كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 358-397
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الشهادات

صفحات 358-397
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

على إقراره عند التقاضي بالرهن والإقباض، أما إذا أقر في مجلس القضاء بذلك بعد توجه الدعوى عليه، فلا يتمكن من التحليف وإن ذكر لإقراره تأويلًا، لأنه لا يكاد يقر عند القاضي إلا عن تحقيق.
والمحكي عن غير القفال: أنه لا فرق، لشمول الإمكان.
ولا خلاف أن الشهود لو شهدوا بمعاينة الإقباض، فادعى عدمه، ورام التحليف: أنه لا يجاب إليه، لما فيه من الطعن في الشهود.
وكذا لو ادعى أنه أقر بالدين، [لعزمه] على إتلاف يصدر [منه] في المستقبل به، ورام التحليف على عدم صدوره منه- لا يجاب إليه بلا خلاف، لعدم جريان العادة بمثله، صرح به القاضي والإمام.
وهذا يقوي دعوى الغزالي نفي الخلاف في حالة تعمد الكذب، والله أعلم.
التفريع: إذا قلنا بالتحليف فيما إذا كان قد أقر بقبض ألف [درهم] ثمن ما باعه، وادعى أنه لم يقبضه: فإن كان المشتري قد أقبضه الثمن، حلف عليه، وإن كان قد أقبضه عوضًا عنه، فلا يمكنه الحلف على إقباضه الثمن، لأنه كذب.
قال القاضي الحسين: فيحمل في كيفية حلفه وجهين: أحدهما: يحلف على الإجمال، ويقول: بالله لا يستحق علي ألف درهم، لأنه لو حلف على إيصال عوض الألف إليه، لم يقبل منه، وينتقل اليمين إلى جنبة البائع.
[والثاني: له أن يحلف على إيصال عوض الألف إليه، ولا تنتقل اليمين إلى جنبة البائع]، لقوة جانبه بإقرار البائع.
وقد حكى الإمام الوجهين هكذا- أيضًا- وأصلهما: أن من أقر لشخص بدين، ثم قال: أقررت به على وعد، فقال المقر له: بل هو عوض من غير عين بعتها منك، وسلمتها إليك، وأنكر ذلك، فمن القول قوله مع اليمين منهما؟ وفيه وجهان حكاهما القاضي قبيل باب القافة ووجه قبول [قول] المقر له اعتضاده

بإقراره المقر، وهذا هو الصحيح، وبه جزم في الإشراف، وقد تقدم في كتاب الرهن عند الكلام في رهن المرهون بدين آخر عند المرتهن مثل هذين الوجهين، وأن اختيار البغوي منهما قبول قول المقر.
ولا شك في أن المقر له بالدين أو أعرض عما قاله عند توجه الدعوى عليه إذا رأيناها، وحلف أنه يستحق عليه ما ادعاه، كفى، صرح به القاضي.
قال: وإن وكل غيره في أن يقر عنه بمال، لزمه المال وإن لم يقر الوكيل، لأنه لا يأمر غيره أن يخبر عنه بشيء إلا وهو ثابت، ولهذا قلنا: لو قال: بعني هذه العين، كان إقرارًا [له] بالملك على الأصح، لأنه لا يطلب البيع منه والملك فيه للغير.
وقد أطلق الإمام القول في المسألة- كما أطلقه الشيخ- عند الكلام فيما إذا قال: أنا أقر لك بما تدعيه.
وغيره قال: إن هذا مفرع على قولنا: إن الوكالة باطلة، كما هو اختيار ابن سريج.
أما إذا قلنا بصحتها- كما هو ظاهر النص- لم يلزمه حتى يقر الوكيل [وإلا لم يكن للصحة معنى.
وقيل: لا يلزمه بمجرد التوكيل]، وإن قلنا ببطلان الوكالة- أيضًا- كما لو أخبر فلانًا أن له علي كذا، فإنه لا يكون إقرارًا له، كما حكاه في ((الزوائد)) عن ((العدة)).
وقد استقصيت الكلام في هذه المسألة في الوكالة على أبلغ وجه، فليطلب من ثم.
فرع: الوكيل بالخصومة إذا قال: المدعي أبرأ موكلي من هذا الحق، لا يكون إقرارًا من جهة الموكل، لأن عندنا لا يقبل إقرار الوكيل على الموكل، ولكن هل تسمع هذه الدعوى من الوكيل؟ فيه وجهان في ((تعليق)) القاضي الحسين قبيل باب القافة.
أحدهما: لا، لأن في ضمنها إقرارًا بالحق، فيكون فيه عزل الوكيل، لأنه إذا وجد الإقرار من صاحب الحق، أو من الوكيل- انعزل، والأصح القبول.

قال: ومن أقر لرجل بمال وكذبه المقر له، انتزع المال [من يده]، وحفظ- أي: إلى [أن] يظهر مالكه- لأنه لا يدعيه، وكذلك المقر له، فهو كالمال الضال يلزم الإمام حفظه.
وعلى هذا: لو رأى الحاكم استحفاظ المقر، فهو كما استحفظه عدلًا، قاله ((الرافعي)).
وقيل: يقر في يده، لأنا لا نعرف مالكه، ونراه في يد المقر، فهو أولى الناس بحفظه.
قال ((الرافعي)): ولأن يده تشعر بالملك ظاهرًا، والإقرار الطارئ عارضه إنكار المقر له، فسقط، وهذا ما ادعى القاضي الحسين: أنه ظاهر المذهب، ولأجله قال الإمام: إنه الذي ذهب إليه الأكثرون، وقد صححه النواوي.
ثم ما ذكره ((الرافعي)) من التوجيه يقتضي أنه يقر في يده لنفسه، لا لغيره [و] قد صرح به [في] ((المهذب)) حيث قال في توجيه هذا الوجه: إنه محكوم له بملكه، فإذا رده المقر له بقي على ملكه.
وقد حكيت عن الإمام في باب الدعاوى: أنه لو ادعى- على قولنا إنه يقر في يده- أنه ملكه، لم تقبل دعواه على ظاهر المذهب.
وعلى وجه: تقبل بشرط أن يصر المقر له على الإنكار والجحد، وهو ما ادعى ((الرافعي)) هنا أن قضية كلام الأكثرين ترجيحه، ويعزى لابن سريج.
فإذا جرى هذا الخلاف مع الدعوى، فمع عدمها أولى، وقد قدمت في هذه المسألة ثم ما يغني عن الإعادة، وكذا فيما إذا رجع المقر له عن التكذيب.
وقد حكي في أصل المسألة وجه ثالث: أنه يجبر المقر له على القبول والأخذ، وقد ذكرنا من قبل توجيهه، وهو بعيد.
ثم ظاهر كلام الشيخ وغيره يقتضي أن محل الخلاف ما إذا أقر بالعين، وهو ما صرح به القاضي الحسين والإمام و ((الرافعي)).
أما إذا أقر بالدين، فقد ذكرنا عن القاضي أبي الطيب [في باب الدعاوى]

[والإمام] ما يقتضي الجزم بأنه لا ينزع، وهو ما حكاه القاضي الحسين في ضمن مسألة أولها: إذا قال: لزيد علي ألف إلا نصف ما لابنه، وهو قضية ما حكيناه عن البغوي في هذا الباب من قبل.
وقد ادعى ابن يونس: أنه لا فرق في جريانه بين العين والدين، وقد قلنا ثم: إنه وجه استنبطانه من كلام ((الرافعي)).
ولا خلاف أن المقر به لو كان قصاصًا، أو حد قذف، فرده المقر له، بطل.
فرع: لو قال القاضي: في يدي مال لا أعرف مالكه، قال الشيخ أبو محمد: الوجه القطع بأن القاضي يتولى حفظه.
وأبعد بعضهم، فلم يجوز انتزاعه.
فرع آخر: إذا ادعى على رجل ألفًا من ثمن مبيع، فقال المدعى عليه: قد أقبضتك الألف، وأقام بينة على إقراره بالقبض يوم كذا، فأقام المدعي بينة على

إقرار المشتري بعد بينته بأنه ما أقبضه الثمن- سمعت، وألزم المشتري الثمن، لأنه وإن قامت بينة على إقراره بالقبض، فقد قامت- أيضًا- على أن صاحبه كذبه، فيبطل حكم الإقرار، ويبقى الثمن على المشتري، وعلى هذا لو أقام شخص بينة على إقرار الداخل بأن هذا الشيء الذي فلي يده له، ثم أقام صاحب اليد بينة على إقرار المدعي الخارج: أنه لا حق فيه فيه، ولم يذكر التاريخ- قال في ((البحر)) في الفروع قبيل كتاب الشهادات: يحتمل أن يقضي ببينة الخارج، لأن قوله: لا حق له فيه، إنما بنى- كما علقناه- على الأصل: أنه لا حق له فيه، فكما [أن] علمنا بهذا الأصل لا يمنع من القضاء بشهود الخارج على إقرار صاحب اليد، لم يكن قول المدعى عليه إذا وافق هذا الأصل مانعًا منه.
قال: ومما يبين هذا أن هذه الدعوى لو كانت بدين في الذمة، فأقام المدعي بينة على إقرار المدعى عليه بكذا، وأقام الآخر بينة على إقرار المدعي: أنه لا حق له عليه- لم تكن هذه البينة دافعة لبينة المدعي، لما ذكرناه من المعنى.
قال: ومن ادعى على رجل حقًا، فقال: أنا مقر، أو أقر أو لا أنكر- لم يلزمه: أما في الأولى، فلاحتمال أن يريد أنا مقرٌ بأن الله واحد، أو ببطلان دعواك.
وأما في الثانية، فلاحتمال أن يريد الوعد بالإقرار.
وأما في الثالثة، فلاحتمال أن يريد: لا أنكر أنك مبطل في دعواك، وهذا قول الشيخ أبي حامد، ولم يورد القاضيان: أبو الطيب، والحسين غيره.
وقيل: إنه يجعل مقرًا بقوله: أنا مقر.
قال في ((الحاوي)): وهو أصح.
ولو قال: لا أقر، ولا أنكر، فهو كما لو سكت، فتعرض عليه اليمين، فإن أجاب، وإلا جعله ناكلًا.
ولو قال: زن، أو زنه، أو استوف، أو استوفه- ففيما وقفت عليه من ((تعليق)) القاضي الحسين: أنه يكون مقرًا وفي الحاوي و ((النهاية)) و ((المهذب)): أنه لا يكون مقرًا بقوله: اتزن، وفي قوله: اتزنه، وجهان: الذي اختاره أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا- كما قال الماوردي.
والمصنف- أن يكون مقرًا.

ونسب الإمام ومن تبعه هذا إلى صاحب ((التلخيص)).
والذي اختاره جمهور الأصحاب: أنه لا يكون إقرارًا، لأنه قد يزن ما لا يجب عليه.
قال الإمام: والوجه القطع به، كما في الأولى، فإنه ليس في واحدة منهما ما يشعر بالإلزام، وهذا ما أورده في ((الوجيز)).
والتفصيل والخلاف يجري فيما إذا قال: خذ، أو: خذه، أو: صحاح، أو: هي صحاح، كما قاله الماوردي والمصنف.
قال: وإن قال: أنا [مقر بما تدعيه، لزمه، إذا لا يحتمل ذلك غير الإقرار، [وكذا لو قال: لست منكرًا لما تدعيه]، أو: لست منكرًا أن تكون محقًا فيما تدعيه دون ما إذا قال: لا أنكر أن تكون محقًا، لجواز أن يريد في شيء آخر.
قال: وإن قال: أنا] أقر بما تدعيه، لم يلزمه، لأنه عد بالإقرار، وهذا ما أجاب به القاضي الحسين، والروياني، وغيرهما.
قال القاضي [الحسين]: ويخالف قول الشاهد: أشهد، فإنه محمول على الإقامة وإن كانت صيغته صيغة العدة، لأنه لا يتأتى إقامة الشهادة إلا بهذا اللفظ، بخلاف الإقرار.
وقيل: يلزمه، لأن قرينة الخصومة، وتوجه الطلب، يشعر بالتنجيز، وهذا- كما قال ((الرافعي)) - لا يحكى إلا نادرًا، وقد نسبه الإمام إلى الأكثرين، واختاره.
قال ((الرافعي)): ويعضد ترجيحه: أنهم اتفقوا على أنه لو قال: لا أنكر ما تدعيه، كان إقرارًا غير محمول على الوعد، لكن رأيت بعض أصحاب أبي عاصم أجاب عن هذا الإلزام بأن العموم إلى النفي أسرع منه إلى الإثبات، ألا ترى [أن] النكرة في معرض النفي تعم، وفي معرض الإثبات لا تعم ولك أن تقول: هب أن هذا الفرق بين، لكنه لا ينفي الاحتمال، وقاعدة الإقرار الأخذ باليقين.
قال الإمام: وبتقدير حمله على الوعد، فالقياس: أن الوعد بالإقرار إقرار، كما

أن نقول: التوكيل بالإقرار إقرار، وقد يظهر الفرق بينهما.
قال: وإن قال: بلى، أو: نعم، أو: أجل- لزمه، لأن هذه الألفاظ وضعت للتصديق، وكذا لو قال: لعمري، كما قاله في ((الحاوي))، و ((المهذب)).
قال ((الرافعي)): ولعل العرف يختلف فيه، ومن طريق الأولى أن يكون مقرًا إذا قال: صدقت وقد صرح به ((الرافعي)).
لكن هاهنا مباحثة، وهي أن اللفظ وإن كان صريحًا في التصديق، فقد تنضم إليه قرائن تصرفه عن موضوعه إلى الاستهزاء، والتكذيب، ومن جملتها الأداء والإيراد وتحريك الرأس الدال على شدة التعجب والإنكار، فيشبه أن يحمل قول الأصحاب: إن قوله: صدقت، وما في معناه يكون إقرارًا على غير هذه الحالة.
فأما إذا اجتمعت القرائن، فلا يجعل إقرارًا، ويقال: فيه خلاف، لتعارض اللفظ والقرينة، كما لو قال: لي عليك ألف، فقال في الجواب- على سبيل الاستهزاء-: لك [علي] ألف، فإن المتولي حكى فيه وجهين.
قلت: ويعضده أن القاضي الحسين حكى قبيل باب إقرار الوارث أن العراقيين من أصحابنا قالوا: إذا خاطب المولى مملوكه عند توبيخه بقوله: يا حر، إنه لا يعتق به، فإنه مبالغة في نفي الحرية، ومثله أن يقول لمن يريد تكذيبه: أنت صادق بمرة.
ولو قال المدعي: أليس لي عليك ألف؟ فقال: نعم- لا يكون إقرارًا.
ولو قال: بلى، كان إقرارًا.

والفرق: أن ((نعم)) لتقرير الكلام السابق، [و ((بلى)) لنفي الكلام السابق] وإثبات ما بعده، والسابق هنا نفي، فلذلك كان ((نعم)) مقررًا له، و ((بلى)) مقررًا للإثبات.
وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:172]: إنهم لو قالوا: [نعم]، كفروا.
وهذا ما أورده [القاضي] أبو الطيب في أول الباب، والقاضي الحسين، وتبعه البغوي، وغيره.
وعن الشيخ أبي محمد، وبه أجاب المتولي: أنه يكون مقرًا بقوله: نعم كما في قوله: بلى، وهو الذي رجحه الإمام، ومن تبعه، لأن الإقرار يحمل على مفهوم أهل العرف لا على دقائق العربية.
ولو قال: لعل ما تقوله علي، أو: عسى، أو: أظن، أو: أحسب أو: أقدر لم يكن إقرارًا.
نعم: لو قال: هل لي عليك ألف، فقال: نعم- كان مقرًا.
وكذا لو: اقض الألف الذي عليك، فقال: نعم- كان إقرارًا.
قال [في ((المهذب))]: وجهًا واحدًا.
وقال في الزوائد: إن الطبري قال: ذكر شيخنا في رءوس المسائل: أنه لا يكون إقرارًا في أحد الوجهين، وهما جاريان- كما قال في العدة- فيما إذا قال: أعطني الألف الذي لي عليك، فقال: ما أكثر ما تتقاضى أو: لقد هممت أو: ليست بحاضرة.
وكذا فيما لو قال: والله لا قضيتكه.
ولو قال: غدًا، لم يكن إقرارً.
ولو قال: اشتر عبدي هذا، فقال: نعم، كان إقرارًا قاله في ((المهذب)) وغيره.
قال ((الرافعي)): ويشبه أن يجري فيه الخلاف السابق في الصلح فيما إذا قال: بعني.
ولو قال: اشتر مني هذا العبد، فقال: نعم، ففي ((الوجيز)): أنه إقرار، وهو محمول على التصوير السابق كما ذكره في ((الوسيط))، لا على هذه الصورة، فإن

الحكم فيها- كما قال ((الرافعي)) - أنه إقرار بمالكية البيع لا بمالكية المبيع.
ولو قال: لي عليك مائة، فقال: إلا درهمًا، أو: إلا دانقا، ففي كونه مقرا بما عدا المستثنى وجهان في ((تعليق)) القاضي الحسين.
ولو قال: مالك علي أكثر من مائة، ففي لزوم المائة له وجهان في ((الرافعي))، والراجح: عدم اللزوم، وبه أجاب في العدة، ويشبه أن يجري مثلهما فيما لو قال: ما لك إلا مائة، أخذًا مما حكيناه فيما إذا حلف لا يأكل إلا هذا، هل يحنث إذا لم يأكله أم لا؟ وفيه خلاف.
قال: وإن قال: [له] علي ذلك إن شاء الله، أو: إن شئت، لم يلزمه، لأن هذه الصيغة تستعمل للإلزام في المستقبل، ألا ترى أنه لو قال: لك علي كذا إن رددت عبدي، كان ذلك إلزامًا في المستقبل، ولأن الإقرار إخبار عن حق سابق، فلم يصح ((تعليق)) وجوبه على الشرط، لأن الشرط يطلب للاستقبال.
وهكذا الحكم فيما لو قال: استوفيت ما على مكاتبي إن شاء الله، كما قاله في ((الذخائر)) في كتاب النذر عن رواية صاحب ((التخليص)).
وعن صاحب ((التقريب)): أن من الأصحاب من جعل قوله: علي ألف إن شاء

الله، على الخلاف فيما إذا قال: علي [ألف] من ثمن خمر، لأنه لو اقتصر على [أول الكلام لكان إقرارًا جازمًا].
وقال الإمام: [والوجه تخريج الخلاف] فيما لو قال: [له] علي ألف إن شئت، أي: وإن لم يخرج في قوله: إن شاء الله، [لأنه نفي بآخر كلامه مقتضى أوله، وليس ذلك كقوله: إن شاء الله] فإنه يجري في الكلام كالتردد بخلاف ((التعليق)) بمشيئة غيره.
ولا خلاف في أنه لو قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله تعالى، لا يقع شيء، لأن الطلاق قابل ((للتعليق)) على الجملة، بخلاف الإقرار.
ولو قال المعسر: لفلان علي ألف درهم إن رزقني الله مالا، قيل: ليس بإقرار، بل ((تعليق)).
وقيل: هو إقرار، وذلك بيان لوقت الأداء.
قال ((الرافعي)): والأصح: أنه يستفسر، فإن فسر بـ ((التعليق)) لغا وإن فسر بالتأجيل صح.
ولو قال: له علي ألف إن مت، ففي الزوائد عن العدة: أنه لا يلزمه شيء، كما لو قال: علي ألف إن هب الريح، أو: مات أبي.
قال: وإن قال: إذا جاء رأس الشهر، فله علي ألف، [لم يلزمه، لما بيناه.
وإن قال: له علي ألف إذا جاء رأس الشهر]، فقد قيل: يلزمه، لأنه جزم بالإقرار أولًا، وما بعده يحتمل أنه ذكره لمعرفة المحل، فصار كما لو قال: له على ألف مؤجل إلى شهر، وهذا هو المنصوص، وبه جزم [القاضي] الحسين وابن الصباغ والمتولي.

وعلى هذا هل يقبل قوله في الأجل؟ سيأتي الكلام فيه.
وقيل: لا يلزمه، لأن ما أتى به ((تعليق))، إذ لا فرق بين تقدم الشرط وتأخره، كما تقدم ذكره في كتاب الطلاق، وهذا ما صححه النواوي.
وبعضهم قال- لأجل هذا- بجريان الخلاف في المسألة قبلها.
قال: وإن قال: إن شهد شاهدان [فله علي] ألف، لم يلزمه، [لأنه] ((تعليق)).
وكذا الحكم فيما لو قال: له علي ألف إن شهد شاهدان، أو قال: له علي ما في حسابي، أو: ما خرج بخطي، أو: ما أقر به زيد عني، أو: ما شهد به زيد علي، كما قاله الماوردي.
وكذا لو شهد عليه شاهدان بحق، فقال: ما شهدا به علي [صدق، كما قاله في ((البحر)) في الفروع قبل كتاب الشهادات، بخلاف ما لو قال: ما شهدا به علي حق]، فإنه يكون مقرًا، والفرق أن الحق ما لزم، فلم يتوجه إليه احتمال، والصدق قد يكون فيما قضاه، فتوجه إليه الاحتمال.
وقضية هذا: أن يطرد فيما لو شهد عليه شاهد، فقال: هو صادق فيما شهد به علي، أو: عدل فيه.
وقد قال في ((التهذيب)): إنه يكون مقرًا، بخلاف ما لو قال: هو صادق، أو عدل.
قال: وإن قال: [إن] شهد شاهدان علي بألف فهما صادقان، لزمه في الحال، أي: سواء سماهما أو لا، لأنه أخبر بصدقهما، ولا يتصور صدقهما إلا إذا كان واجبًا عليه، وهذا ما حكاه صاحب ((التلخيص)).
قال في ((المهذب)): وهو اختيار شيخنا أبي الطيب الطبري.
وفي ((الحلية)) قول آخر: أنه لا يكون مقرًا، لما فيه من ((التعليق))، فيصير كقوله: إن شهدا لك علي بألف صدقهما، فإنه لا يكون إقرارًا، لأن غير الصادق قد يصدق، وقد حكاه في ((المهذب)) وجهًا، وهو ما أبداه القاضي الحسين احتمالًا.
قال: وإن قال: كان له علي ألف، فقد قيل: يلزمه، استصحابًا للأصل في

بقاء ما كان علي ما كان، وهذا ما حكاه القاضي الحسين، وحكاه ابن الصباغ عن اختيار [الشيخ] أبي حامد.
وقيل: لا يلزمه، لأنه لم يعترف في الحال بشيء، والأصل براءة الذمة، وهذا ما صححه النواوي.
والوجهان جاريان فيما لو قال: كانت هذه الدار في السنة الماضية له.
قال ((الرافعي)): ويقرب منهما الخلاف فيما إذا قال: هذه الدار أسكنت فيها فلانًا، ثم أخرجته منها، هل يكون إقرارًا له باليد، لأنه اعترف بثبوتها من قبل، وادعى زوالها، أو لا يكون، لأنه لم يعرف بيد فلان إلا من جهته؟ وبالثاني قال أبو علي الزجاجي في ((جوابات جامع الصغير)).
فرع: لو قال: ملكت هذه الدار من زيد، فهو إقرار بالملك لزيد، ودعوى لانتقالها منه، وهكذا لو قال: اشتريتها من وكيل زيد، فإن لم يصدقه زيد، حلف في الأولى على عدم البيع، وفي الثانية على عدم التوكيل، وترد إليه.
ولو قال: هذه الدار قبضتها من يده، كان إقرارًا له باليد، بخلاف ما لو قال: هذه الدار ملكتها على يد فلان، أو: قبضتها على يده، فإنه ليس بإقرار [بالملك له]، ولا باليد، لأن ظاهر اللفظ أنه ملكها أو قبضها بمعونته ووساطته، قاله أبو الطيب.
قال: وإن قال: له علي شيء، ففسره بما لا يتمول: كشقرة فستقة، أو جوزة- لم يقبل.
هذه الفصل ينظم ثلاث مسائل: الأولى: أن الإقرار بالمجهول يصح، وهو مما لا خلاف فيه، كما قاله أبو الطيب، وادعى الإمام اتفاق العلماء عليه، [ووجهه بأن الإقرار إخبار عن سابق، والشيء يخبر عنه مفصلًا تارة، ومجملًا أخرى، ويخالف الإنشاء بحيث لا يحتمل الجهالة والإجمال، احتياطًا لابتداء الثبوت وتحرزًا عن الغرر].
ويخالف الدعوى بالمجهول حيث لا تصح، لأن المدعي يبغي حق نفسه، فلا يبعد أن نكلفه إعلام ما يطله، والمقر معترف لغيره، فيبعد إبطال قوله المتعلق

بإثبات الحق لغيره، وقد تقدم الكلام على ذلك في الدعاوى على أبلغ وجه.
الثانية: أنه يطالب بالتفسير، لأن به تظهر فائدة الإقرار، فإنه يرجع في التفسير إليه بما يمكن كصاحب الشرع إذا أجمل شيئًا يرجع في تفسيره إليه، فإن فسره بمال أو غيره- كما سنذكره- فالقول قوله مع اليمين إن نازعه المقر له، كما سنوضحه.
وإن لم يبين ففيه ثلاثة أوجه جمعها الإمام من تصريح الأئمة وتلويحهم، ولا يجيء منها في مسألتنا إلا وجهان: أظهرهما- وإليه مال الجمهور، كما قال-: أنه يحبس إلى أن يبين، كما لو أسلم على عشر نسوة.
ولأن التفسير والبيان حق واجب عليه فحبس عليه، كما يحبس على المال، وهذا ما حكاه الفوراني، وكذا القاضي الحسين، ونسبه إلى الأصحاب كلهم، وحكاه في ((المهذب)) قولًا.
والثاني: [أنه] لا يحبس، بل يقال للمقر له: ادع عليه حقًا معلومًا، أي: إن لم تكن الدعاوى في الابتداء بحق معلوم، بل بأنه أقر لي بشيء وأنا أطالبه بتفسيره كما تقدم أن هذه الدعوى تسمع، ثم ينظر إلى إقراره به وإنكاره، ويعلق بكل حالة ما يليق بها، أي: فإن أقر بأنه ذاك فلا كلام، وإن أنكر قيل له: فبين ما أردت، واحلف عليه، وإلا حلفناه على ما ادعاه، فإن امتنع من البيان حلفنا المقر له [وقضينا له]، كذا قال ابن الصباغ.
قال الإمام في تمام حكاية هذا الوجه: فإن قال بعد توجه الدعوى: لست أدري، أقمنا ذلك منه إنكارًا، فإن استمر عليه بعد عرض اليمين، جعلناه نكولا، ثم إن أفضت الخصومة إلى يمين الرد، وحلف المدعي، قضينا بالمدعى، فإن امتنع من أدائه حبسناه، فأما الحبس من غير أن يدعي المقر له حقًا مبينًا، فلا سبيل إليه، وهذا الوجه حسن منقاس.
وقال في ((الوسيط)): إن هذا إبطال لفائدة التفسير.

أما إذا كان قد ادعى حقًا معلومًا أولًا، فأقر بأن له عليه شيء، أو أنكر، فأقام المدعي بينة على إقراره بأن له عليه شيء، وسمعنا الشهادة بالإقرار بالمجهول- كما هو أحد الوجهين في ((تعليق)) القاضي الحسين، والمجزوم به في ((الشامل)) - فطولب بالتفسير، فامتنع، فيظهر أن يقال: لا يحتاج إلى إعادة الدعوى، بل تعرض عليه اليمين.
فإن امتنع جعل ناكلًا، وحلف المدعي.
وهكذا صور ((الرافعي)) هذا الوجه فيما إذا وقع الإقرار بالمجهول في جواب الدعوى.
والثالث- حكاه عن صاحب التقريب- إن قال المقر: غصبت منه عينًا من أعيان ماله، وامتنع عن بيانها وردها، حبس.
وإن قال المقر [له]: لست أدري ما غصبه مني، فأما إذا كان الاعتراف بدين مرسل، فلا حبس بسبب الامتناع عن التفسير حتى يعين المدعي مبلغه، ثم تنتظم الخصومة على النسق الذي قدمناه.
قال الإمام: وهذا التفصيل وإن كان فيه أدنى تخييل، فالقياس الحق يوجب التسوية بين الإقرار بالغصب والدين، إذ قد يستبهم الأمر فيهما جميعًا على المقر والمقر له، وقد يعرض التمكين من البيان فيهما.
وهذا الوجه لا يجيء في مسألتنا، لأن الشيء قد يكون عينًا ليست بمال كما ستعرفه.
وقد حكى الغزالي في ((الوسيط)) عوضه: أنه بامتناعه عن التفسير، يجعل ناكلًا عن الجواب واليمين حتى يحلف المقر له، ويستفيد بإقراره تحول اليمين إليه، فيحلف على ما يدعيه، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب في المسألة، وحكاه في ((المهذب)) طريقة اختارها في ((المرشد))، وفي طريقة أخرى قولًا آخر، ويظهر أن الفرق بينه وبين الوجه الذي قبله: أنا لا نجعله على ذلك الوجه بامتناعه ناكلًا عن اليمين وإن جعل ناكلًا عن الجواب إذا كانت الدعوى محررة، وعلى هذا: نجعله بنفس الامتناع من التفسير ناكلًا عن الجواب واليمين كما قال.
وعن أبي عاصم العبادي في مسألتنا: أنه إذا امتنع من التفسير لم يحبس وإن قال: على ثوب أو فضة، ولم يبين يحبس.
قال ((الرافعي)): وقد أشار من شرح كلامه إلى أن الفرق مبني على قبول تفسير

الشيء بالخمر والخنزير، فإنه لا يتوجه بذلك مطالبة وحبس، والله أعلم.
فرع: لو مات المقر بالشيء قبل البيان، طولب به الوارث، فإن امتنع فقولان: أحدهما: أنه يوقف مما ترك أقل مما يتمول.
قال ((الرافعي)): وأظهرهما: أنه يوقف الكل، لأن الجميع وإن لم يدخل في التفسير فهو مرتهن بالدين، وهذا فيه نظر إذا قبلنا التفسير بما ليس بمال كما سيتضح.
المسألة الثالثة: أن تفسير الشيء بما لا يتمول، لقلته وإن كان من جنس ما يتمول- غير مقبول، لأن قشر الفستقة، قشر الجوزة، وكذا قمع الباذنجان، ونحو كذلك.
ووجهه: أن لفظه على الإلزام، وذلك لا يلزم أحدًا، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب، وكذا الماوردي، وألحق بما ذكرناه: التمرة، واللقمة، أي: إذا لم يكن لهما قيمة، للكثرة.
ويجيء من طريق الأولى إلحاق الحبة من الحنطة والشعير والسمسم بذلك.
لكن قد حكى الإمام وغيره في الحبة من الحنطة والشعير والسمسم وقمع الباذنجان- وجهين، وقالوا: إن ظاهر النص القبول، وهو الذي صححه ((الرافعي)).
وقال في ((التهذيب)): إنه المذهب، لأن ذلك شيء يحرم أخذه، وعلى [من] أخذه رده، وتسمع الدعوى به.
ومقابل هذا أبداه القاضي الحسين احتمالًا من حيث إنه لا تسمع الدعوى به.
قلت: وهو المنطبق على كل حد من الحدين المذكورين في المقر به الذي هو الشرط الثالث من شرائط الإقرار، كما قال الماوردي، فإن أحدهما: كل شيء جازت المطالبة به، والثاني: كل شيء جاز الانتفاع به.
قال: وهذا أصح، لأنه حد لما تجوز المطالبة به، ولما يجوز الإقرار به.
لكن قال الإمام: إن قول القاضي: إنه لا تسمع الدعوى بذلك هفوة منه، فإن ما يجب رده ويحرم أخذه لا يمتنع طلبه، وإذا توجه طلبه فهو الدعوى بعينه.
ثم حكى عنه ترددًا في التفسير بالتمرة والزبيبة إذا لم يكن لهما قيمة،

للكثرة كما بالبصرة ونحوها، تفريعًا على القول بأنه لا يقبل التفسير بالحبة من الحنطة، وقال: الوجه: القطع بقبول التفسير بالتمرة، والزبيبة، ولا خلاف أنه يقبل التفسير بها إذا كان في موضع لها قيمة [فيه، قاله] الإمام أيضًا، وهو في ((تعليق)) القاضي.
قال: وإن فسره بكلب- أي: يجوز اقتناؤه- أو سرجين، أو جلد ميتة، لم يدبغ- أي: وهو قابل له- فقد قيل: يقبل، لأن ذلك يثبت فيه الحق والاختصاص، ويحرم أخذه، ويجب رده إلى من أخذ منه، فصح تفسير الإلزام به وإن لم يكن مضمونًا على من هو في يده، كما لو فسره بوديعة، وهذا أصح في ((الرافعي))، و [غيره]، وهو المختار في ((المرشد)).
وقيل: لا يقبل، لأن الإقرار إخبار عما يجب ضمانه، لكونه مالًا، وهذا لا يجب ضمانه، لأنه ليس بمال، وبهذا تخرج الوديعة.
وقد قيل: إنه لا يقبل التفسير بالوديعة أيضًا، لأنها في يده لا عليه، حكاه الإمام.
ويلتحق بما ذكره الشيخ من الخلاف التفسير بالخمرة المحترمة عند من يجوز إيفاءها، وهو ما أورده ((الرافعي))، ومن لم يجوزه كما هو ظاهر مذهب العراقيين، واستبعده الإمام في كتاب الرهن، فهو عنده كالتفسير بغير المحترمة.
والكلب القابل للتعليم داخل فيما ذكرناه، لأنه يجوز اقتناؤه، وقد صرح به ((الرافعي)).
قال: وإن فسره بخنزير، أو ميتة،- لم يقبل [أي: وإن قبلنها بما تقدم]، لأنه لا يجب تسليم ذلك، لأنه لا منفعة له، وهذا ما أورده القاضي الحسين، والإمام.
والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ ألحقا به الخمر.
وفي الخنزير وجه حكاه ابن الصباغ عن رواية الشيخ أبي حامد: أنه يقبل التفسير به أيضًا، وحكاه ((الرافعي)) في الميتة والخمر- أي: غير المحترمة-

وقال: إن الوجهين جاريان في جلد الميتة الذي لا يقبل الدباغ: كجلد الكلب، وكذا بالكلب الذي لا منفعه فيه.
والأصح في الكل: أنه لا يقبل.
وقد جمع في ((المهذب)) بين ما إذا فسر بالخمر، والخنزير، والكلب، والسرجين، وجلد الميتة قبل الدباغ، وحكى في الكل ثلاثة أوجه تبعًا للماوردي، ثالثها: لا يقبل تفسيره بالخمر والخنزير، ويقبل بالكلب، والسرجين، وجلد الميتة قبل الدباغ، وعلى ذلك جرى في ((التهذيب))، وصحح الثالث.
قال: وإن فسره بحد قذف، قبل، لأنه حق آدمي، وهذا ما صححه النواوي، واختاره في ((المرشد)).
وقيل: [لا] يقبل، لأنه لا يئول إلى المال بحال، فأشبه ما لو فسره برد السلام.
والوجهان حكاهما القاضي أبو الطيب عن رواية أبي محمد البافي.
والقائلون بالأول فرقوا بين ما نحن فيه ورد السلام وإن اشتركا في كونهما حقين بأن هذا الحد لا يسقط بالتأخير، ورد السلام- كما قال القاضي أبو الطيب- يسقط بالتأخير عن الفورية، فلا يكون حين التفسير حقًا عليه.
ولأنه لا يطالبه برد السلام في العادة، والإقرار يكون بما يطالب به عادة.
نعم، لو قال: له علي حق، قبل التفسير برد السلام، وعيادة المريض، قاله في ((التهذيب)) تبعًا للقاضي الحسين.
قال ((الرافعي)): وظني أن الفرق بينه عسير، وكيف لا والحق أخص من الشيء، فيبعد أن يقبل تفسير الأخص بما لا يقبل به تفسير الأعم؟! قلت: ولأجل هذا قال القاضي بعد حكاية ذلك: والأظهر أنه لا يقبل التفسير به [هنا] أيضًا.

قال: وإن فسره بحق شفعة، قبل، لأن حق يئول إلى المال، ولهذا قبلنا فيه الشاهد واليمين، وقد جزم بهذا ابن الصباغ والبغوي والروياني.
واعلم أن الشيخ سكت عن التفسير المقبول بالاتفاق، وهو ما يتمول وإن قل: كفلس، ونحوه، لوضوحه.
نعم: لو نازعه المقر له في التفسير به، نظر: فإن كان [في القدر] مع الاتفاق على الجنس والنوع، كما إذا فسر الشيء بمائة مثلًا، فقال المقر له: لي عليك مائتان، فإن صدقه على إرادة المائة بإقراره فهي ثابتة باتفاقهما، ويحلف المقر على نفي الزيادة لا غير.
وإن لم يصدقه على إرادة المائة بإقراره، بل قال: أردت به المائتين، حلف على أنه ما أراد بإقراره مائتين، وأنه ليس عليه إلا مائة.
قال القاضي الحسين والإمام: لأنه لو حلف على أحدهما، واعترف بالآخر، لزمه المائتان، فلذلك لم يكتف على أحدهما، ويجمع بينهما في يمين واحدة على المشهور، ولم يحك ابن الصباغ غيره.
وعن ابن المرزبان: أنه لابد من يمينين، فلو نكل المقر حلف المقر له على استحقاق المائة الزائدة، ولا يحلف على الإرادة، لأن له مندوحة عنها، فإنه إذا حلف على استحقاق ما وقع التناكر فيه، حصل مقصوده.
ولأنه لا يطلع عليها، بخلاف ما إذا مات المقر، وفسر الوارث، فادعى المقر له زيادة، حيث يحلف الوارث على نفي إرادة المورث، لأنه قد يطلع من حال مورثه على ما لا يطلع عليه غيره.
وبمثله لو أوصى بمجمل، ومات، وبينه الوارث، وزعم الموصى له أنه أكثر، يحلف الوارث- كما قاله القاضي الحسين هنا- على نفي الإرادة أيضًا، وكذا في كتاب الوصية، واعتبر ثم أن يدعي علم الوارث بالإرادة في مسألة الإقرار ومسألة الوصية.
وحكى البغوي هنا عنه: [أنه يحلف] في مسألة الوصية على نفي العلم باستحقاق الزيادة، ولا يتعرض للإرادة.

والفرق: أن الإقرار إخبار عن حق سابق، وقد يعرض فيه الاطلاع، والوصية إنشاء أمر على الجهالة، وبيانه إذا مات الموصي إلى الوارث.
وإن كانت المنازعة في الجنس بأن فسر المقر بدراهم، فقال المقر له: حقي عليك دنانير لا غير- بطل حكم الإقرار برده، وكان مدعيًا للدنانير، والقول قول المقر فيها، وهذا إذا صدقه في أنه أراد بإقراره بالشيء: الدراهم، فإن كذبه، وقال: إنما أردت بإقرارك الدنانير- حلف المقر على نفي الإرادة، [ونفي ما يدعيه] كما تقدم، وبطل الإقرار.
ولو قال المقر له: الدراهم أنا أستحقها، لكن ما ادعيت به غيرها، سلم إلى المقر له [الدراهم، ثم إن صدقه في إرادتها بالإقرار، فالقول قول المقر في نفي سواها، ويحلف عليه لا غير.
وإن كذبه] في الإرادة، حلف على نفي الإرادة، ونفي ما يدعيه.
قال ((الرافعي)): وقد حكينا في كتاب البيع فيما إذا ادعى المشتري عيبًا قديمًا بالمبيع، وقال البائع: بعته وأقبضته سليمًا- في كيفية وجهين.
أحدهما: يلزمه أن يحلف كذلك.
والثاني: يكفيه الاقتصار على أنه لا يستحق الرد، فليجيء هاهنا وجه: أنه يكفيه نفي اللزوم، ولا يحتاج إلى التعرض للإرادة.
فرع: لو اقتصر المدعي بعد تفسير المقر الشيء بما يقبل على دعوى الإرادة، فقال: ما أردت بكلامك ما فسرت به، وإنما أردت كذا: إما من جنس ما فسر به، أو من غيره- لم تسمع منه على الأصح، لأن الإقرار والإرادة لا يثبتان حقًا له، بل الإقرار إخبار عن حق سابق فعليه أن يدعي الحق نفسه.
وفيه وجه ضعيف: أنه تقبل دعوى الإرادة المجردة، وهو ما حكاه القاضي الحسين في كتاب الوصية.
قال الإمام: والخلاف كالخلاف فيمن ادعى على خصمه أنه أقر له بألف يسمع منه، أم عليه أن يدعي نفس الألف؟ وقد قدمت في ذلك كلامًا في باب الدعاوى.

قال: وإن قال: غصبت منه شيئًا، ثم قال: أردت نفسه- لم يقبل، لأن مقتضى لفظه بظاهره: غصب شيء غير نفسه.
قال القاضي أبو الطيب، وتبعه ابن الصباغ: ولأن ذلك ليس بغصب على الحقيقة، لأن الحر لا تثبت عليه يد الغاصب، فقد فسر الغصب بما ليس بغصب، فلم يقبل منه.
قال في ((المهذب)): وكذا لو قال: غصبتك- أي: شيئًا- لا يقبل تفسيره بغصب نفسه، لما ذكرناه.
أما لو لم يقل شيئًا، فليس بغاصب لشيء يوجب غرما، وكذا لو قال: غصبت من زيد.
قاله في ((الحاوي)).
ولو فسر في مسألة الكتاب المغصوب بما يقبل به التفسير في الصورة السابقة، قبل هاهنا من طريق الأولى، إلا بحق الشفعة والوديعة، ويقبل كما قال البغوي هنا بالحبة من الحنطة، وبقمع باذنجانة، وكذا بالخمر والخنزير على أحد الوجهين، كما حكاه في كتاب الوصية.
وقال ابن الصباغ هنا: إن أصح الطريقين في الخنزير: أنه لا يقبل التفسير به، وهو ما أورده القاضي أبو الطيب هنا، وألحق به الميتة.
وفي ((الرافعي)) - تبعًا لما قاله الغزالي، وكذا البغوي هنا- أنه يقبل بالخمر والخنزير، وأنه نص عليه في ((الأم)).
وقال ابن الصباغ: إنه نص في كتاب الإقرار بالحكم الظاهر في باب الغصب منه، فقال: لو قال: غصبت فلانًا على شيء، وفسره بخمر، أو خنزير- قبلته، وأرقت الخمر، وقتلت الخنزير.
ووجهه بأن الغصب لا يقتضي إلا الأخذ قهرًا، وليس في لفظه ما يشعر بإلزام ثبوت حق بخلاف قوله: علي.
ولو قال: له عندي شيء، قال ((الرافعي)): فكذلك يقبل التفسير بالخمر، والخنزير على المشهور، لأنه شيء مما عنده، وهذا مما ألحقه القاضي [الحسين] وغيره بالمنصوص عليه.
وقال الشيخ أبو محمد: لا يقبل.
واختاره الإمام ومن تبعه، لأن قوله: له يشعر بثبوت ملك أو حق.

قال ((الرافعي)): وللأولين أن يمنعوا ذلك، ويحتجوا عليه بانتظام قول القائل: لفلان عندي خمر أو خنزير، ثم لهم أن يدعوا مثل ذلك في قوله: غصبت من فلان.
قال: وإن أقر بمال، أو بمال عظيم، أو خطير، أو كثير- قبل [في] تفسيره القليل، [أي: من المال] والكثير.
ووجهه في الأولى: صدق ذلك عليه مع أن الأصل براءة الذمة مما زاد.
وفي الباقي، فلأنه ما من مال إلا وهو عظيم، أو خطير، أو كثير بالإضافة إلى ما هو دونه.
ولأنه يحتمل أن يريد عظم خطره بكفر مستحله، ووزر غاصبه والخائن فيه.
وقد قال الشافعي في الكثير- كما قال القاضي والإمام-: أصل ما أبني عليه الإقرار: أن ألزم، وأطرح الشك، ولا أستعمل الغلبة، وإنما كان كذلك لأن الأصل براءة الذمة.
وقد أبدى القاضي الحسين وغيره احتمالًا أقيم وجهًا أنه يجب أن يزيد تفسير المال العظيم على تفسير مطلق المال، ليكون لوصفه بالعظم فائدة.
قال الإمام: وهذا كلام مبهم فإنه لا يتصور أن يفسر المال بشيء لا يقدر انحطاطه عنه، فإذا كان لا ينضبط على هذا الوجه تفسير المال المجرد، فكيف يتحقق تقدير زيادة على الأول.
وكان شيخي أبو محمد يقول: من أصحابنا من قال: العظيم يستدعي مزيدًا، ثم اكتفى بأن يفسر بعظيم الجثة والذات، وهذا كله خبط.
والوجه القطع بما قطع به الشافعي وإن تشوف متشوف إلى خلاف النص، فلا يجوز أن يعتقد فيه ضبط إلا من جهة الشرع، وهو أن [يحمل] على نصاب السرقة، فإنه ليس بالتافه شرعًا، أو على المبلغ الذي تغلظ اليمين فيه، أخذ من قول بعض الصحابة في عظيم من المال، ولم يصر أحد من أصحابنا إلى هذين المسلكين، فالخبط بعدهما لا معنى له.
وعلى المشهور: لو فسر بالتمرة، ولا قيمة لها، للكثرة، فقد قال الإمام: الوجه القبول، لأنها مال وإن لم تتمول في ذلك الموضع.
ثم قال: هكذا يذكره العراقيون، ويقولون: كل متمول مال، ولا ينعكس.

وتلحق الحبة من الحنطة بالتمرة الواحدة.
ولو قال: له علي مال قليل، أو حقير، أو طفيف، أوتافه، أو نزر، أو يسير- فهو كما لو قال: مال، وتحمل هذه الصفات على استحقار الناس إياه، أو على أنه فإن زائل، فليكن بهذا الاعتبار قليلًا وبالاعتبار الأول كثير.
ولا خلاف في أنه لا يقبل تفسير فيما ذكرناه بخمر ولا خنزير، لأنه ليس بمال.
وهل يقبل تفسيره بأم ولد؟ فيه خلاف حكاه الشيخ أبو محمد، والأظهر: القبول، لأنها مال، بدليل أنها لو قتلت، أخذت قيمتها.
ولو فسر بوقف عليه، قال ((الرافعي)): فيشبه أن يخرج على الخلاف في أن الملك في الوقف لمن؟ فروع: لو قال: لزيد على مال أكثر من مال فلان، قبل تفسيره- أيضًا- بأقل ما يتمول وإن كثر مال فلان، لأنه يحتمل أن يريد به أن مال فلان حرام، ومال زيد حلال، والقليل منه أكثر من الحرام، وكما أن القدر مبهم في هذا الإقرار، فكذلك الجنس والنوع.
نعم، لو قال: له علي أكثر من مال فلان عددًا، فالإبهام في الجنس والنوع دون القدر، حتى لو كان مال فلان مائة دينار، ففسر بأكثر من مائة درهم أو غيرها قبل كذا دل عليه كلام الماوردي غيره، حيث قال: لو قال له شخص: لي عليك مائة دينار، فقال: لك علي أكثر منها، ثم بين درهمًا-[قبل]، ولو قال: أكثر منها عددًا، لم يقبل إلا أكثر من مائة عددًا، وسواء بين دنانير أو غيرها.
وفي ((تعليق)) أبي الطيب فيما إذا قال: ((أكثر من مال فلان عددًا)): أنه ينظر: فإن

أقر أنه عرف مال فلان، وأن عدده ألف، لزمه مثل ذلك المال في المقدار وزيادة، ويكون الخيار إليه في قدره، وهو ما حكاه ابن الصباغ عن نصه في الإقرار بالحكم الظاهر.
وإن قال: ما علمت أن لفلان إلا كذا، لم يلزمه إلا ما اعترف به وإن قامت البينة على أن لفلان أكثر منه لأنه قد [لا] يطلع عليه.
ولو قال: له علي أكثر [من مال فلان من صحاح الذهب، فالإبهام في القدر وحده.
ولو قال: لزيد على أكثر] مما يشهد به الشهود على فلان، قبل تفسيره بأقل ما يتمول.
وكذا لو قال: أكثر مما قضى به القاضي على وجه هو الأظهر في ((الرافعي)).
ومقابله: أنه يلزمه القدر المقضي به وهو ما أورده القاضي الحسين، وحكاه الإمام عن الأكثرين، لأن قضاء القضاء محمول على الحق والصدق، بخلاف شهادة [الشاهد]، فإنها قد تكون زورًا.
ولو قال: لفلان على أكثر مما في يد فلان من المال، قبل تفسيره بما يتمول.
ولو قال: أكثر مما في يد فلان من الدراهم، لزمه مثلها إن عرف قدرها، وإن لم يعرف قدرها فأقلها ثلاثة، كذا قاله القاضي الحسين، وكلام الإمام يوافقه.
وقال في ((التهذيب)): لا يلزمه من جنس الدراهم، بل يلزمه بذلك العدد من أي جنس شاء وزيادة بأقل ما يتمول.
قال ((الرافعي)): وهو يخالف قياس ما سبق من وجهين: أحدهما: إلزام العدد.
والثاني: إلزام زيادة على ذلك العدد، فإن التأويل الذي سبق للأكثرية ينفيهما جميعًا.
ولو قال: علي من الدراهم أكثر مما في يد فلان من الدراهم، فإن لم يكن في يده شيء لزمه أقل ما يقع عليه اسم المال من الدراهم، وإن كان في يده عشرة دراهم، لزمه عشرة دراهم وزيادة شيء، وهذا قياس ما حكيناه عن الماوردي،

وأبي الطيب، وغيرهما من قبل.
وقال ((الرافعي)): إن الأظهر ما نقله الإمام عن الجمهور: أنه لا يلزمه زيادة على الموجود في اليد، ومثله بما إذا كان في يده ثلاثة، حملًا للأكثر على ما سبق.
وحكى عن شيخه أنه لو فسره بما دون الثلاث، قبل أيضًا وقال: إنه منتجه.
ثم على ما قاله البغوي: لو قال المقر: لم أعلم أن في يده عشرة، وظننت: أنها ثلاثة، قبل قوله باليمين.
قال: وإن أقر بدراهم، أو بدراهم كثيرة- لزمه ثلاثة [دراهم]: أما في الأولى، فلأنها أقل الجمع.
وأما في الثانية، فلأن الكثرة قد يعبر بها عن الحلال وغيره، فلم يلزمه زيادة على أقل الجمع بالاحتمال.
قال ((الرافعي)): وهكذا الحكم فيما لو قال: دراهم عظيمة، ويجيء فيه الوجه المذكور في المال الكثير والعظيم.
وفي ((الحاوي)) فيما إذا قال: له علي دراهم: أن بعض المتقدمين من فقهاء البصرة قال: أقل الجمع اثنان، فلا يلزمه إلا درهمان، وهذا نسبه القاضي أبو الطيب إلى بعض الناس من النحويين ,استبعده هو وغيره.
وعلى المشهور: لو فسر بأكثر من ثلاثة قبل.
قال القاضي الحسين: ولا فرق بين أن يقع التفسير قبل الحجر عليه بالسفه أو بعده.
فرع: لو قال: له علي أقل أعداد الدراهم، لزمه درهمان، لأن العدد هو المعدود، وكل معدود متعدد، فيخرج عنه الواحد.
قال: وإن قال: له علي درهم، ثم أعاده، أي أعاد القول في وقت آخر- لزمه درهم واحد، لأن الإقرار إخبار، ويجوز أن يخبر ثانيًا بما أخبر به أولًا، ولذلك لو فقال: رأيت زيدًا، ثم قال: رأيت زيدًا- لم يكن ذلك إخبارًا عن رؤية ثانية، وإذا كان كذلك لم يلزمه ما زاد على الدرهم بالشك.
ومن طريق الأولى إذا أعاد ذلك في المجلس، فقال: له علي درهم درهم، لاحتمال إرادة التأكيد.

وقد وافقنا الخصم عليه.
وهكذا الحكم فيما لو أعاد بعضه في وقت آخر، أو في المجلس، فقال: علي نصف درهم.
ولا فرق في ذلك بين أن يقع الإقرار عند الحاكم، أو عند الشهود، ولا بين أن تتحد اللغة أو تختلف، فيقر في أحد الوقتين بالعربية، وفي الآخر بالعجمية.
قال: وإن قال: له علي درهم من ثمن ثوب، ثم قال: له علي درهم من ثمن عبد، لزمه درهمان، إذ لا يحتمل أن يكون الثاني هو الأول.
وهكذا لو قال: [له] علي درهم بصري، ثم قال: له علي درهم بغدادي، أو قال: له علي درهم حال، ثم قال له علي درهم مؤجل إلى كذا، أو قال: له علي درهم مؤجل إلى شهر، ثم قال قبل تقضي الشهر: له علي درهم حال، ونحو ذلك، ولو أضاف الدرهم في أحد الوقتين إلى سبب، وأطلق في الوقت الآخر، نزل المطلق على المقيد، ولا يلزمه إلا درهم واحد، سواء تقدم الإطلاق أو التقييد.
وكذا لو أقر في أحد الوقتين بألف صحاح، أو مكسر، وأطلق في الآخر، لا يلزمه غير المقيد، وهذا بخلاف الإنشاءات، فإنه لو قال: قبضت منه يوم السبت عشرة، ثم قال: قبضت منه يوم السبت عشرة، ثم قال: قبضت يوم الأحد عشرة، أو خمسة، جعل قابضًا للأمرين، كما لو قال: طلقت [يوم السبت طلقة، ثم قال: طلقت] يوم الأحد طلقة- تقع طلقتان.
ولو قال يوم السبت: له علي خمسمائة، ثم قال يوم الأحد: له علي ألف- لم يلزمه غيره، كما لو قال يوم السبت: طلقتها طلقة، ثم قال يوم الأحد: طلقتها طلقتين- لم يقع عليه سواهما.
قال: ولو قال: [له] علي درهم ودرهم، لزمه درهمان، لأن مقتضى الواو العطف، والمعطوف غير المعطوف عليه، فلذلك لزمه درهمان.
ولو قال: له علي درهم، ودرهم، فالنص: أنه يلزمه ثلاثة.

والمحكي في نظيره من الطلاق: أنه يقع طلقتان على أحد القولين، وثلاث في الثاني.
وعن ابن خيران: أنه نقل الجواب في مسألة الطلاق إلى الإقرار، وجعلها- أيضًا- على قولين.
والأكثرون على تقرير النصين، وفرقوا بأن الطلاق يدخله التأكيد أكثر منه في الإقرار، لأنه يقصد به التخويف والتهديد، ولأنه يؤكد بالمصدر، فيقال: هي طالق طلاقًا، والإقرار بخلافه، فلذلك حمل التكرار على التأكيد في الطلاق، وحمل على العدد في الإقرار.
وعلى هذا: لو كرر عشر مرات أو أكثر، لزمه من الدراهم بعدد ما كرر.
وحكم ((ثم)) حكم الواو فيما ذكرناه، صرح به ((الرافعي)) تبعًا لابن الصباغ، والإمام وغيرهما.
قال ((الرافعي)): ثم ما ذكرناه عند الإطلاق، أما لو قال: أردت باللفظ الثالث درهمًا آخر، لزمه ثلاثة بلا خلاف.
ولو قال: أردت به تكرار الثاني، قبل، ولم يلزمه غير درهمين، وهو ما أورده الإمام والبغوي.
وفي ((الشامل)): أن ابن خيران قال في هذه الصورة: إنه يقبل منه، كما قال الشافعي في مثل هذه الصورة من الطلاق: إنه يقبل قول الزوج، وأن عامة الأصحاب فرقوا ... وذكر ما ذكرناه من قبل، فقبل قوله في ذلك، بخلاف الإقرار، وهذا صريح في أن الراجح: أنه لا يقبل قوله والحالة هذه، وهو المختار في ((المرشد))، وكلام القاضي أبي الطيب يمكن حمله على ما قاله الأولون، فإنه قال: إذا قال: له علي درهم ودرهم ودرهم، قال ابن خيران: يلزمه درهمان، ويرجع في الثالث إليه، فإن قال: أردت التكرار، لم يلزمه، وإن قال: أردت الاستئناف، لزمه، وإن أطلق فقولان: أحدهما: يلزمه درهمان.
والثاني: ثلاثة، كما قلنا فيما إذا قال لامرأته: أنت طالق، وطالق وطالق، تقع طلقتان، ويرجع في تفسير الثالثة إلى إرادته، فإن أطلق فقولان.

وأكثر أصحابنا على أنه يلزمه ثلاثة [دراهم] قولًا واحدًا، والفرق ما ذكرناه.
فقوله: ((وأكثر الأصحاب على أنه يلزمه ثلاثة)) يمكن عوده إلى حالة الإطلاق لا إلى حالة الإرادة.
وعلى هذا لو قال: أردت باللفظ الثالث تكرار الأول، فوجهان ذكرهما الإمام هنا، وفي نظير المسألة من الطلاق، وحكاهما القاضي في الطلاق، وألحق به الإقرار، وأظهرهما في ((الرافعي))، وهو المذكور في ((الوجيز)): أنه لا يقبل ويلزمه ثلاثة، لأن التكرار إنما يؤكد به إذا لم يتخلل بينهما فاصل، وهذا ما أورده الأصحاب في نظير المسألة في الطلاق.
وقال الإمام هنا: إن من أصحابنا من منع جريان الوجه الآخر هاهنا، وأجازه في الطلاق، قال: وبه ينتظم في المسألة ثلاثة أوجه.
والفرق على الثالث: أن الطلاق إنشاء صادر عن مصدر، فلا يمتنع التأكيد في وضعه، والإقرار إخبار، فكان أبعد عن التأكيد، بدليل أن الرجل يقول: أنت طالق طلاقًا، ويمتنع مثل ذلك في الإقرار، وهذا خيال لا حاصل له، ولا فرق بين البابين، والله أعلم.
قال: وإن قال: له علي درهم فدرهم، لزمه درهم على المنصوص.
وقيل: فيه قولان: أحدهما: [يلزمه] درهم.
والثاني: درهمان.
واعلم أن النص في ((المختصر)) في هذه المسألة كما ذكره الشيخ، والنص فيما إذا قال لزوجته: أنت طالق فطالق: وقوع طلقتين.
واختلف الأصحاب لأجل ذلك في المسألتين على طريقين: إحداهما- وهي المحكية في ((الشامل))، و ((المهذب)) و ((النهاية))، وغيرها عن ابن خيران- تخريج قول من كل مسألة إلى الأخرى، وجعلهما على قولين: أحدهما: يلزمه درهم، وتقع طلقة واحدة، لأن الفاء تستعمل للعطف

وتستعمل للصفة، وإذا استعملت للعطف كانت كالواو، وإذا استعملت للصفة، لم يلزمه إلا درهم وطلقة، فيجوز أن يكون أدخلها للصفة بأن يريد: فدرهم جيد، أو رديء، أو لازم، أو يريد فطالق أنت حينئذ، فلا يلزم ما زاد على المحقق بالاحتمال.
والثاني: يلزمه درهمان، وتقع طلقتان، لأن الفاء ظاهرة في العطف كالواو.
وفي ((الحاوي)) أن ابن خيران خرج من مسألة الطلاق [إلى مسألة الإقرار] قولًا: أنه يلزمه درهما، وسكت عن ذكر التخريج من مسألة الإقرار إلى [مسألة] الطلاق، وكذلك فعل في ((الوجيز)).
قال الماوردي: وقد أشار الشافعي إلى مثل ذلك في الإقرار بالحكم الظاهر.
قلت: وإليه أشار ((الرافعي)) بقوله: وقد رأيت في بعض الشروح: أن ابن أبي هريرة نقل قولًا منصوصًا للشافعي أنه يلزمه درهمان.
والثانية- وهي المحكية عن الأكثرين، والصحيحة في ((النهاية))، وغيرها-: تقرير النصين، وفرقوا بوجهين: أحدهما: أن الدراهم يدخلها التفصيل، فيجوز أن يريد: له علي درهم فدرهم أجود منه، أو أردأ، ومثل ذلك لا ينقدح في الطلاق، لأنه لا يوصف بالجودة والرداءة.
قال أبو علي في ((الإفصاح)): ووزان الإقرار من الطلاق: أن يقول: أنت طالق طلقة فطلقة، ويريد بذلك الصفة، فإنه يقبل منه كالإقرار، كذا حكاه عنه أبو الطيب وغيره.
وفي ((الحاوي)) بعد ذكر هذا الفرق: فإن قيل: فقد يوصف الطلاق بمثل ذلك، فيقال: طلاق سنة، وطق بدعة- قيل: ليس هذا صفة للطلاق، وإنما هو حال يرجع إلى صفات المطلقة والمطلق، لأن حكم الطلاق في الأحوال على السواء.
والثاني: أن الطلاق إنشاء والإقرار إخباره، والإنشاء أقوى وأسرع نفوذًا، ولهذا لو أقر اليوم بدرهم، وغدًا بدرهم، لا يلزمه إلا درهم، ولو تلفظ بالطلاق في اليومين، وقعت طلقتان، بل في الوقت الواحد على أحد القولين.
قال ((الرافعي)): ولابن خيران أن يمنع الفرق الأول، ويقول: يجوز أن يريد

بـ ((طالق)): مهجورة، أو لا يراجع، ويجوز أن يريد بـ ((طالق)) خبر مثله، وما أشبهه.
وأما الثاني فإنه يناقض الفرق المذكور في مسألة: درهم ودرهم ودرهم، وطالق وطالق وطالق.
ثم هذا الخلاف فيما إذا أطلق المقر، ولم يبين مراده بلفظ الفاء أو قصد به غير العطف، كما أفهمه لفظ القاضي الحسين، حيث قال: إن محله إذا لم يرد العطف، أما إذا أراده لزمه درهمان وطلقتان وجهًا واحدًا، كالواو.
لكن في ((النهاية)) و ((الشامل)) تصوير محل الخلاف إذا قال: أردت غير العطف، وقدرت: علي درهم فدرهم لازم، أو جيد، أو رديء، وهو ظاهر لفظ ((المختصر))، فإنه [قال]: إذا قال: لبه عندي درهم فدرهم، قيل: إن أردت: فدرهم لازم، فهو درهم، والله أعلم.
قال: وإن قال: له علي درهم تحت درهم، أو فوق درهم، أو مع درهم أو قبل درهم، أو بعد درهم-[فقد] قيل: فيه قولان: أحدهما: درهم، لأنه يحتمل أنه أراد: فوق درهم في الجودة، وتحت درهم في الرداءة ومع درهم لي، وقبل درهم أملكه، وبعد درهم ملكته، فلا يلزمه ما زاد عليه بالاحتمال مع أن الأصل براءة الذمة، وهذا ما نص عليه في الصور الثلاث الأول، وهو في الأخيرتين على ما قال القاضي والإمام مخرج.
وابن الصباغ وغيره قال: إن الربيع رواه فيهما.
والثاني: درهمان، لأن هذه الألفاظ تقتضي ضم درهم إلى درهم، فأشبهت الواو، وهذا ما نص عليه في الأخيرتين، وهو مخرج- كما قال القاضي والإمام- فيما عداهما.
وبعضهم نسبه فيهما إلى رواية الربيع أيضًا.
قال ابن يونس: وكأن مبنى القولين: تعارض الأصل والظاهر.
قلت: ذلك خلاف أصل الشافعي في الإقرار كما تقدم.

وقيل: [إن قال: فوق درهم، أو تحت درهم، أو مع درهم لزمه درهم.
وإن قال: قبل] درهم، أو بعد درهم- لزمه درهمان، لأن ((قبل))، و ((بعد)) لا يحتمل إلا التاريخ، فالمفهوم التقدم في الوجوب، فصار أحد الدرهمين مضمومًا إلى الآخر، بخلاف ((فوق)) و ((تحت)) و ((مع)) فإن ذلك إشارة إلى المكان، والمقر بشيء لا يكون مقرًا بمكانه، وهذه الطريقة هي التي نص عليها في ((المختصر)).
وقال الصباغ: إن الشيخ أبا حامد لم يذكر غيرها، وهي التي اختارها أكثر الأصحاب، وتبعهم صاحب ((المرشد))، والنواوي، وعليها لو قال: له علي درهم قبله درهم، وبعده درهم، لزمه ثلاثة، حكاه القاضي الحسين.
[قال الرافعي]: ولمن قال بالأولى أن يقول: القبلية والبعدية كما يكونان بالزمان يكونان بالرتبة، ثم هب أنها زمانيان يرجعان إلى الوجوب، لكن يجوز أن يريد: لزيد درهم قل ثبت درهم لعمرو.
وفي المسألة وجه آخر ينسب إلى الداركي: أنه إذا قال: درهم معه درهم، أو فوقه درهم، لزمه درهمان، لرجوع الكناية إلى الأول الذي التزمه، وكذا قال بمثله ابن خيران وغيره فيما إذا قال: قبله أو بعده، دون ما إذا قال: تحت درهم، أو فوق درهم، أو مع درهم، أو قبل درهم، أو بعد درهم، والمشهور أنه لا فرق.
قال: وإن قال: له علي درهم في دينار، لزمه درهم، لأنه يحتمل أنه أراد في دينار لي، أو اقترضت منه درهمًا في ثمن دينار لي.
قال: إلا أن يريد: مع دينار، فيلزمه درهم ودينار، أي: على قول كما تقدم، لأن لفظه ((في)) تستعمل حيث تستعمل ((مع))، قال الله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:29]، أي: ((مع)) عبادي، ويقال: جاء الأمير في الجيش، أي: مع الجيش، وفي ذلك تغليظ عليه.
ولو قال: إنه وزن لنفسه درهمًا في ثمن بعض دينار، فهو كما لو قال: له في هذا العبد ألف، وفسره بذلك، وسنذكره، قاله أبو الطيب.
و ((الرافعي)) أحال الكلام في هذه المسألة بجملتها على مسألة العبد.

فرع: لو قال: لزيد علي درهم مع عمرو، قال الماوردي: فالظاهر أنه مقر لزيد بدرهم هو مع عمرو.
واليقين: أنه مقر بدرهم لزيد وعمرو، فرجع إلى بيانه، فأيهما أراده عمل به.
قال: وإن قال: له علي درهم في عشرة، لزمه درهم، لأنه يحتمل أنه أراد: أنه مختلط في عشرة لي.
قال: إلا أن يريد الحساب، فيلزمه عشرة، لأن ذلك موجبه عند أهل الحساب.
فلو أيس من بيانه لم يلزمه غير درهم.
قال ابن يونس: وقيل: يلزمه عشرة، لأنه الظاهر من استعمال هذه اللفظة، وهذا إذا كان يعرف الحساب، أما إذا كان لا يعرفه، فيشبه أن يقال: لا يلزمه غير درهم وإن قال: أردت ما يريده الحساب كما لو أقر العربي بالعجمية، وهو لا يعرف معناها، وهذا يكشفه ما تقدم في الطلاق.
ولو أراد بـ ((في)) هاهنا ((مع)) لزمه أحد عشر درهمًا، قاله ((الرافعي)) قال: ولو قال: له علي درهم، أو دينار، لزمه أحدهما، وأخذ بتعيينه، لأنه إقرار بأحدهما، لأن ((أو)) للترديد.
وقيل: لا يلزمه شيء حكاه الإمام عن رواية الشيخ أبي علي، عن رواية صاحب ((التخليص)) وغيره.
والخلاف جارٍ كما قاله الماوردي- فيما إذا قال: علي ألف لزيد، أو عمرو: أحدهما: لا يلزمه لأحدهما شيء، وهو ما اختاره في ((المرشد)).
والثاني: أنه مقر لأحدهما به، ويؤخذ بالبيان.
ولو قال: له علي ألف، أو على الجدار، لم يلزمه شيء، قاله في ((العدة))، كما لو قال: له علي ألف، أو على أخي، أو شريكي.
وكذا [لو] قال: له علي ألف أو لا، لم يلزمه شيء، للشك.
قال: وإن قال: درهم بل درهم، لزمه درهم، لأنه يحتمل أنه توهم عليه زيادة، فقصد الاستدراك بقوله: ((بل)) ثم تذكر في الحال أنه لا زيادة له عليه،

وهكذا الحكم فيما لو قال: لا بل درهم، أو: لكن درهم.
وفي ((الحاوي)) حكاية وجه في مسألة الكتاب: أنه يلزمه درهمان، لأنه إذا لم يزد على الأول لا يكون استدراكًا، وكان رجوعًا، فلزماه معًا، ومن هذا يتخرج وجه فيما إذا قال: له علي درهمان بل من طريق الأولى.
ولو قال: له علي درهم بل لسالم مولاه، وكان سالم مأذونًا له، قال في العدة لزمه الدرهمان، لأنه أقر للسيد أولًا، ثم استدرك إقراره لمن هو دونه، فلا يكون ذلك مالًا واحدًا كما لو كان على المأذون دين، فإن أبا حنيفة وافق فيها.
قال: وإن قال: درهم بل درهمان، لزمه درهمان، لأن الدرهم داخل في الدرهمين، فلم يكن ذلك رجوعًا عن إثبات الدرهم، بل نفى الاقتصار عليه، وألحق به الدرهم الآخر.
وهكذا لو قال: قفيز بل قفيزان، ونحو ذلك.
قال ((الرافعي)): وهذا مشكل بما إذا قال: أنت طالق طلقة بل طلقتين، فإنه تقع الثلاث، ولا أردي لم لم يتصرفوا فيهما هاهنا تصرفهم فيما سبق من المسائل.
قال: وإن قال: درهم لا بل دينار، لزمه درهم ودينار، لأنه استدرك جنسًا آخر، وهو يقتضي إسقاط ما أقر به أولًا، فلم يقبل منه الإسقاط، وقبل منه الإثبات الثاني.
وضابط هذا: أنه متى أقر بشيء في الذمة واستدرك بغيره: إن اختلفا في الصفة والجنس لزمه كلاهما، وإن اتفقا في الصفة والجنس، واختلفا في القدر، لزمه الأكثر منهما.
وقولنا: ((في الذمة)) احترز عما لو قال: لو عنيد هذا الدرهم، بل هذان الدرهمان، فإنه يلزمه الثلاثة، لأن المشار إليه أولًا غير داخل في المشار إليهما ثانيًا، فلزمه الكل.
قال: [وإن قال]: درهمان بل درهم، لزمه درهمان، مؤاخذة له بقوله الأول، وقياس هذا أن يقال فيما لو قال: له علي درهم ودرهم بل درهم: أنه يلزمه درهما، وقد أطلق البغوي وغيره أنه يلزمه ثلاثة، وقد ذكرناه في نظير

المسألة من الطلاق، فليطلب من ثم إذا رأينا إلحاق الإقرار بالطلاق.
قال: وإن قال: له علي ما بين الدرهم والعشرة، لزمه ثمانية، لأن ((ما)) بمعنى ((الذي))، فكأنه قال: الذي له علي العدد الذي يقع بين الواحد والعشرة، وذلك صريح في إخراج الطرفين، فتخلص للزم ثمانية.
قال الماوردي: وهذا مما لم يختلف فيه أصحابنا.
وقريب منه قول الإمام: إنه الذي أطبق عليه الأصحاب.
وحكى القاضي أبو الطيب ومن تبعه عن رواية صاحب ((التخليص)) في المفتاح عن الشافعي: أنه يلزمه تسعة، لإدخاله العاشر فيه.
وقد نسب القاضي هذا المذهب إلى صاحب ((التخليص)) نفسه، وأنه وجهة بأن الحد إذا كان من جنس المحدود، دخل، والعشر من الجنس، فدخل، وهذا ما اختاره في ((المرشد)).
وفي ((الإشراف)): أن المزني نقل في ((المنثور)) أنه يلزمه عشرة، وقد حكاه أبو خلف السلمي عن القفال، لأن المقصود بيان غاية ما عليه، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أقوال، وبعضهم يوردها وجوهًا، ومثلها قد حكاه ((الرافعي)) فيما لو قال: أعطوه ما بين الدرهم والعشرة، وأن الأستاذ أبا منصور حكى عن بعض الأصحاب: أنه إن أراد الحساب، فللموصى له خمسة وخمسون، وإن لم يرد الحساب فله المتفق [عليه] وهو ثمانية.
قال ((الرافعي)): ثم لا شك في اطراد هذا في الإقرار.

قال: وإن قال: له علي من درهم إلى عشرة فقد قيل: يلزمه ثمانية، لأنه جعل الأول والعاشر حدين، والحد لا يدخل في المحدود، دليله ما لو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار لا يدخلان في البيع.
وقيل: [يلزمه] تسعة، لأن لفظة ((من)) لابتداء الغاية، فيدخل الأول، كما تقول: سرت من الكوفة إلى البصرة، ولا يدخل فيه العاشر، لأنه جعله حدًا.
ووجهه الإمام بأن تقدير الحد في الدرهم الأول بعيد وإذا كان الملتزم بالإقرار زائدًا على واحد، فتقدير الواحد في الطرف الأول خارجًا عن اللزوم بعيد، وليس ذلك كالتحديد الراجع إلى الجنس في الأمكنة وغيرها.
ووجهه الشيخ أبو حامد بأنه لو قال لفلان من هذه النخلة [إلى هذه النخلة]، دخلت الأولى في الإقرار دون الآخرة، فكذلك هاهنا وصحح هذا الوجه وكذلك العراقيون، وتبعهم في ((الوجيز)) و ((المرشد))، والنواوي.
وهذان الوجهان لم يورد الماوردي، والقاضي الحسين غيرهما.
وقيل: [يلزمه] عشرة: أما التسعة، فلما ذكرناه، وأما العاشر، فلأن الحد إذا كان من جنس المحدود [دخل، دليله: إدخال المرفق في الغسل، وهذا من جنس

المحدود] فدخل، وهذا ما صححه البغوي، وحكاه الإمام عن رواية شيخه.
والقاضي أبو الطيب خرجه من النص الذي حكاه في المسألة السابقة عن رواية صاحب ((التلخيص)).
ومثل هذه الأوجه محكي فيما إذا قال: أنت طالق من واحدة إلى الثلاث كما تقدم.
قال: وإن قال: له علي كذا، فهو كما لو قال: له [علي] شيء، لأن ((كذا)) مبهم كما أن لفظ ((الشيء)) مبهم، والتفريع كما تقدم.
وهكذا الحكم فيما لو قال: [له] علي كذا كذا، لأن ذلك بمنزلة قوله: [علي] شيء شيء، والتكرار للتأكيد، لا للتجديد.
قال: وإن قال:] له علي كذا كذا درهمًا، لزمه درهم، لأن حذف حرف العطف يجعل التكرار تأكيدًا، كقوله: شيء شيء، وقد فسر المبهم بدرهم، فصار كما لو قال: لو علي درهم درهم، لا يلزمه غير درهم.
وقد حكى الماوردي وابن الصباغ والإمام عن أبي إسحاق المروزي: أنه يلزمه أحد عشر درهمًا إذا كان يعرف العربية، كما صار إليه محمد بن الحسن فيما يعرفها وغيرها، الإمام نسب ذلك إلى أبي حنيفة، وتمسكوا فيه بأن ذلك أقل عددين ركب أحدهما على الآخر من غير عطف، ونصب الدرهم بعده، وسنذكر ما يبطل ذلك.
وما ذكره الشيخ يجري فيما لو قال: كذا كذا درهم بالرفع، أو الخفض، كما قاله القاضي أبو الطيب، والبغوي، وهذا منهما فيه نظر، لأنهما جزما القول كما ستعرفه فيما لو قال: له على كذا درهم، بالخفض: أنه يلزمه دون الدرهم، وقياس ذلك أن يقولا بمثله هاهنا.
نعم، هذا ظاهر على قولنا: إنه يلزمه بقوله: كذا درهم، بالخفض: [درهم]، والله أعلم.
قال: ولو قال: كذا وكذا درهمًا، فقد قيل: يلزمه درهمان، لأنه ذكر مبهمين، ثم ذكر الدرهم تفسيرًا عقيبهما، فاقتضى أن يكون تفسيرًا لكل واحد منهما، كما لو قال: له على خمسة عشر درهمًا، وهذا ما ادعى البندنيجي في كتاب الوصية أنه المذهب.

وقيل: فيه قولان: أحدهما: درهم، لأن ((كذا)) عبارة عن الشيء، وعن بعضه، وقد ذكر الدرهم عقيب المبهمين تفسيرًا لهما، فجاز أن يريد أن نصفه لهذا ونصفه لهذا، فلا يلزم ما زاد عليه بالاحتمال، وهذا ما اختاره المزني، وكذا صاحب ((المرشد)) في حق من لا يعرف العربية.
وعلى هذا لو قال: كذا وكذا وكذا درهمًا، [لم يلزمه إلا درهم].
والثاني: درهمان، لما سبق، وهو الصحيح عند النواوي، والمختار في ((المرشد)) في حق من [لا] يعرف العربية، وهذه الطريقة رواها المزني، وقال ((الرافعي)): إنها مشهورة، واختارها ابن خيران، والإصطخري.
والذي قال به أبو إسحاق وعامة الأصحاب- كما قال في ((المهذب)) - الطريقة الأولى، وهؤلاء اختلفوا على ماذا يحمل نصه على أنه يلزمه درهم واحد: فبعض المتقدمين من الأصحاب- كما قال الماوردي- حملوه على ما إذا نواه، وصرف اللفظ عن ظاهره بالنية.
وابن أبي هريرة حمله على ما إذا قال: كذا كذا درهماً من غير واو، أو شك الحاكم: هل ذكر في إقراره الواو أم لا؟ وقال: إن الشافعي نص على هذا الحكم في الأم.
وأبو إسحاق حمله على ما إذا قال: كذا وكذا درهم بالرفع، فإنه لا يلزمه إلا درهم، لأنه حينئذ يكون خبرًا عن المبهمين، فيكون تقديرهما: درهم.
قال ابن الصباغ: وهذه الطريقة هي الصحيحة.
وغيره قال: إنها منصوص عليها في الإقرار والمواهب.
وقد حكى ((الرافعي)) فيما لو قال: له علي كذا وكذا درهم بالرفع طريقة أخرى حاكية للقولين، لكن الأصح طريقة القطع بأنه لا يلزمه غير درهم، وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب.
ووراء ما ذكرناه في مسألة الكتاب قول آخر، ووجه.
فالقول حكاه الإمام: أنه يلزمه درهم وشيء:

أما الدرهم فلتفسير الجملة الثانية.
وأما الشيء فللأولى الباقية على إبهامها.
وهذا يوافق ما جاء في بعض نسخ ((المختصر)): أنه إذا قال: كذا وكذا درهمًا [قيل: أعطه درهمًا] وأكثر، والمشهور منها: أعطه درهمًا أو أكثر، أي: فسره بدرهم أو بأكثر منه.
والوجه حكاه الماوردي، وابن الصباغ، والإمام عن أبي إسحاق: أنه يلزمه إذا كان يعرف العربية أحد وعشرون درهمًا، كما صار إليه صار إليه محمد بن الحسن في حق من يعرفها وغيره، ونسبه الإمام، والفوراني، والقاضي الحسين إلى أبي حنيفة، تمسكا بأن أقل عددين عطف أحدهما على الآخر، ونصب الدرهم بعده ذلك، وسنذكر ما يبطله.
فرع: لو قال: [له] علي كذا [وكذا]، لزمه شيئان، وله تفسيرها بما شاء.
قال في ((التهذيب)): ويجوز أن يكونا مختلفين.
ولو قال: كذا بل كذا، فوجهان في ((الحاوي)): أحدهما: يكون إقرارًا بشيء واحد، ويكون الثاني إثباتًا للأول.
والثاني: أنه يكون إقرارًا بشيئين، فيفسرهما بما شاء مما يقبل به تفسير الشيء.
قال: وإن قال: كذا درهم بالخفض، لزمه دون الدرهم، لأن قوله: ((كذا)) عبارة عن بعض الشيء، وعن جملته، فلزمه البعض، لاحتمال إرادته إياه، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب، والبغوي، واختاره ابن الصباغ، و [كذا] صاحب ((المرشد)) في حق من يعرف العربية.
وقيل: يلزمه درهم، لأن قوله: ((كذا)) لا يفهم معنى فيصير وجوده كعدمه، فينزل [جملة] كلامه عليه كقوله: علي درهم، ولو قال ذلك لزمه درهم، رفع أو نصب أو خفض، فكذا هنا، وهذا ما اقتضى إيراد ((الرافعي)) ترجيحه، ولم يحك الماوردي سواه، وهو المعزي في ((الشامل)) [إلى الشيخ] أبي حامد.
وقال في ((التتمة)): إنه لا يتجه غيره في حق من لا يحسن الإعراب، لأن هذه اللفظة لا تذكر في العادة ويراد بها بعض الدرهم.

وعلى هذا: لو قال: كذا وكذا وكذا درهم بالخفض، يظهر أن يكون الحكم كما لو قال: كذا درهمًا بالنصب، وقد صرح به الماوردي.
وعلى الأول قال القاضي أبو الطيب: له تفسير ما دون الدرهم بحبتين، ودانقين، وغيرهما، ويكون تقدير كلامه: كذا وكذا من درهم.
ولا خلاف في أنه لو قال: كذا درهم، بالرفع، أنه يلزمه درهم، ويكون خبرًا، وتقديره: علي شيء هو درهم.
ولو قال: كذا درهمًا، بالنصب، لزمه درهم.
وحكى الماوردي، وابن الصباغ، والإمام عن ابي إسحاق المروزي: أنه يلزمه عشرون درهمًا، إذا كان يعرف العربية، كما صار إليه محمد بن الحسن فيمن يعرفها وغيره.
ونسبه الإمام وغيره إلى أبي حنيفة، تمسكا بأنه أول اسم ينصب الدرهم المفسر عقيبه.
وأجاب الأصحاب عن ذلك وعما تقدم بأن تفسير الألفاظ المبهمة لا ينظر فيه إلى الإعراب، كما لا ينظر إليه في الأقاوير، ويدل عليه أنه لو قال: لهعلي مائة درهمًا، يلزمه المائة وإن كان ذلك خطأ في اللغة.
ولو قال: له علي [كذا] درهم صحيح، لم يلزمه مائة درهم بوفاق الخصم وإن كانت الموازنة التي ذكرت من اتباع العربية تقتضي لزوم المائة، وإنما كان كذلك لأن المتبحر في اللغة قد يخطئ فيها، فنزلنا الأمر على الظاهر، وأول ما يسبق على الفهم من الكلام عند الإطلاق.
وقولنا في فرض المسألة: درهم صحيح، حتى لا ينصرف اللفظ إلى نصف درهم، وربع درهم.
فإن قيل: قد حكى البندنيجي أن الطحاوي حكى عن بعض أصحاب أبي حنيفة: أنه يلزمه في هذه المسألة مائة درهم، عملا بالموازنة المذكورة، وهو محمد بن الحسن- كما قاله ابن الصباغ- فقد انتفى الإلزام.
قيل: المشهور عنهم الأول، وعلى تقدير تسليم الثاني، فالإلزام يتوجه من طريق آخر، وهو أنه إذا قال: كذا درهماً، [لزمه عشرون، وإذا قال: كذا كذا درهمًا

لزمه إذًا أحد عشر درهمًا]، وهذا من الغلط العظيم، لأن المقر كرر اللفظ بعينه مرة أخرى، فإن لم يزد ذلك في المقدار، فينبغي ألا ينقص منه، لأنه لا يكون أقل من التأكيد للأول بالثاني، والتأكيد لا يزيده نقصانًا.
ولو قال: كذا درهم، بالوقف، قال ((الرافعي)) وغيره: فهو كما لو ذكره بالخفض، أي: فيجيء فيه الوجهان، وكذا قاله ابن الصباغ.
قال: وإن قال: له علي ألف ودرهم، أو ألف وثوب، لزمه الدرهم والثواب، لتصريحه في الإقرار بهما، ورجع في تفسير الألف إليه، لأنه يجوز العطف على غير الجنس حقيقة، فيقول: رأيت رجلًا وحمارًا، كما يجوز على الجنس، فيقول: رأيت زيدًا وعمرًا، وإذا كان كذلك احتمل أن يريد العطف على الجنس وعلى غيره، فرجع إليه.
ولأن الخصم في مسألة الدرهم- وهو أبو حنيفة، وأبو ثور- وافقنا على أنه إذا قال: ألف وثوب: أنه يرجع في تفسير الألف إليه، وكذا في كل ما لا يتقدر بكيل، ولا وزن، كما قاله الماوردي، وابن الصباغ وغيرهما، فنقول في مسألة الدرهم: معطوف على مبهم، ليس بوصف له، فوجب ألا يفسر ذلك المبهم، أصله: ألف وثوب.
ولأن ما أفاد زيادة على العدد، لم يفد تفسيرًا.
دليله، ما إذا قال: ألف وثوب، أو عبد.
وهكذا الحكم فيما لو قال: ألف ودرهمان أو مائة ودرهم، أو ثوب، أو مائة ودرهمان، أو ثوبان- يلزمه الدرهمان والثوبان، ويرجع في تفسير الألف والمائة إليه، وله أن يفسر ذلك بجنس واحد، وأجناس مما يسوغ تفسير الشيء به، كما لو قال: له علي ألف.
فرع: لو قال: له علي ألفٌ درهمٌ، قال ((الرافعي)): كان له أن يفسر الألف بما لا تنقص قيمته عن درهم، وكأنه قال: الألف مما قيمة الألف منه درهم.
قال: وإن قال: له علي مائة وعشرة دراهم، كان الجميع دراهم، [لأن الدراهم] هاهنا لم تفد زيادة على العدد المذكور، فتعين أن تكون مفسرة وقد

تعقبت جملتين، كل واحدة محتاجة إلى التفسير، فصرفت إليهما والشاهد لذلك العرف.
وقيل: يلزمه عشرة دراهم، ويرجع في تفسير المائة إليه كالمسألة قبلها، وهذا قول ابن خيران والإصطخري.
وعلى هذا: لو قال: بعتك بمائة وعشرة دراهم، كان البيع باطلًا، للجهل بالمائة.
والصحيح الأول، وهو المختار في ((المرشد)).
والخلاف جار فيما لو قال: مائة وخمسة عشر درهمًا، ومائة وثلاثة دراهم، ومائة وخمسون درهمًا، وخمسة وعشرون درهمًا، وألف وخمسون درهمًا، وألف ومائة درهم، وخمسون وألف درهم.
وفي ((الحاوي)) وجه ثالث: أنه إذا كان ما بعد الألف عددًا بلفظ الجمع، كقوله: ألف وثلاثة، أو أربعة دراهم، وهكذا إلى العشرة لم يكن ذلك تفسيرًا للألف.
وإن كان ما بعد الألف عددًا منسوبًا للدرهم، كقوله: أحد عشر درهمًا فما زاد، كان تفسيرًا للألف، لأن التمييز أخص بالصفات والنعوت، ويكون تقدير الكلام: له علي ألف وأحد عشر من الدراهم.
قال أبو الطيب وغيره: ولا خلاف بين أصحابنا فيما لو قال: له علي خمسة عشر درهمًا: أن الدرهم تفسير للجميع، لأن الخمسة عشر وإن كان عددين، فإن أحدهما ركب على الآخر، فجريا مجرى العدد الواحد.
وكذا لا خلاف بينهم فيما لو قال: ألفًا إلا ثلاثة دراهم، لا يكون تفسيرًا، لأن ذلك تفسير للاستثناء، وتفسير الاستثناء لا يكون تفسيرًا للمستثنى منه، قاله الماوردي.
فرع: هو عكس مسألة الكتاب- إذا قال: له علي درهم ونصف، أو عشرة

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل