عليه دون الصبي والمجنون، وهو ما اقتضاه كلام غير الصيدلاني كما تقدم، وقد حكاه البغوي والمتولي حيث حكيا القولين فيه كالصبي، ثم قالا: ومنه من قال: إنه يجب عليه قولاً واحداً.
قال في "التهذيب": وهو الأصح؛ لأن الكافر مخاطب بالصوم في أول النهار، بخلاف الصبي.
وهذا أخذ من قول القاضي الحسين: إن الكافر مرتب على الصبي: إن قلنا: يلزم الصبي القضاء، فالكافر أولى، وألا فوجهان، والفرق ما ذكرناه.
وقد اعترض الرافعي على قول من جعل وجوب القضاء مرتباً على وجوب [الإمساك فيما ذكرناه، وعلى من جعل وجوب الإمساك مرتباً على وجوب]

القضاء، وهو صاحب "التهذيب" وغيره كما قال، وعلى الصيدلاني، فقال: إن الأول والثاني يشكل بالحائض والنُّفساء إذا طهرتا في خلال النهار؛ فإن القضاء واجب عليهما لامحالة، والإمساك غير واجب عليهما: إما بلا خلاف على ما رواه الإمام، وإما على الأظهر؛ لأن صاحب "المعتمد" حكى طرد الخلاف فيهما، وإذا كان كذلك لم يستقم القول بأن القضاء فرع الإمساك، ولا بأن الإمساك فرع القضاء، وقول الصيدلاني يشكل بصوم يوم الشك والمتعدِّي بالإفطار؛ فن القضاء لازم مع التشبيه، وماذكره لا يخفى جوابه على متأمل.
قال: وأما من لا يقدر على الصوم، أي: أصلاً أو لو صام لأجهده وأضرَّ به ضرراً غير محتمل؛ لكبر أو مرض لا يجري برؤه – فلا يجب عليه الصوم إلا أنّه تلزمه الفدية عن كل يوم مد من طعام في أصح القولين؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:184]، وجه الدلالة منها: [أنها] مقتضية تخيير القادر على الصوم بين الصوم والفدية كما كان مخيراً في صدر الإسلام، والمخير بين شيئين إذا عجز عن أحدهما تعين عليه الآخر: كالمكفِّر يعجز عن العتق والكسوة يتعين عليه الإطعام، وأيضاً فقد قيل: إن كلمة "لا" مضمرة فيها، والتقدير: وعلى الذين [لا] يطيقونه فدية، وعلى هذا وجه الدلالة ظاهر.
فإن قيل: هذا التقدير خلاف الأصل، والقراءة المشهورة منسوخة؛ فلا دليل لكم فيها.
قلنا: لانسلم أن النسخ يشمل العاجز؛ لأن الآية الناسخة قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وأجمعنا على أن الشيخ الهمَّ ومن في معناه لا يدخل في الآية الناسخة؛ فدل على أنه باق على [حكم] تلك الآية، وقد روي عن عمر وعلي وعبد الله بن عمر وابن عباس وأبي هريرة أنهم قالوا: الشيخ الهمُّ عليه الفدية إذا أفطر، ولي سلهم في الصحابة مخالف.

وهذا القول نصَّ عليه في "المختصر" وعامة كتبه كما قال القاضي أبو الطيب، وهو مصرح بأن رمضان لو كان ناقصاً لم يلزمه سوى تسع وعشرين يوماً كما هو مصرح به في "التهذيب" وغيره.
قال: ولا يلزمه ذلك في الآخر؛ لأنه أفطر لأجل نفسه بعذر فوجب ألا تلزمه الفدية، كالمسافر والمريض إذا ماتا قبل انقضاء السفر والمرض، وهذا ما حكاه في "الشامل" و"التَّتمة عن نصه في "شرح" حرملة و"مختصر" البويطي والفوراني والبغوي [عن القديم]، وقال الإمام: إنه منقاس، ومع ذلك فلا تعويل عليه في المذهب.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين: أحدهما: أن الصوم لا يجب على من لا يقدر عليه؛ لما ذكرناه، وإنما الواجب عليه على القول الصحيح: الفدية لا غير، وهو ما اقتضاه كلام القاضي الحسين والبغوي والذي سنذكره من بعد، وقول البندنيجي: أما الشيخ الهمُّ ففرضه الإطعام، فقد حكاه المتولي وهاً في المذهب، وقال تفريعاً عليه: إنه لو نذر الصوم لم يلزمه، وهو الذي صححه في "الروضة"؛ لأنه [غير] قادر عليه، ولا الفدية؛ لأنه لم يلزم إلا الصوم، بخلاف ما إذا قلنا بمقابله كما سنذكره؛ فإنه تلزمه الفدية.
وقال القاضي الحسين في "التعليق" وآخرون – كما قال الرافعي:- يحتمل أن تبنى صحة نذره على أن النذر يسلك به مسلك إيجاب الله تعالى أو إيجاب الآدمي؟

وفيه قولان، والصحيح: أن الصوم واجب على الشيخ الهمِّ ومن في معناه، وهو مخير بين أن يأتي به وبين أن يطعم على القول بوجوب الفدية؛ للآية، ووجه الدلالة منها من وجهين.
أحدهما: أن ابن عباس وعائشة كانا يقرآن – كما حكاه المتولي عن رواية البخاري في "صحيحه" عنهما: "وعلى الذين يُطَوَّقونه فدية ... " ومعناه: وعلى الذين يكلفون بالصوم ولا يطيقونه، قال الماوردي وأبو الطيب وغيرهما: لأن قراءة الصحابي تجري مجرى خبر الواحد في وجوب العمل به، لأنه لا يقول ذلك إلا سماعاً وتوقيفاً.
ونسب القاضي الحسين هذه القراءة إلى غير ابن عباس، وأنه كان يقول: إن الصوم لما فرض انحتم فعله على القادر عليه ولم يخير فيه، وإن الآية محكمة لم تنسخ.
والثاني: على القراءة المشهورة [أن] المخاطب برمضان كان مخيراً فيه بين فعله وبين الفدية، للآية، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن سلمة بن الأكوع.
قال القاضي أبو الطيب: فمقتضى ذلك إيجابه في حق كل أحد، إلا أنَّا أجمعنا على أنه لم ينحتم في حق الشيخ الهم ومن في معناه؛ فكأن حكمه باق على الأصل، واختصاص الشيخ بالقادر على الصوم، وقد روى أبو داود عن ابن عباس أنه قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة [الكبيرة] وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم

مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا.
قال أبو داود: [يعني]: على أولادهما.
قلت: ولمن أجرى كلام الشيخ على ظاهره أن يقول: قراءة ابن عباس مردودة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184]؛ فإن العاجز عن الصوم مأمور بتركه لا بفعله، ولا نسلم أن العاجز عن الصوم دخل فيما اقتضته الآية على القراءة المشهورة، بل إنما تناولت فقط لقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184]، والفطر في حق الشيخ [الهمّ] ومن في معناه خير من الصوم، وهذا اعتراض المزني، وجوابه: أنه لا يمتنع أن يعود قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ لبعض ما دخل في اللفظ الأول، وسنذكر لذلك نظائر في كتاب الله تعالى.
[وعلى هذا] لمن تصدى لتصحيح كلام الشيخ أن يقول: مراده: أنه لا يجب عليه الصوم حتماً كما يجب على غيره مقيماً كان أو مسافراً، طاهراً أو حائضاً، إلا أنه تلزمه الفدية إن لم يطعم عن كل يوم مدًّا من طعام في أصح القولين، ويؤيد ذلك أن البندنيجي قال: فرض الشيخ الهِمِّ: الإطعام، فلو حمل على نفسه وصام فلا إطعام، والله أعلم.
الأمر الثاني: أن المد يجب سواء كان قاراً عليه أو عاجزاً عنه، وقد قيد الماوردي وجوبه بما إذا كان قادراً عليه، ولفظ القاضي الحسين أصرح منه؛ فإنه قال: لو كان الهمُّ فقيراً لا مال له فلا فدية عليه في الحال ولا إذا أيسر، ويحتمل أن يقال: يجب؛ بناء على أن الاعتبار في الكفارات بحال الوجوب أم بحال الأداء؟ وفيه خلاف.
وقد [حكى في "التهذيب"] في وجوب الإخراج عليه عند القدرة قولين

كالقولين في الكفارة فيما إذا كان معسراً حالة إفطاره بالجماع، وقال: إن الشيخ الهمَّ لو كان عبداً واتصل رقه بالموت لا شيء عليه، [و] إن عتق قبل الموت وأيسر، فإن قلنا في الحرّ إذا أيسر: لا يلزمه، فالعبد أولى، وألا فوجهان، والفرق: أن العبد لم يكن وقت الفطر من أهل الفدية بخلاف الحر.
وما ذكره البغوي إذا تأملته كان أجود مما ذكره القاضي، وقد اقتضى كلام الماوردي في موضع آخر مخالفته لما قيد به الوجوب؛ فإنه قال: لو مات قبل الإمكان سقط المُدُّ.
وهذا يدل على وجوبه حالة العجز عنه، وعبارة البندنيجي: أنه إذا مات قبل الصيام والإطعام نظرت: فإن مات وهو قادر على الإطعام أطعم عنه، ون مات وهو لا يقدر على الإطعام فلا شيء عليه.
فروع: أحدها: لو أراد الهرم ومن في معناه تقديم المد على شهر رمضان – كما قال الرافعي في كتاب الزكاة – فهل يجوز تقديمه على أيام الشهر؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ كزكاة الفطر، والثاني: لا ككفارة الجماع.
قال القاضي الحسين: والأول أصح؛ لأنه معذور فيه، وقد قيل بطرده في كفارة الجماع، حكاه الرافعي في كتاب الزكاة عن الحناطي.
والذي أورده في "الروضة" [في مسألتنا]: الثاني، وفرع عليه أنه لو أخرجه بعد طلوع الفجر عن يوم من رمضان أجزأه عن ذلك اليوم، وإن أداه قبل الفجر ففيه احتمالان حكاهما في "البحر" عن والده، وقطع الدارمي بالجواز، وهو الصواب.
الفرع الثاني: إذا لم يَفْدِ حتى صار قادراً على الصوم، قال القاضي الحسين – وتبعه البغوي -: لا يلزمه الصوم، بخلاف المعضوب الموسر، فإنه إذا لزمه الحج،

وحج الغير عنه بإذنه، ثم قدر على مباشرته بنفسه – يلزمه الحج، والفرق: أن المعضوب كان مخاطباً بالحج ما بنفسه أو بأمر الغير، فلهذا قلنا: يلزمه، بخلاف الشيخ الهِّم؛ فنه من كان مخاطباً [بأصلٍ]، وإنما هو مخاطب ببدله فقط.
انتهى.
وهذا ما أشرت إليه من قبلن وهذا الفرق فيه نظر تنبه له صاحب "التهذيب": وهو أن الشيخ الهمَّ ومن في معناه إنما يكون فرضه الفدية لا الصوم، لاقتضاء حاله الإياس من فعله بنفسه قضاء [أو أداءً] يدل عليه أن من به مرض غير ميئوس [منه] ليس واجبه الفدية، بل الصوم، لاحتمال قدرته عليه قضاء؛ ولذلك لو مات قبل التمكن منه لا تجب الفدية باتفاق الأصحاب.
وقال الإمام: إنه لا يعرف فيه خلافاً.
وقاسه في "التهذيب" وغيره على ما [إذا أتلف ماله بعد الحول وقبل التمكن، وألحقوا به المسافر إذا] دام سفره إلى الموت.
وإذا كان كذلك فقد انكشف الحال على أن الشيخ الهمِّ ومن في معناه واجبه الصوم، فهو كالحج سواء، فيجب عليه أن يصوم بلا خلاف كما لو برأ المعضوب قبل أن يحخج عنه، وإن قدر على الصوم بعد إخراج المد فكذلك على الصحيح.
الثالث –وهو في الحقيقة ارجع إلى تحقيق صورة المسألة.
قال القاضي أبو الطيب عند الكلام في الحامل والمرضع: لو كان الشيخ الهم يعجز عن الصوم للكبر في زمان دون زمان فإنه يجب عليه الصوم، ولا يجوز له الفطر ويفتدي.
تنبيه: "برء" فيه ثلاث لغات: إحداها: برئ من المرض يَبْرَأ بُرْءاً، بضم الباء، والثانية: بَرَأَ يَبْرَأ بَرْءًا، بفتحها.
والثالثة.
بَرُؤَ بُرْءًا.
قال: ومن ترك الصوم جاحداً لوجوبه – أي وهو قديم عهد بالإسلام – كفر؛ لأنه كذَّب الله تعالى ورسوله في خبره.

قال: وقتل بكفره، لقوله – عليه السلام -: "لا يحلُّ دم امرئٍ مسلمٍ إلاَّ بإحدى ثلاثٍ: كفرٍ بعد إيمانٍ ... "، وهذا الحكم ثابت بترك صوم أول يوم.
نعم، الحكم في استدامته مذكور في باب الردة، وأما حديث العهد بالإسلام فيعرَّف أنه واجب عليه، فإن رجع عنه، وألا كان حكمه ما تقدم.
قال: ومن تركه غير جاحد حبس ومنع الطعام والشراب، أي: في النهار، لتحصيل صورة الصوم بذلك، ولأنه إذا فهم أنه يعامل بذلك ينوي من الليل.
قال: ولا يجب صوم رمضان إلا برؤية الهلال، فإن غم عليهم وجب [عليهم] استكمال شعبان [ثلاثين يوماً]، ثم يصومون؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، والمراد بالشهادة هاهنا: العلم، [والعلم] [به] تارة يكون بالرؤية وتارة باستكمال العدد؛ لأن الله تعالى لم يجر العادة بأن الشهر يكون أكثر من ثلاثين يوماً، قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّا أمة أميَّةٌ لا تكتب ولا تحسب، الشَّهر هكذا وهكذا.
وعقد الإبهام في الثَّالثة، والشَّهر هكذا وهكذا وهكذا.
يعني تمام الثلاثين" كذا رواه البخاري ومسلم عن رواية ابن عمر.
ولما روى مسلم عن أبي هريرة قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الهلال، فقال: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أغمي عليكم فعدُّوا ثلاثين"، ورواية أبي داود عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشَّهر تسعٌ وعشرون؛ فلا تصوموا حتَّى تروه، ولا تفطروا حتَّى تروه، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له"، وروى البخاري في "صحيحه" عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"صوموا لرؤتيه، وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين"، وروى أبو داود عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤيته رمضان، فإن غمَّ عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام".
قال الدارقطني: وهذا إسناد صحيح.
وقال غيره: إن رجال إسناده كلهم محتج [بهم] في "الصحيحين" على الاتفاق والانفراد.
وقد اقتضى كلام الشيخ أمرين: أحدهما – بمنطوقه -: أنه [إذا] اقتضى حساب المنجمين دخول رمضان قبل استكمال العدة، وقد غم الهلال: أنه لا يجب الصوم على من عرف ذلك ولا على غيره من طريق الأولى، بل لا يجوز لهم الإقدام عليه؛ أخذاً من قوله: "فإن غم عليهم وجب [عليهم] استكمال شعبان ثلاثين يوماً، ثم يصومون"، والطرق مختلفة في ذلك، والمشهور منها: أنه لا يجب على من لا يعرف الحساب العمل بقول من عرفه وإن وثق بقوله، بل لا يجوز له، وهل يجب على من عرفه؟ فيه وجهان، وعلى ذلك

جرى في "الوسيط" وغيره، وأصح الوجهين عند القاضي الروياني: عدم الوجوب، [والثاني- قاله] ابن الصبَّاغ -: أنه لا يجب على من عرفه وعلى من لم يعرفه، ولا يجوز لمن يعرف ذلك الصيام اعتماداً على قوله.
وله يجوز لمن عرفه؟ فيه وجهان، وقد حكاهما القاضي الحسين والبغوي: ووجه الجواز – وهو اختيار ابن سريج والقفال -: قوله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16]، وقوله عليه السلام: "فاقدروا له" أي: اسحبوا منازل سيره.
ووجه المنع – وبه قطع الطبري -:ما ذكرناه، ولأنه لو جاز فعله لوجب لأن الوقت متعين والفعل واجب على الفور، ولا مانع منه، والمراد بالآية: الاهتداء بالنجم في دلائل القبلة ومسالك السابلة في البحر والبر؛ بدليل قوله: [﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ﴾ [المرسلات:23] قال الفرَّاء وغيره من أهل العلم: معناه: فقدَّرنا.
على أنه قد روي: "فاقدروا له ثلاثين"، وإن لم يثبت ذلك فقد بينه قوله – عليه السلام – في رواية مسلم: "فعدوا ثلاثين"، و [في] رواية البخاري: "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".
قال الرافعي: ورأيت في بعض المسوَّدات تعدية الخلاف في جواز العمل به إلى غير المنجَّم، وفائدة الجواز: أنه لو ثبت أن ذلك اليوم من رمضان بشهادة عدلين، وقد صامه من عرف أنه من رمضان بالحساب، أو من وثق بقول – فمن لم يعرف ذلك بنية من الليل أنه عن رمضان [أنه] يجزئه عن رمضان، ولا قضاء عليه، صرَّح به الماوردي والقاضي أبو الطيب غيرهما.
وعن الشيخ أبي حامد أنه ذكر في "التعليق" وجهاً: أن ذلك بمنزلة الشهادة على

الرؤية؛ فيتعدى الوجوب ممن عرفه بالحساب إلى من لم يعرفه، ويوافقه قوله في "البيان" في مواقيت الصلاة: إن صاحب "الفروع" قال في وقت الصلاة: إذا كان يعلم دخول الوقت بالحساب فهل يقبل قوله فيه وفي شهر رمضان؟ وجهان.
والمذهب: أنه يعمل عليه بنفسه، فأما غيره فلا يعمل عليه.
وحكى الماوردي وجهاً ثالثاً في الإجزاء إذا نوى معتمداً على ذلك، فارقاً بين أن يكون قد علم ذلك من منازل القمر وتقدير سيره فيجزئه، وبين أن يكون قد علمه بالنجوم فلا يجزئه.
الأمر الثاني: أنه إذا رُئي في بلد عم حكمه سائر البلاد، وهو المعزيُّ إلى اختيار القاضي أبي الطيب، وقد حكى الماوردي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هذا؛ إذ ليس رؤية جميع من في البلد الواحد شرطاً في وجوب الصيام عليهم، بدليل إجماعهم على وجوب الصيام على الأعمى والمحبوس وإن لم يره، وإذا كان كذلك في البلد الواحد فكذلك في كل البلاد؛ لأن فرض الله على جميعهم واحد.
والثاني: لا يلزمهم صيامه حتى يروه، لأن الطوالع والغوارب قد تختلف باختلاف البلدان، وكل قوم إنما خوطبوا بمطلعهم ومغربهم، دليله مواقيت الصلاة.
والثالث: أنه يلزم أهل البلدان من ذلك الإقليم، دون أهل البلدان في إقليم آخر لما روي أن ثوبان قدم المدينة من الشام، فأخبر برؤية الهلال قبل المدينة بليلة، فقال ابن عباس: لا يلزمنا، لهم شامهم ولنا حجازنا.
فأجرى على الحجاز حكماً وإن اختلفت بلاده، وفرَّق بينه وبين الشام، وهذا ما نسب إلى الشيخ أبي حامد، وهو الذي أورده البندنيجي، حيث قال: إن لم يكن بين البلدين – التي رئي فيها، والتي لم ير فيها- مسافة تختلف المطالع لأجلها: كالموصل وبغداد والبصرة، كان حكم الجميع واحداً، ويجب على أهل البلدة التي لم ير فيها [قضاء يوم، وإن كان بينهما] مسافة تختلف المطالع فيها: كبغداد وخراسان والحجاز وبغداد والشام، كان لكل بلد رؤية

نفسه؛ فلا يلزم أهل البلد التي لم ير فيها قضاء يوم، وقد حكى القاضي أبو الطيب في "تعليقه" هذا الوجه الأول، ولم يرجح واحداً منهما، وجزم القاضي الحسين في "تعليقه" والبغوي والمتولي بأن ما تقارب من البلاد حكمهم واحد، وفي المتباعد وجهان: أصحهما عند القاضي: التعميم.
وإن اقتضى نظم كلامه ترجيح مقابله، وهو الذي صححه في "التهذيب" و"الروضة"؛ لأن كريباً أخبر عن ابن عباس وهو بالمدينة، أنه رأى الهلال بالشام ليلة الجمعة، فقال ابن عباس: لكنَّا رأيناه ليلة السبت؛ فلا نزال تصوم حتى نرى الهلال أو نكمل العدد ثلاثين، فقال له كريب: أما يكفيك رؤية معاوية والناس؟ فقال: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه مسلم بمعناه.
قال القاضي الحسين: واختلف في قوله: "هكذا أمرنا": فمنهم من قال: أراد به قوله: " [صوموا] لرؤيته ... " الخبر، ومنهم من قال: هو كان يحفظ حديثاً أخص منه في هذه الحادثة.
وعلى هذا لو شك في التقارب، قال في "الروضة": لم يجب الصوم على الذين لم يروا؛ لأن الأصل عدم الوجوب.
وعلى خلافه، وهو إذا جعلنا للبعد أثراً فما ضابطه؟ فيه وجهان في "التتمة": أحدهما – وهو ما أورده الغزالي والبغوي تبعاً للفوراني والأصحاب، كما قال الإمام-: مسافة القصر.
والثاني: اختلاف المطالع، وقد أبداه الإمام احتمالاً لنفسه، ثم قال: ولكن لا قائل به؛ فإن درك هذا يتعلق بالأرصاد والتموردات الخفية، وقد تختلف المناظر في

المسافة القاصرة عن مسافة القصر للارتفاع والانخفاض، والشرع لم يبن على إلزام مثل هذا، وإلى هذا أشار الغزالي في تعليل قوله: "إنه لا ضابط إلا مسافة القصر" أن تحكم المنجم قبيح شرعاً، وحكى القاضي الحسين مع هذا الوجه وجهاً آخر: أنه انقطاع القوافل، فإن لم تكن منقطعة بينهما فهما متقاربان.
فرع: حيث قلنا: لكل بلد حكم نفسها، لو سافر شخص من بلدة رئي فيه الهلال إلى بلدة لم ير فيها، وتم له ثلاثون يوماً، ولم ير الهلال في البلدة التي سافر إليها – فهل يفطر أم لا؟ فيه وجهان، قال في "التتمة": يقربان من الوجهين فيما إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال.
والذي أورده القاضي الحسين: وجوب الإفطار، والمنسوب إلى القفَّال مقابله، [وهو] الذي أورده في "الإبانة" والغزالي، وحكى الإمام عن الأصحاب القطع به؛ لأنه روى عن ابن عباس أم كريب بالصوم معهم بعد إكماله ثلاثين يوماً بحكم رؤيته.
نعم، حكى عن شيخه فيما إذا أصبح معتداً مفطراً لرؤية هلال شوال، فجرت به السفينة إلى قطر لم ير الهلال فيه – أنه يلزمه الإمساك تشبهاً.
قال: وعندي فيه نظر؛ فإنه ليس فيه أثر، واليوم الواحد يبعد أن يتبعض حكمه وقد عاين الهلال في ليلته في البقعة الأولى.
وعكس هذا الفرع: لو سافر شخص من البلد الذي لم ير فيها الهلال إلى بلدة رئي فيها، وأقام فيها إلى أن أفطر أهلها- فهل يفطر معهم؟ نظر: إن أفطروا بالرؤية وافقهم، وإن أفطروا بإكمال العدد فهل يفطر معهم؟ فيه وجهان في "التتمة".
قال الإمام: ولا فرق في ذلك بين أن يكون من ذكرناه قد نوى الإقامة أو لا.
تنبيه: الهلال إنما يكون هلالاً الليلة الأولى والثانية والثالثة، ثم هو قمر، قاله الجوهري وغيره.
وحكى في "المهذب" خلافاً فيما يخرج به عن هذه التسمية وتسميته قمراً، فقيل: إذا استدار، وقيل: إذا بهر ضوءه.

وقوله: "غم عليكم"، قال العلماء: هو من قولهم: غممت الشيء، إذا غطيته، وغمَّ علينا الهلال غمًّا، وغمِّي، وأغمي، فهو مغمى.
قال: وإن رأوا الهلال بالنهار، أي قبل الزوال أو بعده، فهو لليلة المستقبلة؛ لقوله – عليه السلام -: "صوموا لرؤيته" أي: بعد رؤيته، كقوله: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78] يعني: بعد طلوع الشمس، ولأن الخصم – وهو أبو يوسف وأبو ثور وغيرهما – قد وافقنا على أنه لو رئي بعد الزوال لكان لليلة المستقبلة؛ لأنه أقرب إليها، بخلاف ما قبل الزوال؛ فنه أقرب إلى الماضية، فنقول له: الاعتبار بالقرب والبعد إلى وقت ظهوره وهو أول الليل، وإذا رئي قبل الزوال فهو أقرب إلى الليلة المستقبلة من الماضية؛ فكان كما لو رئي بعد الزوال، وقد روي عن عمر وعلي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وأنس ابن مالك أنهم قالوا: إذا رئي الهلال يوم الشك فهو لليلة المستقبلة.
ولا مخالف لهم.
وقد أفهم كلام الشيخ أن ما ذكره مقصور على هلال رمضان، ولا فرق [فيه] بينه وبين هلال شوال وغيرهما عندنا، لما روت عائشة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح يوم الثلاثين صائماً، فرأى هلال شوال بالنهار، فلم يفطر حتى أمسى"، وروى عن أب وائل أنه قال: أتانا كتاب عمر ونحن بخافقين: "إن الأهلة بعضها أعظم من بعض، فإذا رأيتم الهلال بالنهار فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس"، كذا ذكر في "التتمة" الحديث والأثر، وغيره يروي: بخانقين.

قال: ويقبل هلال رمضان [من] عدل واحد في أصح القولين؛ لما روى أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال – قال الحسن، وهو الحلواني، في حديثه: يعني رمضان – فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: نعم، قال: "أتشهد أنَّ محمَّداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: "يا بلال، أذِّن في النَّاس أن يصوموا غداً"، وعن عكرمة أنهم شكُّوا في هلال رمضان مرة، فأرادوا ألا يقوموا ولا يصوموا، فجاء أعرابي من الحيرة، فشهد أنه رأى الهلال، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله؟ قال: نعم، وشهد أنه رأى الهلال، فأمر بلالاً، فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا".
وأخرجه الترمذي النسائي وابن ماجه مسنداً ومرسلاً.
وعن ابن عمر قال: تراءى الناس

الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته.
فصام، وأمر الناس بصيامه.
قال الدارقطني: وهذا تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة.
وفي "الحاوي": أن ابن عمر قال: رأيته وحدي.
وروى أن مر خرج يتراءى الهلال، فاستقبلته راكباً، فقال عمر: من أين أقبلت؟ فقال: من الشام، فقال: أهللت؟ قال: نعم، فقال: يكفي المؤمنين أحدهم.
وأمر الناس بالصوم، وهذا ما أشار إليه الشافعي بقوله: ولو شهد على رؤيته عدلٌ واحد رأيت أن أقبله؛ للأثر فيه وللاحتياط ولأن الصوم عبادة بدنية، فإذا أخبر الواحد بدخول وقتها وجب أن يقبل قوله كالصلاة.
وهذا ما نص عليه في عامة كتبه كما قال أبو الطيب، وقال الماوردي والقاضي الحسني: إنه نص عليه في القديم و"الإملاء".
قال: ولا يقبل في الآخر إلا عدلان؛ لما روى عبد الرحمن بن زيد قال: أدركنا جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [فكلهم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم] يقول: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فأكملوا، وإن شهد ذوا عدلٍ فصوموا وأفطروا وانسكوا".
ولأنها شهادة على معين فاعتبر فيها العدد كسائر الشهادات،

وبالقياس على هلال شوال.
وأما حديث الأعرابي [وابن عمر] فيحتمل أن يكون [شهد] عند رسول الله صلى الله عليه وسلم [قبلهما] غيرهما، فأمر الناس بالصوم لذلك، وهذا قاله في القديم كما قال أبو الطيب ونقله البويطي، وقال الفوراني: إنه أقيس.
والجمهور على تصحيح الأول، ومنه من قطع به، وتعزى هذه الطريقة إلى أبي إسحاق، والقائل بها قال: حديث عبد الرحمن نحن قائلون به؛ فإنه إذا شهد ذوا عدل وجب الصوم، وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصوم والفطر والنسك؛ فلذلك ذكر ذوي عدل، لأن الفطر والنسك لا يقبل فيهما أقل من شاهدين، والقياس على سائر الشهادات غير منتظم، لأن حكم الشهادات مختلف: فالزنى لا يقبل فيه إلا أربعة، والحدود والقصاص تثبت برجلين، والأموال تثبت بشاهد وامرأتين وشاهد ويمين، وإذا حلف لم يجز اعتبار بعضها ببعض كما في أعداد ركعات الصلاة، والفرق بين هلال رمضان وشوال: أنه لا تهمة تلحق الشاهد في رمضان، لأن ما يدعيه من لزوم الصوم يلزمه كغيره، والعدد في الشهادة لإزالة التهمة، ولا كذلك في شوال؛ فإن التهمة لاتلحقه، ولأن في ذلك احتياطاً للعبادة كما أشار إليه الشافعي ويوافقه قول علي - كرم الله وجهه - وقد شهد عنده واحد برؤية هلال رمضان: "لأن أصوم يومً من شعبان أحبُّ إليَّ من [أن أفطر] يوماً من رمضان"، وصام وأمر الناس بالصيام، مع أنه كنا يحتاط في الشهادة ويبالغ فيها حتى نقل عنه تحليف الشهود، وربما قيل: إن هذا هو الأثر الذي راعاه [الشافعي].

وأما قولهم: إنه يحتمل أن يكون قد شهد عند النبي صلى الله عليه وسلم قبل الأعرابي وابن عمر غيرهما – فالجواب: أنه لو كان لنقل، ولأن الحكم إذا نقل معه السبب كان بمنزلة العلة للحكم ثم ثبت أن العلة لا يجوز الزيادة فيها، فكذلك السبب، ويدل عليه: ما روى طاوس عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل شهادة الواحد في هلال رمضان، ولا يقبل الواحد في هلال شوال).
التفريع: إن قلنا بالصحيح فهل يسلك بقول الواحد مسلك الشهادة أو مسلك الرواية؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في شهادة النساء قولين وأصحهما في (الرافعي) الأول، [ويدل عليه قصة الأعرابي، واختار أبو إسحاق المروزي الثاني]، يدل عليه قول ابن عمر.
فإن قلنا بالأول، اشترطنا مع العدالة الحرية والذكورة ولفظ الشهادة، وهو ما ادعى القاضي الحسين –على هذا- أنه ظاهر المذهب.
ويشترط الإقامة في مجلس الحكم كما قال الإمام، وهل يجوز فيه الشهادة على الشهادة؟ فيه وجهان حكاهما المراوزة كالوجهين في جوازها في حدود الله تعالى، والأصح –كما قاله الشيخ أبو علي-: [القطع] بالجواز؛ فإن سبب الاختلاف [في الحدود] شبهة وكون المشهود به عقوبة متعرضة للسقوط بالشبهات، والأمر هنا على نقيض ذلك، وعلى هذا: هل يشترط العدد في شاهد الفرع؟ فيه وجهان، المذكور منهما في (التهذيب): اشتراط العدد، وإن قلنا بمقابله قبلناه من الأمة

[مع] ظهور الثقة، وهو المحكي في "الحاوي" عن أبي إسحاق، حيث قال: أقبل فيه قول من أقبل روايته.
قال الإمام: ولم نشترط لفظ الشهادة، وقلنا: إذا أخبر واحد الناس بالرؤية لزم اتباع قوله وإن لم يذكر ذلك بين يدي القاضي.
ووافقه في الأخيرة ابن الصباغ.
والمحكي عن ابن عبدان والغزالي في "الإحياء"، والمذكور في "تعليق"البندنيجي و"التهذيب": أنهم قالوا بذلك، ولم يفرعوا على شيء.
قال الإمام: وفي قبول [قول] الصبي المميز الموثوق به فيه، وجهان مبنيان على قبول رواية الصبيان، المنسوب منهما للشيخ أبي حامد في "تعليق" البندنيجي: القبول، وظاهر المذهب في "تعليق" القاضي الحسين: المنع، وفي "الإبانة" و"التهذيب": [أنه] لا يقبل فيه قول الصبي قولاً واحداً، وإن كانت تقبل روايته على وجه صححه الفوراني.
وفي اشتراط العدد في الخبر عن المخبر بالرواية – إذا جوزناه على الوجه الذي عليه نفرع – الخلاف، والمذهب: أنه لا يشترط؛ حرصاً على حكم الرواية، ومن اشترطه – وهو الأصح في "التهذيب" –زعم أن قول الفرع شهادة، وإن لم يجعل قول الأصل شهادة.
واستدل له بأنه لابد من لفظ الشهادة من الفرع، [وأنه] لا قائل بأنه يكفي أن يقول الواحد: حدثني فلان عن فلان قال: رأيت الهلال، بل هو مردود إجماعاً، كما قال أبو علي والماوردي.
وقال الإمام: إن هذا بعيد لا اتجاه له، ودعوى الإجماع لا تسلم عن النزاع.
[ولا خلاف في أنه لا يقع الطلاق والعتق المعلق بدخول رمضان، ولا يحل الدين المؤجل به، قاله القاضي الحسين والبغوي.
قال الرافعي: ولو قال قائل: هلاَّ يثبت ذلك ضمناً كما سبق نظيره لأحوج إلى

الفرق – قلت: إن ما سبق لازم للمشهود به، والطلاق والعتاق والدين ليس يلزم استهلال الشهر، وقد أشار إلى مثله ابن الصباغ في كتاب الطلاق.
نعمن لو قضى القاضي بشهادة الواحد في هلال رمضان ثم قال لامرأته: إن كان هذا من رمضان فأنت طالق – قال القاضي الحسين: قال ابن سريج: يقع الطلاق.
وغيره من أصحابنا.
قال: لا فرق بين أن يكون قبل القضاء أو بعده؛ فإنه لا يقع الطلاق،] وإن قلنا بالقول المعزيِّ إلى القديم سلكنا به مسلك الشهادات المختصة بحقوق الله تعالى حتى تسمع فيه شهادة الحسبة.
قال الرافعي أيضاً: ويشترط فيهما العدالة الباطنة.
وهو ما أبداه الإمام تفقهاً، وإلا فقد قال في "الإبانة": إنا لا نشترط العدالة الباطنة في الشهادة على رؤية الهلال، ونشترط الظاهرة بأن يكون مستور الحال.
وأبلغ منه قول القاضي الحسين: إنا على القولين نكتفي بظاهر العدالة.
[وعلى ذلك جرى البغوي والمتولي.
وقال الإمام: إن ما قاله الفوراني بعيد لا اتجاه [له]؛ بل الوجه اشتراط العدالة الباطنة]، والمعنى بها: البحث الذي يعتاده القضاة بالمباحثة والرجوع إلى المزكين.
نعم، قد نقول: للقاضي أن يأمر الناس بالصيام بظاهر العدالة؛ فإن الأمر يفوت، ثم يبحث بعد ذلك، ويتعين البحث إذا استكملنا العدد ولم ير هلال شوال.
قلت: وإذا عرفت أنه لا يشترط العدالة الباطنة في الشاهدين عند من ذكرنا، مع أنه يسلك بقولهما مسلك الشهادة – فعدم اشتراطها في الشاهد الواحد من طريق الأولى، وقد حكى الإمام فيها وجهين مبنيين على اختلاف في قبول رواية المستور، والأصح – كما قال في "الحاوي" عند الكلام في أصحاب المسائل-: عدم قبولها [كالشهادة].
قال: والفرق على مقابلة بينهما من وجهين: [أحدهما:] أن أخبار الديانات يستوي فيها المخبر وغير المخبر، وكانت التهمة [منتفية والاعتبار أخف، والشهادة تختلف فيها الشهادة والمشهود عليه، وكانت

التهمة] متوجهة والاعتبار أغلظ.
قلت: وهذا الفرق منتفٍ في الشهادة بالهلال؛ فلا جرم قال من قال [بعدم] اشتراط العدالة الباطنة فيها.
والثاني: أن الرواية تقبل من النساء والعبيد دون الشهادة؛ فكانت أغلظ؛ فاحتيط فيها.
وقد فرع المتولي على القولين: ما إذا شهد واحد بإسلام ذمِّي: هل يصلَّى عليه أم لا؟ قال: فيه وجهان، كما في إيجاب الصوم.
وفرع عليهما في "البحر" ما لو نذر صوم شعبان فشهد واحد برؤيته – فهل يجب عليه الصوم إذا قلنا: يجب به صوم رمضان؟ قال: فيه وجهان.
قال: ولا يقبل في سائر الشهور إلا عدلان؛ لما ذكرناه من خبر طاوس.
وعن أبي ثور: أنه يقبل في هلال شوال عدل واحد، وأن صاحب "التقريب" قال: لو قلت به لم يكن بعيداً.
قال الإمام: وهو متجه في القياس، لما ذكرناه من أن الإخبار عن الهلال يعرض لوقت العبادة؛ فهلال رمضان به يستبان دخول وقت العبادة، وهلال شوال به يستبان خروج وقت العبادة.
قلت: ويعضد هذا الاحتمال قول القاضي الحسين في "تعليقه" في ضمن فرع من هذا الباب: إن الأحكام المتعلقة برؤية الهلال غير الصوم ضربان: أحدهما: يتضمن عبادة لا حق فيها للآدمي: كالوقوف بعرفة، والطواف ونحو؛ فهذا هل يقبل فيه شاهد واحد عدل أم لا؟ فيه وجهان، وعلى المشهور فالفرق بين رمضان وغيره ما ذكرناه من أنه لا تهمة في رمضان، بخلاف شوال، والفرق بين رمضان وذي الحجة – ما قاله المتولي -: أن الهلال في ذي الحجة ليس له تأثير في إيجاب العبادة، ولكن تأثيره في تقديم وقتها وتأخيره، وهنا وجوب الصوم بالنهار؛ لأجل رؤية الهلال، ولولاه لما وجب؛ [فهو كالزوال] ونحوه.
قال: فإن قامت البينة بالرؤية في يوم الشك، وجب عليهم قضاؤه؛ لأنه بان أنه من

رمضان، وهل يجب على الفور بعد انقضاء رمضان ويوم العيد؟ قال في "التتمة": ذلك مبني على أنه هل يجب عليه إمساك بقية النهار أم لا؟ فإن قلنا: لا يجب، فقد ألحقناه بالمعذورين؛ فلا يلزمه القضاء على الفور، وألا وجب.
وهذا البناء فيه نظر.
قال: وفي إمساك بقية النهار، أي: إذا كان قد أكل – كما صوره الإمام والقاضي أبو الطيب – قولان: وجه المنع – وهو الذي حكاه القاضي أبو الطيب والغزالي عن نصه في "البويطي"-: أنهم أبيح لهم الفطر في أوله؛ فكذا في آخره؛ كما لو طهرت الحائض أو قدم المسافر مفطراً في أثناء يوم من رمضان.
ولأن الإمساك عقوبة؛ فليختص بالإثم، وألا فلا إثم عليهم، وعلى هذا يستحب لهم الإمساك.
ووجه الوجوب – وهو الذي نقله عامة أصحابنا وصححوه، وإن كان الإمساك في حكم العقوبة-: أنه [إنما] أبيح لهم الفطر بشرط: وهو كونه ليس من رمضان، وقد بان خلافه؛ فظهر أنه غير مباح، ولا كذلك الحائض والمسافر؛ فإنه أبيح لهما الفطر مع العلم بكونه من رمضان، والإباحة باطنة كما هي في الظاهر، ولا نظر إلى عدم الإثم؛ لأن الكفارة تجب على المخطئ في القتل وهي عقوبة مع أنه [لا إثم.
أما] إذا لم يكن قد طعم ولا نوى، قال القاضي أبو الطيب: فإنه يجب عليه أن يصوم؛ لكونه من رمضان، ويقضيه؛ لأنه لم ينو من الليل، وهذه الحالة هي التي نص عليها في "المختصر" فإنه قال: "وإن أصبح لا يرى أن يومه من رمضان، ولم يطعم، ثم استبان ذلك – فعليه صيامه وإعادته"، وقد جزم [بذلك] الماوردي والفوراني، وكذا القاضي الحسين، وإن أكل، لكن قال القاضي: إذا لم يكن قد أكل فينوي الصوم؛ خروجاً عن الخلاف، ويقضي يوماً مكانه، وإن أكل يمسك بقية نهاره.
وتبعه البغوي في الجزم بوجوب الإمساك في الحال، وقاسه على ما لو نوى الصوم، ثم أفسده، وقال: إن الحكم كذلك فيما لو نسي النية من الليل، وقد ذكره

البندنيجي أيضاً فيها.
وحكى المتولي القولين فيما إذا قامت البينة قبل الأكل، وحكى وجهين فيما إذا كان قد أكل مرتين على القولين.
فإن قلنا فيما إذا كان [لم] يأكل: إنه لا يحرم الأكل، فهنا أولى، وألا فوجهان، والصحيح أنه لا يباح له الأكل في بقية النهار؛ لما ذكرناه، وقد قال الإمام في كتاب الظهار عند الكلام فيما يقطع التتابع: إن الخلاف في مسألة الكتاب يجري فيما لو نسي النية من الليل، وإن الرأي الأصح [أنه] يلزمه، وإن كان الإمساك في حكم التغليظ، وحكاهما في "الإبانة" فيما إذا أصبح غير صائم، وهذا يحتمل أن يكون أراد به ما إذا لم ينو عمداً أو سهواً.
فرع: ما وجب من الإمساك هل هو صوم شرعي أم لا؟! حكى الماوردي فيه وجهين، ولو كان قد أكل: أحدهما –وهو قول أبي إسحاق-: أنه يسمى: صوماً شرعياً؛ لوجوب الإمساك فيه.
والثاني- وهو قول أكثر الأصحاب-: أنه إمساك واجب، فأما أن يكون صوماً شرعياً فلا؛ لأنه لا يقع الاعتداد به عن رمضان ولا عن غيره.
والإمام حكى الوجهين عن العراقيين فيما إذا أفسد الصوم، والبندنيجي حكاهما فيما إذا طلع عليه الفجر وهو غير ناوٍ، وأفهم كلامه تقييدهما بما إذا لم يأكل، وهي الصورة التي حكى ابن الصباغ فيها عن أبي إسحاق أنه يكون صوماً شرعياً.
قال الإمام: ولست أرى في هذا الاختلاف فائدة؛ لأنه لو جامع فيه لم يلزمه بسببه شيء غير المأثم.
نعم لو أصبح غير ناوٍ، ونوى التطوع بالصوم قبل الزوال، فالذي ذهب إليه الجماهير: أن الصوم لا يصح، وذهب أبو إسحاق إلى صحة الصوم.
ووجه الرد عليه: أن الإمساك واجب، ولو صح تطوعه بالصوم، والصوم إمساك منوى، لوقع الإمساك عن جهة الوجوب متطوعاً به عن جهة التطوع، وهذا متناقض وأيضاً: فإن المسافر عندنا يتطوع بالصوم في سفره، وإن كان يسوغ له الإفطار، وسببه: أن

الذي حط عنه وجوب الصوم الترخص بالفطر، فإن لم يفطر فقد ترك الترخص، وليس بين إقامة الصوم وبين الترخص بالفطر مرتبة، والشرع [لم] يجعل شهر رمضان في حق المسافر كسائر الشهور حتى يصح فيه أي صوم شاء.
قال: وأبو إسحاق لما جوز للمقيم الذي أصبح غير ناوٍ أن يتطوع بالصوم؛ فإنه على قياسه يجوز للمسافر أن يتطوع، وهذا حيد عن مذهب الشافعي وقياسه.
قلت: ولأجل ما ذكره الإمام من إلزام أبي إسحاق من صحة تطوع المسافر بالصوم، جعل الغزالي فيما إذا نوى المسافر التطوع به أو أصبح المقيم ليلة الشك غير ناوٍ، ونوى التطوع – أنه يصح على وجه، لكن ما ذكره الإمام في الرد على أبي إسحاق بأن المسافر عندنا لا يتطوع بالصوم في سفره ... إلى آخره، إنما يلزم أبا إسحاق أن لو كان قياس مذهبه يقتضي أنه إذا نوى التطوع من الليل وهو مسافر أنه يصح تطوعه، وليس قياس مذهبه يقتضي ذلك، بل الذي يقتضيه قياسه: أنه لو لم ينو الصوم من الليل، ونوى التطوع قبل الفطر نهاراً قبل الزوال أنه يصح، بل أولى؛ لأن المسافر لا يجب عليه الإمساك، بخلاف من أصبح يوم الشك غير ناوٍ، ولا يرد عليه ما قاله الإمام؛ لأنه قد ترخص عنده بأمرين: أحدهما: أنه ترك نية الفرض من الليل التي لولا السفر، لوجبت.
والثاني: أنه إنما يكون في صوم التطوع صائماً من قوت نيته كما سنذكره عنه.
وله أن يقول فيما إذا نوى التطوع من الليل: إنه لا يصح؛ لما ذكره الإمام، ويجوز أن يقول بالصحة، ويمنع كون الشيء إذا وقع واجباً يمتنع أن يقع تطوعاً، ويستشهد بمن دخل المسجد، ونوى بفرضه الفرض وتحية المسجد فإنهما يحصلان له، وإن كانت أفعاله الواقعة عن الفرض لا يجوز إبطالها بالخروج قبل استكمالها [وأفعاله الواقعة عن تحية المسجد يجوز إبطالها بالخروج قبل استكمالها]، ولا نظر إلى تقدم الوجوب في مسألة الصوم واقترانه بالتطوع في مسألة الصلاة، والله أعلم.
وقد عدل المتولي عن كون الإمساك صوماً شرعياً أو غير شرعي، إلى أن من

أمرناهم بالإمساك هل يثابون عليه أم لا؟! وحكى فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا؛ لأن الفعل غير معتد به.
والثاني: إن لم يكن متعدياً بالفطر فيثاب، وألا فلا؛ عقوبة له على تعديه.
والثالث - وهو الذي صححه -: أنه يثاب عليه أبداً؛ لأنه لو تركه استحق العقاب فإذا لم يتركه، وجب أن يستحق الثواب.
وهذا ما أبداه ابن الصباغ احتمالاً لنفسه بعد حكاية الوجهين السابقين وتصحيح الثاني منهما، وقال: ينبغي أن يحمل قول أبي إسحاق: إن من وجب عليه الإمساك وليس متعدياً بالإفطار، فأمسك، يكون صوماً شرعيًّا - على أنه إمساك شرعي يثاب عليه خاصة.
قال: فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً، ولم يروا الهلال، أفطروا؛ لأنهم قد استكملوا العدة؛ فأشبه ما لو صاموا بشهادة اثنين.
وقيل: لا يفطرون، لأنه يؤدي إلى الفطر بقول واحد؛ وهولا يجوز أن يفطر بقوله لو ابتدأ الشهادة، فكذلك إذا اقتضته الشهادة السابقة، وهذا ما اقتضى إيراد الغزالي ترجيحه، وقد حكى عن ابن الحداد أنه قال بمثله فيما إذا صاموا بشهادة اثنين وثلاثين يوماً ولم يروا الهلال مع الصحو؛ لأن العيان يقين وشهادة شاهدين مستترة، واليقين لا يزال بالمستتر، وقد نسب هذا إلى ابن سريج أيضاً.
والأصح في مسألة الكتاب عند الأكثرين - كما قال الرافعي -: الأول، وحكوه عن نصه في الأم.
والفرق بينه وبين ما إذا ابتدأ الشهادة برؤية هلال شوال: أن الشيء قد يثبت ضمناً، ولا يثبت صريحاً؛ كشهادة النساء، لا تقبل في المواريث والأنساب، والولايات ابتداءً، وتثبت بشهادتين ضمناً إذا شهدن بالولادة.
وقال الإمام: إن في هذا نظر؛ فإن الولادة إذا ثبتت يلحق النسب الفراش، وهو قائم لا نزاع فيه، ولم يتحقق مثل ذلك فيما نحن فيه.
قال الرافعي: وللمحتج أن يقول: لا معنى للثبوت الضمني إلا هذا، وأما ما ذكره

ابن الحداد، فقد قال القفال وغيره: إنه غلط فيه، وإنما أجاب على أصل أبي حنيفة؛ فإنه التقط هذه المسألة من كتبه، ووجه غلطه: أن الشافعي نص في "الأم"، و"أمالي" حرملة على الفطر؛ لأن الشاهدين لو شهدا على رؤية هلال شوال والسماء مصحية، يجب على الحاكم أن يقبل شهادتهما ويحكم بها، وإذا جاز قبول شهادتهما ابتداءً؛ فتبعا من طريق الأولى؛ ولأجل ذلك قال الإمام: إنه غير معدود من المذهب.
ثم ما محل الوجهين في مسألة الكتاب؟ فيه طريقان في "التهذيب" و"التتمة": أحداهما: إذا كانت [السماء] مصحية، أما إذا كانت مغيمة، فيفطرون قولاً واحداً، وهي التي أوردها في "العدة".
وفي مثل هذه الحالة وافق ابن الحداد على الفطر في مسألة الشاهدين.
والثانية- وهي الموافقة لإيراد الغزالي والأكثرين؛ كما قال الرافعي -: أنهما يجريان في الحالين.
ورأيت في "شرح الفروع" للقاضي أبي الطيب حكاية الخلاف في حالة الغيم خاصة، والسكوت عن حالة الصحو، وهذا يجوز أن يكون طريقة ثالثة، وفي هذه الحالة حكى في "التتمة" نص الشافعي في "الأم" على الفطر.
قال: وإن اشتبهت الشهور على أسير، تحرى وصام، أي: ما غلب على ظنه أنه رمضان؛ كما يتحرى في القبلة عند الاشتباه، ويصلي إلى الجهة التي يغلب على ظنه أنها القبلة، والتحري في حقه يكون بالنظر في التواريخ المتقدمة، والحر، والبرد والخريف والربيع.
قال: فإن وافق الشهر، أو ما بعده – أي: إذا فك أسره، وظهر له أنه وافق الشهر أو ما بعده- أجزأه.
ووجهه إذا وافقه: أنه أدى العبادة بالاجتهاد عن أمارة، وقد صادفت الوقت فأجزأته، كالصلاة إذا خفي عليه وقتها فأداها بالاجتهاد، ثم ظهر أنه أوقعها في وقتها.
وأما إذا وافق ما بعده، فالقياس على ما لو أخطأ الناس في العدد، فوقفوا في العاشر؛ فإنه يجزئهم.

قال في "التتمة": ولأن غاية الأمر أنه وقع القضاء بنية الأداء، والإجماع على أنه لو شرع في الصلاة في آخر الوقت، ثم خرج الوقت: أنه تصح صلاته، وإن كان ما يقع من صلاته خارج الوقت ليس بأداء، وقد أوقع الفعل بنية الأداء، وهذا ما نص عليه الشافعي، وهو موافق لنصه فيمن خفي عليه وقت الصلاة، فتحرى وصلى معتقداً أنه أداء، ثم بان أنه صلى بعد خروج الوقت- أن صلاته صحيحة.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا دلالة على أن تعيين الأداء والقضاء غير واجب في [الصوم والصلاة]، خلافاً لقول الشيخ أبي حامد: إن التعيين واجب، وهذا منه دليل على أن صومه [وقع قضاء.
وقد اختلف المراوزة في أن صومه إذا وافق ما بعده وقع أداء أو قضاء على طريقين] حكاهما المتولي وغيره وأثبتهما القفال قولين، وتبعه الفوراني، والبغوي رواهما وجهين، وأظهر القاضي الحسين أثرهما فيما لو اجتهد المسافر في وقت الصلاة، وصلى بنية القصر ثم بان أنه صلى بعد الوقت: إن قلنا: يكون صومه أداء صحت صلاته.
وإن قلنا يكون صومه قضاء، يلزمه قضاء الصلاة.
وقد اقتضى ظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في الإجزاء بين أن يوافق ذلك شوال، وذا الحجة، أو غيرهما، سواء كان ما وافقه تاماً أو ناقصاً، ورمضان تام أو ناقص، وقد اتفق الأصحاب على أنه إذا وافق شوال لا يصح منه صوم يوم العيد، ويصح ما عداه،

والواجب عليه عدد أيام رمضان، فإن كان ما صح له من شوال قدر ما عليه من رمضان، بأن كان شوال تاماً، ورمضان ناقصاً – فقد خرج عما عليه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"التتمة" وجه آخر: أنه يجب عليه قضاء يوم آخر، والخلاف مبني على أن [من] صامه يكون قضاء – وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب والماوردي – أو أداء فإن قلنا: قضاء، كفاه، وإن قلنا: أداء، قضى يوماً؛ كما لو أفطر يوماً من رمضان.
ولقائل أن يقول: أيام رمضان كلها قابلة للصوم، فقد خوطب بجميعها، ولا كذلك شوال، ولو كان شوال ناقصاً، ورمضان كاملاً، أو كانا كاملين – وجب عليه الإتيان بيومين، ولو كانا ناقصين قضى يوماً، صرح به ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب.
وحكينا عن الشيخ أبي حامد: أنه يلزمه قضاء يومين، وأنه بنى ذلك على أنه يلزمه أن يقضي [شهراً بالهلال] أو ثلاثين يوماً، ولا يعتبر عدد أيام رمضان وهو ما حكاه البندنيجي.
قال القاضي: وهو غلط، وليس بمذهب للشافعي وإنه نص على أنه يجب عليه أني قضي مثل عدد رمضان سواء قضى ما بين الهلالين أو عدداً، لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. ونسب القاضي الحسين هذا إلى الخضري.
ولو وافق صومه ذا الحجة، بطل منه أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة [أيام] بعده، ولزمه صيام عدد أيام رمضان؛ كذا قاله البندنيجي وأبو الطيب وغيرهما.
ويجيء على قول من جوز صوم أيام التشريق للمتمتع ومن في معناه: ألا يبطل سوى يوم واحد، وحينئذ يجيء ما تقدم في شوال، وقد حكى الرافعي أن ابن عبدان

ذكره استدراكاً على الأصحاب.
وأما إذا وافق سوى الشهرين، صح له جميعه، ثم إن كانت أيامه وأيام رمضان سواء فلا كلام، وإن كانت أيامه تسعاً وعشرين، فعن الشيخ أبي حامد: أنه يجزئه، ولا يلزمه سواه إذا [كان] وقع صومه ما بين الهلالين، وادعى البندنيجي أنه ظاهر المذهب، وقد صرح بمثله القاضي الحسين والبغوي والمتولي؛ تفريعاً على أن ما يأتي به يكون أداء، وقال القاضي أبو الطيب: إنه غلط؛ لما ذكرناه.
قال: وإن وافق ما قبله – أي: ولم يظهر ذلك إلا بعد فوات رمضان بجملته – لم يجزئه في أصح القولين.
قال أبو الطيب: لأنه عبادة يزيل عقدها الجماع؛ فإذا فعلها قبل وقتها بالاجتهاد، وجب ألا تجزئ؛ كالصلاة.
قلت: ولك أن تقول: الصلاة أزال عقدها الملامسة قبل الجماع؛ فلا جامع.
نعم لو قال: لأنه عبادة تفتقر إلى النية قصداً، ولا يجب المضي في فاسدها، فإذا فعلت قبل وقتها بالاجتهاد لم تجزئه، كالصلاة – لانتظم القياس.
وقولنا: "تفتقر إلى النية [قصداً] ... " إلى آخره – احتراز عن الوقوف في الحج إذا وقع في الثامن.
لكن هذا القياس يفهم أن الأسير لو اجتهد في أوقات الصلاة، وصلى قبل الوقت: أنه يعيد قولاً واحداً، وليس كذلك، بل الأمر فيه كما في الصوم وفاقاً وخلافاً؛ صرح [به] الإمام [حكاية] عن شيخه هنا، وفي كتاب الصلاة، [قال: إن في صورة القولين نقول: الصلاة] أولى بذلك من الصوم؛ فإن الأمر فيها أخف، ولذلك سقط قضاؤها عن الحّيَّض وإن لم يسقط عنهن قضاء الصوم.
قال: وجماهير الأصحاب على تجويز الاجتهاد في أوقات الصلاة مع إمكان درك اليقين بالصبر، والمتفق على قضاء الصلاة فيه – كما قال الإمام – إذا اجتهد القادر في الوقت مع

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل