كتاب الشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
دراهم ونصف- ففي النصف وجهان:
أحدهما- وبه قال الإصطخري-: أنه مبهم.
والثاني- وبه قال الأكثرون-: أنه نصف درهم، لجريان العادة به.
قال: وإن قال: له علي عشرة، أي دراهم، إلا عشرة، أي: دراهم- لزمه العشرة، لما ذكرناه في كتاب الطلاق.
أما إذا قال: له علي عشرة إلا عشرة كما هو ظاهر لفظ الشيخ- فهو شبيه بما لو قال: له علي شيء إلى شيئًا.
وقد حكى القاضي الحسين وغيره في بطلان الاستثناء وجهين:
أحدهما: يبطل.
والثاني: لا يبطل، لوقوع الشيء على القليل والكثير، فلا يمتنع حمل الثاني على أقل مما حمل عليه الأول.
وهذا يظهر مثله في قوله: عشرة إلا عشرة [لكن الأصحاب الحاكين لهذين الوجهين قاسوا الأول على ما لو قال: له علي عشرة إلا عشرة] وهذا يدل على أن ذلك متفق عليه وهو لا يخلو عن احتمال.
قال الإمام: وفي التردد في مسالة: شيء إلا شيئًا غفلة، لأنا إن ألغينا استثناءه اكتفينا بأقل ما يتمول، وإن صححناه ألزمناه- أيضًا- أقل ما يتمول، فيتفق الجوابان.
قال ((الرافعي)): ويمكن أن يقال: حاصل الجوابين لا يختلف، لكن التردد غير خال عن الفائدة، فإنا إذا أبطلنا الاستثناء.
لم نطالبه إلا بتفسير اللفظ الأول، وإن لم نبطله طالبناه بتفسيرهما، وله آثار في الامتناع من التفسير.
قال: وإن قال: له علي درهم ودرهم إلا درهمًا، لزمه درهمان على المنصوص، وقيل: يلزمه درهم.
وقد بينا نظير ذلك في الطلاق على أبلغ وجه، وكذا قاعدة الاستثناء، فليطلب
من ثم، فإن الحكم في البابين واحد، لكنا قلنا ثم: إن الصحيح هو المنصوص، [وقد قال به الجمهور هنا أيضًا.
وفي ((الحاوي)): أن الصحيح هنا: أنه] يلزمه درهم، وقد شذ عنا ثم فروع، نذكر منها هنا ما يتيسر:
ومنها: إذا قال: لع علي عشرة إلا خمسة أو ستة، قال في التتمة: لا يلزمه إلا أربعة، لأن الدرهم الزائد مشكوك فيه، فصار كما لو قال: له علي خمسة أو أربعة، لا يلزمه إلا أربعة.
قال ((الرافعي)): ويمكن أن يقال: يلزمه خمسة، لأنه أثبت العشرة، واستثنى منها خمسة، واستثناء الدرهم الزائد مشكوك فيه.
قلت: ولا وجه إلا الأول، لما تقدم أن الاستثناء مع المستثنى من كاللفظ الواحد، لأنه أثبت شيئًا، ثم رفعه، ولهذا صح.
وفي ((العدة)) أنه لو قال: له علي ألف درهم إلا مائة درهم، أو خمسين درهمًا، لزمه الألف في أحد الوجهين، لأن الاستثناء المتأخر مشكوك فيه، فلا [يرفع المتقدم] المتيقن، كقوله: إلا مائة درهم، أو عشرة دنانير.
ومنها: لو قال: له على ألف درهم ومائة دينار، إلا مائة [درهم] وعشرة
دنانير-[لزمه الألف كاملًا، والاستثناءان يرجعان إلى الدنانير في أحد الوجهين.
ولو قال: له علي ألف درهم إلا مائة درهم وعشرة دنانير] إلا قيراطًا، لزمه تسعمائة وعشرة إلا قيراطًا في أحد الوجهين، [قالهما في العدة].
ومنها: لو قال: له علي درهم غير دانق فقضية النحو- وبه قال بعض الأصحاب- أنه إن نصب ((غير))، فعليه خمسة دوانق، لأنه استثناء، وإلا فعليه درهم تام، والمعنى: علي درهم إلا دانق.
وقال الأكثرون: السابق إلى فهم أهل العرف [منه] الاستثناء، فيحمل عليه وإن أخطأ في الإعراب.
ومنها: إذا قال: غصبته عبدًا إلا رأسه، أو إلا يده، ففيه وجهان:
أصحهما في ((الحاوي)): أنه يكون غاصبًا لجميعه، لإحالة ما استثناه.
والثاني: أنه يكون مقرًا بمجهول، ويرجع في بيانه إليه.
قال: وإن قال: له علي ألف درهم إلا ثوبًا، وقيمة الثوب، أي: الذي فسره، دون الألف، أي: ولو بأقل ما يتمول- قبل منه، لأن الاستثناء من غير الجنس، واستثناء الأكثر في الإقرار جائز عندنا، كما هو مقرر في الأصول، وهذا منه.
نعم، حكى الماوردي عن أصحابنا وجهين في جواز استثناء الأكثر في غير الإقرار.
وقد قال الغزالي في مسألة الكتاب: إن هذا استثناء من الجنس، لأن تقديره: إلا قيمة ثوب.
نعم: فيه مجاز من حيث ذكر الثوب، والمراد قيمته.
أما إذا فسر الثوب بثوب قيمته ألف فأكثر، فوجهان:
أحدهما: أن التفسير باطل، والاستثناء صحيح، فيلزم أن يفسر بثوب قيمته دون الألف، وهذا ما صححه البغوي.
والثاني: أن الاستثناء باطل، ويلزمه الألف، وهذا ما صححه الإمام وغيره.
ومن هنا يظهر لك أن قول الشيخ: وقيمة الثوب دون الألف شرط لصحة الاستثناء، أو لصحة التفسير ومنه يظهر أن المحذوف في قوله: قبل منه، ماذا.
فرع: لو قال: له علي ألف درهم ومائة دينار إلا خمسين، فإن أراد بالخمسين
المستثناة جنسًا غير الدراهم أو الدنانير، [قبل منه بالشرط السابق.
وإن أراد أحد الجنسين من الدراهم، أو من الدنانير]، أو منهما قبل.
وإن فات بيانه، عاد إلى المالين، لكن هل يعود إلى كل واحد منهما جميع الخمسين، أو نصفها؟ فيه وجهان في ((الحاوي)).
قال: وإن قال: له علي ألف إلا دينارًا، رجع في تفسير الألف إليه، وأسقط منه الدينار، لما ذكرناه.
ولو فسر الألف بما لا يبقى منه شيء بعد إسقاط الدينار، ففيه وجهان:
أحدهما: يبطل الاستثناء، وهو المختار في ((المرشد)).
والثاني: يبطل التفسير.
وكما يصح استثناء المبهم من المعلوم، والمعلوم من المبهم، يصح استثناء المبهم من المبهم، كما إذا قال: له علي ألف إلا شيئًا، أو إلا عبدًا، ويكلف تفسيرهما معًا، فيبين جنس الأول، ثم يفسر الثاني.
ولو قال: شيء إلا شيئًا، فقد تقدم الكلام فيه، وكما يجوز الاستثناء مرة يجوز مرتين فأكثر، لكنه ينظر:
فإن عطف الثاني على الأول بواو العطف، كانا جميعًا بمنزلة الاستثناء الواحد، إذ لم يلزم من ذلك استغراق، مثاله: إذا قال: له علي عشرة إلا درهمين وإلا درهمًا، فيلزمه سبعة، كما لو قال: له علي عشرة إلا ثلاثة.
[وإن لزم منه استغراق، كما إذا قال: له علي عشرة إلا سبعة وإلا ثلاثة] فهل يلزمه عشرة كما لو قال: له علي عشرة إلا عشرة، أو نخص الثاني بالبطلان حتى يلزمه ثلاثة؟ فيه وجهان جاريان فيما لو قال: له علي عشرة إلا سبعة وثلاثة، وأصحهما في هذه الثاني.
وعن الشيخ أبي علي أنه قطع به في الأولى، وبه يحصل في الصورتين ثلاثة أوجه.
وإن كان الثاني بغير واو العطف، كان الاستثناء الثاني راجعًا إل ما يليه من الاستثناء الأول، ويعتبر صحته وفساده، لكونه مستغرقًا بالنسبة غليه، لا إلى الأول.
مثاله: إذا قال: له علي عشرة، إلا خمسة إلا اثنين، كان قد استثنى من العشرة خمسة، ومن الخمسة اثنين، والجميع سبعة، فيلزمه ثلاثة، ويشهد لهذه القاعدة قوله تعالى: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ ...﴾ [الحجر:58، 60] فاستثنى ((آل لوط)) من القوم، ثم استثنى امرأته من ((آل لوط)) من غير حرف العطف، فكان راجعًا إلى الاستثناء الذي يليه دون المستثنى منه.
والطريق في معرفة ما يلزمه في مثل ذلك مما لا يلزم إذا تعددت الاستثناءات بعد ما ذكرناه من القاعدة هنا، وما ذكرناه من قاعدة ثانية في كتاب الطلاق: أن الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي العام إثبات، وكذا من غير العام إذا تقدم النفي، إثبات- أن يجمع كل ما هو إثبات على اليد اليمنى مثلًا، وكل ما هو نفي على اليسرى، ثم يسقط المنفي من المثبت، فما بقي منه هو الجواب.
مثاله: إذا قال: له على عشرة، إلا تسعة، إلا ثمانية، وهكذا إلى الواحد، فالمثبت ثلاثون، والمنفي خمسة وعشرون، فإذا أسقطت خمسة وعشرين من ثلاثين، بقيت خمسة فهي اللازمة له.
قال الإمام: والطريق في تمييز المثبتات من المنفيات أن ينظر إلى العدد المذكور أولًا، فإن كان شفعًا فالأوتار منفية، والأشفاع مثبتة، وإن كان وترًا فبالعكس، ولهذا شرط، وهو أن تكون الأعداد المذكورة على التوالي الطبيعي، ويتلو كل شفع منها وتر، أو بالعكس كما ذكرناه.
وقد احترزنا بقولنا: إن الاستثناء من النفي غير العام إثبات إذا تقدمه إثبات عما إذا قال: ليس له علي عشرة إلا خمسة، فإنه لا يلزمه شيء عند الأكثرين، لأن عشرة إلا خمسة خمسة، فكأنه قال: ليس له [علي] خمسة.
وبقولنا: العام، أدخلنا ما لو قال: ليس له علي شيء إلا خمسة، فإنه يلزمه خمسة.
وفي ((النهاية)) وجه آخر في المسألة الأولى: أنه يلزمه خمسة كهذه.
وعلى هذا لا نحتاج في قولنا: إن الاستثناء من النفي [إثبات]، إلى شرط.
ثم قضية قولنا: إن الاستثناء الثاني إذا وقع بغير حرف العطف يكون صحته وفساده بالنسبة إلى ما يليه من الاستثناء منه أنه إذا قال: لفلان علي عشرة إلا خمسة إلا عشرة: أنه يلزمه خمسة، لأن الثاني باطل، لكونه مستغرقًا، والأول صحيح، لكونه غير مستغرق، فاقتصر عليه.
نعم، لو انعكس الحال، فقال: له علي عشرة إلا عشرة إلا أربعة، ففيه الأوجه المذكورة في نظير المسألة من الطلاق.
قال: وإن قال: له هؤلاء العبيد العشرة إلا واحدًا، لزمه تسليم تسعة، لأن الاستثناء يصح وإن كان مجهولًا، كما لو قال: له علي عشرة إلا شيئًا، فكذلك هاهنا، إذ لا فرق بين العين والدين.
قال: [ويلزمه البيان]، لأن حق الغير تعلق بالمقر به منهم، فلزمه تعيين، كما لو أقر بطلاق إحدى نسائه على التعيين، أو عتق [أحد عبديه].
ثم هو بالخيار بين أن يعين من استثناه، وبين أن يعين المقر بهم التسعة، فإن نازعه المقر له في التعيين، فالقول قول المقر مع يمينه.
وهكذا الحكم فيما لو قال: له هؤلاء العبيد إلا واحدًا، يصح، ويطالب بالبيان، وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب، والحسين، وغيرهما حكاية عن النصف في ((المختصر))، ولم يورد في ((الوجيز)) غيره، وقال ((الرافعي)): إنه ظاهر المذهب.
وحكى في ((الوسيط)) فيها وجهًا آخر: أنه لا يصح، لأن الاستثناء إنما ورد في اللسان عن الأعداد، فلذلك يقبل، وإلا فالأصل أن رفع الإقرار السابق باطل.
فإن قلت: هل يجري هذا الوجه في الصورة السابقة؟
قلت: لا إن جردت النظر إلى ما علل به، لأن العدد ثابت فيها.
نعم: يمكن أن يأتي فيها [من مأخذ] سلكه الإمام في تصحيحه في نظير المسألة، وهو ما إذا أشار إلى عشرة دراهم، فقال: هذه الدراهم لفلان إلا هذا وهذا، متمسكًا بأن إضافة الإقرار إلى معين يقتضي الملك فيه نصًا، فإذا أراد الاستثناء في البعض كان راجعًا.
وأيده بأنه لو قال: له هذا الدرهم، وهذا الدرهم إلا هذا الدرهم، فلا خلاف على بطلان الاستثناء.
ولو قال: له علي درهم ودرهم إلا درهمًا، كان في صحة الاستثناء خلاف.
ما ذكره من التصحيح هو ما أورده الغزالي في القسم الثاني من التعليقات من كتاب الطلاق، حيث قال: لو قال: لفلان هؤلاء الأعبد الأربعة [إلا هذا، لم يصح الاستثناء بلا شك، لأن الاستثناء في المعين لا يعتاد، وهذا التعليل يرشد إلى أن هذا مخصوص بما إذا عين المخرج من الجملة، لأنه الذي يعني بالاستثناء، أما إذا لم يعينه، بل أبهمه، كما إذا قال: له هؤلاء الأربعة] إلا واحدًا، فلا، وحينئذ فلا يكون منافيًا لما ذكره هنا.
لكن [لك أن تقول]: الغزالي ساق ذلك لتأييد مذهب القاضي فيما إذا قال لنسائه: أربعتكن طوالق إلا فلانة: أنه لا يصح الاستثناء، لأنه صرح بالأربع، وأوقع عليهن الطلاق، وهذا يدل على أنه عنى بالاستثاء المستثنى منه، وإلا لم يحصل التأييد، وحينئذ تتوجه المؤاخذة.
وقد قال القاضي: لو قال: أربعتكن إلا فلانة طوالق، صح الاستثناء، ونظيره في مسألتنا: أن يقول: هؤلاء الأعبد العشرة إلا هذا لفلان، فيصح جزمًا.
ثم قال الغزالي: والمسألة- أي في الطلاق- محتملة، إذ لا يلوح الفرق بين عدد [المطلقات وعدد] الطلقات، ولا بين التقديم والتأخير.
قال: فإن ماتوا إلا واحدًا، فذكر أنه [هو] المستثنى، قبل منه على المذهب، لاحتمال صدقه، والأصل ثبوت يده عليه، وبقاء تصرفه فيه، وهذا ما حكاه أبو الطيب والماوردي وغيرهما وجهًا، وصححوه، وقال الإمام: إنه الذي قطع به الأصحاب.
وغيرهم قال ما قاله الشيخ.
وقيل: لا يقبل، لأنه يرفع به حكم الإقرار، فأشبه ما لو قال: له [علي] ألف إلا ثوبًا، وفسر الثوب بما يستغرق [قيمة] الألف.
والقائلون بالأول فرقوا بأن الاستثناء هنا قد صح وقت الإقرار، وتفسيره لا يرفع الجميع، وإنا يظهر به تعذر تسليم المقر به، لموتهم، لا لمعنى يرجع إلى الإقرار، فأشبه ما لو ماتوا بعد البيان، بخلاف المسألة المقيس عليها، فإن التفسير يرفع جملة المقر به.
ولو قتلوا إلا واحدًا، فذكر أنه [هو] المستثنى، قبل وجهًا واحدًا وإن كان الحي أقل قيمة، لأن حق المقر له يتعلق بقيمة المقتولين، وقد ادعى القاضي أبو الطيب في ذلك الإجماع.
ومن هنا يظهر: أنه لو قتلهم من لا ضمان عليه، كان كما لو ماتوا، وأنه لو قال: غصبت هؤلاء العبيد إلا واحدًا، فماتوا كلهم إلا واحدًا، فذكر أنه [هو] المستثنى: أنه يقبل، كما قال الأصحاب كافة، لأن أثر الإقرار يبقى في مطالبته بقيمة الموتى.
فرع: لو مات المقر قبل البيان، قام وارثه مقامه، قاله القاضي الحسين.
قال: وإن قال: له هذه الدار إلا هذا البيت، أو هذه الدار له وهذا البيت لي- قبل منه:
أما في الأولى، فلأن ما أتى به صيغة استثناء، فعمل بموجبه، كما يعمل به عند الاستثناء من الأعداد، وهكذا الحكم فيما لو قال: له هذا الخاتم إلا هذا الفص ونحوه.
وأما في الثانية، فلأنه أخرج البعض بلفظ متصل، فأشبه الاستثناء، بل هو أبين منه، لأنه تصريح بمعنى الاستثناء، فكان أولى بالصحة، وهذا ما حكاه الإمام عن صاحب ((التخليص))، والقاضي الحسين عن القفال، وقال: إنه يشكل بما لو قال: هذه الدار لزيد، وهذا البيت لعمرو، أو هذه الشاة لزيد، وحملها لعمرو- فإنه
يحكم بالدار والبيت والشاة والحمل لزيد، لأنه لو سكت على قوله: هذه الدار وهذه الشاة لزيد، كان يستحق ذلك [كله، فكان رجوعًا عن بعض الإقرار، بخلاف ما لو استثنى ذلك]، لأن الاستثناء لبيان ما بدأ به من الكلام، كالتخصيص إذا ورد على العموم.
نعم، لو قال: هذا البيت لعمرو والحمل [له] والدار والشاة لزيد، سلم لعمرو البيت والحمل وهذا من القاضي تفريع على أمرين:
أحدهما: أن الإقرار بالشاة إقرار بالحمل، وسنذكر فيه ما يمكن ذكره.
والثاني: أن الإقرار بالحمل المجرد يصح كالإقرار للحمل كما أبداه الماوردي احتمالًا بعد أن حكى أن المزني نقل في ((جامعة الكبير)): أن الإقرار بالحمل باطل، لأنه لا يصح أن يملك منفردًا ببيع ولا هبة ولا ميراث.
قلت: وهذا يظهر أنه مفرع على أن الإقرار المطلق لا يصح إلا إذا أمكن أن يكون سببه من الأسباب الغالبة: كالبياعات والإتلافات، كما تقدم ذكره عند إطلاق الإقرار للحمل.
أما إذا لم يمكن أن يكون سببه إلا نادرًا: كالوصية، فلا، وقد تقدم أن الصحيح صحة الإقرار المطلق إذا أمكن أن يكون له سبب صحيح وإن كان نادرًا، وقضيته أن يكون الصحيح صحة الإقرار بالحمل كما ذكره الماوردي، لأنه تصح الوصية به، ولهذا لو أقر بالحمل وعزاه إلى وصية، صح جزما.
ثم مسألة الكتاب مفرعة على الصحيح في أن الاستثناء من غير الأعداد جائز، وإلا فقد حكى الغزالي الوجه السابق فيها، وطره فيما إذا قال: هذا الخاتم له إلا هذا الفص.
قال: وإن قال: له هذه الدار عارية، فله أن يرجع فيها متى شاء، لأن قوله: له هذه الدار، ليس صريحًا في الملك إلا إذا تجرد، أما إذا اقترن به ما يقدح فيه مع احتماله فلا.
قال الماوردي: فإن قيل: هلا كان على قولين من قوليه فيمن قال: له علي ألف قضيتها؟
قيل: الفرق: أنه في ادعاء القضاء رافع لكل ما تقدم، فلم يقبل، وهو في قوله: عارية، مثبت لحكم ما تقدم على صفة محتملة، فقبل.
وقال صاحب ((التقريب)): ينبغي أن يتخرج ذلك على ما لو قال: له علي ألف من ثمن خمر، لأن آخر كلامه يرفع أوله.
وليس بشيء، والفرق ما ذكره الماوردي.
وأيضًا: فإن الإضافة إلى العارية حقيقة، بخلاف الخمر، فإنه لا يملك حقيقة، [وهكذا الحكم] فيما لو قال: له هذه الدار هبة عارية.
فرع: لو قال: لك سكنى هذه الدار، قال الماوردي: فهو إقرار لازم، [تلك السكنى عن إجارة في الظاهر، فإن ادعاها، وطلب الأجرة، لزم المقر له دفع الأجرة إن قبل الإقرار،] وإن رده فلا أجرة عليه، كما لا سكنى له.
قال: وإن قال: له هذه الدار هبة، فله أن يمتنع من التسليم، لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض، وهو إلى خيرة الواهب، وإقراره لم يتضمنه.
ولا فرق بين أن تكون الدار في يد المقر له بالهبة أو لا.
وعن صاحب التقريب: أن ذلك يتخرج على ما لو قال: له علي ألف من ثمن خمر.
قال الغزالي: وهو فاسد.
وقال القاضي أبو الطيب: إن من أصحابنا من قال: إذا كانت في يد الموهوب له، فالقول قوله في القبض.
قال ابن الصباغ: وعزوه إلى الشافعي، وهو مقول على القول الذي يقول: إذا وهب له شيئًا في يده لا يحتاج إلى الإذن في القبض، وإذا مضى زمان يمكن يه القبض، صار مقبوضًا.
وقد حكي عن رواية الإمام وجه مثله فيما إذا وجد الرهن في يد المرتهن، وقال الراهن: غصبني، وقال المرتهن: بل أنت أقبضتنيه- أن القول قول المرتهن.
والصحيح: أن القول قول الواهب والراهن.
وعلى هذا: لو قال: وهبت منه الدار، وملكها، لم يكن- أيضًا- إقرارًا بالقبض على النص، كما حكيته في باب الهبة، فليطلب من ثم.
ولو قال: وهبتها له، وخرجت إليه منها، قال ((الرافعي)): لم يكن إقرارًا بالقبض
وعن القفال الشاشي: أنه مقر به.
وفي ((الحاوي)): إن كانت الدار عند الإقرار في يد الموهوب له، كان قوله: ((وخرجت إليه منها)) محمولًا على الإقباض، لأنه الظاهر من معناه، وقد رواه المزني نصًا في ((جامعه الكبير)).
وإن كانت في يد المقر، سئل عن مراده [به]، فإن فسره بشيء محتمل غير القبض قبل.
قال: وإن قال: له علي ألف مؤجلة- أي: إلى وقت كذا- لزمه ما أقر به، أي: مؤجلًا لأن الأجل صفة في الدين كالحلول، وإذا كان كذلك فقد أقر بدين بصفة، فلزمه ما أقر به، كما لو أقر بدراهم نقص تحالف دراهم البلد، أو دراهم مكسرة.
ولأنه أحد الصفتين، فقبل قوله فيه، كالحلول.
وقيل: فيه قولان:
أحدهما: يلزمه ما أقر به، لما تقدم.
والثاني: يلزمه ألف حالة، لأنه أقر بحق لغيره، وادعى لنفسه حقًا فقبل فيما عليه دون ما له، كما لو أقر بدار وادعى سكناها لنفسه سنة بإجارة.
ويفارق الإقرار بالحال، لأن ذلك مجرد حق عليه، وعلى هذا يلزم المقر له اليمين على الحلول [عليه] عند الطلب.
والصحيح الأول وإن ثبت الخلاف، وللقائلين به أن يمنعوا كون الإقرار بالحلول مجرد حق عليه، بل فيه حق له، وهو الإجبار على القبض وغيره كما تقدم.
ثم هذا إذا ذكر الأجل متصلًا باللفظ، ولم يبين سبب الدين، أو بينه، وهو يحتمل أن يثبت فيه الأجل، وألا يثبت: كالبيع ونحوه.
فلو ذكره مفصولًا، لم يقبل قوله فيه قولًا واحدًا، وكذا لو ذكره موصولًا وقال: إن سبب الدين قرض.
ولو قال: إن سببه تحمل عقل، فإن صدر به كلامه، فقال: ابن عمي قتل فلانًا خطأ ولورثه ذلك القتيل من ديته في ذمتي كذا مؤجلًا إلى سنة انتهاؤها كذا- فلا خلاف في القبول.
ولو جعله عجز كلامه، فقال: له علي كذا، من جهة تحمل العقل مؤجلًا إلى وقت كذا، ففيه- تفريعًا على طريقة القولين في المسالة السابقة- طريقان:
إحداهما- وهي التي أوردها في ((الوجيز))، والقاضي الحسين، ونسبها الإمام إلى المحققين- القطع بالقبول.
والثانية: طرد القولين.
قال ((الرافعي)): وهي الأظهر، لأن أول كلامه ملزم لو اقتصرت عليه، وهو في الإسناد إلى تلك الجهة مدع، كما في التأجيل.
فرع: لو شهد عليه شاهدان بألف، فقال: له علي ألف، لكنه مؤجل- حكى ((الرافعي)) في أوائل كتاب الدعاوى عن القفال: أنه تسقط الشهادة، وهو قضية ما حكاه عن القاضي أبي الطيب في أول هذا الباب.
ثم قال القفال: وهذا شخص قد أقر لغيره بدين مؤجل، ففي قبوله في الأجل الخلاف.
وقد قال البندنيجي في كتاب الدعاوى، والقاضي أبو الطيب في أواخر باب الدعوى على كتاب أبي حنيفة: أنه لا يقبل قوله في الأجل قولًا واحدًا، كما لو قامت عليه بينة بعشرة دراهم، فقال: إلا درهم.
قلت: وعلى قضية ما قاله القفال يظهر أن يجيء في المسالة ما حكيته عند الكلام فيما إذا شهد عليه بحد لله تعالى، فأقر به، ثم رجع عنه.
قال: وإن قال: [له] علي ألف من ثمن خمر، أو: ألف قضيتها- ففيه قولان: أحدهما: يلزمه، لأنه وصل بإقراره ما يرفعه، فأشبه ما لو قال: له علي ألف إلا ألفًا، وهذا ما صححه العراقيون، وغيرهم في الأولى، وهو في الثانية من طريق الأولى.
وعلى هذا: للمقر تحليف المقر له على نفي كونه ثمن خمر، وعلى عدم القضاء.
والثاني: لا يلزمه، لأن الكلام إنما يتم بآخره، لا يفصل آخره عن أوله، ولا أوله عن آخره، [كما لو قال: لا إله إلا الله، لا يفصل أول الكلام عن آخره] حتى يكون كفرًا ثم إيمانًا، وقد وصل بالكلمة الأولى ما هو محتمل وجائز عرفًا،
فوجب ألا يتبعض ولو رفع الأول، كما لو قال: أنت طالق- أو حرة- إن شاء الله تعالى.
ولأن الإقرار إخبار عما جرى، وما ذكره جار بين الناس، فاعتضد قوله بالظاهر، وفراغ ذمته، وهذا ما اختاره المزني وأبو إسحاق
والفرق بين ذلك والاستثناء المستغرق: أنه في الاستثناء وصل الإقرار بما يرفعه من الوجه الذي أثبته، فلم يقبل، وهذا ليس كذلك، ويخالف قوله: علي ألف مؤجل، حيث قطع فيه بالقبول على طريقة، لأنه ثم لم يرفع جملة الإقرار، فقبل كالاستثناء وهنا رفع جملته.
وعلى هذا للمقر له تحليف المقر أنه كان من ثمن خمر، وأنه قضاه.
وقيل في المسألة الثانية: يلزمه قولًا واحدًا، وهي التي صححها الغزالي، وادعى الإمام في [أثناء الكلام في] مسائل التفسير بالوديعة: أنها المذهب، ولم يحك الفوراني غيرها، لتناقض قوله، فإنه يصير كما لو قال: له علي ألف لا يلزمني، وهنا مما لا خلاف فيه، وهو كما لو قال: هذه الدار لفلان، وكانت لي إلى أن أنشأت الإقرار، فإن إقراره بالملك نافذ، وقوله: كانت لي لغو مطرح، كذا قاله الإمام هنا، ويوافقه قوله في آخر كتاب اللقيط: ول أقر بكون الشيء ملكًا له، وعزاه إلى نفسه، ثم أقر به لإنسان من غير أن يتخلل بين الإقرارين ما يتضمن نقل الملك، فإقراره لذلك الإنسان مقبول، وهذا بخلاف ما لو قال: داري أو ثوبي المملوك لي لفلان، فإن الإقرار باطل، نص عليه الشافعي، كما قال الغزالي.
[قال]: ولم يحمل قوله: داري، على إرادة الإضافة بالسكون أو المعرفة وإن كان له اتجاه.
والصحيح عند الجمهور طريقة القولين.
والطريقان جريان فيما لو قال: لفلان علي ألف أبرأني منها.
والقولان جاريان- كما قال الأصحاب- فيما ينتظم لفظه في العادة، ولكنه يبطل حكمه شرعًا، كما إذا أضاف المقر به إلى بيع فاسد: كالبيع بأجل مجهول، أو بخيار مجهول، أو قال: تكفلت ببدن فلان بشرط الخيار، أو ضمنت لفلان كذا
بشرط الخيار، وما أشبه ذلك، وهما في الحالة الأخيرة منصوص عليهما كما قال الماوردي، وألحق بها ما تقدم من الصور قال ((الرافعي)): وفي كلام الأئمة ذكر مأخذين لهذا الخلاف:
أحدهما: بناؤه على القولين في تبعيض الشهادة إذا شهد لابنه وأجنبي.
ولك أن تقول: هذا لا يشبه مسألة الشهادة، لأ، الشهادة تقول: هذا لا يشبه مسألة الشهادة، لأن الشهادة للأجنبي والشهادة للابن أمران لا تعلق لأحدهما بالآخر، وإنما قرن الشاهد بينهما لفظًا، والخلاف فيها يشبه الخلاف في تفريق الصفقة، وأما هنا فالمذكور أولًا مسند إلى المذكور آخرًا، ولكنه فاسد مفسد للأول، ولهذا لو قدم الإضافة إلى ثمن الخمر، فقال: لفلان من ثمن خمر علي ألف، لا يلزمه شيء بحال.
قلت: كما نص عليه الشافعي، كذا حكاه القاضي الحسين في باب التيمم من ((الفتاوى)).
ويؤيده ما حكاه الماوردي فيما إذا قال: إنما ضمنت لك هذا بشرط الخيار- أنه يقبل قوله قولًا واحدًا، لأن صيغة ((إنما)) تقتضي أن يتصل الضمان بغيره، فصار كالمتقدم ذكره.
قال ((الرافعي)): وفي الشهادة لا فرق بين أن يقدم ذكر الأب أو الأجنبي، ثم هب أنهما متقاربان، لكن ليس بناء الخلاف في الإقرار على الخلاف في الشهادة بأولى من العكس.
والثاني: أنه يجوز بناء هذا الخلاف على الخلاف في حد المدعي والمدعى عليه، فإن قلنا: المدلي [من] لو سكت تركناه وسكوته، فهاهنا لو سكت عن قوله: من ثمن خمر لترك فهو بإضافته إلى الخمر مدعٍ، فلا يقبل قوله، ويحلف المقر له.
وإن قلنا: المدعي: من يدعي أمرًا باطنًا، فهو هنا المقر له، لأنه يدعي شغل الذمة، والأصل البراءة، فيكون القول قول المقر.
ولك أن تقول: لو صح هذا البناء لما افترق الحال بين أن يضيفه إلى الخمر موصولًا أو مفصولًا، ولا خلاف في عدم قبوله إذا أضافه مفصولًا، ولوجب أن يخرج التعقب بالاستثناء علي هذا الخلاف.
وقال الإمام بعد ذكر القولين في الخمر والضمان: وكنت أود لو فصل فاصل بين أن يكون المقر جاهلًا بأن ثمن الخمر لا يلزم، وأن الضمان مع شرط الخيار لا يلزم، وبين أن يكون عالمًا بذلك، فكان يعذر الجاهل دون العالم، ولكن لم يصر إليه أحد من الأصحاب.
واعلم أنه كثيرًا ما يطلب الفرق بين ما حكاه الشيخ هنا من القولين في قوله: له علي ألف [قضيتها]، وبين ما حكاه من الجزم فيما إذا قال: برئت إليه مما يدعيه، أو: قضيته أنه لا يقبل قوله في البراءة والقضاء إلا ببينة كما هو الصحيح، وإن كنا قد حكينا عن البندنيجي وابن الصباغ ثم: أنه علي القولين أيضًا.
ويظهر أن يقال- والله أعلم: إن قوله: برئت إليه، أو: قضيته لفظ واحد تضمن الإقرار والبراءة، والشيء الواحد لا يستعمل في الشيء وضده لغة وعرفًا وشرعًا، فأبطلناه فيما له، وصححناه فيما عليه.
وقوله: له علي ألف قضيتها لفظان، اقتضى أحدهما الشغل، وهو قوله: [له] علي ألف، والآخر البراءة، وهو قوله: قضيتها، وذلك منتظم لفظًا، واقع استعماله فيما نحن فيه عرفًا وإن امتنع شرعًا وعقلًا، فلا جرم خرج على القولين، والله أعلم.
فرع: إذا ادعى عليه مائة درهم، فقال: قضيتك منها خمسين- حكى القاضي أبو الطيب وغيره في أواخر باب الدعوى على كتاب أبي حنيفة: أن الشافعي نص في الأم على أن يكون مقرًا بالخمسين، مدعيًا لقضائها، فأقبل منه الاعتراف دون القضاء.
قال القاضي وغيره: وهذا ينبني على أن من ادعى عليه ألف، فقال: صدقت، ولكني قضيتك إياها، فقد اعترف بالألف وادعى القضاء، وفيه قولان، فإن قبلنا قول المقر في القضاء، لم يلزمه هنا قضاء الخمسين، وإلا لزمه.
وأما الخمسون الأخرى، فإنه ما أقر بها، لأن قوله: منها يحتمل عوده إلى الدعوى، والله أعلم.
قال: وإن قال: له [علي] ألف من ثمن مبيع لم يلزمه حتى يقر بقبض
المبيع، أي: سواء عين المبيع أو لم يعنيه.
قال الماوردي: لأن عقد المعاوضة جمع ثمنًا ومثمنًا، فلما كان إقراره بالثمن من عبد باعه غير لازم له، إلا أن يقر بقبض ثمنه، كذلك إقراره بثمن عبد ابتاعه غير لازم له، إلا أن يقر بقبض الذي ابتاعه، وتحريره قياسًا: أنه أحد نوعي ما تضمنه العقد من عوض، فوجب أن يكون لزوم الإقرار به موقوفًا على لزوم ما في مقابله، قياسًا على المبيع، وهذا ما نص عليه الشافعي في ((المختصر))، ولم يحك الماوردي، والعراقيون سواه.
وحكى المراوزة فيما إذا قال: له علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه، فإن سلم سلمت- طريقين كما في الإقرار بالدين المؤجل:
أحدهما: القطع بأنه لا يلزمه حتى يقر بقبض المبيع.
والثاني: في المسألة قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يقبل قوله في أنه عن ثمن مبيع، ويلزمه في الحال، وهذا الطريق يجري فيما ذكره الشيخ من طريق الأولى.
والصحيح الأول، وألحق به الماوردي ما إذا قال: أقرضني ألفًا، ثم قال: لم أقبضها، فإن القول قوله عنده، ولا يلزمه الألف، لأن القبض يلزم القرض، فإذا لم يصرح به المقر في إقراره، فليس يقر بلزومه.
قال الفوراني: ولو قال: اشتريت منه سلعة بألف، فإن سلمها لي سلمتها إليه- فقول واحد: إن قوله مقبول.
قال: وإن قال: له علي ألف درهم نقص.
اعلم أن الدرهم [في] حقيقته عبارة عن وزن وقدر معلوم، قد يعبر به عن المضروب، غير أن الحكم فيه متعلق بالقدر منه، كذا قاله الماوردي هنا، وقال في كتاب السرقة: إنه كان للناس قبل الإسلام درهمان: أكبرهما البغلي، وزنه: ثمانية دوانيق، وأصغرهما الطبري، وزنه أربعة دوانيق، فجمع بينهما في الإسلام،
وأخذ نصفهما، فكان ستة دوانيق، وهي دراهم الإسلام يعدل على عشرة منها سبع مثاقيل، لأن المثقال لم يختلف.
والدانق- كما قال هنا، وتبعه الروياني-: ثاني حبات.
[وحكى ((الرافعي)) عن ابن سريج وأبي عبيد القاسم بن سلام: أنه ثمانية حبات]، وخمسا حبة من الشعير المتوسط الذي لم يتغير، وتكون كل حبة مقطوعًا من طرفها ما دق وطال، وقد قال هنا- وكذا القاضي أبو الطيب، والحسين-: إن لهم درهمًا آخر يسمى: الخوارزمي، وزنه أربعة دوانيق ونصف.
وقال القاضي الحسين إن لهم درهمًا آخر، وزنه سدس أو اقل.
فإذا عرفت ذلك بنيت عليه مسألة الكتاب، وهي إذا قال: له علي ألف درهم نقص، لزمه ناقصة الوزن، لأن وصفه إياها بأنها نقص بمنزلة الاستثناء، لأنه ينقص بعض المقدار الذي أفاده الإطلاق.
وعلى هذا ينظر:
إن كان قوله: نقص متصلًا، يقبل، وإن كان منفصلًا فلا، ويلزمه ألف وازنة من دراهم الإسلام.
وقيل في المسألة قولان، بناء على تبعيض الإقرار:
أحدهما: ما ذكره الشيخ.
والثاني: يلزمه ألف بوزن الإسلام، لأنه أقر بجملة ثم نفاها، وأثبت غيرها، فلم يقبل النفي، كما لو قال: له علي ألف بل خمسمائة، وقد نسبت هذه الطريقة إلى أبي علي بن خيران.
والذي أورده القاضي أبو الطيب الطريقة التي أوردها الشيخ، لكن هل يلزمه من الدراهم الطبرية أو الخوارزمية أو الدراهم الأخرى؟ لم أر فيه نقلًا، ويظهر أن يقال: يرجع إليه في التفسير، فإنه تعذر بيانه، نزل على أقل درهم، لأنا قد قلنا: إن ذلك ينزل منزلة الاستثناء، وقد تقدم أنه لو قال: له علي عشرة إلا خمسة، أو ستة، لزمه الأقل، وهو أربعة، لأنه المحقق، فكذا هنا.
قال: وإن قال: [له علي] ألف درهم، وهو في بلد أوزانهم ناقصة، لزمه من دراهم البلد على المنصوص- أي: في كتاب الإقرار والمواهب- لأنه
المعروف فيها، فنزل عليه كما ينزل مطلق الثمن في البيع عليه، وهذا ما اختاره القاضي أبو حامد.
وقيل: يلزمه ألف وازنة، حملًا للمطلق على المعهود في الإسلام وأكثر البلدان.
قلت: ويمكن بناء الخلاف في ذلك أن الاصطلاح الخاص هل ينزل منزلة الاصطلاح العام أم لا؟ كما تقدم في مواضع، ومنها: إذا توافق الزوجان على تسمية ألف في عقد النكاح ألفين.
لكن قضية ذلك- لو صح- أن يكون الصحيح لزوم الألف وازنة، لأن الصحيح ثم لزوم الألفين، وقد اختاره الشيخ أبو حامد هنا، وفرق بينه وبين البيع بأن الإقرار إخبار عن حق سابق، وهو يصح مع الجهالة، فلم يكن للعرف فيه مدخل، والبيع إيجاب في الحال تنافيه الجهالة، فأثر فيه العرف، تشوفًا للتصحيح.
لكن الصحيح هو المنصوص، وهو المختار في ((المرشد)).
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن ما ذكره هو الحكم عند الإطلاق، وهو ما أورده في ((الشامل))، تبعًا للقاضي أبي الطيب.
وفي ((المهذب)): أن محل الخلاف عند دعواه إرادة ذلك مفصولًا عن الإقرار، أما عند الإطلاق فيلزمه من دراهم الإسلام، وعلى ذلك ينطلق إيراد الماوردي والقاضي الحسين.
ولا خلاف أنه لو قال- والصورة هذه- له علي ألف درهم نقص: أنه لا يلزمه غيرها، صرح به القاضي الحسين.
وقد فرع ابن القاص على المنصوص ما لو قال: [له علي] ألف درهم، وكان في بلد يتعاملون فيها بالدراهم عددًا: أنه يجب أن يكون عددًا [غير موزونة]، اعتبار بعادتهم.
وقول الشافعي في الإقرار والمواهب: ((إذا قال: له علي مائة عددًا، فيه وازنة)) - مفروض فيما إذا كان ذلك في بلد يتعاملون بالوازنة، ويلزمه أن تكون عددًا بحكم اللفظ، ووازنة بحكم الاسم، لأن كونها عددًا لا ينافي الوزن.
ولا يشترط أن يكون كل واحد ستة دوانيق، بل المعتبر أن يكون وزن المائة مائة، قاله في ((التهذيب)).
ثم الوجهان في مسألة الكتاب- كما قال القاضي الحسين و ((الرافعي)) - جاريان فيما إذا أطلق لفظ الدراهم في بلد أوزانهم أكثر من دراهم الإسلام: كغزنة، هل يحمل على دراهم تلك البلد، أو على دراهم الإسلام؟
فإن قلنا: يلزمه من دراهم تلك البلد، فقال: أردت دراهم الإسلام، فإن قاله منفصلًا، لم يقبل، وإن قاله متصلًا، ففيه الطريقان.
والأصح- كما تقدم- القبول.
ولو أطلق لفظ الدراهم في بلد أوزانهم وافية، ثم قال- مفصولًا-: أردت النقص، فالمشهور: أنه لا يقبل منه، كما إذا ذكر الاستثناء منفصلًا.
وحكى ((الرافعي)) أن الروياني حكى عن جماعة الأصحاب القبول، واختاره، لأن اللفظ محتمل له، والأصل براءة الذمة، ثم قال: وهو غريب.
قال: وإن قال: له درهم صغير، وهو في [بلد] أوزانهم وافية، لزمه صغير، أي: في القدر- وازن منها، أي: ولا يكون قوله: صغير بمنزلة قوله: درهم ناقص، لأن لفظ الدرهم صريح في الوازن، والوصف بالصغير يجوز أن يكون من حيث الشكل، ويجوز أن يكون بالإضافة إلى الدرهم البغلي، فلا يترك الصريح بالاحتمال.
قال القاضي الحسين: ولأن درهم الإسلام صغير بالنسبة إلى الدرهم البغلي.
أما إذا كان في البلد أوزانهم ناقصة، ففي ((الشامل)): أنه يلزمه ناقص منها.
وقضية ما أورده الإمام، ومن تبعه: أن يجيء فيه الخلاف السابق فيما إذا أطلق لفظ الدرهم في بلد أوزانهم ناقصة، لأنهما قالا: إن قوله: له علي درهم [صغير، كقوله: له علي درهم].
قال ((الرافعي)): ويشبه أن يكون هذا هو الأظهر، لأنا لا نفرق بين أن يقول: مال، وبين أن يقول: مال صغير، فكذلك في الدراهم، وهو ظاهر ما ذكره في ((المختصر)).
وعن الشيخ أبي حامد ومن تابعه: أنه إذا قال: درهم صغير، لزمه من الدراهم
الطبرية، لأنه أصغر من دراهم الإسلام، فتؤخذ باليقين، وأنهم لم يفرقوا بين بلدة وبلدة وهو قضية ما [قاله] في ((الحاوي)).
وقال في ((التهذيب)): إذا قال: له علي درهم صغير، فإن كان بطبرية، يلزمه من نقد البلد، وإن كان ببلد وزنه وزن مكة فعليه وزن مكة، وكذلك إن كان بغزنة.
قال ((الرافعي)): ولك أن تقول: الجواب فيما إذا كان بطبرية لا يلائم الجواب فيما إذا كان بغزنة، لأنا إما أن نعتبر اللفظ، أو عرف البلد:
إن اعتبرنا اللفظ فليجب الوازن بطبرية.
وإن اعتبرنا عرف البلد، فليجب نقد البلد بغزنة.
قلت: الذي أتبعه قسم آخر وهو الظهور، ولا شك في أن الظاهر: إرادته الناقص فيما إذا كان [بطبرية، وأما إذا كان] بمكة، فاحتمال إرادة الصغر في الوزن مساوٍ لاحتمال إرادة الصغر في الجثة، والدرهم- كما ذكرنا- صريح في درهم [الإسلام]، فقوي بذلك أحد الاحتمالين، وبه حصل الظهور.
وإذا كان بغزنة فلا شك أن درهم الإسلام ناقص [وصغير] بالنسبة إلى درهم غزنة، وإذا كان كذلك فاحتمال إرادة الصغر في الوزن مساوٍ لاحتمال إرادة الصغر في الجثة، وقد قلنا: إن الدراهم صريح في الدرهم الإسلامي، فقوي به احتمال إرادة الصغر في الوزن، وذلك يفيد الظهور، والله أعلم.
وقد ألحق الغزالي وإمامه قوله: علي درهم، بقوله: درهم صغير، فيما ذكراه فيه، ووافقهم عليه البغوي.
قال: وإن قال: له [علي] درهم كبير، وفي البلد دراهم كبار القدود، لزمه درهم وازن منها، عملًا بحكم الاسم واللفظ، لأنه أمكن اجتماعهما، وهذا كما قلنا فيما إذا قال: له علي مائة درهم عددًا في بلد أوزانهم وافية.
والقدود- بضم القاف والدال- جمع: قد، وهو الجسم والجرم، والمراد به هنا الاتساع.
قال: وإن قال: ألف درهم زيف، ففسره بما لا فضة فيها- أي:
كالفلوس المضروبة- لم يقبل، لأن ما [لا] فضة فيها لا تسمى: دراهم.
ولا فرق بين أن يقولك ذلك مفصولًا، أو موصولًا، قاله [القاضيان: أبو الطيب، والحسين].
قال ابن يونس: ومن أصحابنا من قال: إذا قاله موصولًا، قبل.
قال: وإن فسره بمغشوش، قبل على ظاهر المذهب، لأنها تسمى دراهم.
قال القاضي أبو الطيب: ولا فرق في ذلك بين أن يقوله متصلًا، أو منفصلًا.
وقيل: لا يقبل إلا أن يكون متصلًا بالإقرار-[أي: قوله: ((إنها زيف))]، لأن ذلك نقصان فيما أقر به، فاعتبر فيه الاتصال، كالاستثناء.
ومحل هذا الخلاف- كما قال الماوردي-: إذا كان الإقرار في بلد يتعاملون فيها بالمغشوش، فإن كان في بلد لا يتعاملون فيها [به]، لم يقبل تفسيرها منفصلًا قولًا واحدًا، وعليه ينطبق قوله في ((المهذب))، وكذلك ((الرافعي))، تبعًا للشيخ أبي حامد: إن الحكم فيها كالحكم في التفسير بالدراهم الطبرية، لأن هذا حكمها إن وصل التفسير بالناقصة بالإقرار في بلد أوزانهم ناقصة، لم يلزمه غيرها، وإن فصله عنه، فظاهر النص: أن الحكم كذلك.
وقيل: يلزمه ألف وازنة.
وإن قال ذلك في بلد أوزانهم وافية، لم يقبل قولًا واحدًا.
تبنيه: قوله ((زيف)) بضم الزاي، وتشديد الياء المفتوحة، ومجموعة: زائف، يقال: درهم زائف، ودرهم زيف بفتح الزاي وإسكان الياء.
والمغشوش من الدراهم: هو الذي فيه نحاس، أو غيره، يقال: غشه يغشه غشًا بكسر الغين.
قال: وإن قال: له علي دراهم، ففسرها بسكة غير البلد- قبل منه، كما لو أقر بثوب أو عبد مطلق، لا يلزمه ما هو ملبوس عامة أهل البلد، وجنس عبيدهم.
ولأن الإقرار إخبار عن سابق، والجهالة لا تنافيه، فثبت مجهولًا، ورجع في التفسير إليه، لاحتمال صدقه، وهذا ما نص عليه.
وقال المزني: لا يقبل منه، ويلزمه من نقد البلد، كما لا يقبل تفسيره بالناقصة، وقياسًا على الثمن المطلق في البيع، وقد حكاه الشيخ أبو حامد عن غيره من الأصحاب.
والصحيح: المنصوص، ويخالف ما لو فسر بالناقصة [إن لم نقبل]، لأنه ثم رفع [بعض] ما أقر به، ولا كذلك هنا.
والفرق بينه وبين البيع، حيث ينزل مطلقه على سكة البلد، لأنه إيجاب في الحال، تنافيه الجهالة، فحمل على عرف البلد، تصحيحًا للعقد، بخلاف الإقرار.
والسكة هاهنا: الحديدة المنقوشة، تضرب عليها الدراهم، فعبر الشيخ بالسكة عن الضرب، تبعًا للشافعي، رحمه الله.
والحكم فيما لو أقر بدراهم في بلد دراهمها بيض النقرة أن له التفسير بقوة السوداء.
قال: وإن قال: له عندي ألف، ففسرها بدين، قبل منه، لأن هذا اللفظ يحتمله، ويستعمل له.
فإن قيل: لفظة ((عندي)) تستعمل في الأعيان، فكيف يقبل التفسير بالدين؟
قيل: قد يكون سببه عينًا مغصوبة، أو أمانة يتعدى فيها.
قال: وإن قال: له علي ألف وديعة، أي: ونازعه المقر له، وقال: الوديعة غيرها- فهي وديعة، لأن لفظة ((على)) تقتضي الإيجاب، والوديعة يجب حفظها،
والتمكن منها، [فوافق آخر كلامه أوله، فقبل منه.
قال: فإن قال: كان عندي أنها باقية، أي: حين أقررت، فإذا إنها هالكة، لم يقبل، لأنه أقر بوجوب التمكين منها]، فلم يقبل رجوعه عنه.
قال: وإن ادعى أنها هلكت بعد الإقرار، قبل منه، لأن ما ادعاه محتمل، ولا مناقضة بينه وبين إقراره الأول، بل يلائمه، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب، والحسين، وغيرهما.
وحكى الإمام عن المراوزة، وصاحب التقريب في أصل المسألة: أنه لا يلزمه إلا ألف واحد.
ولكن هل تكون مضمونة عليه أم لا؟ فيه قولان.
أحدهما: أنها مضمونة عليه، أخذا بقوله: ((علي)) في أول إقراره، وعلى هذا لا يقبل قوله في التلف بعد الإقرار، ولا في البرد، كما قاله في ((التهذيب)).
والثاني: لا، فإن الكلام بآخره، وعلى هذا يكون الحكم كما ذكره الشيخ.
وأصل القولين- كما قال-: له علي ألف مؤجل إلى شهر، هل يقبل قوله في الأجل أم لا؟
وأشار في ((التهذيب)) إلى أنهما مبنيان على أن قبول قوله في لزوم ألف واحد كان لماذا؟ وفيه معنيان:
أحدهما: لأن عليه التخلية بينها وبين المالك.
والثاني: لأنه يحتمل أن يكون قد تعدى فيها، فإن قلنا بالأول، لم تكن مضمونة عليه، وإلا كانت مضمونة، وجزم بأنه إذا أحضرها لا يلزمه غيرها.
وفي ((النهاية)) حكاية عن العراقيين: أنهم قالوا: إذا قلنا فيما إذا قال: له علي ألف، ثم فسرها بوديعة-: لا يقبل، فهاهنا قولان:
أحدهما: يلزمه ألفان.
والثاني: ألف.
وأن مأخذهما ما لو قال: له علي ألف من ثمن خمر، وقد نسبهما ((الرافعي))
إلى تخريج أبي إسحاق من قوليه فيما إذا قال: كان له علي ألف قضيتها، هل يقبل أم لا.
والمشهور ما ذكره الشيخ، بل ادعى القاضي أبو الطيب إجماعنا مع الخصم عليه، كما سنذكره.
وفي ((العدة)) و ((الإبانة)): أنه لو قال: له علي ألف دفعها إلى وديعة، فالقول قوله.
ولو قال: له علي ألف أخذتها منه وديعة، قال المتقدمون من أصحابنا: هو كما لو قال: دفعها إلى.
وقال أبو حنيفة: لا يقبل قول، لأن [الأخذ يقتضي الغصب ظاهرًا]، فإذا ادعى الوديعة لم يقبل، وأن القفال قال: يحتمل أن يكون هذا مذهبًا.
وفي ((التهذيب)) فيما إذا قال: دفع لي فلان ألفًا، ثم فسره بوديعة، وقال: تلفت- قبل.
وكذلك لو قال: أخذت [أو قبضت] من فلان ألفًا، ثم فسره بوديعة، يقبل.
وقال أبو حنيفة في الثانية: إن القول قول المقر له إذا ادعى الغصب، وبه قال القفال.
ولو قال: أخذت من لافن وديعة، فعند أبي حنيفة لا يقبل التفسير.
وعلى رأي القفال يكون على قولي تبعيض الإقرار، وقد ذكرت هذا الفرع في آخر باب العارية، فليطلب منه.
قال: وإن قال: له علي ألف، ثم فسرها بوديعة- أي: وأحضرها- ونازعه المقر له، فقال: هذه الوديعة، والذي أقررت به غيرها، قبل- أي: التفسير- لأن كلمة ((علي)) كما تقتضي إيجاب شيء [في الذمة، تقتضي إيجاب شيء] معين من وجوب حفظ، وتمكن من رد، أو رد، وقد فسر لفظه بأحد محتمليه، فقبل مع أن الأصل براءة ذمته.
ولأنه يجوز أن يريد بلفظة ((علي)) عندي، وذلك سائغ لغة، قال الله تعالى: ﴿عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء:14] أي: عندي.
ولو قال: له عندي ألف، ثم فسره بوديعة، قبل، فكذلك هاهنا، تحرزًا من إيجاب شيء بالاحتمال، وهذا ما نص عليه في ((المختصر)).
قال الغزالي: وفي موضع آخر فإنه قال: لو قال: له علي شيء، ثم فسره بوديعة- قبل.
و [هذا الحكم] هو الذي أورده صاحب التقريب، والماوردي، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والمراوزة، كما قال الإمام، ومنهم: القاضي الحسين، والفوراني.
وقيل: لا يقبل، لأن كلمة ((علي)) للإيجاب في الذمة، ألا ترى أنه لو قال: الألف التي على فلان علي، كان ذلك ضمانًا، فدل على أنها تقتضي الإيجاب في الذمة، وإذا كان كذلك، فقد التزم تفسير مال في الذمة، وجاء بمال آخر، فلم يسقط به، كما لو أقر بثوب فجاء بعبد، يكون له، ويطالب بالثوب، وهذا ما اختاره في ((المرشد)).
والقائلون بالأول قالوا: قد أجمعنا على أنه لو قال: لفلان علي ألف وديعة، قبل ذلك منه، ولو كانت لفظة ((علي)) تقتضي الذمة لا غير، لوجب ألا يقبل تفسيره بالوديعة، لأنه أقر بألف، وعقبه بما يسقطه، كما لو قال: له علي ألف بل عبد، وما ذكر في مسألة الضمان إنما صح لانحصاره.
وقد حكى في ((المهذب)) هذين الطريقين قولين، تبعًا للشيخ أبي حامد، فإنه حكاهما، ونسبهما إلى نصه في ((الأم))، ولم يحك الإمام عن العراقيين غيرهما، وأنهم صححوا الأول، وعليه فرعان.
أحدهما: قال القاضي الحسين: يحلف بالله، إنه لا يلزمه تسليم ألف أخرى إليه، وما أراد بإقراره إلا هذه، فإن امتنع [من الحلف]، حلف المقر له، واستحق ألفين.
الثاني: لو لم يتفق تسليم الألف الذي أحضره، فهل يكون مضمونًا عليه أم لا؟ ظاهر كلام الشيخ أنه يكون وديعة، لأنه قبل تفسيره بها، وهو ما صرح به ابن الصباغ في موضعين من الباب، تبعًا للقاضي أبي الطيب.
وعلى هذا لو ادعى رده أو تلفه بعد الإقرار قبل قوله مع اليمين، كما في
المسألة السابقة على الأصح.
وقال الإمام- حكاية عن الأصحاب-: إن الألف يكون مضمونًا عليه، لقوله: ((علي)) فلو ادعى تلفه لم يسقط عنه الضمان، وكذا لو ادعى رده لم يصدق، وهذا ما صرح به القاضي الحسين، ويوافقه قول الفوراني: إنه إذا فسر بوديعة، ولم يأت بها لا يقبل قوله.
قال ((الرافعي)): والمفهوم من كلام الأصحاب الأول.
واعلم أن محل الخلاف في أصل المسألة: إذا لم يقل: إنه تعدى في الوديعة، فلو قال: تعديت فيها، قال القاضي الحسين: قبل قوله، ولم يلزمه [إلا ألف] واحد، لأنها عليه.
وعكس هذا لو فسر إقراره بأنها وديعة، شرط عليها ضمانها أن لو تلفت، وقد تلفت، قال القاضي الحسين- حكاية عن الأصحاب-: لا يقبل قوله، ولا تسمع دعواه، للمناقضة.
ثم قال: والذي عندي: أنه تسمع دعواه، لأنه محتمل، والقول قول المقر له، لأن الظاهر معه، كما لو أقر على نفسه بألف، ثم ادعى أنها من ثمن خمر، تسمع دعواه، للاحتمال.
والإمام حكى الوجهين، وأجراهما في مسألة الخمر أيضًا.
قال: وإن قال: له علي ألف في ذمتى، ثم فسرها بوديعة- أي: وأتى بها- فقد قيل: يقبل، لجواز أن يكون قد تعدى فيها، فكان ضمانها في ذمته.
وقيل: لا يقبل، وهو الأصح، لأنه صرح بأنها في ذمته حالة إقراره، والوديعة لا تكون في ذمته وإن تعدى فيها، وإنما تصير في الذمة بالتلف، ولا تلف، وهذا ما أورده البغوي.
قال الإمام: وعلى هذا: لو أتى بألف، وادعى أنه الذي أقر في ذمته، لأنه وديعة تعدى فيها- ففي قبول قوله وجهان، وهما جاريان فيما لو قاله: له علي ألف درهم دينًا، ثم فسر بوديعة تعدى فيها.
قال الإمام: ولو لم يذكر في هذه الصورة سبب الضمان بعد جدًا الحكم باتحاد الألف.
وألحق بعض الأصحاب هذا بما لو قال: في ذمتي ألف.
أما لو قال: الألف الذي أقررت به بدل الألف الذي كان عندي وديعة وتلفت، قبل قوله على المشهور، ولم يحك أبو الطيب وابن الصباغ غيره، لاحتمال التعدي فيه.
وفي ابن يونس حكاية وجه: أنه لا يقبل أيضًا.
تنبيه:- المراد بالذمة: الذات، والنفس، لأنه في اللغة تكون بمعنى العهد، وبمعنى: الأمان، كقوله- عليه السلام-: ((يسعى بذمتهم أدناهم))، و: ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى))، و ((لهم ذمة الله ورسوله))، وبه سمي أهل الذمة، فاصطلح الفقهاء على استعمال الذمة بمعنى: الذات، والنفس، لأنها تطلق على العهد والأمان، ومحلهما الذات والنفس، فسمى محلهما باسمهما.
فرع: لو قال: له عندي ألف درهم وديعة، أو مضاربة دينًا، صح إقراره بذلك، وهو لا يحتمل غير وديعة أو مضاربة تعدى فيها، فيلزمه.
ولو قال: أردت أنه شرط علي ضمانها، لم يقبل.
نعم، لو قال: له عندي ألف وديعة، شرط ضمانها، قيل [و] كانت وديعة غير مضمونة، لأن ما كان أمانة لا ينقلب مضمونًا بالشرط، كعكسه.
ولو قال: له علي ألف درهم وديعة دينًا بشرط الضمان إن تلفت، قال القاضي الحسين وغيره: فهذا رجل وصل بإقراره ما يسقطه، وفيه قولان.
ولو قال: له علي ألف درهم عارية، لزمه ضمانها.
قال في ((الشامل)) و ((المهذب)) - تبعًا للقاضي أبي الطيب وغيره-: لأن إعارة الدراهم والدنانير تصح في أحد الوجهين، فيجب ضمانها، وهو ما أورده الماوردي.
وفي الوجه الثاني: لا تصح إعارتها، فيجب ضمانها، لأن ما وجب ضمانه في العقد الصحيح، وجب ضمانه في العقد الفاسد.
وقد حكى الوجهين هكذا لا غير القاضي الحسين، والإمام.
وقال في ((الوسيط)): إن في طريقة المراوزة: إذا لم تصح إعارتها فهي باطلة، لأنها غير قابلة لإمكان الانتفاع أصلًا، فلا ضمان.
وقد حكيناه عن القاضي والإمام في باب العارية.
قال الغزالي: وعلى هذا يخرج إقراره على قولي الإضافة إلى الجهة الفاسدة.
قال: وإن قال: له في هذا العبد ألف درهم، ثم فسرها بقرض أقرضه في ثمنه، أو بألف وزنها- أي: المقر له- في ثمنه لنفسه، أو بألف وصى له بها من ثمنه، أو أرش جناية جناها العبد- قبل، لأن الإقرار مبهم وما ذكره من التفسير محتمل، والعبد في يده، فقبل إقراره، ويلزمه في المسألة الأولى في ذمته، ولا تعلق لذلك بالعبد.
وفي المسألة الثانية نستفسره عن كيفية الشراء؟
فإن قال: إنه انفرد بشرائه بالألف، كان العبد كله له.
وإن قال: اشتريناه معًا في عقد واحد، سئل عما بذله هو أيضًا في ثمنه، فإن كان ألفا، كان العبد لهما نصفين، وإن كان ألفين، كان بينهما أثلاثا، وهكذا على النسبة.
قال ابن الصباغ وغيره: ولا فرق بين أن يكون ما ذكره قيمة العبد، أو أقل، أو أكثر، لأنه قد يعين، وقد لا يعين.
وقد حكى الماوردي ذلك عن الشافعي، وأنه قصد به الرد على مالك.
وإن قال: وقع شراء كل أحد منا منفردًا بعقد، وبين مقدار المشتري [قبل] منه وإن تفاوتت الحصص، واستوى الثمنان، كما إذا قال: شرى ربعه بالألف، واشتريت ثلاثة أرباعه بألف، أو أقل أو أكثر، وللمقر له عند تكذيبه تحليفه.
وفي المسألة الثالثة يباع العبد، ويدفع للمقر له من ثمنه ألف [درهم] والفاضل كما قال الإمام- للمقر، فلو أراد أن يدفع إليه ألفًا من ماله، قال في ((المهذب))، و ((التهذيب))، و ((الحاوي))، وغيرها: لم يجز، لأن بالوصية يتعين حقه في ثمنه.
قال ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب: فلو رضي المقر له، جاز.
ولو لم يزد ثمنه على ألف، انفرد به المقر له، قاله الإمام، ويظهر أن يجيء فيه
الوجه الذي سنذكره من بعد تلو المسألة الثانية.
وفي المسألة الرابعة يكون حكمه حكم العبد الجاني.
قال: وإن فسرها بأنه رهن بألف له عليه، فقد قيل: يقبل، لأن حق المرتهن يتعلق بالمرهون والذمة، فصدق تفسيره، وهذا هو الصحيح في ((المهذب))، و ((تعليق)) أبي الطيب، و ((الحاوي))، وبه جزم في ((التهذيب)).
وقيل: لا يقبل، لأن الدين يتعلق بالذمة، والعين وثيقة به، فكان تفسيره مخالفًا للظاهر، فلم يقبل.
وعلى هذا قال الأصحاب: يؤاخذ بإقراره بالألف التي ادعى أن العبد مرهون بها، ويطالب بتفسير الإقرار الأول.
قلت: وفيه نظر، من حيث إنه لو فسره بقرض أقرضه في ثمنه، فإما أن يقبل أو لا، فإن لم يقبل، أشكل بما تقدم، وإن قبل: فإما أن يلزمه ألف، أو ألفان، فإن ألزمناه ألفين أشكل بما قدمناه فيما إذا قال: له علي ألف، ثم قال في وقت آخر: له علي ألف من جهة قرض، ونحوه، أو بالعكس: أنه يحمل المطلق على المقيد، فلا يلزمه إلا ألف واحد.
وإن ألزمناه ألفًا واحدًا، شابه في المأخذ ما إذا قال: له علي شيء إلا شيئًا، من حيث إنه لو فسر بذلك لم يلزمه إلا ألف، وإن امتنع من التفسير، لا يلزم إلا بالمحقق، وهو ألف فليجر فيه ما ذكرناه فيما إذا قال: له علي شيء إلا شيئًا، وهذا يظهر بمطالعة ما ذكرناه ثم، والله أعلم.
والحكم فيما لو قال: له من هذا العبد ألف درهم، كما لو قال: [له] فيه، صرح به الغزالي، والمصنف، والبغوي وغيرهم.
ووجهه الماوردي بأنهما حرفًا صفة، يقوم أحدهما مقام الآخر، وليست الألف جزءًا من العبد، وإنما يتوصل إليها من العبد، فاستوى الحكم في قوله ((من)) وفي)).
نعم: لو قال: له من هذا العبد بقيمة ألف، كان إقرارًا بملك جزء من العبد قدره قيمة ألف، وهل يصير الإقرار مقدرًا بالقيمة، أو يرجع فيه إلى بيانه؟ فيه وجهان:
أصحهما عند الماوردي: الثاني.
ومقابله منسوب إلى اختيار أبي القاسم الصيمري، وهو المختار في ((المرشد))، وعليه لو كانت قيمة العبد ألفًا لا غير، قال الصميري- حكاية عن بعض الأصحاب: إنه لا يصير المقر له مالكًا لجميع العبد، لأن من يوجب التبعيض، فلابد من إخراج بعضه.
وزعم أن الصحيح عنده: أنه يكون مقرًا بجميعه، استشهادًا بقول الشافعي فيما لو قال: له من هذا المال ألف، فكان المال كله ألفًا-: إنه إقرار بجميعه تمسكًا بقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج:30]، أي: اجتنبوا الأوثان الرجس، وهذا ما اختاره في ((المرشد)).
ولا شك في أنه لو قال: له علي ألف في هذا العبد: أنه يلزمه الألف عند عامة الأصحاب، وإن لم تبلغ قيمة العبد ألفًا، كما قاله البغوي، والطبري في العدة، إلا ما حكى عن ابن القاص فإنه قال- كما حكاه [في ((العدة))]: إنه يسأل، فإن قال: إنه نقد في ثمنه ألفًا، يقال: وأنت كم نقدت؟ فإن قال: ألفين، كان بينهما أثلاثا.
والبغوي حكي عنه أنه يستفسر.
وقالا: إن الأصحاب غلطوه، لأن لفظة ((على)) للإلزام، لكن لك أن تقول: قد قال الأصحاب فيما لو قال: له علي ألف درهم في هذا الكيس، وكان فيه دون الألف، هل يلزمه تمامها؟ فيه وجهان.
أحدهما- وهو اختيار الشيخ القفال-: أنه يلزمه الإتمام، كما لو لم يكن فيه شيء، فإنه يلزمه الألف، لأن لفظه ((علي)) تقتضي الإلزام.
قال ((الرافعي)): وهو أقوى، وهذا وزان ما ذكروه هاهنا.
والثاني: وهو المحكي في العدة عن رواية أبي ثور عن الشافعي، واختاره أبو زيد-: أنه لا يلزمه إلا ما في الكيس، للحصر، فهلا أجروا مثل هذا هنا؟
ولو قال: له علي الألف الذي في هذا الكيس، فإن كان ناقصًا، قال الغزالي:
فالأظهر أنه لا [يلزمه الإتمام]، للحصر.
وعن رواية الشيخ أبي علي وجه آخر ضعيف: أنه يلزمه الإتمام.
قال ((الرافعي)): ويمكن أن يخرج على الخلاف في أن الإشارة تقدم، أو اللفظ؟ ولو لم يكن في شيء، فهل يلزمه الألف أم لا؟ فيه [قولان- ويقال:] وجهان قربهما الشيخ أبو علي من الخلاف فيما إذا قال: والله لأشربن [ما في] هذه الإداوة ولا ماء فيها، هل تنعقد اليمين؟ فإن قلنا: نعم، صح الإقرار ولزم وإلا فلا.
فرع: لو امتنع من التفسير، قال الإمام: كان امتناعه عنه بمثابة، كل مقر امتنع عن تفسير لفظ مجمل مذكور في صورة الإقرار، وقد قدمنا أن تجديد المطالبة بالتفسير لا معنى له، فليدع المقر له وجهًا، وليبن عليه مطالبة المقر.
فرع: لو قال: له في هذا العبد شركة، كان له تفسيرها بأي قدر كان، لأن ذلك اشتراك.
ولو قال: له في عبدي هذا ألف فهو كا لو قال: له في مالي، وسنذكره.
قال: وإن قال: [له] في ميراث أبي، [أو: من ميراث أبي] ألف، فهو دين على التركة.
وإن قال: [له] في ميراثي من أبي، أو: من ميراثي من أبي، فهو هبة من ماله.
والفرق: أنه في هاتين الصورتين أضاف الميراث إلى نفسه، ثم جعل له من منه جزءًا، وإذا جعل له جزءًا من ماله، لم يكن ذلك إلا على وجه الهبة، وفي الصورتين الأوليين، لم يضف الميراث إلى نفسه، ولا جعل له جزءًا من ماله، بل أضافه إلى المقر له، لأن ملك أبيه قد زال عن المال بموته، ولا يصير ميراث الأب له إلا لدين تعلق به، فلذلك صار إقرارًا بالدين.
قال القاضي الحسين: إلا أن في هذا الفرق إشكالًا، فإن الدين عندنا لا يمنع الإرث، فإضافته إلى نفسه لا تمنع كونه إقرارًا على أبيه.
ولعل الشافعي بنى ذلك على العرف والعادة، فإنهم لا يضيفون إلى أنفسهم إضافة الملك إلا في الملك المستقر.
وعلى هذا المقر بالخيار في الصورتين الأخيرتين بين أن يقبضها فتمضي الهبة، وبين أن يمسكها فترد الهبة، كما قاله أبو الطيب وغيره.
وقاعدته قد سبقت، وهي أن من أقر بالهبة لا يكون مقرًا بالإقباض.
ثم قد يظهر مما ذكرناه: أنه يصح أن يقول [لشخصٍ]: وهبتك من مالي ألف درهم، من غير إشارة إلى شيء معين، وهذا ما نص عليه.
وعن صاحب التقريب وغيره تخريج قول آخر [في لزوم الألف] فيما إذا قال: له في ميراثي من أبي ألف- من نصه فيما إذا قال: له في ماله ألف درهم: أنه يلزمه وإن كان الأصحاب كافة على الأول.
قال: وإن قال: له في هذه الدار نصفها، أو: من هذه الدار نصفها، لزمه.
وإن قال: في داري، أو: من داري نصفها، فهو هبة.
والفرق ما ذكرناه.
وهذا ما نص عليه.
وعن رواية الشيخ أبي علي عن بعض الأصحاب تخريج قول آخر في الصورتين الأخيرتين: أنه يلزمه نصف الدار- مما خرج منه صاحب التقريب القول في المسألة السابقة.
وقال الشيخ أبو علي: إنه خطأ، لأنه لو قال: داري له، لم يكن إقرار، فذكر الجزء مثله، وهذا إذا لم يقل: بحق واجب، فإن قاله، كان إقرارًا، لأنه قد اعترف أن المقر له يستحق ذلك، فلزمه.
وهكذا الحكم فيما لو قال: في ميراثي من أبي، أو: من ميراثي من أبي.
قال: وإن قال: له في مالي ألف، لزمه.
وإن قال: من مالي، فهو هبة على المنصوص، أي: في الصورتين في كتاب الإقرار والمواهب.
والفرق: أنه إذا قال: في مالي، فقد جعل ماله ظرفًا للألف التي ذكرها، ويجوز
أن يكون ظرفًا لها بأن تكون مختلطة بماله، وإذا قال: من مالي، فقد أضاف المال إلى نفسه، وجعل الألف جزءًا منه، وما جعله جزءًا من ماله، فلا يكون لغيره إلا على وجه الهبة.
وقيل: هذا غلط في النقل، ولا فرق بين أن يقول: في مالي، وبين أن يقول: من مالي، في أن الجميع هبة، كما نص عليه في مسألة الميراث والدار.
ومن الأصحاب من وافق على أنه لا فرق بين أن يقول: في مالي، أو: من مالي في أن الجميع هبة، وحمل النص فيما إذا قال: في مالي: أنه يلزمه على ما إذا تقدمت كلمة ((علي)) بأن قال: علي في مالي ألف، فإنه حينئذ يلزمه الألف، لأن ((علي)) للإلزام.
وفي المسألة طريقة أخرى، وهي تصحيح النقل، وتخريج قول من نصفه في مسالة [الميراث والدار] إلى هذه المسألة، وإثبات قولين فيها، لعسر الفرق، وتشبيها لذلك بتعقيب الإقرار بما يرفعه، وقد ذكرنا أن منهم من خرج من هذه المسألة إلى المسألتين قولًا: أنه يلزمه، وأثبت فيهما قولين.
والصحيح في ابن يونس الطريقة الثانية في الكتاب.
وقال ابن الصباغ: إن الأولى أشبه، والقائلون بها قالوا في الفرق: إن قوله: في داري نصفها، لو جعلناه إقرارًا، لم يبق بعده ما يسمى دارًا، وقوله: في مالي ألف درهم، الذي يبقى له بعد الألف يسمى: مالًا، فلذلك جعلناه مقرًا به.
قال ابن الصباغ: إلا أن هذا القائل يلزمه أن يفرق بين هذه المسألة وبين قوله: في ميراثي من أبي، ولا يجد فرقًا.
نعم: قوله: له، يقتضي الملك، والهبة قبل القبض غير مملوكة، ولم يأت بما ينافي الملك إذا قال: في مالي، لأن ((في)) للظرف وإذا قال: من مالي، فقد أضاف الملك [كله]، إلى نفسه فنافى الإقرار، فافترفا.
ثم محل الخلاف- كما قال أبو الطيب- حكاية عن ابن القاص: إذا لم يقل: بحق واجب، فإن قاله، فسواء أضافه إلى نفسه، أو لم يضفه، فإنه يكون إقرارًا، ولا يكون هبة، لأن الهبة لا تكون حقًا واجبًا.
قال: وإن قال: له عندي تمر في جراب، أو سيف في غمد، أو فص في خاتم- لم يلزمه الظرف، لخروجه عن الإقرار، واحتمال كونه للمقر، وبالقياس على ما لو قال: له عندي عبد في دار، أو دابة في إصطبل، لا يكون مقرًا بالدار والإصطبل، وإن كانا ظرفين.
وهكذا الحكم عندنا فيما لو قال غصبتك حنطة في غرارة، أو سفينة، أو زيتا في حب أو سيفًا في حمالة، أو فصًا في خاتم، كما نص، وكذا في عكسه لو قال: [له] عندي جراب فيه تمر، وغمد فيه سيف، وخاتم فيه فص، أو عليه فص، كما قاله في ((المهذب))، لكن في ((النهاية))، و ((تعليق)) القاضي الحسين فيما إذا أقر بخاتم فيه فص حكاية وجهين، أظهرهما: أنه مقر بهما جميعًا، وهو موافق في الدليل لما في ((المهذب)) و ((التهذيب)) [فيما إذا] قال: عندي خاتم، لزمه الخاتم والفص، لأن اسم الخاتم يجمعها، بل قال الثعالبي في ((فقه اللغة)): إنه لا يقال: خاتم، إلا فهو فتخة.
وجعل في ((الوسيط)) محل الوجهين إذا أقر بخاتم ثم جاء بخاتم فيه فص، وقال: ما أردت الفص، وأن الأظهر: أنه مقر به.
وقال ((الرافعي)): إنه الذي ينبغي أن يقطع به، لأن الاسم شامل، فيكون رجوعًا عن بعض المقر به.
وقد أجرى الإمام وغيره الوجهين فيما إذا أقر بجارية حامل، هل يدخل الحمل في الإقرار أم لا؟
أحدهما- وبه أجاب القفال-: نعم، كما في البيع.
وأظهرهما: لا، بخلاف البيع، لأن الإقرار إخبار عن سابق، وربما كانت الجارية له دون الحمل، بأن كان الحمل موصى به.
وقد سلم القفال أنه لو قال: هذه الجارية لفلان إلا حملها، يجوز، بخلاف البيع.
على أن في ((النهاية)) حكاية وجه آخر: أنه لا يصح هذا الاستثناء.
والغزالي في ((الوسيط)) حكى الوجهين في مسألة الجارية على النعت السابق، فقال: إذا قال: له عندي جارية، فجاء بجارية في بطنها جنين له، وقال: إن الجنين لي، هل يقبل؟ فيه الوجهان، لكن بالترتيب، وهنا أولى بالقبول.
وأجراهما في ((الوسيط)) هكذا فيما إذا أقر بجارية معينة، وكانت حاملًا، وقال: ما أردت الحمل، وظن ((الرافعي)) أنهما مخالفان لما حكاه الإمام، فقال: ينبغي أن يرتب الخلاف في ذلك على ما لو أقر بجارية معينة، وكانت حاملًا، هل يدخل الحمل في الإقرار أم لا؟
فإن قلنا بالدخول، ففيه في هذه الحالة الوجهان.
وإن قلنا بعدم الدخول، فيقطع في هذه الصورة بأنه لا يكون مقرًا بالحمل، إذا قال: جارية في بطنها حمل.
ويقرب مما ذكرناه إذا قال: شجرة عليها ثمرة، فإن كانت مؤبرة، لم تدخل في الإقرار، كالبيع.
وعن ((فتاوى)) القفال: أنها تدخل.
وإن كانت غير مؤبرة فوجهان، أظهرهما وهو الذي أطلقه في ((التهذيب)): أنها لا تدخل، وقد ضبط الإمام- تبعًا للقفال- ما يدخل في الإقرار تبعًا، وما لا يدخل، فقال: إذا أقر بعين، وللغير بها اتصال، واللفظ من طريق اللغة لا يشتمل عليه، نظر:
فإن كان لا يدخل في مطلق البيع: كالثمرة المؤبرة، لم يدخل تحت الإقرار.
وإن كان يدخل تحت مطلق البيع، والاسم لم يتناوله على مذهب اللغة، ففي المسألة وجهان.
ولا خلاف أن الاسم إذا تناوله لغة في الدخول، كـ ((البستان)) يتناول ((الأشجار))، ولفظ ((الشجرة)) يتناول ((الأعصاب)).
وعبر ((الرافعي)) عن ذلك، فقال: ما لا يندرج في البيع، ولا يتناوله الاسم، فهو غير داخل، وما يندرج في البيع ويتناوله الاسم فهو داخل، وما يندرج في البيع، ولا يتناوله الاسم، ففيه وجهان:
والعبارة الأولى أولى، لما ستعرفه.
وقد حكيت في باب الدعاوى عن الإمام، والماوردي: أنه حكى أن ما يندرج في البيع يندرج في الإقرار عند الكلام في التنازع في العرصة.
وقد شذ عن القاعدة المذكورة ما حكاه المحاملي في كتاب الرهن عن ابن سريج، والبندنيجي قبل باب القافة: أنه إذا أقر لرجل بجارية، وكان لها ولد: أنه يحكم له بالجارية، وهل يحكم له بولدها؟ فيه وجهان، وظني أني حكيتهما من قبل، والله أعلم.
فرع: لو قال: [له] عندي ثوب مطرز، ففي ((المهذب)) و ((التهذيب)) حكاية طريقين فيه:
أحدهما: يلزمه الثوب بطرازه.
والثاني: وهو ما أورده الماوردي: إن كان الطراز منسوجًا فالأمر كذلك، وإن كان مركبًا بعد النسج، فوجهان:
أحدهما: أنه يلزمه الثوب بطرازه، وهو المختار في ((المرشد)).
والثاني: لا يلزمه الطراز.
قلت: وقد يظهر لك من هذا: أن محل الوجهين في الفص: إذا كان مركبًا بعد عمل الخاتم، ومحل الجزم بدخوله: إذا كان من نفس الخاتم، والله أعلم.
تنبيه: الجراب: بكسر الجيم وفتحها، والكسر أشهر وأفصح، وجمعه: أجربة، وجرب، وهو وعاء من جلد معروف.
[و] الغمد: بكسر الغين المعجمة: غلاف السيف، وجمعه: أغماد، وغمدت السيف، أغمده غمدًا، وأغمدته- أيضًا- إذا جعلته في غمده، فهو مغمود ومغمد، وتغمده الله برحمته: وغمده بها.
والفص: بفتح الفاء وكسرها، والفتح أفصح وأشهر، وجمعه: فصوص.
قال: وإن قال: له عندي عبد عليه عمامة، لزمه العبد والعمامة.
وإن قال: له دابة عليها سرج- أي: أو: مسروجة- لم يلزمه السرج.
والفرق: أن للعبد يدًا على ما في يده، [فيكون العمامة في يده]، وكذا ما
عليه من ثياب، وفي وسطه من منطقة، وفي رجله من خف، وما في يد العبد لمولاه، والدابة لا يد لها، فهي وما عليها في يد المقر، فأخرج منها ما تناوله الإقرار، وبقي الباقي، وهذا ما أورده ابن القاص في ((التخليص)).
قال الإمام: وذهب بعض الأصحاب إلى موافقته، وهو أبو زيد، كما قاله العمراني في الزوائد.
وقال الغزالي: إن العراقيين قالوا به- أيضًا- وهو المذكور في ((الشامل)) وغيره من كتبهم.
وحكى ((الرافعي)): أن الأكثرين قالوا: لا فرق بين المسألتين، فلا يجعل مقرًا بالعمامة، وعليه ينطبق قول البغوي وصاحب العدة: إنه الذي قاله عامة الأصحاب، ووجهوه بأنه لا يدخل في الإقرار إلا ما أقر به، وأما ما احتمل دخوله وعدم دخوله، فلا، ألا ترى أنه لو قال: لفلان في يدي دار مفروشة، لا يكون مقرًا بالفرش وإن جعله صفة مع أن ما كان في دار الإنسان فهو في يده.
قال في الزوائد حكاية عن الشيخ أي علي: وقولهم: إن يد العبد على ما معه ممنوع، فإن من غصب عبدًا، ضمنه وما معه، بخلاف الحر.
وقد أجاب ابن القاص في المفتاح بمثل جواب الجمهور.
وقد حكى الإمام مثل ذلك أيضًا.
وقال ((الرافعي)): إنه وهم، بل جوابه في المفتاح كجوابه في ((التخليص)).
[والأصح- كما قال النواوي- ما عليه الجمهور.
وإذا تأملت ما ذكرناه، علمت أن ما ذكره صاحب ((التخليص))]، ومن [تبعه غير] خارج عما ذكرناه من القاعدة فيما يتبع وفيما لا يتبع، فإنه إنما جاء من جهة اعتقاد كون للعبد يد على ما معه، لا من جهة تضمن الإقرار لذلك، ولهاذ قال ابن الصباغ: إن لزوم العمامة لم يكن من جهة دخولها في الإقرار، وإنما جاء من جهة يد العبد.
فإن قلت: قد تقدم في البيع ذكر خلاف في أن بيع العبد هل يندرج فيه ما عليه من ثياب؟ خلاف، ومقتضى القاعدة: أن يجري فيه الوجهان إذا قلنا باندراج الثياب في البيع، [لأن اسم العبد لا يتناول الثياب لغة، وهي تندرج في البيع].
قلت: هذا لا بشك وارد على ما ذكره ((الرافعي)) في ضبط القاعدة كما تقدم، وغير وارد على ما ضبطها به الإمام وغيره، لأنه شرط في العين التي لا يتناولها الاسم [الاتصال بما تناوله الاسم] والثياب منفصلة عن العبد، لا متصلة، والله أعلم.
قال: وإن ادعى رجلان ملكًا في يد رجل بينها نصفين، فأقر لأحدهما بنصفه، وجحد الآخر، فإن كان قد عزيا إلى جهة واجدة، من إرث أو ابتياع، وذكرا أنهما لم يقبضا، أي: بأن قالا: غصب هذه الدار من أبينا، ونحن ورثناها منه، أو: اشترينا هذه الدار من فلان عقدًا واحدًا، وأنت غصبتها منا قبل القبض من يد البائع، كذا قاله القاضي الحسين عن العراقيين.
قال: وجب على المقر له أن يدفع نصف ما أخذ إلى شريكه، لأنهما اعترفا أن الدار بينهما [وما بقي يكون مشتركًا، كما لو كان ذلك طعامًا فهلك بعضه، فإن الباقي يكون بينهما]، وهذا ما حكاه الإمام عن النص في مسألة الإرث، لكن لفظ ((المختصر)): لو أن رجلين ادعيا دارًا في يد رجل، فقالا: ورثناها عن أبينا، وأقر لأحدهما بنصفها، فصالحه عن ذلك الذي أقر له به على شيء، كان لأخيه أن يدخل معه فيه.
وألحق الشيخ أبو حامد وأصحابه- كما قال ((الرافعي)) - ومنهم القاضي أبو الطيب والماوردي- مسألة البيع بها، وهو اختيار القاضي الحسين [وجماعة من المحققين، كما قال الإمام، ولم يحك القاضي الحسين] في ((تعليقه)) عن العراقيين غيره.
ونقل ابن الصباغ: أن القاضي في المجرد حكى فيها وجهًا آخر، عزاه ((الرافعي)) إلى أبوي علي: ابن أبي هريرة، والطبري-: أنه لا يجب على المقر له دفع شيء إلى شريكة، وبه قال ابن كج، لأن البيع من اثنين بمنزلة الصفقتين، وقد حكاه الإمام- أيضًا- عن رواية- الشيخ [يعني: أبا علي]- والصيدلاني،
والفوراني، ولم أر في ((الإبانة)) غيره.
وقال ابن يونس: إن الشيخ أبا حامد لم يذكر سواه.
ثم أشار الإمام إلى أن هذا الخلاف يبنى على الخلاف في أن الصفقة تتعدد بتعدد لمشتري أم لا؟
فإن قلنا بالتعدد فلا مشاركة، كما لو اشتريا في صفقتين، فإنه لا يتخيل خلاف في المشاركة، بل الوجه القطع بأنه إذا أقر لأحدهما في هذه الصورة، لا يشاركه الآخر، فإن الشراء متميز [عن الشراء تميز] الشراء عن الهبة.
وقد تلخص مما ذكرناه: أن في مسألة الإرث لا خلاف في المشاركة، كما هو ظاهر النص، وفي مسألة البيع وجهان.
فإن قلت: قد نص الشافعي على أنه إذا ادعى ورثة ميت: أن لأبيهم حقًا على إنسان، فأنكر، وأقاموا شاهدًا واحدًا، وحلف بعضهم دون الباقي، استحق الحالف قدر نصيبه، ولم يشاركه فيه من لم يحلف، والمسألة كالمسألة من حيث المعنى، فهلا خرج من كل مسألة إلى الأخرى قول، وجعلتا على قولين، كما هو عادة الأصحاب في مثل ذلك؟
قلت: قد حكاه الغزالي في ((الوسيط))، واستغرب في الحكاية، لأن المشهور في ذلك أن ابن القاص في شرحه قال: إن من أصحابنا من قال في مسألة الشاهد واليمين بالمشاركة، تخريجًا من النص في مسألة الإقرار.
والصحيح- كما قاله ابن الصباغ وغيره في باب القضاء مع الشاهد- تقرير النصين، ولم يورد الماوردي والبندنيجي غيره.
والفرق: أن الذي لم يقر له في مسألة الإقرار لم يسقط حقه، والذي امتنع من اليمين في مسألة الشاهد واليمين، أسقط حقه بإبائه، فلا يجوز أن يستحقه بيمين غيره.
[و] لأن المجحود كالمغصوب، وغصب بعض التركة يوجب التساوي
في الباقي، والممتنع هاهنا قادر على الوصول إلى حقه بيمينه، فصار كالمسلم والتارك له على خصمه، وجرى ذلك أخوين أقر رجل لأبيهما بدين، فقتله أحدهما، ولم يقتله الآخر، فإن حق القاتل خالص له لا يشاركه فيه غير القاتل، لأنه تارك لحقه منه.
وحكى الإمام أن من الأصحاب من قال: المدعى في مسألة الشاهد واليمين ليس عينًا مستحقة [بينهما]، بل دينا، وفي مسألة الإقرار المدعى عن، فلو كانت مسألة الإقرار في الدين، لكانت مسألة الشاهد واليمين، ولكان المقر له منفردًا بما سلم له لا يشاركه الآخر.
ولو كانت مسألة الشاهد واليمين في عين، لاشترك الناقل والحالف في المأخود.
قال: وهذا بعيد.
قال: وإن لم يعزيا إلى جهة واحدة، أي: إما لكون أحدهما عزى ملكه إلى بيع، والآخر إلى هبة، [أو أحدهما إلى إرث، والآخر إلى بيع]، ونحو ذلك، أو لكونهما أطلقا الدعوى بالملك من غير ذكر سبب [ملك]، أو أطلق أحدهما، وذكر الآخر السبب.
قال: أو أقرا بالقبض، أي: بأن قالا: ورثناها من أبينا، أو اشتريناها من زيد في عقد واحد، وقبضناها- لم يلزمه أن يدفع إليه شيئًا:
أما في الأولى، فلأنهما إن عزيا إلى شيئين مختلفين، لم تكن دعوى كل واحد مقتضية للمشاركة، فلا يلزمه.
وإن أطلقا الدعوى بالملك من غير ذكر السبب، أو أطلقه أحدهما، وبينه الآخر، فيجوز أن يكون السبب مختلفا، فلا ينزع منه ما ثبت له ظاهرًا بالشك.
وأما في الثانية، فلأن بالقبض قد استقر ملك كل واحد منهما على ما قبضه، وحصلت المساواة الممنوع من ضدها في الإرث، ويجوز أن يطرأ الغصب على نصيب أحدهما دون الآخر، وإذا كان كذلك، لم تلزم المشاركة بالاحتمال، ووراء ذلك أمور: