كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والثالث: أن المتبع عرف الناس وما يعتبرون به السبق.
والرابع: الاعتبار بتقديم الأذن، أي: وإن اختلف العنق، وهو مذهب الثوري.
وهذا كله فيما إذا أطلقا العقد، فأما لو شرطا في السبق أقداماً معلومة لم يحصل السبق بما دونها، كذا صرح به في "المهذب"، وحكى في موضع آخر: أن أبا علي الطبري قال في "الإفصاح": لو تسابقا على أن من سبق صاحبه خمسة أقدام- كان له السبق، قال: جاز ذلك عندي؛ كما في الرمى.
ثم قال أبو علي: ورأيت لبعض أصحابنا منع ذلك، ولا أعرف له وجهاً.
وقد تم الكلام في معرفة نهاية السبق، وأما موضع وقوفها في الابتداء؛ فلم يتعرض الشيخ لذكره ولا ضبطه، وقد حكى الإمام عن شيخه: أن المعتبر فيه بالأقدام لا غير، وأنما التردد في آخر الميدان، و [قال]: هذا حسن متجه لا يجوز غيره؛ فإنا لو اعتبرنا السبق من جهة استحسان مد الفرس عنقه فهذا لا يتحقق في الابتداء؛ فتعين اعتبار الأقدام؛ إذ بها السبق في الحقيقة، ولو اعتبرنا الرقبة لجر ذلك تفاوتاً في السبق مهما اختلفت الأقدام.
تنبيه: العنق يسمى الهادي.
والكاهل- بكسر الهاء- هو الكتف- بفتح الكاف وكسر التاء ثالثة الحروف – وهو مجتمع الكتفين، ويسمى: الكتد، وهو من الخيل مكان السنام من البعير، كذا نقله ابن الصباغ.
وقال القاضي الحسين: إنه مجتمع أسفل العنق وأعلى الصدر، بقرب سنام الإبل فوق اليدين.
[هنا] مناقشة: قال الشيخ محيي الدين النواوي- رحمه الله-: قد ينكر على المصنف كونه جعل الأذن من الرأس، ومذهبنا: أنه عضو مستقل لا من الرأس ولا من الوجه.
ويجاب عنه: بأنه جعلها من الرأس هنا مجازاً؛ للمجاورة، وكونها في تدوير الرأس.
وقد ينكر عليه شيء آخر، وهو أنه جعل الاعتبار بالرأس والأذن، وهذا خلاف ما نص عليه الشافعي والمصنف في "المهذب" وسائر الأصحاب: أن الاعتبار بالعنق لا بالرأس.
قلت: في كلام الإمام الذي حكيته من قبل ما يدل على خلاف ذلك، وكذا كلام اب الصباغ؛ فإنه قال- بعد أن حكى عن الثوري أنه اعتبر السبق بالأذن، وأنه استدل بالحديث الذي ذكرناه-: وأما الخبر فالقصد به المثل، وقد يكون ذلك مع تساوي العنقين ومدهما، وهذا عين ما ذكره الشيخ.
قال: وإن مات أحد المركوبين قبل الغاية بطل العقد، أي: إذا ورد العقد على عينه؛ لأن القصد متعلق بعينه فبطل بتلفه كهلاك المبيع قبل القبض، أما إذا ورد على فرس موصوف، قال الرافعي: فلا ينبغي أن ينفسخ بهلاكه.
قال: "وإن مات أحد الراكبين قام وارثه مقامه"، أي: فإ، لم يكن له وارث استأجر الحاكم من يقوم مقامه أي: إذا قلنا: إنه لازم كالإجارة، قال الرافعي: وقد أبدي فيه احتمال آخر؛ لأن للفارس أثراً ظاهراً، أما إذا قلنا: إنه جائز، انفسخ؛ كالجعالة.
واعلم: أن من هذا الكلام يؤخذ أن من شرط المسابقة على الخيل- وما في معناها- أن تركب في حال السباق، حتى لو شرط إرسال الدواب لتجري بنفسها كان العقد باطلاً، كما صرح به الأصحاب.
قال: "وإن كانت المسابقة على الرمي لم يجز إخراج السبق منهما أو من غيرهما، إلا على ما ذكرناه في الخيل"؛ لما ذكرناه.
قال: "ولا يجوز" أي: العقد "حتى يتعين الرماة؛ لأن المقصود معرفة حذقهم؛ وذلك لا يحصل بغير تعيين، ولا يكفي في ذلك الوصف، بخلاف الخيل، كما حكيناه عن العراقيين"، ومن عبارتي الشيخ هنا وهناك يظهر اختلاف الحكم.
ثم أقل ما يصح عليه عقد النضال اثنان، وقد قال الشافعي: لو قال: ارم عشرة، فإن كان صوابك أكثر فلك كذا- لم يجز أن يناضل نفسه.
وفيه وجه: أنه يصح جعالة؛ لأن له فيه غرضاً صحيحاً، وهذا ما قال ابن الصباغ: إنه المذهب.
وصححه البندنيجي.
فعلى هذا: إذا رمى ستة على التوالي، فأصابها فقد استحق السبق، وهل يلزمه
استكمال العشرة؟ فيه وجهان.
قال: "وإن كانوا حزبين لم يجز" أي: العقد "حتى يعرف كل واحد من رأس الحزبين أصحابه قبل العقد".
جرت عادة الرماة أن يتحزبوا حزبين، وينزلوا كل حزب منزلة الرجل الواحد، وهو جائز على المذهب، ودليله: ما روى سلمة بن الأكوع قال: أتى علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نترامى، فقال: "حَسُنَ هَذَا لَعِباً! ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أبَاكُمْ كَانَ رَامِياً، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ ابْنِ الأَكْوَعِ" فكف القوم أيديهم وقسيهم، وقالوا: غلب يا رسول الله من كنت معه.
قال: "ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ جَمِيعاً".
وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يجوز؛ لأنه يأخذ كل واحد منهم بفعل غيره.
وعلى الأول: لا بد في صحة [هذا] العقد من أربع شرائط يمتاز بها عن غيره:
أحدها: أن يكون لكل حزب زعيم، وهو الذي سماه الشيخ رأساً؛ فلا يكفي أن يكون للحزبين زعيم واحد يعقد عنهما، ويرتبهما في الرمي؛ كما لا يجوز أن يتوكل الواحد عن شخصين في البيع والشراء، قال القاضي الحسين: ويحتاج أن يكون الزعيم أحذقهم وأعرفهم باختيار الرجال.
والثاني: [تعيين] رماة كل حزب؛ لاختلاف الغرض به، وصورته: أن يأخذ هذا الزعيم واحداً، والزعيم الآخر واحداً بالتراضي.
ولا يجوز أن يعين أحد الزعيمين أصحابه دفعة واحدة، ثم الآخر كذلك؛ لاحتمال أن يعين أحدهما الأقوياء.
ولا مدخل للقرعة في هذا التعيين؛ لأنها لا تنضبط، وربما أخرجت الحذاق لأحد الحزبين والضعفاء للآخر؛ فيبطل مقصود العقد.
وكذا لو عدل الزعيمان بالاختيار وتساووا في القوة والضعف، ثم أخرجا القرعة على الحزبين؛ ليكون كل حزب لزعيم- لم يجز؛ لأنه عقد معاوضة فلم يجز تعيين المعقود عليه بالقرعة؛ كالبيع.
نعم، للقرعة مدخل في تعيين المبتدئ من الزعيمين بالتعيين، كذا حكاه العراقيون، ومنهم ابن الصباغ، والبندنيجي، والمصنف.
ولا يشترط بعد هذا معرفة الرماة بعضهم بعضاً؛ بل معرفة الزعيم كافية.
والثالث: أن يكون عدد الحزبين متساوياً عند العراقيين، وبه أجاب صاحب "التهذيب" وغيره.
وقال الإمام ومن تابعه: لا يشترط التساوي في العدد، وإنما يشترط التساوي في الرمي وعدد الإصابة؛ فيجوز أن يكون أحد الحزبين واحداً، والحزب الآخر اثنين، فيرمي الواحد سهمين، ويرمي كل من الآخرين سهماً سهماً.
ثم المحلل في التحزيب يجوز أن يكون من الحزبين، ويجوز أن يكون خارجاً عنهما يناضلهم أو لا يناضلهم.
[و] الرابع: أن يكون عدد السهام يمكن قسمته على الحزبين من غير تفاوت ولا كشر.
فإذا كان كل حزب ثلاثة؛ اعتبر أن تكون السهام لها ثلث صحيح؛ كالثلاثين والستين.
وإن كان أربعة اعتبر أن يكون للعدد ربع صحيح كالأربعين والثمانين؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك بقي سهم، ولا يمكن اشتراك الجماعة في سهم واحد.
فرع: إذا شرط الرماة لواحد [معين] من الحزبين: أن حزبه إن نضل شاركهم في المأخوذ، وإن كان الآخر هو الناضل فلا شيء عليه، وإنما يغرم أصحابه – فهل يغني هذا عن المحلل؟ فيه وجهان، أصحهما- كما ذكره الإمام-: لا؛ لأن المحلل هو الذي إذا فاز بالسبق استبد بالمال، وهنا لا يستدب؛ بل يوزع المال عليه وعلى أصحابه.
ولو اشتمل كل حزب على واحد- كما ذكرنا- قال الإمام: ففيه وجهان مرتبان على التي قبلها، وهذه أقرب إلى الصحة، والوجه: المنع.
ولو شرط كل حزب [كل] المال لمحللهم فهذا يمتنع على كل وجه.
قال: "ولا يجوز" أي: عقد المناضلة "مطلقاً إلا ممن يحسن الرمي"؛ لتوقف
المقصود عليه، وهل يشترط تدانيهما في كثرة الإصابة وقلتها، حتى لو كان أحدهما كثير الإصابة والآخر كثير الخطأ- لا يصح؟ فيه وجهان، وجه المنع: أن نضل أحدهما معلوم؛ فيكون الناضل منهما كآخذ المال بغير حق.
فعلى هذا: لو ترامى غريبان صح، وإن أمكن أن يكون أحدهما بحيث لو علم حاله لتحقق عجزه أو ظفره.
وعن الشيخ أبي محمد في "المنهاج": أنه لا يبعد عن القياس المنع؛ لما فيه من الجهالة العظيمة، ولكن الشافعي نص على تجويزه.
ثم إذا ظهر أنه لا يحسن الرمي بطل العقد، وإن تبين أن أحدهما أحذق فهل يتبين بطلان العقد؟ فيه خلاف في "الرافعي".
قال: "فإن خرج في أحد الحزبين من لا يحسن الرمي" أي: مثل أن أدخل الزعيم غريباً في حزبه على ظن أنه يحسن، فبان عدمه- قال: "بطل العقد فيه"؛ لما ذكرناه، "وسقط من الحزب الآخر بإزائه واحد"؛ ليحصل التساوي؛ كما لو خرج أحد العبدين المبيعين مستحقاً فإنه يبطل العقد فيه، ويسقط ما قابله من الثمن.
قال: "ثم الرماة بالخيار بين فسخ العقد وبين الإمضاء"؛ لتبعيض الصفقة عليهم، وقيل في المسألة قول آخر: إن العقد قد بطل في الجميع؛ عملاً بقاعدة تفريق الصفقة.
وهذا الطريق هو المشهور، وهو الذي اقتصر ابن الصباغ على إيراده، وجعل الذي يبطل العقد فيه من الحزب الآخر إذا رأينا تفريق الصفقة للشخص الذي اختاره الزعيم في مقابلة من لا يحسن الرمي، كما ذكرناه من قبل، وكلام الشيخ في "المهذب" يقتضي أنه لا يتعين؛ فإنه قال تفريعاً على قول عدم البطلان في الجميع: لو اختلف الرماة في تعيين من يخرج في مقابلة من لا يحسن الرمي فسخ العقد؛ لأنه تعذر إمضاؤه على مقتضاه.
ومن أصحابنا من قال: يبطل العقد في الجميع قولاً واحداً؛ لأن في مقابلته في الحزب الآخر لا يتعين؛ فلا وجه للقرعة.
واستدرك الإمام ورأى أن يفصل فقال: إن كان الآخر بحيث لا يتمكن من أخذ القوس ونزع وتر فالحكم كما ذكروه، وإن كان يتمكن منها، لكنه ما اعتاد الرمي- ففيه احتمال، ويتطرق أيضاً إلى أن مثل هذا هل يرامى مع العلم بحاله،
أما لو خرج في [أحد] الحزبين من هو ضعيف الرمي قليل الإصابة، ولكن يحسن الرمي- فلا انفساخ، ولا خيار لإخوانه؛ لتقصيره، كما لا خيار للحزب الآخر لو خرج أقوى رمياً [مما] ظن به.
فرع: إذا نضل أحد الحزبين الآخر؛ ففي كيفية قسمة المال وجهان في "المهذب":
أحدهما- وبه جزم الغزالي، وابن الصباغ-: أنه يقسم بينهم بالسوية؛ كما يجب على المنضولين بالسوية؛ فعلى هذا: إن خرج فيهم من لا يصيب استحق.
والثاني: يقسم بينهم على قدر إصاباتهم؛ لأنهم استحقوا بها، ويخالف ما لزم المنضولين؛ فإن ذلك وجب بالالتزام، والاستحقاق بالرمي؛ فاعتبر بقدر الإصابة؛ فعلى هذا: إن خرج فيهم من لم يصب لم يستحق شيئاً، وهذا إذا أطلق العقد، فإن شرطوا أن يقتسموا على الإصابة فالشرط متبع، وللإمام احتمال فيه.
فرع: لو شرط في هذا العقد أن يرمى أول الحزب فلان، ثم بعده فلان، ثم بعده فلان، وهكذا في الحزب الآخر- لم يجز؛ لأن التقديم إلى الزعيم، حكاه البندنيجي وغيره.
قال: "ولا يجوز إلا على عدد من الرشق معلوم" أي: بأن يقول: يرمي كل واحد منا عشرة سهام مثلاً؛ "وأن يكون عدد الإصابة معلوماً" أي بأن يقول: ويكون المصاب منها خمسة مثلاً، لتوقف معرفة السبق عليه، وقيل: إذا تناضلا على رمية واحدة، وشرطا المال للمصيب فيه- صح على الأصح".
وقيل: لا يشترط بيان عدد الرشق؛ [بل التعويل على الإصابة.
وقيل: إنه يشترط عدد الرشق] في المحاطة؛ لينفصل الأمر وتتبين نهاية العقد، ولا يشترط في المبادرة؛ لتعلق الاستحقاق بالبدار إلى العدد المشروط، وهو سهل المدرك، وهذا الخلاف موجود في طريق المراوزة.
[تنبيه: الرشق- بكسر] الراء المهملة-: الوجبة من السهام، كذا أطلقه أبو عبيد وغيره.
وقال الأزهري: هو ما بين العشرين إلى الثلاثين، يرمي بها رجل أو رجلان يتسابقان.
قال القاضي الحسين: والعجم تسميه: دست.
وبفتح الراء: مصدر "رشقه، يرشقه، رشقاً" أي: رماه.
قال: فإن شرطا إصابة "تسعة من تسعة، أو] تسعة من عشرة، أو عشرة من عشرة- لم يجز في أصح الوجهين؛ لأن ذلك يندر فيتعذر المقصود.
والثاني: يجوز؛ لأنه يحتمل فأشبه ثمانية من عشرة، ولو شرط إصابة واحد من مائة- والرامي حاذق- ففيه أيضاً وجهان، أصحهما: المنع.
قال: "وأن يكون مدى الغرض" أي: الغاية "معلوماً"؛ لاختلاف الإصابة بالقرب والبعد.
والمدى: مقصور يكتب بالياء، [وهو الغاية]، والعلم به يكون بالمشاهدة و [بذكر] الذرعان، وحكى قول أو وجه: أن ذكر الذرعان لا يشترط، ويترك على العرف الغالب للرماة في ذلك الموضع.
وهذا ما رجحه الرافعي، واقتصر ابن كج على إيراده، وكلام صاحب "المهذب" و"التهذيب" يقرب منه؛ فإنهما قالا: إذا كان هناك غرض معلوم المدى حمل مطلق العقد عليه، والقولان متفقان على أنه إذا لم يكن هناك عادة غالبة يجب الإعلام.
[قال الرافعي: وليحمل على هذه الحالة ما أطلقه الأكثرون من اشتراط الإعلام].
قال: "فإن شرط دون المائتي ذراع جاز"؛ لأن الإصابة فيه معتادة "وفيما زاد، قيل: يجوز إلى مائتين وخمسين ذراعاً"؛ لما روي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: كيف تقاتلون العدو؟ فقال: إِذَا كَانُوا عَلَى مَائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ ذِرَاعاً قَاتَلْنَاهُمْ بِالنَّبْلِ، وَإِذَا كَانُوا عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَاتَلْنَاهُمْ بِالسُّيُوفِ.
وقيل: يجوز إلى ثلاثمائة وخمسين ذراعاً؛ لأن إصابة ذلك ممكنة، ولا
يجوز فيما جاوز ذلك أن يجعل غاية؛ لأن المقصود لا يحصل، وقد قيل: إنه ما رمى إلى أربعمائة إلا عقبة بن عامر الجهني.
قال الرافعي: وقد عد الأصحاب ما بين المقدارين في حد النادر.
يعني ما بين المائتين وخمسين والثلاثمائة وخمسين كما صرح به في "المهذب" و"التهذيب"، ومقتضى ذلك: أن يكون الأصح المنع؛ إذ الصحيح – كما ذكره من قبل- أن ما يندر الإصابة فيه لا يجوز المسابقة إليه، والذي حكاه القاضي الحسين عن المنصوص: الجواز.
وقد طرد صاحب "التهذيب" الخلاف فيما إذا شرط التناضل في الليلة المظلمة إذا كان الغرض مرئياص لهما، وقرب الخلاف من الخلاف فيما إذا نوى الإمام الإقامة في مفازة ليست هي موضع الإقامة، هل يصير مقيماً؟
واعلم أن كلام الشيخ يقتضي أن المائتين وخمسين يجوز الرمي إليها اتفاقاً؛ كأنه ردد الخلاف فيما زاد على مائتين وخمسين إلى ثلاثمائة وخمسين.
ويفهم أن الخلاف في المائتين؛ لكونه قال أولاً: "فإن شرط دون المائتي ذراع جاز"، و"هو مقتضى كلامه قد صرح به القاضي الحسين، وادعى أنه لا خلاف في الجواز إلى مائتين وخمسين، وفي الامتناع فيما زاد على ثلاثمائة وخمسين، وما هو مفهوم من كلامه قد حكاه الجيلي، حيث قال: إن في المائتين قولين ينبنيان على ما إذا شرطنا إصابة الرقعة، وفيها قولان، وعزا ذلك إلى "السلسلة".
وعن رواية الطبري وجه: أنه لا تجوز الزيادة على مائتي ذراع.
قال: وإن شرط الرمي إلى غير غرض، وأن يكون السبق لأبعدهما رمياً- لم يصح؛ لأن المقصود من الرمي الإصابة، لا بعد المسافة".
وفيه وجه في الطريقين: [أنه يجوز]، وصححه الرافعي.
قال الإمام: والذي أراه على هذا أنه يجب استواء القوسين في الشدة، وتراعى خفة السهم ورزانته؛ فإنهما تؤثران في القرب والبعد تأثيراً عظيماً.
قال: "وأن يكون الغرض في نفسه معلوم الصفة، معلوم الطول والعرض [والسمك] والارتفاع والانخفاض من الأرض"؛ لاختلاف الإصابة
باختلاف ذلك، ويكفي في ذلك العرف إن كان، وإلا فلا بد من الشرط.
وقيل: لا بد من الشرط.
تنبيه: الغرض- بفتح الراء-: العلامة التي يرمى إليها من خشب أو قرطاس أو نعل أو شن وهو الجلد البالي، كما سنذكره- أو الدائرة التي في الشن: وهي نقش كالقمر قبل استكماله- أو الخاتم الذي في الدائرة: وهي نقش أيضاً كالخاتم.
ومراد الشيخ بالوصف بيان أحد هذه الأنواع.
وحكى القاضي الحسين: أنهما لو شرطا إصابة الحلقة والرقعة هل يجوز؟ فيه وجهان؛ لندور الإصابة.
الهدف: ما ينصب الغرض عليه من كثيب الرمل أو التراب أو البناء، وغير ذلك.
وقيل: القرطاس: ما وضع على الهدف ليرمى من أي شيء كان، والغرض: ما ينصب في الهواء، قال الأزهري: ويسمى القرطاس هدفاً وغرضاً على الاستعارة.
السمك- بفتح السين-: الغلظ.
الارتفاع إذا كان منصوباً في الأرض يعرف قدر ارتفاعه عنها.
الانخفاض إذا كان معلقاً في الهواء يعرف قدر انخفاضه، وهو نزوله أو قربه من الأرض.
قال: "وأن يعلم أن الرمي محاطة، أي: بتشديد الطاء "أو مبادرة أو مناضلة"؛ لأن الغرض يختلف به.
وقيل: إذا أطلق العقد حمل على المبادرة، وهو الأصح في "التهذيب".
قال: فالمحاطة: أن يحط أكثرهما إصابة من عدد الآخر؛ فيفضل له عدد معلوم يتفقان عليه فيفضله به.
تقرير هذا الكلام ما قاله الشيخ محيي الدين النواوي: إن لفظة "من" هاهنا بمعنى "عوض"؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: 38] أي: بدل الآخرة وعوضها، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: 178] أي: بدل أخيه، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: 60] أي بدلكم، ومنه قولهم: عوضت فلاناً من دراهمه ثوباً،
أي: بدلها، ذكره الأزهري.
ومعنى كلام المصنف: المحاطة: أن يحط، أي: يسقط، أكثرهما إصابة، من إصاباته مثل عدد إصابات الآخر.
مثاله: قالا: يرمي كل واحد عشرين سهماً، ويضم الإصابات بعضها إلى بعض فمن فضل له خمسة مثلاً فهو ناضل، وليس للثاني أن يكلفه [تمام الرمي؛ لفقد فائدته.
وفيه وجه: أنه يكلفه]، كما ستعرف أصله في مسألة المبادرة.
ولو رميا عشرة، فأصاب أحدهما منها ستة، والآخر واحداً- كان له طلب الرمي؛ لأنه يرجو أن يصيب العشرة الباقية ويحطها صاحبه؛ فتحصل له أحد عشر، ولصاحبه ستة فينضله.
وهكذا لو رميا خمسة عشر، فأصاب أحدهما عشرة، والآخر خمسة- فله طلب الرمي؛ لرجائه أن يرمي الخمسة الباقية فيصيبها ويخطئ صاحبه [فيها] فيساويه.
وهكذا لو رميا خمسة عشر فأصاب أحدهما أحد عشر، والآخر اثنين- فله طلب الرمي؛ لاحتمال [أن يصيب الباقي فيكمل له سبعة، ويخطئ صاحبه الثاني فلا يكون قد أتى بالمشروط]؛ لأن الفاضل حينئذ [يكون أربعة.
وفي "الشامل" حكاية وجه: أن المفضول في هذه الأحوال ليس له طلب الرمي، وأنه] يكون منضولاً؛ لأن صاحبه قد ساواه فيما رماه وزاد عليه بالقدر المشروط- وهو خمسة- فشابه المبادرة.
وسلك الرافعي طريقاً آخر فقال: إذا حصل الفضل بالقدر المشروط قبل استكمال الرشق، فهل يستحق [من له الفضل المال قبل إتمام الرشق؟ فيه وجهان، أصحهما: المنع.
فإن قلنا: لا يستحق] المال ما لم يكمل الرشق، فلا بد من إتمامه، وإن قلنا بالاستحقاق، وقلنا: لا حط بعد خلوص العدد المشروط، فهل للآخر أن يكلفه إتمام العمل؟ فيه وجهان يأتيان في المبادرة.
قال: "والمبادرة: أن يشترطا إصابة عشرة من عشرين، فيبدر أحدهما" أي
يسبق "إلى إصابة العشرة" أي: موضع التساوي في الرمي؛ "فينضل صاحبه".
قال بعضهم: وهذه من صور المبادرة، وإنما المبادرة: أن يشترطا إصابة معلومة من الرشق، وأن من بدر منهما إليها مع تساويهما في الرمي كان ناضلاً، وعلى هذا جرى في "المهذب"، وابن الصباغ، وحكى في "الشامل" أن البويطي قال: المبادرة: أن يقوما جميعاً سهميهما، فأيهما وقع سهمه أولاً بدره بالسبق.
وقال: الأصح الأول.
فرع: إذا رمى كل واحد منهما عشرة وأصابها فقد تساويا، فلا يكمل الرشق؛ لأن المشروط من الإصابة حصل.
وكذا لو أصاب أحدهما العشرة، والآخر تسعة، لكن [في هذه الصورة: الأول ناضل.
وحكى الإمام وجهاً: أن الناضل يلزمه] الإتيان ببقية الرمي؛ لينتفع صاحبه بمشاهدة رميه، ويتعلم منه.
وقرب هذا الخلاف من الخلاف في الرجوع إلى أجرة المثل عند فساد هذه المعاملة: إن قلنا: لا يرجع بالأجرة، وإنه يعمل لنفسه، واستحقاقه بالشرط- فلا يكلف إتمام العمل.
وإن أثبتنا الرجوع بأجرة المثل، فقد قدرنا العمل كالمنافع المستحقة؛ فلا يبعد أن يكلف استكمال العمل بعد الفوز بالمال.
ومقتضى هذا البيان: أن يكون الصحيح وجوب إتمام العمل؛ لأن الصحيح استحقاق أجرة المثل، لكن الصحيح الأول.
ولو أصاب الأول تسعة من العشرة، والثاني ثمانية: فالنضال بحاله؛ فيرميان: فإن رمى الأول سهماً فأصاب، فقد نضل، وسقط رمي الثاني، على الأصح.
وإن رمى سهمين فأخطأ فيهما، ورمى الثاني سهمين، فأصاب فيهما]- كان هو الناضل؛ لأن الأول أصاب تسعة من اثنين وعشرين، [والثاني أصاب عشرة من اثنين وعشرين].
أما إذا ابتدر أحدهما إلى إصابة العشرة من عدد، ولم يستوف الآخر ذلك العدد، وأمكن أن يساويه في تحصيل المشترط: كما إذا رمى أحدهما العشرة وأصاب تسعة، والآخر كذلك، ثم رمى الأول سهماً وأصاب- فليس بفائز؛ بل يرمي الثاني سهماً: فإن أصاب فقد استويا، وإن أخطأ فالأول ناضل.
قال: والمناضلة: أن يشترطا إصابة عشرة من عشرين على أن يستوفيا جميعاً، أي: العشرين، فيرميان معاً جميع ذلك: فإن أصاب كل واحد منهما العشرة [أو أكثر أو أقل أحرزا سبقهما، وإن أصاب أحدهما دون العشرة] وأصاب الآخر العشرة أو فوقها فقد نضله.
وقد ذكر الأصحاب نوعاً آخر يسمى الحوابي: وهو أن يشترك إصابة عدد من الرشق، على أن يسقط ما قرب من إصابة أحدهما ما بعد من إصابة الآخر؛ فمن فضل له بعد ذلك من الإصابة ما اتفقا عليه من العدد كان السبق له.
مثاله: إذا رمى أحدهما، فأصاب من الهدف موضعاً بينه وبين الغرض قدر شبر- حسب له، فإذا رمى الآخر فأصاب موضعاً بينه وبين الغرض إصبع حسب له، وأسقط ما رماه الأول، فإن عاد الأول فرمى وأصاب الغرض أسقط ما رماه صاحبه.
ولو رمى أحدهما أولاً فأصاب الشن، ورمى الثاني فأصاب الرقعة التي في وسط الشن- قال الرافعي: القياس عندي أنهما سواء؛ لأن [القريب] إنما يسقط البعيد إذا كان خارجاً من الشن، أما إذا كان في الشن فلا؛ لأن الشن كله موضع الإصابة.
قال: وأن يكون البادئ [منهما] معلوماً، أي: حالة العقد؛ لأنه لو أطلق من غير شرط لما كان أحدهما بأولى من الآخر، ولا سبيل إلى القرعة؛ لأن هذا العقد موضوع على نشاط القلب وقوة النفس؛ فلو اعتبرت لكان في خروجها لأحدهما كسر قلب الآخر فيسوء رميه.
وقيل: إن شرط ذلك وجب الوفاء [به]؛ عملاً بالشرط، "وإن لم يشرط جاز"؛ لأن ذلك من توابع العقد، ويمكن تلافيه بما تذهب به التهمة من تراض أو عرض أو قرعة- كما سنذكره- وهذا ما حكاه القاضي الحسين.
قال: "فإن تشاحا أقرع بينهما"؛ لأن القرعة يرجع إليها في كثير من مواضع المنازعات، وهذا ما اختاره القاضي الطبري، وهو ظاهر نصه في "الأم"، ويدخل المحلل إن كان ثم في هذه القرعة.
وقيل: إنه ينزل على عادة الرماة، وهو تفويض الأمر إلى المستبق: فإن أخرج السبق أحدهما فهو أولى بالبداية، وإن أخرجه غيرهما قدم من شاء منهما، وإن أخرجاه جميعاً حكمت القرعة.
وعلى هذا لا يدخل المحلل في القرعة.
وحكى القاضي الحسين: أنه إن كان المخرج للسبق غيرهما، رجع إليه، وإن كان المخرج له أحدهما، فوجهان.
فرع: إذا شرط تقديم واحد، واعتبرنا القرعة، فخرجت لواحد، فيقدم في كل رشق، أو يؤثر بسبب التقديم في السهم الأول خاصة؟ فيه وجهان حكاهما الإمام، والمذكور في تعليق القاضي الحسين: الأول.
ولو صرحوا بتقديم من قدموه في كل رشق اتبع الشرط؛ كما نقله الإمام عن الأصحاب.
وفي الرافعي: أن الشافعي في "الأم" قال: لو شرط أن تكون البداية لأحدهما أبداً، لم يجز؛ لأن المناضلة مبنية على التساوي.
وقضية هذا: أن يبتدئ الثاني في النوبة الثانية، ويتصل رميه برميه.
وفائدة استحقاق التقديم: أن غيره لو رمى في نوبته لم يحسب له ولا عليه.
قال: "ويرميان سهماً سهماً" أي: عند الإطلاق؛ لأنه المتعارف [عند الرماة]، فإن شرط [أن يرمي أحدهما] بجميع سهامه- حملاً على الشرط – عَمِلا بمقتضاه.
وهكذا لو وقع الشرط على أن يرميا عشرة عشرة، أو خمسة خمسة: اتُّبعَ.
فرع: يستحب أن يكون الرمي بين غرضين متقابلين: يرمي المتناضلان أو الحزب من عند أحدهما إلى الآخر، ثم يأتيان الثاني، ويلتقطان السهام، ويرميان الأول؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ رَوْضَةُ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ".
قال: وأن تكون صفة الرمي معلومة من القرع والخزق والخسق والمرق والخرم؛ لأن الغرض يختلف [بذلك]، قال النواوي وغيره: كان الأولى أن يقول: صفة الإصابة؛ لأن ما ذكره صفتها، لا صفة الرمي، لكنه من توابع الرمي ومتعلقاته؛ فأطلق عليه اسمه مجازاً.
قال: "فالقرع" أي: بفتح القاف وإسكان الراء "هو إصابة الشن"، [أي]: من غير تأثير فيه، واشتق من قرع الباب.
والشن- بشين معجمة ونون مشددة-: الجلد البالي الذي أتى عليه سنون، وجمعه: شِنان؛ ككلب وكلاب، والقرطاس للعجم كالشن للعرب، وقد سمى المحاملي السهام التي يحصل بها القرع: الخواصر، بخاء معجمة وصاد غير معجمة.
وقال ابن الصباغ: الخواصر: ما كانت في جوانب الغرض، ومنه قيل: الخاصرة؛ لأنها من جانبي الإنسان، ويقال: حاز السهم بهذا المعنى، وجاز: إذا وقع وراء الهدف.
قال: "والخزق" أي: بفتح الخاء المعجمة وإسكان الزاي: "أن يخدش الشن" أي: بكسر الدال "ولا يثبت فيه، والخسق": أي بفتح الخاء المعجمة وإسكان السين المهملة وقاف "أن يثبت فيه" أي: بعد أن يثقبه.
قال: "والمرق" أي: بفتح الميم وإسكان الراء "أن ينفذ فيه"، قال صاحب "رفع التمويه": واشتقاقه من المروق، وهو: الخروج من الشيء، وإنما يتصور ذلك إذا كان الشن معلقاً، واعتبر ابن الصباغ في هذه التسمية أن يقع من الجانب الآخر.
قال: "والخرم" أي: بفتح الخاء المعجمة وإسكان الراء "أن يقطع طرف الشن، ويكون بعض النصل في الشن وبعضه خارجاص منه"، وقد أضاف بعضهم إلى صور الكتاب صورة أخرى، وهي: الخرق- براء غير معجمة- وفسرها بأن يثقب الشن فقط.
وعد ابن الصباغ من صفة الرمي: الحوابي، وهو ما وقع بين يدي الغرض، ثم حبى إليه؛ ومنه يقال: حبا الصغير.
والخواصل- وهو كما قال الأزهري-: ما
أصاب القرطاس؛ يقال: أخصلت مناضلي، أخصله خصلاً.
قال: "فيحملان على ما شرطا" عملاً بالشرط، قال في "المهذب": فإن أطلق العدق حمل على القرع؛ لأنه المتعارف، وقضية ذلك: أن يكون التعيين ليس بشرط؛ إذ لو كان شرطاص لما صح عند الإطلاق، وقضية كلامه هنا: أن التعيين شرط، وكما دل عليه كلام ابن الصباغ بعد قوله: إن كيفية الإصابة منقسمة إلى حوابي وخواصر وخوازق وخواسق وخواصل، وللإصابات أسماء غير هذه، ولكنها ليست من شرائط المناضلة، وقد صرح في "التهذيب" بالاشتراط بقوله: ويشترط في المناضلة بيان ستة أشياء، وعد منها صفة الإصابة، لكنه ذكر بعد ذلك مثل ما ذكره الشيخ في "المهذب".
فرع: لو شرطا قرع عشرة من عشرين، وأن يحسب خاسق كل واحد منهما بقارعين- جاز، فإن أصاب أحدهما تسعة قرعاً، وأصاب الآخر قارعين وأربعة خواسق- فقد نضله؛ لأنه استكمل العشرة بالخواسق.
قال في التهذيب: [وقيل:] هذا لا يجوز.
واعلم أنه لا يجوز أن يتفاضلا في عدد الإصابة ولا في عدد الرشق، ولا في صفة الإصابة، ولا في محل الإصابة، ولا يحسب قرع أحدهما خسقاً ولا أن يكون في يد أحدهما [من السهام] أكثر مما في يد الآخر في حال الرمي، ولا أن يرمي أحدهام والشمس في وجهه، ولا أن يشترط تقدم أحدهما في الموقف؛ لأن القصد أن يعرف حذقهما، وذلك لا يعرف مع الاختلاف؛ فإذا شرط شيئاً من ذلك بطل العقد.
ولو قدم أحد الراميين قدمه عمداً عند الرمي فلا بأس.
وكذا يغتفر وقوف الرماة صفاً، ويرمي كل واحد منهم من موضعه، وإن كان الواقف في الوسط أقرب إلى الهدف من غيره.
ولو تقدم الرامي الثاني عن الأول بخطوة أو خطوتين أو ثلاث، فإن كان ذلك عادة الرماة ففيه وجهان، ووجه الجواز: أن ذلك في مقابلة قوة النفس الأول بالبداية، فإن لم تكن عادة مطردة وجبت رعاية المساواة.
قال: وإن شرطا إصابة حوالي الشن، فأصاب الشن أو بعيداً منه- لم
يحسب له؛ لأنه لم يأت بالمشروط.
ولو كان الشرط إصابة الغرض، فأصاب الشن أو الجريد الذي يداور الشن، أو العرى وهي السير الذي يشد به الشن على الجريد حسب له؛ لأن ذلك كله من الغرض.
وإن [شرطا] إصابة العلاقة التي يعلق بها الغرض في الهواء؛ فقولان.
ولو شرط إصابة الشن، فأصاب العلاقة أو السير الذي يشد به، لم يحسب.
قال: "وإن شرطا الخسق، وفي الغرض حصاة منعت من الخسق، أي: بتواقف المتراميين، فخرق السهم وسقط- حسب له خاسقاً؛ لأن الغرض إصابة الغرض وقد حصل".
وفي "الرافعي": أن بعضهم أجرى في ذلك قولين.
فإن قلنا: لا يحسب له، ويجعل كالعوارض المانعة [التي] نذكرها.
ولو ادعى الرامي أن الحصاة منعت من الخسق، وهي موجودة في موضع الإصابة، [وأمكن الرسيل- فوجهان فيمن القول قوله.
ولو لم يكن في موضع الإصابة] فالقول قول الرسيل بلا يمين.
ولو لم يعرف موضع الإصابة، فإن كانت الحصاة موجودة فالقول قول الرسيل مع اليمين، وإذا حلف لم يحسب له، وهل يحسب عليه؟ فيه وجهان، أظهرهما: لا.
وإن لم يكن ثم حصاة [فالقول قول الرسيل بلا يمين، وحسب على الرامي، أما إذا لم يكن ثم حصاة] وقد خرق السهم وسقط ولم يثبت، ففيه طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين، أظهرهما: أنه خسق.
والطريق الثاني: القطع به، وهو الذي نص عليه في "المختصر"، والقول الآخر حكاه عن غيره، وهذا ما اختاره القاضي ابن كج والروياني وغيرهما؛ لأنه قد حصل الخسق، والمرق بعده يدل على زيادة القوة، ولو ثبت ثم سقط حسب له؛ كما لو ثبت ثم نزعه إنسان.
ولو لم يثبت، ولكنه ثقب الموضع بحيث يصلح لثبوت السهم – ففيه قولان في "المهذب" وغيره:
أظهرهما عند الشيخ أبي حامد والإمام: أنه يحسب له خاسقاً، وفي موضع القولين طرق:
أحدها: أن الخلاف فيما إذا كان خرم النصل خارجاً، أما إذا أخذ الغرض خرم النصل كله فقد حصل الخزق بلا خلاف.
[والثاني: أنه إن كان بعضه خارجاً لم يحسب خاسقاً بلا خلاف].
ومحل القولين ما إذا بقيت جليدة تحيط بالنصل، ذكره في "المهذب".
والثالث: إن أبان من الطرف قطعة لو لم يبنها لكان الغرض محيطاً بالنصل، فهو خاسق قولاً واحداً، والقولان فيما إذا خرم الطرف لا على هذا الوجه.
والرابع: أنه إذا خرم الطرف لم يكن خاسقاً بلا خلاف، وإنما الخلاف فيما إذا خرم شيئاً من الوسط وثبت مكانه، وهذا أبعدها.
[وعن القفال]: أنه لو كان بين النصل وبين الطرف شيء، لكنه تشقق وانخرم ليبوسةٍ كانت في الشن أو غيرها فهو خاسق، ولو فرض ما ذكرناه من إصابة الطرف، والمشروط القرع أو الإصابة دون الخسق ففيه طريقان:
أحدهما: طرد القولين، وبه قال ابن القطان.
قال: "وإن انقطع الوتر أو انكسر القوس" أي: قبل خروج السهم، لا بتقصيره وسوء رميه "أو استغرق في المد فسقط" أي السهم مثل أن بالغ في نزع القوس حتى وصل النصل إلى القبضة؛ فخرج السهم من يده بغير اختياره.
قال: "أو عرضت [ريح] في يده أو هبت ريح شديدة، فرمى فأخطأ- لم يحسب عليه"؛ إحالة للخطأ على السبب العارض، وقيل: يحسب عليه في صورة الأعلاق؛ لأنه منسوب لتقصيره كما لو انكسر القوس أو انقطع الوتر بتقصيره وسوء رميه؛ فإنه يحسب عليه، وحكى الإمام وجهاً: أن السهم عند هذه العوارض إن وقع قريباً من الغرض حسبت الرمية عليه؛ لأنه قد وقع في حد غير بعيد عن الإصابة؛ فكأن النكبة لم تؤثر، ونسبه إلى أبي إسحاق، وخصص الأكثرون هذا الوجه بما إذا وقع السهم مجاوزاً للغرض، وجعلوا المجاوزة مشعرة بأن النكبة لم تؤثر، أما إذا حصل انقطاع الوتر وانكسار القوس بعد خروج
السهم فلا أثر له، صرح [به] ابن كج.
قال: "وإن هبت ريح شديدة" أي: بحيث لم يكن له فيها حيلة، فرمى "فأصاب- لم يحسب له"؛ لأنه لم يكن بجودة رميه.
وفي "الرافعي" و"الحلية" حكاية وجه فيه؛ أخذاً مما سنذكره فيما إذا أصاب السهم ارض فازدلف، ونفى الشيخ في "المهذب" الخلاف فيه، وفرق بينه وبين الازدلاف: بأن ذلك قد حصل بحدة رميه، ومع الريح العاصفة لا يعلم أنه أصاب برميه، وحكى الماوردي الوجهين في كتاب السرقة كالوجهين فيما إذا نقب ووضع المتاع في النقب، فهبت الريح فأخرجته، وجزم بأنه لو رمى في وقت هبوب الريح، فأعانته، فأصاب- حسب له؛ كما لو وضع المتاع في وقت هبوب الريح في النقب، فأخرجه: يقطع.
ولو كانت الريح لينة فلا أثر لها، حتى لو رمى رمياً ضعيفاً، فقوته وأصاب- حسب له.
وإن صرفت السهم بعض الصرف فأخطأ حسبت عليه؛ لأن الجو لا يخلو عن الريح الخفيفة غالباً.
وفيها وجه: أنها تمنع الاحتساب له وعليه.
وإن أصاب مع باقي الأعذار التي ذكرناها، وقلنا: لا تحسب عليه لو أخطأ- قال في المهذب: تحسب له؛ لأنه أدل على رميه.
وحكى ابن الصباغ فيه وجهين، أصحهما في الرافعي: الأول.
فرع: إذا انكسر السهم بعد خروجه من القوس نصفين، فأصاب بأحد النصفين، فهل يحسب له؟ فيه الوجهان، فإن فرعنا على الأصح فبأي النصفين الاعتداد؟ فيه وجهان:
أحدهما: بالذي فيه النصل، فإن أصاب حسب له، وإلا فلا؛ كما لو أصاب بالأسفل من غير كسر السهم.
والثاني: بالذي فيه الفُوقُ ولا عبرة بالآخر.
وهذا ما أجاب به في "التهذيب"، والأول هو المنصوص، وبه أجاب العراقيون.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي: أن الرمي إذا وجد بغير هبوب الريح
الشديدة, وترتب عليها الخطأ أو الإصابة، لا يحسب ذلك، وهو ما حكي عن أبي الطيب بن سلمة والعراقيين، وهو الأظهر في "الرافعي"؛ لقوة تأثيرها، ومن طريق الأولى إذا عرضت بعد إرسال السهم.
وفي الحالة الأولى وجه هو ظاهر النص، وبه أجاب الإمام: أنه يحسب؛ لأن ابتداء الرمي والريح تهب عاصفة- تقصير، وأيضاً: فللرماة حذق ونظر في الرمي وقت هبوب الريح؛ ليصيبوا، فإذا أخطأ فقد ترك ذلك النظر، وظهر سوء رميه.
فلو ظهر هبوبها بعد خروج السهم من القوس فقضية الترتيب أن يقال: إن جعلنا اقترانها مؤثراً فطرؤها أولى، وإلا فوجهان:
أحدهما: أنه كالنكبات العارضة.
والثاني: المنع؛ لأن الجو لا يخلو عن الريح، ولو فتح هذا الباب لطال النزاع.
قال: "وإن انتقل الغرض بالريح فأصاب موضعه، والشرط هو القرع حسب له"؛ لأنه لو كان الغرض مكانه لقرعه.
وقيل: لا يحسب له ولا عليه، وقد نسب هذا إلى ابن القاص، فلو أصاب الغرض لم يحسب له وحسب عليه.
قال: وإن كان الشرط هو الخسق، فثبت السهم، والموضع في صلابة الغرض [أي: بأن كان من الخشب أو الآجر أو الطين اليابس حسب له؛ لأنه لو كان الغرض مكانه لخسقه.
وعن "الحاوي"، حكاية وجه: أنه لا يحسب له ولا عليه.
ولو كان الموضع دون صلابة الغرض] كما إذا كان تراباً أو طيناً ليناً؛ فلا يحسب له ولا عليه؛ لأنه لا يدري هل كان يثبت لو أراد موضعاً [أم لا]؟
قال: وإن أصاب السهم الأرض [فازدلف]، أي: انتقل ووثب، وفي رفع التمويه أنه يقال: ازدلف الرجل، أي: تقدم، والأفصح أن يقال: زلف.
قال: "وأصاب الغرض، حسب له في أحد القولين" وهو الأصح عند العراقيين، لأنه أصاب الغرض بالنزعة التي أرسل بها، وما عرض دونه كشيء
هتكه، ثم أصاب، وكما لو صرف الريح اللينة السهم فأصاب.
"ولم يحسب له ولا عليه في القول الآخر؛ للشك.
وهذا أصح عند الإمام، [والخلاف المذكور يجري فيما لو أصاب السهم شجرة أو حائطاً ثم أصاب الغرض.
ووجه المنع: أصح عند الإمام] – أيضاً- لكنه فرض المسألة فيما إذا كانت الشجرة مائلة عن قبالة الغرض، ثم ردته الصدمة إلى الغرض.
وقال أبو إسحاق: يحتمل أن يكون الجواب على اختلاف حالين: فإن كانت الأرض أعانته لم يحسب له، وإن لم تعنه حسب له.
أما لو ازدلف فأخطأ فهل يحسب عليه؟ فيه وجهان- أظهرهما وبه أجاب الشيخ أبو محمد-: نعم.
ولو ارتفع السهم في الهواء، ثم خطف نازلاً، فأخطأ- حسب عليه، وإن أصاب فهل يحسب له؟ فيه وجهان، أحدهما: لا، فعلى هذا: هل يحسب عليه من خطئه؟ فيه وجهان، [وهذا السهم يقال له: سهم خاطف].
قال: "وإن شرطا الرمي [عن القسي] العربية أو الفارسية، أو أحدهما يرمي [عن العربية]، والآخر [عن الفارسية]- حملا عليه"؛ عملاً بمقتضى الشرط.
وكذا لو شرط أن يرمي أحدهما بالنبل والآخر بالنشاب.
وعن رواية صاحب "التقريب" وجه: أنه لا تجوز المناضلة على النبل والنشاب، وانهما ينزلان منزلة الخيل والبغال، وإلى هذا مال ابن كج.
ولو شرطا أن يرمي أحدهما بالسهام، والآخر بالمزاريق أو الحراب إذا جوزنا المناضلة عليهما- فهل يجوز ويتعين الشرط أو لا يجوز؟ فيه وجهان كالوجهين في المسابقة على الخيل والإبل، وهذه الصورة أولى بالجواز؛ لأن التعويل في المسابقة على المركوب، والتعويل في الرمي على الرامي؛ فإنه لا عمل لآلته، ومع هذا فالجواب في "المهذب": المنع.
قال: وإن أطلقا العقد حملا على نوع واحد أي: المتعارف في ذلك الموضع؛ لأن العرف يحكم عند الإطلاق كما في النقود المختلفة.
وعن ابن القاص بأنه لا يصح مع الإطلاق؛ لأن الأغراض متفاوتة، والإصابة في الأنواع والحذق في استعمالها [يختلف]؛ فلا بد من البيان.
وعلى الأول- وهو الأظهر، وبه أجاب الأكثرون-: لو لم يكن عرف بطل العدق؛ إذ لا مرجح.
وقيل: يصح، ويستويان بالتراضي في القوس إما العربية أو العجمية، فلو تراضيا على أن يرمي أحدهما بالعجمية والآخر بالعربية ففي "التهذيب" ما يدل على الجواز، وهذا هو قياس الابتداء.
ولو اختار أحدهما نوعاً، وقال الآخر: [بل] نرمي بنوع آخر- ففي "الحاوي": أنهما إن أصرا على النزاع [صح] الفسخ.
والذي ذكره الإمام: أنا إذا قلنا بالجواز انفسخ، وإن قلنا باللزوم؛ فالوجه أن يحكم أن الإطلاق مفسد؛ لإفضائه إلى النزاع المذكور، وتعذر الفصل.
قال: "وإن تلف القوس أبدلت، أي: بقوس من نوعها؛ لأن المقصود حذق
الرامي، وهو حاصل مع ذلك.
قال النواوي: كذا ضبطناه عن نسخة المصنف بحذف التاء [من] "تلف"، وهو جائز، وبإثباتها في "أبدلت"، وهو لازم إذا أنثنا "القوس" وهو المشهور.
ولا يجوز أن يبدلها بأعلى منها، وهل يجوز أن يبدلها بما هو دونها، كما إذا أبدل العربي بالفارسي؟ [فيه] وجهان، أظهرهما: المنع إلا برضا الشريك؛ لأنه ربما كان استعماله لأحد النوعين أكثر، ورميه به أجود.
فرع: لو عينا قوساً أو سهماً من نوع لم يتعين، وجاز إبداله بمثله من ذلك النوع، سواء حدث فيه خلل أم لا، بخلاف الفرس.
ولو شرط ألا يبدل ففيه ثلاثة أوجه حكاها في "الحلية" كالأوجه فيما إذا اكترى دابة وشرط ألا يركبها غيره:
أظهرها: فساد الشرط والعقد.
وثانيها: فساد الشرط خاصة.
وثالثها: صحتها.
ويجب الوفاء بالشرط ما لم ينكسر المعين وأمكن استعماله، فإذا انكسر جاز الإبدال للضرورة، فإن شرط ألا يبدل وإن انكسر فلا يحتمل هذه المبالغة؛ فيفسد العقد.
قال: وإن مات الرامي بطل العقد؛ لأنه تعذر المقصود منه فشابه فوات المبيع قبل القبض، وهكذا الحكم فيما لو ذهبت يده.
قال: "وإن عرض عذر" أي: يمنع الرمي، من مطر أو ريح أو ليل- جاز قطع الرمي أي تأخيره؛ لقيام العذر.
والله- تعالى- أعلم.
باب إحياء الموات وتملك المباحات
الموات، والموتان- بفتح الميم والواو- والميت، والميتة: الأرض الميتة التي لم تعمر قط، ويطلق الميت والميتة على الأرض التي لم تمطر ولم يصبها ماء.
والموتان جمع "موات".
قال الأزهري وغيره: كل شيء من مباح الأرض لا روح فيه يقال له: موتان الأرض، وما فيه روح: حيوان.
والموتان- بضم الميم وإسكان الواو: الموت الذريع الذي يقع في الناس والبهائم، حكاه القاضي الحسين في "تعليقه" وأبو الطيب، وقيده الجوهري بالذي يقع في الماشية.
وبفتح الميم وإسكان الواو: عمى القلب، يقال: رجل موتان القلب، [وامرأة موتانة القلب]: إذا لم يفهما، حكاه الجوهري والزبيدي في "مختصر العين".
وعن الخطابي: أن هذه لغة في "موتان الأرض".
والأصل في هذا الباب: ما روى النسائي عن سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَحْيَا أرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقُّ"، وخرجه - أيضاً-
الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
وروى أبو داود عن عروة بن الزبير مثله.
قال القاضي أبو الطيب: وربما ذكر "العرق" مضافاً إلى "الظالم" [وليس كذلك]، وإنما "العرق" منون القاف، و"الظالم" صفة له، و"العرق" قال الشافعي: هو كل ما وضع في الأرض للنبات.
قال في البحر: والعروق أربعة: عرقان ظاهران، [وهما البناء والغراس]، وعرقان باطنان، وهما البئر والنهر.
وروى أبو داود عن عروة- أيضاً- قال: "أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى أَنَّ الْأَرْضَ أَرْضُ اللهِ وَالْعِبَادَ عِبَادُ اللهِ، وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتاً فَهُوَ أَحَقَّ بِهَا.
جَاءَنَا بِهَذَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: الَّذِينَ جَاءُوا بِالصَّلَوَاتِ عَنْهُ".
ولأن ما لم يجر عليه ملك نوعان: أرض وحيوان، فلما ملك الحيوان إذا ظهر عليه بالاصطياد، ملك موات الأرض إذا ظهر عليه بالإحياء.
قال الإمام: وقد أجمع المسلمون على جواز ذلك في الجملة، وإن اختلفوا في التفاصيل.
قال: "من جاز أن يملك الأموال" أي: من مكلف وغيره "جاز أن يملك الموات بالإحياء"؛ لأنه يملك بفعل فجاز من كل من يملك المال كالاصطياد، ولا فرق في ذلك بين [أن] يأذن الإمام فيه أو لا؛ اكتفاء بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأسباب المملكة للمال ثمانية: الميراث، والمعاوضات، والهبات، والوصايا، والوقف، والصدقات، والغنيمة، والإحياء.
والملك به مستحب عند علماءنا كما
قاله الشيخ في "المهذب" وغيره؛ لقوله- عليه السلام-: "مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيِّتَةً [فَلَهُ] أَجْرُ، وَمَا أَكَلَتِ الْعَوَافِي فَهُوَ لَهُ صَدَقَةُ".
والعوافي: الوحش والطير والسباع، مأخوذ من قولهم: عفوت فلاناً أعفوه: إذا أتيته تطلب معروفه، وكل طالب رزقاً من إنسان [وغيره] فهو عافية، وجمعه: عوافي.
واحترز الشيخ بقوله: "من جاز أن يملك الأموال" عن العبد؛ فإنه ليس بأهل لملك الأموال على الجديد، فإذا أحيا شيئاً كان ملكاً لسيده وإن لم يأذن فيه، كما إذا احتطبه واصطاده.
قال: "ولا يجوز للكافر" [أي]: الذمي "أن يتملك بالإحياء في دار الإسلام"؛ لما روى الشافعي عن سفيان عن طاوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ... عَادِيُّ الأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي" يريد: ديار عاد وثمود ومن تقدم من الأمم، والياء في "عادي" مشددة.
وروي: "مَوَتَانُ الأَرْضِ للهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي"، فواجه المسلمين بخطابه، وأضاف ملك الموات إليهم؛ فدل على اختصاص الحكم بهم، ويدل عليه أنه جاء في رواية حكاها البغوي في
"التهذيب" والإمام: "ثم هي لكم مني أيها المسلمون".
ولأن من لم يقر في دار الإسلام إلا بجزية لا يملك بالإحياء، كالمعاهد، ولأنه نوع تمليك ينافيه كفر الحربي؛ فوجب أن ينافيه كفر الذمي؛ كالإرث من مسلم.
وما تمسك به أبو حنيفة في جواز إحياء الذمي من عموم قوله- عليه السلام-: "مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ .. "، والقياس على الاحتطاب- فمدفوع؛ لأن الخبر وارد في بيان ما يقع به الملك.
وقوله: فـ"هِيَ لَكُمْ مِنَّي" وارد في بيان من يقع له الملك؛ فصار المفسر في كل واحد منهما فيما قصد له قاضياً على صاحبه؛ فصار الخبر في التقدير: من أحيا أرضاً ميتة من المسلمين فهي له.
والقياس منتقض بالغنيمة، ثم لو سلم من النقض فالفرق: أن الحطب والحشيش يستخلف فلا يتضرر المسلمون بأخذه، بخلاف الموات، وهذا هو المذهب.
وقيل: إذا أحيا بإذن الإمام ملك، و [به] قال الأستاذ أبو طاهر: ثم على الأول: إذا أحيا وكان له عين مال كان له نقله، فإن بقي أثر العمارة: فإن أحيا محي بإذن الإمام ملكه، وإن لم يأذن فوجهان.
فإن رتك العمارة متبرعاً تولى الإمام أخذها وصرفها إلى مصالح المسلمين، ولا يجوز لأحد تملكها.
قال: "ويملك في دار الشرك"؛ لأنه من حقوق دارهم، ولا [ضرر] على المسلمين فيه؛ فملكوه بالإحياء كما تملكوا الصيد بالاصطياد، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المسلمون قد فتحوا ذلك أم لا إذا لم يكونوا قد ذبوا عن الموات، كما صرح به الإمام؛ لأنه ليس من بلاد الإسلام حتى يمتنع إحياؤه عليهم، أما إذا كانوا قد ذبوا عنه بالقتال فسنذكره.
قال: "وكل موات لم يجر عليه أثر ملك ولم يتعلق بمصلحة عامر" أي: لحريم الملك ونحوه، كما سنذكره- "جاز تملكه بالإحياء"؛ لما ذكرناه.
قال الإمام: ولا يشترط في ذلك العلم والدرك الحقيقي، بل يكفي ألا يرى
على ذلك أثر عمارة، ولا يراه من حقوق موضع عليه أثر عمارة، ولا يعلم أنه كان عامراً بسبب من الأسباب.
قال: "وما جرى عليه أثر ملك" أي: وكان خرابة بعد الإسلام "ولا يعرف له مالك: فإن كان في دار الإسلام لم يملك بالإحياء"؛ لما روى البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَعْمَرَ أَرْضاً مَيِّتَةً لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا"، فشرط ألا تكون لأحد، وهذه إما لوارث أو لبيت المال، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ"، وهذا مال امرئ مسلم في الظاهر؛ فعلى هذا يجوز للإمام أن يحفظه إلى أن يظهر صاحبه إذا رأى فيه مصلحة، وإن رآها في البيع فعل وحفظ ثمنه، وله أن يستقرضه على بيت المال، صرح به الإمام.
وهل يجوز أن يقطعه لمن يعمره؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي عن ابن كج، ورجح الروياني وجه الجواز، وحكى البندنيجي وغيره وجهاً آخر: أنه يملك بالإحياء.
وصور القاضي أبو الطيب محله بما إذا خربت قرية المسلمين وتعطلت؛ تمسكاً بقوله – عليه السلام-: "مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ"؛ فإن هذا أحق بالتسمية؛ لأنه كان حياً بالعمارة وقد مات بالخراب.
والقائلون بالأول قالوا: ما لم يحي أصلاً أحق به؛ لأنه ميتة في كل حال.
قال: وإن كان في دار الشرك فقد قيل: يملك؛ لأن الظاهر أنها لمن لا حرمة له فأشبهت الركاز، وهذا ما صححه الرافعي والبغوي، وبه قال صاحب "الإفصاح" وابن أبي هريرة.
وقال في "البحر": إنه أشبه بمذهب الشافعي.
فعلى هذا يجوز نقل ترابه، ومن بادر إلى أخذه ملكه، "وقيل: لا يملك"؛ لجواز أن يكون لمن لم تبلغه الدعوة وقد ورثه مسلم- كما قال أبو الطيب- أو الكافر لا يحل ماله، وهذا ما صار إليه أبو إسحاق، وهو المذهب عند الشيخ أبي حامد ومن تابعه، وعلى هذا: لا يجوز نقل ترابه إلا بإذن الإمام، قاله في "التهذيب".
وقد حكى بعضهم هذا الخلاف قولين، وجعله الماوردي وجهين؛ كالوجهين
في الركاز الذي جهل حاله، وهذا يدل على أن الخلاف عند الشك في أنها لمسلم أو لكافر.
وإذا جمعت ما قيل في دار الإسلام ودار الكفر واختصرت قلت: في المسألة ثلاثة أوجه، كما حكاها في "المهذب"، ثالثها: لا يملك في دار الإسلام، ويملك في دار الشرك.
وحكى القاضي الحسين فيما إذا جرى على ذلك ملك جاهلي، ثم اندرس وخفي المالك، وقاس الجواز على الركاز، والمنع على ملك مسلم، وفرق بين الركاز وبينه: بأنه معرض للضياع فلو منع الواجد من تملكه لتولى عليه غيره، والأراضي مما تبقى بنفسها ولا تضيع.
وعلى ذلك جرى الإمام [وأثبت الخلاف] قولين منصوصين للشافعي، وصور المسألة فيما إذا لم يدر كيف استولى المسلمون عليها، أما إذا علمنا كيفية الاستيلاء: فإن كان عنوة سلك بالأرض مسلك المغانم، ثم حصة الغانمين ملحقة بملك المسلم الذي لا يدرى، وإن كان من غير إيجاف [خيل] ولا ركاب فهي فيء.
وفي البحر حكاية عن الخراسانيين قولان في مسألة الكتاب:
أحدهما: لا تملك بالإحياء.
والثاني: لا تملك، بل ينتفع بها ما أراد، ويكون أولى من غيره.
وقيل: قولان:
أحدهما: يملك.
والثاني: يترك في بيت المال، ذكره القفال، وقال مرة أخرى: فيه وجهان:
أحدهما: هو كالموات الذي لم يملك قط.
والثاني: أنه [فيء].
أما إذا عرف مالكه فلا يجوز تملكه بالإحياء إلا أن يكون كافراً، وقد أعرض عنه قبل القدرة عليه، ولو كان خراب ذلك قبل الإسلام ملكه من أحياه من المسلمين قولاً واحداً، كما قاله الماوردي والإمام عن الشيخ أبي علي، ثم ادعى الإمام أن معظم الأصحاب على مخالفة ذلك والمصير إلى طرد القولين مهما رأينا أنه عمارة جاهلية، وحكى الإمام الرافعي عن ابن سريج وغيره: أنه وقع
الخلاف في المسألة: وينزل الجواز على حالة اندراس أثر العمارة وتقادم عهدها، والمنع على حالة بقاء أثر العمارة أو كان معموراً في جاهلية قريبة
فرعان:
إذا خرج الكفار من عامر ديارهم وقاتلونا في الموات، فالحكم في موضع القتال وما وراءه واحد، وهو: أنه لا يجوز للمسلم إحياؤه في حال القتال، فإذا ظهر المسلمون على المواضع التي وقع فيها القتال من الموات وما وراءها مع العامر، فهل يجوز تملك ذلك الموات بالإحياء؟ فيه وجهان في الطريقين:
المذهب منهما في "تعليق" أبي الطيب: الجواز.
وأصحهما – عند بعضهم، وبه جزم الماوردي أيضاً في كتاب السير، ونسبه القاضي أبو الطيب ثم إلى [الشيخ] أبي إسحاق: لا، ولأي معنى؟ فيه وجهان:
أحدهما: إقامة لذلك مقام المعمور؛ فيكون غنيمة، وهذا ما نسبه الماوردي إلى القاضي أبي حامد وأبي الفياض.
والأصح- وبه جزم الإمام والبندنيجي-: إقامة المنع مقام التحجر، وسيأتي خلاف في جواز بيع المتحجر: فإن جوزناه كان ذلك غنيمة أيضاً، وإن قلنا: لا- وهو الأصح- فالغانمون أحق بإحياء أربعة أخماسه، وأهل الخمس أحق بإحياء خمسه، فإن أعرق الغانمون عن إحيائه فأهل الخمس أحق به، وكذا لو أعرض بعض الغانمين فالباقون أحق، وإن تركه الغانمون وأهل الخمس جميعاً ملكه من أحياه من المسلمين.
ولو فتحت البلدة صلحاً على أن تكون لنا، ويسكنوها بالجزية- فالمعمور منها فيء، والموات إن كانوا يذبون عنه هل يكون متحجراً لأهل الفيء؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم، وعلى هذا فهو فيء في الحال، أو يخمسه الإمام لهم؟ فيه وجهان؛ أصحهما الثاني.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب في كتاب السير: إن أحيا ذلك على الوجهين في الحالة الأولى، فالمذهب فيهما: أنه يجوز لجميع المسلمين إحياؤه، وقال أبو إسحاق وابن أبي هريرة: لا يحييها إلا الغانمون.
وإن صالحناهم على أن
تكون البلدة لهم؛ فالمعمور لهم والموات يختصون بإحيائه؛ فلا يجوز للمسلمين إحياؤه.
قال القاضي أبو الطيب: ويخالف دار الحرب؛ حيث قلنا: إذا أحيا المسلم شيئاً منها ملكه؛ لأن دار الحرب تملك بالقهر والغلبة؛ فملك مواتها بالإحياء، وليس كذلك هذه الدار التي حصلت لهم بالصلح؛ لأن المسلمين لم يملكوها [بالقهر] والغلبة؛ فلم يملكوا مواتها بالإحياء.
وعن القاضي أبي حامد وصاحب "التقريب": أنه إنما يجب علينا الامتناع عن مواتها إذا شرطناه في الصلح.
الثاني: البيع التي للنصارى في دار الإسلام لا تملك عليهم إلا أن يتفانوا؛ فيكون كما لو مات ذمي ولا وارث له؛ فإن ماله يكون فيئاً للمسلمين، قاله في "التهذيب".
قال: "والإحياء أن يهيئ الأرض لما يريد"؛ لأن الشرع ورد به مطلقاً، وليس له حد في اللغة ولا ضابط له في الشرع يرجع إليه؛ فاعتبر فيه العرف كالإحراز، وهو كما قال: فإن كانت داراً فبأن يبني ويسقف، أي: بما جرت عادة أهل ذلك الموضع به من حجر أو خشب أو جريد، ولا يشترط سقف جميعها، بل موضعاً منها.
وعن رواية صاحب "التقريب": أنه لا حاجة إلى السقف.
وقد سكت الشيخ عن نصب الباب وكذلك الماوردي، وحكى غيرهما في اشتراطه وجهين، ورجح الروياني وجه الاشتراط.
ولا يشترط السكن فيها بحال، صرح به المتولي وغيره.
وقال المحاملي: الإيواء إليها شرط.
تنبيه: يسقف: ياؤه مفتوحة وسينه ساكنة وقافه مضمومة، قال أهل اللغة: يقال سقفه يسقفه سقفاً، كقتله يقتله قتلاً.
فرع: قال المتولي: أهل البادية ومن يسكن الصحارى جرت عادتهما إذا أرادوا النزول في موضع نظفوا الأرض عن الحجارة والشوك، وسووا ظاهر الأرض؛ ليتأتى ضرب الفسطاط والخيم، وبنوا أبنية مثل المعلف للدواب وما لا بد لهم
منه- فإذا فعلوا ذلك: فإن قصدوا تملك البقعة ملكوها، ولا يزول ملكهم بالارتحال عنها، وإن لم يقصدوا التملك فهم أولى بالموضع ما لم يرحلوا، فإذا ارتحلوا كان لغيرهم أن ينتفع به، كما سنذكره في مقاعد الأسواق.
قال: "وإن كان حظيرة" أي: لأجل الدواب أو تجفيف الثمار أو لحفظ الحطب والحشيش "فبأن يحوط عليها" أي: بما جرت به العادة من آجر وجبس، أو آجر وطين، أو حجر وطين، أو لبن وطين "وينصب عليها الباب".
وقيل: لا يشترط نصب الباب؛ لأنه يراد للحفظ، وأما الانتفاع فيحصل بدونه، وهذا ما دل عليه كلام الماوردي؛ حيث لم يتعرض إلى ذكر [نصب] الباب، وقدر الإحاطة بقصب أو خشب أو شوك أو حجارة غير مبنية؛ لأن الملك لا يقف عليه في العادة، وإنما يفعل ذلك المحتازون.
وفي "البحر": أن بعض أصحابنا بخراسان قال: إذا أحاط به بقصب أو خشب يكون إحياء.
وعندي: أن هذا يختلف باختلاف البلاد: ففي طبرستان هذا إحياء؛ لأنه جرى به عرفهم، وهذا ما صرح به الماوردي، وألحق بطبرستان جيلان.
ولو حوط بالبناء في طرف، واقتصر في الباقي على نصب الأحجار- حكى الإمام عن القاضي: أنه يكفي، وعن شيخه: أنه لا يكفي في ملك الجميع، ويكفي في ملك موضع البناء، ولا يشترط التسقيف هنا بحال.
قال: وإن كان مزرعة فبأن يصلح ترابها؛ أي: بالحرث ونحوه.
والحرث، قال الماوردي: يجمع الإثارة، وكسح ما استعلى، وتطويل ما انخفض.
قال: ويسوق الماء إليها على حسب ما يليق بها: فإن كانت تشرب من بئر حفر لها بئراً، وإن كانت تشرب من المطر أو من ماء مباح من عين أو نهر- طرق إليها طريقاً بحيث لا يبقى إلا إجراء الماء فيه.
قال: "ويزرع في ظاهر المذهب" أي: المنصوص في "المختصر" في هذا الموضع؛ لأن الدار والزريبة لا تصير محياة إلا إن حصل عين مال المحيي؛ فكذلك المزرعة.
وقيل: يملك وإن لم يزرع؛ لأنه انتفاع فلم يكن شرطاً في الملك؛ كسكنى الدار، وهذا [ما] مال [إليه] الأكثرون، ونسبه الماوردي إلى نص في "الأم"، واختيار أبي إسحاق وصححه.
ورأيت في "الرافعي" أن الماوردي غلط من قال بخلافه، ولم أره في "الحاوي" في هذا الموضع، [وهو في "الأحكام"].
قال الرافعي: والأشبه تفصيل ذكره القاضي ابن كج، وتلخيصه: [أن البقعة] إن كانت بحيث يكفي لزرعها ماء السماء فلا حاجة إلى سقي ولا ترتيب ماء.
وحكى عن أبي علي الطبري وجهاً: أنه لا بد منه وضعفه.
وإن كانت تحتاج لها ماء يساق إليها لزم تهيئته من عين أو نهر أو غيرهما، فإذا هيأه بأن حفر له طريقاً ولم يبق إلا إجراء الماء كفى، ولم يشترط الإجراء ولا سقي الأرض، فإن لم يحفر بعد فوجهان.
وأرض الجبال التي لا يمكن سوق الماء إليها ولا يصيبها إلا ماء السماء، قال صاحب "التقريب": إلا أنه لا مدخل للإحياء فيها، وبه قال القفال، وبنى عليه أنا إذا وجدنا شيئاً من تلك الأراضي في يد إنسان لم يحكم بأنه ملكه، ولا يجوز بيعه وإجارته.
ومن الأصحاب من قال: يملك بالحراثة وجمع التراب على الأطراف، وهو ما اختاره القاضي الحسين، ولا خلاف أنه لا يشترط الحصاد، ويشترط أن يجمع تراباً يحيط بالأرض، وهو الذي يسميه أهل العراق- كما قال الماوردي- مساناة؛ لتتميز عن غيرها، ويقوم مقام ذلك الحجر والقصب والشوك.
وعند الشيخ أبي حامد: لا يشترط ذلك بعد سوق الماء إليها، وهو ظاهر كلام الشيخ، ولو كانت الأرض بطائح كان عوض سوق الماء إليها حبس الماء عنها.
فرع: إذا قصد إحياء بستان أو كرم فلا بد من التحويط بما جرت به العادة من قصب أو بناء أو شوك، وإن لم تجر عادة به- كما بالبصرة وقزوين- فلا يشترط، وحينئذ يكتفي بجمع التراب حواليه؛ كالمزرعة، كذا قاله ابن كج، والقول في سوق الماء إليه على ما ذكره في المزرعة، وغرس الأشجار عند من اعتبر
الزراعة لا بد منه، وعند من لم يعتبرها هل يعتبر الغرس؟ فيه وجهان، أو قولان:
أحدهما: لا، وهو الذي حكاه الماوردي عن نصه في "الأم"، واختيار أبي إسحاق وصححه في الزرع.
والأكثرون- كما قال الرافعي- على اعتباره، ومنهم القاضي الحسين، وهو الذي نسبه الماوردي إلى نصه هنا.
والفرق من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن اسم المزرعة يقع على البقعة قبل الزرع، بخلاف البستان.
والثاني: أن الزرع يسبقه تقليب الأرض وحرثها؛ فجاز أن يقام مقامه، والغرس لا يسبقه شيء يقوم مقامه.
والثالث: أن الغرس يدوم؛ فألحق بأبنية الدار، والزرع بخلافه.
ثم على هذا: هل يشترط تعليق الأرض بالغراس، أم يكفي في حصول الملك الغراس في البعض؟ حكى الإمام عن شيخه خلافاً، ثم قال: والوجه عندنا القطع بأن التعليق ليس بشرط.
قال: وإن كان بئراً أو عيناً فبأن يحفرها حتى يصل إلى الماء؛ لأنها لا تصير بئراً أو عيناً بدون ذلك، فإن الماء هو المنفعة المقصودة، وهذا إذا لم تكن الأرض رخوة؛ فإن كانت فلا بد من طيها؛ لأنه المتعارف.
وقال الرافعي: وفي "النهاية": أنه لا حاجة إليه.
فرع: إحياء القناة يتم بخروج الماء وجريانه، وإحياء النهر يتم بحفره وانتهاء فوهة النهر الذي يحفره إلى القديم، مع جرى الماء فيه عند صاحب "التهذيب" وغيره.
وفي "التتمة": أن الملك لا يتوقف على إجراء ماء فيه؛ لأنه استيفاء منفعة كالسكون في الدار.
قال: "ويملك المحيي وما فيه من المعادن"؛ أي: التي تظهر بعد الإصابة، باطنة كانت أو ظاهرة- كما صرح به الماوردي- لأنها من أجزاء الأرض كترابها، ولا فرق في الباطن بين أن يعلم أنها فيه حالة الإحياء أو لا.
وحكى أبو الفرج السرخسي طريقة أخرى حاكية قولين في ملك المعدن الباطن إذا علم به فاتخذ عليه داراً؛ كالقولين [الآتيين] في أنه هل يملك المعدن بالإحياء، فإذا
قلنا: إنه يملكه، قال الإمام: فظاهر المذهب أنه لا يملك البقعة المحياة أيضاً؛ لأن المعدن لا يتخذ داراً ولا مزرعة فالقصد فاسد، ومنهم من قال: يملكها بالإحياء.
قال: والشجر والكلأ وما ينبت فيه؛ لأنه تابع.
والكلأ: مقصور مهموز، وهو يطلق على الرطب واليابس، بخلاف الحشيش؛ فإنه لا يطلق إلا على اليابس.
وذهب الصيمري وجمهور البصريين إلى أن الكلأ النابت في الأملاك لا يملك.
قال الماوردي: والأصح عندي اعتبار العرف فيما أرصدت له تلك الأرض، فإن كانت مرصدة لنبت ذلك، وهو المقصود من نباتها: كالآجام المرصدة لمنابت القصب، والغياض المرصدة لمنابت الشجر، والمراعي المرصدة لمنابت الكلأ- فهو ملك لرب الأرض، وإن كانت مرصدة لغير ذلك من زرع وغروس؛ فنبات الكلأ والحشيش فيها ضرر بها؛ فلا يستقر ملكه عليه.
وعلى الأوجه الثلاثة لا يلزمه تمكين المواشي من رعيه ولا تمكين أهلها من جزه.
قال: "وينبع" أي: من ماء وغيره؛ لأنه مما ملكه فأشبه شعر الغنم.
وينبع: مضموم الباء ثانية الحروف، وتفتح وتكسر، ويقال: نبع ينبع نبعاً نبوعاً ونبعاناً.
قال: ويملك معه ما يحتاج إليه من حريمه ومرافقه؛ لأن هذا هو العرف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده مع تضايق أملاكهم، "وقيل: لا يملك ذلك"، بل يستحق الانتفاع به؛ لأن ذلك يحصل بالإحياء، ولم يوجد فيها إحياء، وهذا ما عزاه ابن الصباغ إلى الشيخ أبي حامد، وقد يستدل له بما روي أنه- عليه السلام- قال:"لاَ حِمَى إِلَّا فِي ثَلاَثَةٍ: [ثُلَّةُ] الْبِئْرِ، وَطَوْلُ الْفَرَسِ، وَحَلَقَةُ الْقَوْمِ" وثلة البئر: ملقى طينها، وطول الفرس: ما انتهى إليه الفرس بحبله الذي قد ربط به، وحلقة القوم: عبر به عن النهي عن الجلوس وسط الحلقة.
والصحيح- وبه قال القاضي أبو الطيب-: الأول؛ كما يملك عرصة الدار ببناء الدار، وإن لم يوجد في نفس العرصة إحياء.
فعلى هذا: لو أراد المحيي بيع الحريم دون المعمور هل يجوز؟ جواب الشيخ أبي عاصم العبادي: منعه؛ كما لو باع شرب الأرض وحده.
واعلم أن الحريم: هو المواضع القريبة التي يحتاج إليها لتمام الانتفاع، سميت بذلك؛ لأنه يحرم على غير مالكها التعرض لها بنوع عدوان، وكذلك يختلف باختلاف المحيي:
فحريم القرى: ما حولها من مجتمع النادي وملعب الصبيان ومرتكض الخيل إن كان سكان القرية خيالة- كما قاله الإمام- ومناخ الإبل ومطرح الرماد والسماد وسائر ما يعد من مرافقها.
وأما مرعى البهائم فقد قال الإمام: إن بعد من القرية لم يكن حريماً لها، وإن قرب ولم يستقل مرعى، [ولكن] كانت البهائم ترعى فيه عند الخوف من الإبعاد- فعن الشيخ ابي علي ذكر خلاف فيه، والظاهر عندي: أنه ليس من حريمها، والذي جزم به البغوي: أن مرعى البهائم من حقوق القرية مطلقاً، والمحتطب كالمرعى.
وحريم الدار [في الموات]: مطرح التراب والرماد والكناسات والثلخ، والممر في الصوب الذي فتح الباب إليه، وليس المراد منه استحقاق الممر في قبالة الباب، [بل يجوز [لغيره] إحياء ما في قبالة الباب] إذا بقي له ممر، وإن احتاج إلى انعطاف وازورار وعند جماعة من الأصحاب منهم القاضي ابن كج: فناء الدار من حريمها، وكذلك الشيخ أبو حامد وقال: إنه إذا حفر إنسان في فنائها وأصل حيطانها منع منه.
وقال ابن الصباغ: عندي أن حيطان الدار لا فناء لها ولا حريم، ولو أراد محي أن يبني بجنبها لم يلزمه أن يبعد عن فنائها.
نعم، يمنع مما يضر بالحيطان كحفر بئر في أصل الحائط.
وفي كلام الماوردي إشارة إلى خلاف فيه، كما سنذكره عند الكلام في مقاعد الأسواق.
وحريم المزرعة: طرقها ومغيض مائها ومسيله وبيدر زرعها، وما يستغنى به من مرافقها.
وحريم البئر: بقدر ما يقف عليه المستقي إن كان للشرب، وبقدره مع الدولاب وترداد البهيمة إن كان الاستقاء بها، ومصب الماء، والموضع الذي يجتمع فيه لسقي الماشية والزرع من حوض أو نحوه، والموضع الذي يطرح فيه ما يخرج منه وإن كان الاستقاء بالناضح، فحريم البئر قدر عمقها من كل جانب، وإن كان ألف ذراع- كما حكاه البندنيجي- وحمل الأصحاب قوله صلى الله عليه وسلم: "حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعاً" على [آبار] الحجاز؛ فإنها تكون عميقة تحتاج في الموضع التي يمر فيها الثور إلى ذلك المقدار.
وحريم النهر: ملقى الطين وما خرج منه من التقن- بكسر التاء ثالثة الحروف وتسكين القاف- وهو رسابة الماء- بفتح الراء وسين غير معجمة وباء ثانية الحروف- ويقال: إن ذلك يجتمع في الربيع.
وأما القناة فآبارها لا يستقى منها حتى يعتبر به الحريم؛ فحريمها: القدر الذي لو حفر فيه لنقص ماؤها وجف من انهيار وانكباس، ويختلف ذلك بصلابة الأرض ورخاوتها.
وفي "الوجيز" وجه: أن حريمها حريم البئر التي يستقى منها، ولا يمنع من الحفر بعد ما جاوزه، وإن نقص، وهذا بناء على ما حكى عن الشيخ أبي حامد: [أن] من حفر بئراً في موات كان لغيره أن يحفر فيما وراء حريمها، وإن نقص ماء الأولى بسبب ذلك، وهو قول الشافعي- كما حكاه الماوردي- فيما إذا نضب ماء البئر الأولى، أو كانت البئر الثانية بئر بالوعة فتغير بسببها ماء الأولى.
وحكى وجه آخر- وبه أجاب القاضي أبو الطيب في "تعليقه" وابن الصباغ، وجعله الرافعي الأظهر تبعاً للغزالي: أنه يمنع من الحفر حيث ينقص ماء
الأولى، كما ليس لغيره أن يتصرف [قريباً من بنائه بما يضر به، وهذا موافق لما حكاه الماوردي آخر هذا الباب: من أن جماعة لو حفروا عيناً، فأراد رجل أن يتصرف فيما يمد هذه العين من أرض أو جبل تصرفاً يقطع ماءها، منع منه، إلا أن يكون مالكاً لما يتصرف] فيه من الأرض؛ فلا يمنع منه، وطرد القاضي جوابه فيما إذا أحيا أرضاً ليغرس فيها وغرس؛ فليس لغيره أن يغرس بجواره بحيث تلتف أغصان الغراسين، وبحيث تلتقي عروقهما.
قال القاضي وابن الصباغ: ويخالف ما إذا حفر بئراً في ملكه فنقص ماء الأولى، حيث يجوز؛ لأن الحفر في الموات ابتداء تملك؛ فلا يمكن منه إذا تضرر به الغير، وهنا كل منهما متصرف في الملك.
قال الرافعي: وعلى هذا الوجه يكون ذلك الموضع داخلاً في حريم البئر أيضاً.
ثم ما حكمنا بكونه حريماً فذاك إذا انتهى الموات إليه، فإن كان الموضع مملوكاً قبل انتهاء الحريم فالحريم إلى حيث انتهى الموات، ولو كان المحيي بين آدر متلاصقة؛ فلا حريم له.
فائدة: لكل واحد من الملاك أن يتصرف في ملكه على العادة، ولا ضمان عليه إن أفضى ذلك إلى تلف، نعم: لو تعدى ضمن.
ولو أراد أن يتخذ بجوار [جدار] جاره زبلاً منع.
ولو أراد أن يجعل داره حماماً، أو إصطبلاً، أو طاحونة، أو مدبغة- على خلاف العادة – [وكانت بين الدور، أو حانوته الذي في وصف العطارين حانوت حداد أو قصار على خلاف العادة]، أو دق في داره شيئاً دقاً عنيفاً تتزعزع منه حيطان الجار، أو حبس الماء في ملكه بحيث تنتشر نداوته إلى حيطان الجار- فهل يمنع من ذلك؟ فيه ثلاثة أوجه في طرق المراوزة، ثالثها- وهو الأظهر-: [أن ما] كان مضراً بالساكن لا يمنع منه، وهو ما جزم به القاضي أبو الطيب والبندنيجي، وإن كان مضراً بالدار يمنع منه.
فإن قلنا: لا يمنع مطلقاً، فإذا ضرب القصار الميجنة، فتزلزل الجدار حتى
انكسر ما كان معلقاً عليه- قال العراقيون: عليه الضمان إن سقط في حال الضرب [وإن سقط لا في حال الضرب] فلا ضمان.
قال القاضي الحسين في آخر كتاب الصلح: وعندي أنه لا ضمان في الحالين.
وحكم أسفل الجدار حكم أعلاه؛ حتى لا يجوز أن يعمل بجواره حشاً يضر به على الأصح.
قال البندنيجي: وكان الشيخ يحكي عن أصحابنا: أنه لا يمنع موافقته على هذا، فرجع عنه إلى المنع، وجزم الإمام بأن الجار له حفر بئر في ملكه، وإن أدى إلى اختلال دار الجار، وأنه لا ضمان على الحافر، واختيار القاضي الروياني أن الحاكم يجتهد فيها، ويمنع إذا ظهر له التعنت وقصد الفساد.
قال: وكذلك القول فيإطالة البناء ومنع الشمس والقمر.
ولو حفر في داره بئر بالوعة، وفسد فيها ماء بئر الجار- فهو مكروه، [و] لكنه لا يمنع منه، ولا ضمان عليه بسببه، خلافاً للقفال.
قال: "وقيل: لا يملك الماء، أي: بحال كما حكاه القاضي الحسين عن أبي إسحاق، وسواء بيع [في] بئر حفرها في موات أو في ملكه، كما صرح به القاضي أبو الطيب؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "الْمُسْلِمُونَ شِرْكُ فِي ثَلاَثٍ: فِي الْكَلَأِ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ" خرجه أبو داود.
وروي: "شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ".
ولأن الماء في البئر لو كان مملوكاً لم يستبح بالإجارة؛ لأن الأعيان لا تستباح بالإجارة، وقد أجري هذا الوجه- كما حكاه الشيخ في "المهذب" والبندنيجي- فيما ينبع في ملكه من النفط والقير والمومياء والملح ونحوه.
قال: "والمذهب الأول"، وهو المنصوص عليه في الأقضية من القديم و"وحرملة"؛ لأنه نماء ملكه فهو كثمرة الشجرة، ولأن هذا الماء معدن ظهر في
أرضه؛ فهو كمعدن الذهب والفضة إذا ظهر [في أرضه].
وأما الحديث فقد قال عبد الحق: إن بعض رجاله مجهول.
وقال البخاري في بعضهم: إنه [منكر] الحديث.
وضعفه أبو زرعة.
والتمسك بمسألة الإجارة قد يمنع بأن اللبن في الرضاع قد تناوله عقد الإجارة وإن كان عيناً.
التفريع:
إن قلنا بالمذهب، فلو أخذه أحد لم يملكه، وإذا باع ماء البئر بجملته لم يصح؛ لاختلاط المبيع بغيره، وإذا باع أرطالاً منه صح، وإن كان يختلط بغيره، قال القاضي الحسين: كما لو باع آصعاً من صبرة، ثم خلط عليها شيئاً آخر.
وعن القفال: أنه لا يصح، وهو موافق لأصله في منع بيع صاع من صبرة مجهولة الصيعان.
ثم القول بالصحة محله: إذا لم يكن ماء البئر محتاجاً إليه للماشية- كما صرح به الماوردي- فإن كان محتاجاً إليه للماشية، وأوجبنا بذل فضل الماء- حرم البيع، وإن قلنا بقول أبي إسحاق فمن أخذ منه شيئاً ملكه.
قال: "ولا يجب عليه بذل شيء من ذلك" أي: من [نيل] المعادن والشجر والكلأ وما ينبت وينبع في الأرض المحياة قبل حيازته في الأواني؛ لأنه نماء ملكه فلا يجب عليه بذله؛ كثمرة أشجاره، وصوف مواشيه.
قال: "إلا- الماء؛ فإنه يجب عليه بذل فضله للبهائم دون الزرع" أي: سواء قلنا: إنه ملكه أم لا- كما صرح به مجلي- لما روى الشافعي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عنأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ فَضْلَ الْكَلَإِ مَنَعَهُ اللهُ فَضْلَ رَحْمَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قال القاضي أبو الطيب: وفيه أدلة من وجوه: