كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال: إلا أنه يستفتح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع تكبيرات؛ لما روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: انه قال: "هو السنة".
قال الماوردي: وقوله: "هو السنة" يحتمل أمرين:
أحدهما: سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
والثاني: سنة الصحابة، رضي الله عنهم.
وأيما كان، فالاقتداء به حسن.
قال الإمام: وسنة العدد الذي ذكرناه؛ كسنة الخطبتين بركعتي صلاة العيد؛ فإن الركعة الأولى تشتمل على تسع تكبيرات: بتكبيرة الإحرام والهوي، والثانية تشتمل على سبع تكبيرات على الترتيب الذي ذكرناه.
واعلم أن الشيخ لو قال: "ثم يخطب بهم"- كما ذكره المزني- لكان أحسن؛ ليؤذن بأن الخطبة بعد الصلاة، كما هو السنة.
وقوله: "كخطبتي الجمعة" يفهم: أنه عند طلوعه يجلس، وهو ما نص عليه في "الأم".
وقال أبو إسحاق: لا يجلس؛ لأن جلوسه في الجمعة؛ ليفرغ المؤذن.
والصحيح الأول؛ ليستريح؛ فلا يبهر في الخطبة.
وقوله: "إلا أنه يستفتح الأولى .. " إلى آخره يفهم أمرين:
أحدهما: أن التكبير من الخطبة، وقد قال الشيخ أبو حامد: إنه ليس من الخطبة، والخطبة ما يأتي بعده؛ لقول الشافعي: "يكبر، ويخطب".
وقال في "الحلية" بعد حكايته: إن فيه نظراً، ويشبه أن يكون من الخطبة.
قال في "الروضة": والذي نص عليه الشافعي وكثيرون من الأصحاب ما قاله الشيخ أبو حامد.
ومن قال منهم: تفتتح الخطبة بالتكبير، لا يأباه؛ لأن افتتاح الشيء قد يكون ببعض مقدماته التي ليست من نفسه.
الثاني: أنه لا يأتي بين التكبيرات بذكر، وهو ما حكاه أبو حامد في "التعليق"،
وقال: إنه لا يستحب ذلك؛ لأن ابن عتبة قال: "السنة في التكبير يوم الأضحى والفطر: أن يبتدئ الإمام قبل الخطبة وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات تَتْرَى، ولا يفصل بينها بكلام، [ثم يخطب، ثم يجلس، ثم يقوم إلى الخطبة الثانية، فيفتتحها بسبع تكبيرات تَتْرَى لا يفصل بينها بكلام].
وقال الشافعي في "الأم": "ويكون نسقاً، فإن فصل بين كل تكبيرتين بحمد الله، والثناء عليه- كان حسناً؛ لأنه نقل عن عبد الله بن مسعود أنه يحمد الله، ويصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم".
وقال الصيدلاني: يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
قال: ويعلمهم في الفطر زكاة الفطر، وفي الأضحى الأضحية، أي: يذكر من أحكامهما ما تعم الحاجة إليه؛ لأنه لائق بالحال.
وقد روى البراء بن عازب قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بعد الصلاة، ثم قال: "من صلَّى صلاتنا ونسك نسكنا، فقد أصاب السُّنَّة، ومن نسك قبل ذلك فتلك شاة لحمٍ"، رواه أبو داود.
قال: ويجوز أن يخطب قاعداً؛ أي: مع القدرة على القيام؛ لأنه روي عن علي- كرم الله وجهه- أنه خطب يوم العيد على راحلته.
وروي عن عثمان [والمغيرة بن شعبة] مثل ذلك.
ولأن الخطبة سنة؛ فجازت قاعداً مع القدرة؛ كصلاة العيد.
قال في "البحر": وقد روى الجويني وجوب القيام فيها، وهو غلط.
قلت: لعل هذا بناءً على اشتراط شرائط الجمعة فيها.
ثم إذا خطب قاعداً، سكت بين الخطبتين سكتة خفيفة تقوم مقام الجلسة لو خطب قائماً؛ قاله أبو الطيب.
قال الشافعي في "الأم": "وإذا خطب، ثم رأى نسوة أو جماعة من الرجال لم
يسمعوا الخطبة، لم أر بأساً أن يأتيهم، فيستأنف لهم الخطبة؛ لأنه- عليه السلام- فعل ذلك".
قال: والسنة أن يبتدئ في عيد الفطر بالتكبير؛ أي: رافعاً [به] صوته بعد الغروب من ليلة الفطر خلف الصلوات، وفي غيرها من الأحوال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185].
قال الشافعي: "سمعت من أرضى من العلماء بالقرآن يقول: أراد كمال عدة صوم شهر رمضان، والتكبير عند إكماله".
وإذا كان كذلك فإكمال العدة يقع بغروب الشمس، والواو موضوعة للجمع المطلق، وهو ضربان: [ضرب] جمع [مقاربة، وجمع معاقبة، وقد قام الإجماع على عدم إرادة] [جمع] المقاربة؛ فتعين جمع المعاقبة، وذلك بعد الغروب.
وبعضهم قال: حمل الواو على الجمع المطلق هنا خلاف الإجماع؛ فتعين حملها على الترتيب.
وقضيته: أن يقع التكبير بعد الغروب؛ فثبت بالكتاب أن ابتداء وقته بعد الغروب، وبالسنة أنه يدوم على الخروج إلى الصلاة؛ روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغدو إلى المصلى في الفطر والأضحى رافعاً صوته بالتكبير، وإذا كان كذلك اندرج فيه ما بعد فراغ الصلوات الواقعة في هذا الوقت.
وقد يفهم من قول الشيخ: "والسنة أن يبتدئ بالتكبير بعد الغروب من ليلة الفطر خلف الصلوات": أنه ورد في ذلك [بخصوصه] شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة- رضي الله عنهم- وهذا لم ينقله أحد من الأصحاب، بل قالوا: إنه تكرر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم عيد الفطر؛ ولم ينقل أنه كبر عقيب الصلوات، ولم يستحب بعضهم لأجل ذلك التكبير عقيب الصلوات الواقعة فيه؛ كما قاله
البندنيجي [وغيره].
وقد حكاه القاضي الحسين عن الجديد، ولم يورد في "الحاوي" و"المرشد" غيره.
وقال في "الشامل": إنه ظاهر المذهب؛ أخذاً من قول أبي الطيب: إن الشافعي لم يذكره.
ولأنه من شعار العيد إلى العيد؛ فلا تعلق له بالصلاة، والذي يدل عليه: أن ذلك ينقضي بالفراغ من صلاة العيد، ويفارق حكمه في عيد النحر؛ لأنه لا ينقضي بالفراغ من صلاة العيد.
لكن الذي قال البندنيجي: إنه المنصوص، وحكاه القاضي الحسين والمتولي عن نصِّه في القديم- استحباب ذلك؛ لأنه عيد سنَّ فيه التكبير المطلق؛ فسن فيه المقيد، وهو ما يأتي به خلف الصلوات؛ كالأضحى.
فعلى هذا يكبر عقيب ثلاث صلوات: المغرب والعشاء والصبح.
قال: وخاصة عند ازدحام الناس؛ ليوافقوه إذا سمعوه فيحصل له [أجر] مذكر.
قال: إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد؛ لأنّ الكلام قبل إحرامه مباح؛ فاستحب التكبير، وبإحرامه يكره الكلام؛ فامتنع التكبير؛ وهذا ما نقله البويطي، ولم يحك عن الشافعي غيره، وغلط الفوراني من قال بخلافه، ووراءه قولان:
أحدهما: أنه يكبر إلى أن يخرج الإمام إلى المصلى؛ قاله في "الأم" ونقله المزني.
والثاني: إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة؛ حكاه القاضي أبو الطيب والإمام عن رواية شيخه عن القديم، وعليه جرى المتولي، فقال: ولم يعتبر الشافعي فراغ الإمام من الخطبة وإن كان فيها تكبير؛ لأن تكبيرات الخطبة مختصة بالخطيب غير مسنونة في حق سائر الناس.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنه قال في القديم: يكبر حتى يفرغ الإمام من الصلاة والخطبتين معاً.
وهو ما قاله الشيخ أبو حامد وابن الصباغ، وعليه ينطبق قول
الماوردي: إنه يكبر إلى أن ينصرف الإمام.
وفي "الذخائر": أن الشيخ أبا محمد نقل نصّاً: أنه يدوم إلى أن يبقى من الخطبة شيء.
وقد أخذ بعض الأصحاب بظاهر النصوص، فأثبت في المسألة ثلاثة أقوال، وقال: إذا قلنا بالأول والثاني، تصور التكبير إلى آخر وقته في حق من حضر مع الإمام ومن لم يحضر معه.
وإذا قلنا بالثالث، لم يتصور ذلك إلا في حق من غاب عنه؛ فإنه يكبر حتى يعلم فراغ الإمام من الخطبتين على طريقة أبي حامد، وعلى طريقة غيره إلى فراغه من الصلاة، وبه قال ابن الصباغ.
وقال ابن سريج وأبو إسحاق: المسألة على قول واحد وهو ما نقله البويطي.
وقالا: نصه في "الأم" أراد به: ما نقله البويطي؛ لأنه يفتتح الصلاة عند خروجه؛ فالعبارة مختلفة والمعنى واحد، وما قاله في القديم أراد به: جنس التكبير؛ فإنه يبقى إلى أن يفرغ الإمام من الخطبتين؛ فإن الخطبتين [فيهما التكبير]؛ وهذه الطريقة قال الإمام: إن المزني اختارها، وهي الطريقة المرضية [التي] لم يذكر الأئمة غيرها.
قال: وفي عيد النحر يبتدئ [؛ أي]: بالتكبير المقيد يوم النحر بعد صلاة الظهر؛ لأن الناس في التكبير في هذا العيد تبع للحجيج، وهم يكبرون بعده؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 200]، وانقضاء المناسك على الوجه المطلوب يكون ضحوة يوم النحر، وأول صلاة تلقاهم بعد ذلك صلاة الظهر؛ فكان أول الوقت.
قال: خلف الفرائض، أي: على الأعيان؛ لنقل الخلف عن السلف.
قال القاضي الحسين: ولأي معنى كان ذلك؟ فيه ثلاثة معانٍ:
أحدها: لأنَّه تأدية صلاة فرض في [وقت] أيام التشريق.
والثاني: لأنه تأدية وظيفة مشروعة في زمان أيام التشريق.
والثالث: لأنه [تأدية] صلاة مفعولة في أيام التشريق.
وفائدة ذلك تظهر من بعد.
قال: وخلف النوافل في أصح القولين؛ لأنها صلاة راتبة في الوقت أو صلاة مفعولة في أيام التشريق؛ فشرع التكبير عقيبها كالفرائض، ومنهم من قطع بهذا القول كما حكاه في "المهذب" وغيره، وهو مخرج على المعنى الثاني والثالث.
ومقابله: أنه لا يكبر خلفها؛ لأن التكبير شعار الفرائض؛ فلا يكون شعار النوافل؛ كالأذان والإقامة؛ وهذا يخرجه المعنى الأول.
وعن بعض الأصحاب القطع به؛ حكاه الماوردي وأبو الطيب مع الطريقين الأوّلين.
ومنهم من قال: يكبر خلف النوافل الراتبة، سواء كانت تابعة للفرائض أو غير تابعة كالوتر والأضحى، ولا يكبر لغيرها؛ نظراً للمعنى الثاني دون الأول.
والثالث حكاه القاضي الحسين وغيره.
ومنهم من قال: ما يسن له الاجتماع يكبر عقيبه، وما لا فلا؛ حكاه الماوردي، وبه يحصل في المسألة خمس طرق.
قال: إلى أن يصلي الصبح من آخر أيام التشريق، في أصح الأقوال؛ لما ذكرنا أن الناس تبع للحجيج، وآخر صلاة يصليها الحاج بمنى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
وقد تلخص من هذا القول الذي صححه الشيخ: أن ابتداء التكبير خلف الصلوات من بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهكذا حكاه القاضي أبو الطيب عن رواية المزني والزعفراني والبويطي عن الشافعي، وهو منصوص في "الأم" على هذا النحو، وقال في "الشامل": إنه مذهب مالك.
وهو يقتضي أنه لا يكبر عقيب صلاة الصبح آخر أيام التشريق؛ لأن الوقت قد انقضى بالصلاة.
وعبارة البندنيجي في حكاية ذلك عن "الأم" والقديم والبويطي تقتضي أنه يكبر عقيبها؛ لأنه قال: إنهم حكوا أنه يكبر عقيب صلاة الظهر يوم النحر إلى بعد الصبح من آخر أيام التشريق.
وعليه ينطبق قول الأصحاب: إنه يكبر على هذا القول عقيب خمس عشرة صلاة.
قال: وفيه قول ثان: أنه يكبر من المغرب ليلة العيد- قياساً على عيد الفطر- إلى [أن يصلي] الصبح من آخر أيام التشريق؛ لما ذكرناه.
ووجهه القاضي أبو الطيب بأن العاكف بمنى يقطع التكبير إذا فرغ من الرمي، وذلك ضحى آخر أيام التشريق؛ فيجب أن يكون غيرهم كذلك.
وهذا فيه نظر تعرفه في كتاب الحج.
وهذا القول قال [القاضي] أبو الطيب: إنه نصَّ عليه في موضع آخر، وصرح فيه بأنه يكبر إلى بعد صلاة الفجر من آخر أيام التشريق.
وقال البندنيجي: إنه أخذه من قوله في "الأم": "ولو كبر عقيب المغرب من ليلة العيد، لم أكره ذلك، وسمعت من يستحبه"؛ ولأجل هذا النص قال القاضي الحسين والإمام: إن الشافعي لم يتعرض في هذا النص للآخر؛ ولأجل ذلك قال القاضي الحسين في موضع من تعليقه: إن مذهب الشافعي متفق على أن القطع إنما يكون بعد الصبح في آخر أيام التشريق.
واختلف قوله في الابتداء:
المنصوص: "أنه يبتدئ خلف الظهر [يوم النحر] ".
وقال في موضع آخر: "يبتدئ خلف الصبح من يوم عرفة".
وقال في آخر: "يبتدئ من ليلة النحر خلف المغرب".
وقد حكى الغزالي والمتولي ما ذكره الإمام عن نصه في "الأم"، وقال الغزالي: إن آخره بعد صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
وعلى هذا يكبر عقيب ثماني عشرة صلاة.
والمتولي قال: يكون آخره ذلك أو بعد العصر من آخر أيام التشريق، وهذا
يقتضي أن يكون آخره العصر على قول؛ فيكبر عقيب عشرين صلاة.
قال: وفيه قول ثالث: أنه يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى أن يصلي العصر من آخر أيام التشريق.
وعبارة القاضي أبي الطيب: "إلى بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق"، وهذا مراد الشيخ أيضاً.
ووجهه: ما روى جابر أنه- عليه السلام- صلى الصبح يوم عرفة، وأقبل علينا، فقال: "الله أكبر الله أكبر"، وحدَّ التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق.
أخرجه الدارقطني من طرق، وفي بعضها: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد".
وقد روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس، رضي الله عنهم.
[و] قال القاضي الحسين والإمام والغزالي: إنه اختيار المزني، وهو معزي في "التتمة" إلى القديم، ولاشك في أن ابن سريج وابن المنذر اختاراه، وكذا النواوي، وعليه العمل في سائر الأمصار والبلدان؛ لأن به يكون جامعاً بين الذكر في الأيام المعلومات والمعدودات، وقد أمر الله بالذكر [فيها] فقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]، وقال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28]، وعلى هذا يكبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة.
وقد رأيت فيما وقفت عليه من "الإبانة": أن الذي اختاره المزني وابن سريج: أنه يكبر من المغرب ليلة العيد إلى أن يصلي الظهر من اليوم الثالث من أيام التشريق، ولم أره في غيره، فلعله سهو من الناسخ، أو غلط في النسخة.
وفي "الشامل" و"تعليق" أبي الطيب: أن المزني: أن المزني اختار أنه يكبر بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى بعد الظهر آخر أيام التشريق، والله أعلم.
وقد امتنع بعض الأصحاب- وهو أبو إسحاق، وابن أبي هريرة- من إجراء خلاف في المسألة، وقال: هي [على] قولٍ واحدٍ وهو الأول، وهو مذهب الشافعي، والقولان الآخران حكاهما عن غيره.
ثم محل الطريقين في غير الحاج، أما الحاج فقد قال المحاملي: إنه لا يتأتى في حقه إلا القول [الأول] وهو ما حكاه مجلي عن الشيخ أبي حامد، وقال: إن غيره لم يفصل هذا التفصيل، وأبو حامد تمسك بقوله في "الأم": "إنهم يكبرون على أن يرموا الجمرة، ثم أول صلاة تلقاهم يوم النحر صلاة الظهر، ولا يصلون بعد الصبح بمنى صلاة".
وقد حكى الإمام هذا المذهب عن العراقيين، وقال: إن ما ذكروه في الابتداء في مكانه، وأما ما ذكروه في الانتهاء ففيه تردد واحتمال.
أما فرائض الكفاية، هل يكبر خلفها كالعيد؛ إذا قلنا: إنها فرض كفاية، وكذا الكسوف، والاستسقاء، وصلاة الجنازة أو لا؟
المنقول في صلاة العيد: أنها كالسنن الراتبة.
وصلاة الجنازة، قال في "التتمة": لا يكبر خلفها؛ لأن مبناها على التخفيف.
والمنقول في "الحلية" عن القاضي الحسين: وحكى الماوردي في التكبير خلفها وجهين؛ تفريعاً على قولنا: إن ما تشرع له الجماعة من النوافل يكبر خلفه.
وقال الشاشي: عندي ينبغي أن يبنى على النفل، فإن قلنا: يكبر خلفه، فهذه أولى، وإن قلنا: لا يكبر خلفه، بني على الفوائت المقضية في أيام التشريق؛ لأنه لا وقت لها.
قال مجلي: والأشبه أن يقال: يكبر عقيبها وجهاً واحداً؛ لأنها فريضة مؤداة، وقعت في وقت التكبير، بخلاف النوافل والصلاة المقضية.
وصلاة الكسوف والاستسقاء لم أقف فيها على نقل، ويشبه أن يكون فيها الخلاف في صلاة النفل التي ليست براتبة.
فأما إذا قلنا: إنها سنة، فقد تقدم حكاية الخلاف فيها.
والصلاة المنذورة، قال الإمام: إنها فيما نحن فيه كالنوافل بلا خلاف.
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه لا يكبر في ليلة عيد النحر التكبير المرسل، وهو ما يشرع من غير صلاة مع رفع الصوت.
وقد قال البندنيجي: إنه مستحب بلا خلاف.
وقال الماوردي: إنه إجماع.
نعم، حكى الغزالي خلافاً في أنه هل يستحب في الأيام التي يشرع فيها التكبير المقيَّد خلف الصلوات أم لا؟ وهو منسوب في "النهاية" إلى رواية صاحب "التقريب".
فإن قلنا: لا يستحب، كان آخر وقت التكبير المرسل آخر وقته في عيد الفطر؛ صرح به في "الإبانة".
وأول وقته على كل حال بعد الغروب ليلة النحر، وعليه نص في "المختصر" إلا في حق الحاج.
واختلف قوله في أي الليلتين آكد في التكبير: هل ليلة الفطر، أو ليلة الأضحى؟
فقال في القديم: ليلة الأضحى؛ لإجماع السلف عليه فيها.
وقال في الجديد: ليلة الفطر؛ لورود النص فيها.
والتكبير المشروع- كما قال الشافعي-: "الله أكبر، الله أكبر، [الله أكبر] " ثلاثاً نسقاً؛ لما روي عن سعيد بن أبي هند قال: صليت وراء جابر بن عبد الله، فلما سلَّم قال: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر".
وحكى المتولي عن القديم: أنه يكبر مرتين.
[قالي في "الإبانة": وهل يهلل؟ فيه قولان: القديم: لا، والجديد: نعم؛ لأنه قال [في] المختصر": "وما زاد من ذكر الله [فهو حسن] "، لكنه لم يبين الذكر المراد، وبينه في "الكبير"، فقال: "يقول بعد التكبيرات الثلاث
المتواليات: الله أكبر تكبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله [وحده]، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر"، لأنه- عليه السلام- قال ذلك على الصفا في حجة الوداع.
قال القاضي أبو الطيب: ولو كبر كما يكبر العامة في هذا الوقت، وقال كما يقولون من التهليل والتحميد لم يكن به بأس.
وشرح ذلك ما قاله ابن الصباغ: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، [الله أكبر] ولله الحمد".
وعن القديم: أنه يقول: "الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أبلانا وأولانا".
قال الإمام: ولست أرى ما نقل عن الشافعي مستنداً إلى [خبر أو أثر]، ولكنه لعله ثبتت عنده هذه الألفاظ في الدعوات المأثورة، فرآها لائقة بالتكبيرات.
ثم ما ذكرناه من انقطاع التكبير بمضي ما ذكرناه أردنا به التكبير الذي يأتي به المرء شعاراً مع رفع الصوت، فأما لو استغرق المرء عمره بالتكبير في نفسه، فهو ذكر من أذكار الله- تعالى- لا يتحقق المنع منه؛ قاله الإمام.
فروع:
[الفرع الأول]: من فاته شيء من الصلوات التي شرع التكبير خلفها، فقضاها في غيرها، لا يكبر بعدها عند الجمهور من الفريقين؛ لأن التكبير من سنة الوقت، فإذا فات الوقت فات التكبير.
وقد حكى القاضي الحسين ذلك عن النص، ثم قال: ويحتمل أن يقال: يسن لها على الطريقة التي قلنا: الاعتبار بحالة الوجوب، كما لو فاتته صلاة في السفر، فقضاها في الحضر، هل له القصر أم لا؟ فعلى قولين:
أحدهما: له القصر؛ اعتباراً بحالة الوجوب؛ كذا هذا مثله.
والمنقول: الأول.
نعم، لو فاتته في أيام التشريق، فقضاها فيها: هل يكبر؟ فيه وجهان في "المهذب"، والمختار في "المرشد" منهما: المنع أيضاً.
وقال الغزالي: إنه يكبر.
ولم يحك فيه خلافاً، لكن التكبير مقضي أو مؤدى؟ قال: فيه قولان.
وهذه طريقة ابن سريج، حكاها عنه القاضي الحسين.
وقال في "الإبانة": إن القولين- كما ذكر- مبنيان على النفل:
إن قلنا: يكبر خلف النافلة، ففي الفائتة أولى، ويكون أداء.
وإن قلنا: لا يكبر خلف النفل، فيكون قضاء.
وحكى الإمام أن من أئمتنا من قطع بأن الفوائت تستعقب التكبير، وإن كانت فائتة في غير أيام التشريق؛ لمرتبة الفرائض وعلوِّ منصبها، ثم قال: [و] الوجه التسوية؛ فلا أثر لقوة الفريضة، وإنما المرعي ما ذكرناه من قبل.
قال الغزالي- تبعاً للفوراني والإمام-: وعلى القولين ينبني ما إذا فاتته صلاة في غير أيام التشريق، فقضاها [فيها:
فإن قلنا: إنه في المسألة] قبلها أداءٌ، كبر هنا.
وإن قلنا: [إنه مقضيٌّ] ثم، فلا يكبر هنا.
[الثاني]: إذا نسي التكبير خلف الصلاة في الوقت، ثم تذكر، قال القاضي الحسين: نظر:
إن لم يطل الفصل، كبر؛ كما لو تذكر سجدتي السهو عن قريب.
وإن طال الفصل، فحكمه حكم سجدتي السهو، وفيه وجهان.
وعلى هذا جرى الفوراني والإمام والبغوي.
[و] قال القاضي في موضع آخر قبل ذلك: إن الخلاف عند القفال مبني
على أن من فاتته صلاة في أيام التشريق، فقضاها في الأيام، فإنه يكبر، وهل يكون ذلك قضاء أو أداء؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: قضاء، فلا يأتي به؛ لأن التكبير لا يفرد بالقضاء.
وإن قلنا: أداء، فيأتي به.
قال: والمنصوص هذا الوجه؛ فإن الشافعي قال: "لو سلم، وانفصل إلى مكان آخر، كبر فيه، ولا يعود إلى مصلاه"، وهو ما أورده ابن الصباغ والمتولي، وقالا: يكبر حيث ذكره، ويخالف سجود السهو؛ لأن سجود السهو لإتمام الصلاة؛ فلا يجوز بعد طول الفصل، والتكبير لأجل الوقت، والوقت باقٍ.
[الثالث]: إذا كبر الإمام خلف صلاة، والمأموم لا يعتقد استحبابه، فهل يتبعه أو لا؟ ذكر ابن سريج فيه تردداً، وهو وجهان حكاهما الإمام:
أحدهما: نعم؛ كالقنوت؛ لأنه من توابع الصلاة.
والثاني- وهو أصح في "النهاية"-: لا؛ لأنه خارج عن الصلاة، فليجر المأموم فيه على اعتقاده.
قال: وإذا رأى شيئاً من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات- وهي العشر الأول من ذي الحجة- كبر.
قال بعضهم: لورود السنة بذلك.
وقال آخرون؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]، وقد قال المفسرون: الأيام المعلومات عشر ذي الحجة.
والبهيمة سميت بذلك؛ لأنها لا تتكلم، مأخوذ من: استبهم، إذا استغلق.
قال الأزهري: البهيمة- في اللغة-: معناها: المبهمة عن العقل والتمييز.
والأنعام: الإبل، والبقر، والغنم.
وإذا [قيل]: النعم، فهو الإبل خاصة.
والنعم يذكر ويؤنث؛ قاله المبرد.
[قلت: والاستدلال] بالآية يتوقف على معرفة ما قيل فيها.
وقد اختلف أصحابنا في معنى قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ الآية [الحج: 28].
فقال المزني: الذكر في يوم النحر منها على الذبح، وإن كان مضافاً إليها كلها، وقد يضاف الشيء إلى جملة وإن كان يقع في بعضها؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً* وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: 15، 16].
وعلى هذا: لا يحسن الاستدلال بالآية على المدعى، بل حجته ورود السنة بذلك.
وقال الصيمري: الذكر يقع في كلها: يوم النحر على الذبح، وما قبله على سوق الهدي.
وعلى هذا: يحسن الاستدلال بها.
وقال غيرهما من أصحابنا: المضاف إليها شهود المنافع والذكر معاً، فقال عز من قائل: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: 28] فشهود المنافع: التجارات قبل النحر، والذكر يوم النحر.
وقال الشيخ أبو حامد: معناه: الذكر على الذبح في كلها؛ كذا حكى ذلك البندنيجي في كتاب الحج.
ثم الأيام في ألسنة الفقهاء أصناف:
المعلومات: وقد سبق ذكرها.
والمعدودات: هي أيام التشريق، ويقال لها: أيام منى، [وأيام الذبح]، وأيام الذكر.
ويوم التروية- وهو الثامن من ذي الحجة- ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الحج الأكبر، كما جاء في الخبر.
وقد نجز شرح مسائل الباب، فنختمه بفرع يتعلق به، وهو:
يستحب إحياء ليلتي العيد؛ لقوله- عليه السلام-: "من أحيا ليلتي العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب".
وقد اختلف في قوله "لم يمت قلبه":
فمنهم من قال: أراد به: لم يفزع قلبه من أهوال القيامة يوم تفزع القلوب؛ قال- عليه السلام-: "يحشر الله النَّاس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً"، فقالت واحدة من نسائه: واسوءتاه، أينظر الرجال إلى عورات النساء؟! فقال- عليه السلام-: "إنَّ لهم في ذلك اليوم لشغلا، لا يعرف الرَّجل أنَّه رجلٌ، ولا تعرف المرأة أنَّها امرأةٌ".
ومنهم من قال: أراد: لم يشغف قلبه بحب الدنيا؛ لأ، من شغف قلبه بحب الدنيا مات قلبه، قال- عليه السلام-: "لا تدخلوا على هؤلاء الموتى" قيل: يا رسول الله، ومن الموتى؟ قال: "هم الأغنياء".
ومنهم من قال: أراد به: أن الله يحفظه من الشرك؛ فلا يختم عاقبته على الشرك؛ قال الله- تعالى-: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122] معناه: من كان كافراً، فهديناه.
وقد قيل- كما حكاه الصيدلاني-: لم يرد شيء من الفضائل مثل هذا؛ لأن موت
القلوب؛ إما الكفر في الدين وإما الفزع في القيامة، وما أضيف إلى القلب فهو أعظم؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283].
قال في "الروضة": وتحصل فضيلة الإحياء بمعظم الليل.
وقيل: تحصل بساعة.
وقد نقل عن الشافعي في "الأم" عن جماعة من خيار أهل المدينة ما يؤيده.
وقال القاضي الحسين: إنه روي عن ابن عباس أنه قال: إحياء ليلة العيد هو أن يصلي في ليلة العيد صلاة العشاء جماعة، ويعزم أن يصلي الصبح في جماعة، وينام، فإذا فعل هكذا، فقد أحيا ليلة العيد؛ قال- عليه السلام-: "إنَّ أحدكم في الصَّلاة ما دام ينتظر الصَّلاة".
قلت: وقد جاء في "صحيح" مسلم: "من صلَّى العشاء في جماعةٍ فكأنَّما قام نصف اللَّيل، ومن صلَّى الصُّبح في جماعةٍ فكأنَّما صلَّى الليل كلَّه".
وأراد من صلى الصبح [في جماعة] وقد صلى العشاء في جماعة؛ يدل عليه رواية أبي داود عن عثمان بن عفان، وهو راوي حديث مسلم- أيضاً- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلَّى العشاء في جماعةٍ كان كقيام نصف ليلةٍ، ومن صلَّى العشاء والفجر في جماعةٍ كان كقيام ليلةٍ".
قال الشافعي: وبلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال: ليلة الجمعة، والعيدين؛ وليلة رجب، ونصف شعبان، وأستحب كل ما حكيت في هذه الليالي.
كذا حكاه عنه في "الروضة".
وكما ورد الحث على الطاعات في ليلة العيد ورد الحث على منع المعاصي فيها، روي أنه- عليه السلام- قال: "من عصى الله ليلة عيد، كان كمن عصاه في ليلة الوعيد، ومن عصى الله وهو يضحك أدخله النَّار وهو يبكي".
[فرع] آخر: إذا أدرك المسبوق الإمام في خطبة العيد نظر:
فإن كان في المصلى، فالمستحب في حقه أن يسمع الخطبة، فإذا فرغت، صلى العيد في المصلى أو في بيته، اللهم إلا أن يضيق الوقت؛ فالمستحب أن يصليه والإمام يخطب.
وإن كان في المسجد، فالمستحب ألا يجلس حتى يصلي ركعتين، لكن هل يفعل العيد أم تحية المسجد؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو اختيار أبي إسحاق-: يصلي العيد، وينوب عن تحية المسجد.
والثاني- وهو اختيار ابن أبي هريرة-: يصلي التحية.
والأول أصح.
باب صلاة الكسوف
الكسوف، والخسوف: هل هما مترادفان أو لا؟ فيه اختلاف بين أهل اللغة:
وبالأول قال الأزهري، فقال: كسفت الشمس والقمر؛ إذا ذهب ضوءهما، وانكسفا، وخسف [الشمس و] القمر، وخسفا [و] انخسفا.
وهذا القول هو الذي نطق به الخبر كما ستعرفه، ولم يحك البندنيجي غيره، وقال: [إن] لأهل اللغة في معنى ذلك قولين:
قال الفراء وغيره: كسفت، معناه: نقص ضوءها.
وقال آخرون: الكسوف: التغطية، فقولهم: كسفت الشمس، أي: حال دون ضوئها حائل.
والقول الثاني: أنهما متغايران: فالكسوف للشمس، والخسوف للقمر.
قال الجوهري: وهو الصحيح.
فعلى الأوّل: يكون الشيخ قد بوب على الكسوفين.
وعلى الثاني يكون التبويب على كسوف الشمس، وإن كان قد أودع في الباب الكسوف والخسوف، [وخص الشمس بالذكر؛ لأنها أبهر النيرين.
وقد قيل: الكسوف في أول ذهاب الضوء، والخسوف في] آخره إذا اشتد ذهاب الضوء.
وأصل الكسوف التغير، يقال: كسف حال فلان؛ إذا تغير.
والأصل في مشروعيتها- قبل الإجماع- من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: 37] أي: عند كسوفهما؛ لأنه أرجح من احتمال أن المراد النهي عن عبادتهما؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والأزلام والشمس؛ فلا معنى للنهي عن عبادة الشمس [والقمر دون غيرهما من المعبودات.
ومن السنة: ما روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: انكسفت الشمس] على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس: إنما انكسفت لموت إبراهيم؛ فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس .. وساق الخبر إلى أن قال: فقال: "يأيها النَّاس، إنَّما الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنَّهما لا ينكسفان لموت أحدٍ من النَّاس؛ فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلُّوا حتَّى تنجلي".
وروى- أيضاً- عن عائشة، قالت: "خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم [فقام]، وكبر، وصفَّ الناس وراءه ... " وساقت الحديث كما سنذكر تتمته في موضعها إلى أن [قالت: ثم] قال: "إنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصَّلاة"، وقال- أيضاً-: "فصلُّوا حتَّى يفرّج الله عنكم".
قال بعضهم: وإنما قال- عليه السلام-: "لا يكسفان لموت أحدٍ"؛ قطعاً لأوهام الناس؛ فإن الشمس- على رأي المنجمين- لا تكسف إلا في الثامن والعشرين إن كان الشهر ناقصاً، أو في التاسع والعشرين إن كان الشهر تامّاً، فلما انكسفت في يوم مات إبراهيم- وهو العاشر من ربيع الأول؛ كما رواه الزبير بن بكار في كتاب "الأنساب"، وروى البيهقي مثله عن الواقدي، وقيل: بل كان في العاشر من شهر رمضان، وقيل: بل في الثالث عشر من ربيع الأول، وقيل: بل في الرابع عشر منه في سنة عشر من الهجرة- قال الناس: إنما انكسفت لموته؛ فرفع إشكالهم بذلك.
وقد جاء في الحديث ما يقرب من ذلك، وهو ما روى النسائي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ ناساً يزعمون أنَّ الشَّمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيمٍ من العظماء، إنَّ الشَّمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنَّهما آيتان من آيات الله، والله تعالى إذا تجلَّى لشيءٍ من خلقه خشع له؛ فإذا رأيتم ذلك فصلُّوا كأحدث صلاةٍ صلَّيتموها من المكتوبة".
قال عبد الحق: لكن قد اختلف في إسناده.
قال: وهي سنة؛ لما تقدم من قوله- عليه السلام- للأعرابي: "خمس صلواتٍ كتبهنَّ الله على العبد في اليوم واللَّيلة" قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوَّع".
ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود، لم يسن لها الأذان بوجه؛ فلم تكن واجبة بأصل الشرع كسائر النوافل.
قال: مؤكدة، أي: بمشروعية الجماعة فيها؛ كما شرعت في الفرائض؛ وذلك يدل على تأكدها.
وفي "الحاوي" عند الكلام في صلاة التطوع حكاية وجه: أنها فرض على الكفاية، وهو يوجد في كلام غيره.
وقال الجيلي: إن الخفاف ذكره في "الخصال".
ثم المخاطب بها: كل من وجبت عليه الصلوات الخمس من الرجال والنساء والأحرار والعبيد، وكل أحدٍ، مسافراً كان أو حاضراً، منفرداً كان أو في جماعة، وسواء صلاها الإمام أو تركها، فإن خرج صلوا معه، وإن لم يخرج طلبوا من يصليها، فإن لم يجدوا، أو وجدوا وخافوا إنكار الإمام- صلوا فرادى؛ قاله البندنيجي.
قال: ووقتها- أي: ووقت الصلاة-: من حين الكسوف إلى حين التجلي؛ لقوله- عليه السلام- في حديث جابر: "فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلُّوا حتَّى تنجلي"، فجعل الانكساف سببها، والانجلاء غايتها، وذلك يفيد التأقيت.
والمراد بالانجلاء: انجلاء جميع ما كسف، فلو انجلى بعض ما انكسف، فالوقت باقٍ إلى أن ينجلي الجميع؛ لأن ذلك البعض لو انكسف لا غير شرعت له الصلاة.
ولا فرق في ذلك بين أن يحصل ذلك في الأوقات المكروهة أو لا؛ لأن لها سبباً، والمعروف من مذهبنا: أن ما له سبب من النوافل التي وقتها مضيق لا يكره
في الأوقات المكروهة، وخالف صلاة العيد والاستسقاء [على رأي تقدم] لأن وقتهما متسع.
قال: فإن فاتت، أي: بالانجلاء، لم تقض، لأن المعنى الذي شرعت الصلاة لأجله قد زال؛ فزالت بزوال سببها، مع أن القضاء إنما يجب بأمرٍ جديد، ولم يوجد، بل مفهوم الموجود دال على المنع.
ولأن المقضي من النوافل المؤقتة ما يتقرب به ابتداء؛ كما قاله صاحب "التقريب" وغيره، وهذه لا يتقرب بها ابتداء.
قال: والسنة أن يغتسل لها؛ لأنها صلاة شرع فيها الاجتماع؛ فسن فيها الاغتسال؛ كالجمعة.
قال: وأن تقام في جماعة، أي: والسنة أن تقام في جماعة؛ لقول عائشة في الخبر السابق: "فقام فكبَّر وصفَّ النَّاس وراءه"، وما سنذكره في الفصل بعده من روايتها يشهد لذلك أيضاً.
وحكى الإمام عن رواية الصيدلاني: أن من أئمتنا من خرج في صلاة الخسوف وجهاً: أن الجماعة شرط فيها كالجمعة، وقد مضى في صلاة العيد قول على هذا الوجه.
قال الرافعي: ولم أجده في كتابه هكذا، لكن قال: خرج أصحابنا وجهين في أنها هل تصلى في كل مسجد أو لا تكون إلا في جماعة واحدة؟ كالقولين في العيد.
قال: حيث تصلى الجمعة؛ لأنه- عليه السلام- فعلها حيث كان يفعل الجمعة، وهو المسجد.
قال أبو موسى الأشعري: "كسفت الشمس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة، حتى أتى المسجد، فقام يصلي بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته يفعل في صلاة قط! " أخرجه مسلم.
وخالف صلاة العيد [والاستسقاء]؛ لأن مقصود العيد إظهار الزينة، وفي الاستسقاء رؤية مبادئ الغيث، فيتعجل السرور، وذلك لا يمكن تحصيله في المسجد.
ولأن وقتها متسع؛ فلا يخشى فواتها بالخروج إلى الصحراء، بخلاف الكسوف.
ويختص باستحباب حضورها- حيث تصلى الجمعة- الرجال، وكذا العجائز وغير ذوات الهيئات.
قال الشافعي في "الأم": "ولا أكره لمن لا هيئة لها من النساء، ولا العجوز، ولا الصبية- شهودها مع الإمام، بل أحبها لهن، وأحب إليَّ لذوات الهيئات أن تصليها في بيتها".
قال: وينادى لها: الصلاة جامعة؛ لما روى مسلم عن عائشة قالت: "كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رجلاً، فنادى: الصلاة جامعة؛ فاجتمع الناس .. "، وذكرت من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سنذكره.
قال: وهي ركعتان، في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، وسجودان؛ لما روى الدارقطني عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: " [إن رسول الله صلى الله عليه وسلم] كان يصلي في كسوف الشمس والقمر [أربع ركعات] وأربع سجدات يقرأ في الأولى بالعنكبوت أو الروم، وفي الثانية بياسين"؛ حكاه [عنه]
عبد الحق، ولم يتعرض فيه.
ورواية مسلم عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الكسوف بقراءتها، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات.
ومراد الشيخ بالقراءتين: قراءة الفاتحة مرتين لا غير.
ثم اعلم أن قول الشيخ: "وهي ركعتان .. " إلى آخر الفصل، يحتمل: أن يكون أراد به: بيان أكملها في [الأفعال، وإلا فأقلها ركعتان كركعتي الجمعة.
ويحتمل: أن يكون أراد به بيان أقلها في الأفعال] والأقوال.
وأكملها: إضافة ما سنذكره من القراءة والذكر إلى ذلك.
وكلام الأصحاب مختلف:
فمنهم من يميل كلامه إلى الأول.
ومنهم من يفهم كلامه الثاني.
فممن مال كلامه إلى الأول: القاضي [أبو الطيب]، وابن الصباغ، وكذا الماوردي؛ فإنهم حكوا عن أبي حنيفة أنه قال: هي ركعتان كالجمعة؛ لما روي أنه- عليه السلام- صلاها ركعتين كما يصلون الجمعة.
أخرجه النسائي عن رواية أبي بكرة.
وروى أنه- عليه السلام- لما انكسفت الشمس، جعل يصلي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت.
أخرجه أبو داود عن النعمان بن بشير.
وروي أنه- عليه السلام- قال: "إذا رأيتم ذلك فصلُّوا كأحدث صلاةٍ صلَّيتموها من المكتوبة".
وقالوا في الرد عليه: إن ما صرنا إليه أولى؛ لما ذكرناه من الأخبار؛ فإنها أكثر رواة، وفيها زيادة، وعليها عمل الأئمة وأهل الأمصار.
على أنا نحمل ما استدل به على الجواز، ونحمل أخبارنا على الاستحباب.
فقولهم: "نحمل ما ذكره على الجواز" دليل ظاهر على ما ذكرناه.
وممن [أفهم] كلامه الثاني: البندنيجي؛ فإنه قال بعد ذكر ما يقرأ فيها: "ويأتي به مع التسبيح؛ قال في "الأم": وإذا جاوز هذا في بعض، وقصر عنه في بعض، أو جاوزه في كل، أو قصر عنه في كل إذا لم يدع أم القرآن في كل قيام- أجزأه، فإن ترك أم القرآن في ركعة من صلاة الكسوف في القيام الأول أو الثاني- لم يعتد بتلك الركعة، وصلى ركعة أخرى، وسجد سجدتين للسهو؛ كما لو ترك أم القرآن من ركعة من صلاة الفجر ساهياً".
ثم أيد ذلك بأن من لم يدرك مع الإمام إلا الركعة الثانية: فإن كان الخسوف باقياً، أتى بركعة على التمام، وإن كان قد تجلى خفف، ولا يكون التخفيف فيها في نقصان عدد الركوع، وإنما التخفيف في القراءة لا غير.
وقد صرح الغزالي وإمامه وغيرهما من المراوزة بأن ذلك بيان أقلها، إلا القاضي الحسين؛ فإن عنده وقفة فيه؛ فإن في "تعليقه" [أنه سئل] فيمن ترك قومةً وركوعها عامداً: هل تبطل صلاته؟ وناسياً ثم تذكر: هل يعود إليه؟ ولو لم يعد: هل يلزمه سجود السهو؟ فكان يتفكر فيه.
[وقال] في "الذخائر" ومن بعده: إنه أجاب فيما إذا ترك ذلك عامداً ببطلان الصلاة.
وإن الشاشي قال: وفيه نظر؛ فإن صح هذا عنه، لم يحتج إلى استثناء.
ثم قضية كون ذلك بياناً لأقلها لا كلِّها ألا تجوز الزيادة فيها، سواء دام الكسوف أو لا، ولا ينقص عنها سواء وجد الانجلاء وهو في القيام الأول أو لا.
ولا خلاف في المذهب في أنه لا يجوز أن يزاد فيها على ركعتين، ولا أن يجوز الاقتصار فيها على ركعة كيف كان الحال.
نعم، هل يجوز أن يزيد في كلٍّ من الركعتين قياماً وركوعاً، أو أكثر من ذلك عند دوام الكسوف أو لا؟ فيه وجهان:
أحدهما- يجوز، وهو ما حكاه القاضي أبو الطيب عن أبي إسحاق، والرافعي عن ابن خزيمة، وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر الصيمري من أصحابنا؛ لأنه روي أنه- عليه السلام- صلى بالناس ست ركعات في أربع سجدات، كما أخرجه مسلم عن جابر.
وروي أنه- عليه السلام- صلى [حين خسفت الشمس] ثماني ركعات في أربع سجدات، [كما] أخرجه مسلم عن ابن عباس.
وروي أنه- عليه السلام- صلى عشر ركعات في أربع سجدات، كما أخرجه النسائي عن عائشة.
وروى أبو داود عن أبي بن كعب نحوه.
ولا وجه للجمع بين الأحاديث إلا حمل ما ذكرناه أولاً على حالة الانجلاء، وما ذكرناه ها هنا على حالة دوام الكسوف.
والثاني: لا يجوز ذلك؛ لأن الزيادة على أركان الصلاة ممنوعة في الشرع، وفي تجويز الزيادة ما يخالف هذا.
قال في "الوسيط": وهذا هو القياس إن لم يصح الخبر، وقد صح الخبر؛ فمقتضى قوله أن يكون الصحيح الأول، وهو قضية قول الشافعي: "إذا صح الحديث فاضربوا [بمذهبي] عرض الحائط".
لكن الذي صححه [الفوراني والإمام] والمسعودي: الثاني، وهو مذهب ابن عباس.
وأجابوا عن [الأحاديث الواردة] في الزيادة: بأن الخصم- وهو أبو حنيفة وافقنا على [أن] الزيادة على [القيامين] في كل ركعة منسوخة؛ إذ هو يقول: إن هذه الصلاة كسائر الصلوات؛ لما تقدم، وبقي الباقي على ظاهره.
وقد قال القاضي الحسين: إن الوجهين في المسألة أخذا من قولين حكاهما [عني الشافعي فيما إذا فرغ من الصلاة على النعت الذي ذكرناه أولاً، ولم ينجل الخسوف: هل يستأنف صلاة أخرى أم لا؟ والذي أورده العراقيون
منهما؛ وحكوه عن نصه في "الأم": المنع؛ إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
وغير القاضي من المراوزة حكى الخلاف في هذه المسألة وجهين، وأنهما مخرجان من المسألة قبلها:
فإن قلنا: يجوز زيادة القيام والركوع، جاز أن ينشئ صلاة أخرى، وإلا فلا.
ولو انجلى الكسوف بجملته، وهو في القيام الأوّل من الركعة الأولى أو الثانية: فهل له أن يقتصر على قيام واحد وركوع واحد في كل ركعة كغيرها من الصلوات؟ فيه وجهان مخرجان- كما قال القاضي الحسين- من القولين اللذين حكاهما في المسألة قبلها.
وغيره قال: إنهما مخرجان من مسألة الزيادة في القيام والركوع، فإن قلنا [ثم: تجوز] الزيادة، جاز هنا النقص، وإلا فلا.
وقضية البناء: أن يكون الصحيح المنع، وهو ما حكيناه عن البندنيجي من قبل، لكن في "الحلية": أن الصحيح في هذه الصورة الجواز، وإليه يرشد قول الماوردي: إنا نحمل ما ورد من أنه- عليه السلام- كان يصليها ركعتين [ركعتين] على حالة الانجلاء.
فرع: إذا أدرك المسبوق الإمام في الركوع الثاني من الركعة الأولى، لا يكون مدركاً لتلك الركعة؛ لأنه لم يدرك معظمها؛ فإن الركوع الثاني تبع للأول؛ كما قاله القفال، وهذا ما نص عليه في "البويطي"، ولم يحك العراقيون غيره.
ووجهه ابن الصباغ بأن الإمام إنما ينوب عنه في القراءة خاصة، ولا ينوب عنه في فعل الركوع.
ولأن الركوعين بمنزلة السجدتين في هذه الركعة، أي: فلا يقبلان الانفصال.
وحكى الفوراني عن صاحب "التقريب" أنه قال: هذا غلط؛ بل يكون مدركاً لتلك الركعة؛ ولأجل هذا حكى ابن يونس في المسألة قولين، [لكن] الذي حكاه القاضي الحسين والإمام عن صاحب "التقريب": أنه يكون مدركاً لذلك
الركوع والقومة التي قبله؛ فيقوم عند التدارك، ويصلي ركعة بقومةٍ وركوع.
وقال الرافعي: إن صاحب "التقريب" حكى ذلك قولاً في المسألة.
قال الإمام: وإذا جعله مدركاً لذلك، فلا شك أنه يجعله بما ذكرناه مدركاً للسجدتين بعد الركوع ويحسبهما له؛ فإنه أتى بهما مع الإمام بعد ركوع محسوب، وإذا أثر إدراك الركوع في الحكم بإدراك ما قبله من القيام فما بعده أولى.
فعلى هذا: لا يأتي بالسجدتين مرة أخرى، لكن يأتي بقيام وركوع فحسب، وهذا مخالف لنظم كل صلاة.
وفيه شيء آخر: وهو أنه جعله مدركاً- بإدراك الركوع الثاني- القومة قبله، ثم إنه يأمره بالاعتدال وهو بعض من القومة التي جعله مدركاً لها، ثم أمره بالعود إليها، ولو قال: يركع في استدراك، ثم يجلس عن ركوع من غير اعتدال- لكان هذا مخالفاً لقاعدة المذهب، وليست على تحقيق وفقه في أنه هل يؤمر بالاعتدال عن الركوع أم يجوز الجلوس عن هيئة الركوع من غير اعتدال؟ والظاهر أنه يأمره بالاعتدال ثم بالجلوس عنه.
قال: ويستحب أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة- أي: وسوابقها من دعاء الاستفتاح والتعوذ- سورة طويلة كالبقرة.
الكاف في [قول الشيخ]: "كالبقرة"، يجوز أن تكون زائدة؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، [و] التقدير: ويستحب أن يقرأ في القيام الأول سورة البقرة.
ويحتمل أن تبقى على بابها ويكون مراده بالسورة: القطعة من القرآن؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 86]؛ فيكون تقدير كلامه: ويستحب أن يقرأ في القيام الأول قطعة من القرآن: كالبقرة إن كان يحسنها، أو بقدرها إن كان لا يحسنها.
وعلى هذا التقدير- إن كان هو المراد- يكون موافقاً للنص؛ فإن الشافعي قال: "يقرأ في الأولى البقرة إن كان يحسنها، أو مقدارها من القرآن إن كان
لا يحسنها، ولا خلاف فيه".
ووجهه: ما روى أبي بن كعب، قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم، فقرأ سورة من الطُّول، وركع"، والطُّول: سبع سور، أولها: البقرة، [وتعيَّن لرواية مسلم عن ابن عباس أنه- عليه السلام- قام في الأولى قياماً طويلاً قدر سورة البقرة].
وروي عن عائشة أنها قالت: "حزرت قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم الأول بقدر سورة البقرة، والثاني بقدر سورة آل عمران، والثالث بقدر سورة النساء، والرابع بقدر المائدة".
قال: ثم يركع، ويدعو بقدر مائة آية- أي: من البقرة- ثم يرفع ويقرأ بعد الفاتحة- أي: والتعوذ قبلها، على أحد الوجهين في "الحاوي"- بقدر آل عمران، أي: إن كان لا يحسنها، أو بها إن كان يحسنها كما حكاه البويطي عن النص.
ثم يركع ويدعو بقدر تسعين آية- أي: من البقرة- ثم يسجد كما يسجد في غيرها، ثم يقوم إلى الثانية، فيقرأ بعد الفاتحة- أي: والتعوذ، على أحد الوجهين- نحواً [من] مائة وخمسين آية- أي: من البقرة- ثم يركع ويدعو بقدر سبعين آية، أي من سورة البقرة، [ثم يرفع فيقرأ بعد الفاتحة- أي
والتعوذ، على أحد الوجهين- نحواً من مائة آية من سورة البقرة]، ثم يركع ويدعو بقدر خمسين آية- أي من البقرة ثم يسجد كما يسجد في غيرها.
[و] الأصل في استحباب ذلك: ما رواه مسلم في تتمة حديث عائشة السابق: فقام وكبر وصف الناس وراءه، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة، ثم كبر وركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد".
ثم قام فقرأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً هو أدنى من الركوع الأول، ثم رفع رأسه، فقال: "سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد"، ثم سجد، ثم فعل في الركعة الأخيرة مثل ذلك، حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف.
فاستنبط الأصحاب منه ما ذكرناه.
وقال في "الحاوي": إن ابن عباس روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا إطالة الركوع الثاني؛ فإنه روى أنه أطاله بقدر ثمانين آية، وإن صح ذلك فهو الغاية القصوى، وإن لم يصح فيمكن أن يستنبط من حديث عائشة الدلالة على المدعي في أمر القراءة؛ لأنها أثبتت أن القراءة في كل قيام دون القراءة فيما قبله.
والسنة: أن يأتي في القراءة في الصلاة بسورة كاملة لا ببعض سورة، وأن تكون السورة التي تقرأ في الركعة الثانية تلي السورة التي تقرأ في الركعة قبلها- أو بعدها-[وقد بينا] أنه يقرأ في القومة الأولى البقرة؛ فيلزمه على مساق ما قررناه أن يكون المقروء في القومة الثانية "آل عمران" أو قدرها؛ لأنها تليها وتقاربها في عدد الآي؛ فإن عدد آيها مائتا آية، وإن كانت آي البقرة أطول، ويكون المقروء في القومة الثالثة وهي الأولى في الركعة الثانية: "النساء" أو قدرها؛ لأن عدد آيها مائة وخمس وسبعون آية، وهي تقارب مائة وخمسين آية من البقرة، ويكون المقروء في القومة الرابعة: "المائدة"؛ لأن عدد آيها مائة وثلاث
وعشرون آية، وهي تداني مائة آية من البقرة؛ لطول آيها.
واعلم أن ما ذكره الشيخ هو ما نص عليه في "المختصر" إلا قوله: إنه يقرأ في القيام الثاني بقدر "آل عمران"؛ فإن المزني لم ينقل ذلك، بل قال: إنه يقرأ فيها بقدر مائتي آية من البقرة.
والتقدير بقدر آل عمران هو ما أورده البويطي كما [نبهت عليه، وقال:] إنه يقرأ في القيام الأول من الركعة الثانية: "النساء"، وفي القيام الثاني مها: "المائدة"، كما تقدم.
وما ذكره في الأربع قومات هو ما أورده الإمام لا غير عن الشافعي، واقتصر الفوراني على إيراده، وكذا الغزالي، [وقال أبو الطيب: إنه منصوص في "الإملاء"]، وإن الأظهر من المذهب: الأوّل.
وهذا منه مؤذنٌ بإثبات ذلك خلافاً في المسألة، وقد قال البندنيجي: إن هذا ليس اختلاف قول؛ فإن الكل قريب من قريب.
وكذا قاله غيره.
وقول الشيخ: "ثم يركع ويدعو بقدر كذا"، أراد بالدعاء ها هنا: التسبيح، لا حقيقةً؛ فإن [التسبيح] نص عليه في "المختصر" وغيره، ولم يحك الأصحاب غيره.
والشيخ اقتفى في ذلك أثر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال: "أفضل الدُّعاء: سبحان الله، والحمد لله".
وعلى مثل ذلك جرى الشيخ في كتاب الحج حيث قال: "ويكثر من الدعاء، ويكون أكثر قوله: لا إله إلا الله".
وقد وقع الاختلاف بين الأصحاب في أربعة أمور:
أحدها: أن الركوع من الركعة الأولى يكون بقدر نصف القيام قبله، قال الفوراني: وذلك يقتضي أن يكون بقدر مائة وأربعين آية من البقرة، [أو مائة
وخمسين من غيرها.
والمنصوص في "المختصر": أنه بقدر مائة آية من البقرة؛] كما ذكره الشيخ، وهو المشهور.
الثاني- قال المزني في "المختصر": إن الركوع الثاني من الركعة الأولى بقدر ما يلي ركوعه الأول ثم يرفع.
قال البندنيجي: وذلك من ثمانين إلى تسعين آية.
وعن أبي القاسم الأنماطي: أن المزني قال: هكذا كان في كتابٍ، وهو غلط؛ وإنما هو بقدر ثلثي ركوعه.
وقد أشار إلى هذه الحكاية عن المزني القاضي أبو الطيب، واستأنس في ذلك بقوله في "الأم": يسبح بقدر ثلثي ركوعه الأول.
قلت: ويقويه: أن القراءة في القيام الثاني بـ "آل عمران" أو قدرها؛ كما نص عليه في "الإملاء"، وحكاه البويطي، وذلك [مائتا آية]؛ فهو ثلثا ما يقرأ في القيام الأول منها؛ لأنه يقرأ فيه البقرة، وهي مائتان وثمانون آية، أو قدرها وهو ثلاثمائة آية من غيرها؛ كما قاله القاضي الحسين والبغوي، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون إطالة الركوع الثاني من الركعة الأولى بقدر ثلثي الإطالة في الركوع الأول منها؛ لأن الخبر قد اقتضى أن القراءة الثانية دون ما قبلها، والركوع الثاني دون ما قبله، وقد جعل التفاوت بين القراءتين بالثلث؛ فكذلك يكون بين الركوعين بالثلث.
لكن البندنيجي قال: إن المذهب الأول بلا خلاف بين أصحابنا.
وزاد القاضي الحسين عليه، فقال: قال أصحابنا: الصحيح: ما نقله المزني في "المختصر"، وما نقله الربيع تصحيف وقع من الكاتب أو منه؛ كما قال الإمام، وادّعى اتفاق الأئمة عليه؛ لأن ركوعه الأول بقدر مائة آية، وثلثاه ستة وستون آية وثلثا آية، فلو صرنا إلى ما قاله لأدّى إلى أن يكون ركوعه الثاني من الركعة الأولى أقصر من ركوعه الأول في الركعة الثانية، وهو خلاف السنة؛ لأن المتأخر يكون أقصر من المتقدم.
وفي "الإبانة": أن ركوعه الثاني من الركعة الأولى يكون بقدر نصف ركوعه الأول، وذلك يقتضي أن يكون بقدر سبعين آية من البقرة؛ لأن مذهبه- كما قدمته- أن ركوعه الأول [يكون] بقدر مائة وأربعين آية منها.
وجزم الماوردي والغزالي في "الوسيط" القول بأنه يكون قدر ثمانين آية، وهو ما حكاه الإمام عن صاحب "التقريب"، وابن يونس عن الشيخ أبي حامد والجويني.
الثالث- قال صاحب "الإفصاح": إن الركوع الأول من الركعة الثانية يكون بقدر خمس وسبعين آية.
فإن أراد من البقرة، كان مخالفاً لما ذكره الشيخ والجمهور، وإن أراد من غير البقرة كان موافقاً لهم؛ لأن البقرة مائتان وثمانون آية تعدل ثلاثمائة آية من غيرها كما تقدم؛ فالسبعون آية منها تساوي خمساً وسبعين من غيرها، والله أعلم.
الرابع- السجود: قال البويطي: إنه يطيل السجدتين بقدر الركوع.
وأراد أن السجدتين بقدر الركوع.
وأراد أن السجدتين من كل ركعة يكون قدرهما قدر الركوعين منها؛ كذا أفهمه كلام البندنيجي وغيره.
ويحكى عن الشيخ أبي محمد القطع به، وهو اختيار الروياني في "الحلية".
ويقال: إن أبا عيسى الترمذي نقله في "جامعه" عن الشافعي، لكن في "المهذب": أنه قول ابن سريج، وأنه ليس بشيء؛ لأنه لم ينقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والباب باب توقيف، وبالقياس على التشهد والجلوس بين السجدتين.
وقد ختار بعض المتأخرين ما قاله البويطي، وهو الذي صححه في "الروضة"؛ لأنه ثبت في إطالته أحاديث كثيرة في "الصحيحين" عن جماعة من الصحابة:
فروى ابن عمرو: أنه سجد، فلم يكد يرفع.
أخرجه أبو داود.
وروت عائشة: أنه سجد سجوداً طويلاً، وقالت في سجوده الثاني: "ثم سجد سجوداً طويلاً دون السجود الأول".
[أخرجه البخاري.
وروى جابر: "وسجوده نحو من ركوعه" أخرجه مسلم.
وعلى هذا قال في "الروضة": فالمختار أن يكون السجود الأول كالركوع الأول]، والسجود الثاني كالركوع الثاني.
وقد أفهم كلام الأصحاب: أنه لا يطيل الجلسة بين السجدتين، ونقل الغزالي الاتفاق على ذلك، وقد صح في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك".
وقضية قول الشافعي: "ما صح الحديث فهو قولي"، أن يكون هذا مذهبه.
وحكى في "الذخائر" عن بعض الأصحاب احتمالاً في إطالة الجلوس بين السجدتين؛ لأن حديث ابن عباس تضمن تطويله، وكذا إطالة الرفع من الركوع؛ لأن حديث جابر تضمن تطويله أيضاً.
قال الأصحاب: ويستحب أن يقول عند رفعه من كل ركوع في هذه الصلاة:
"سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد"؛ لحديث عائشة السابق.
وعن بعض المصنفين: أنه لا يقول في الركوعين الزائدين: "سمع الله لمن حمده"، وخطئ فيه.
قال: [وإن كان] في كسوف الشمس أسرَّ؛ لما روى النسائي عن سمرة بن جندب في حديث طويل ذكر فيه كسوف الشمس إلى أن قال: "وافينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى الصلاة، فاستقدم يصلي، فقام كأطول قيام بنا في صلاة قط ما نسمع له صوتاً".
وأخرجه الترمذي، وقال: إنه حسن صحيح.
وقول ابن عباس: "قام قدر سورة البقرة"، يشهد لذلك؛ فإنه- عليه السلام- لو جهر بالقراءة لم يقدرها ابن عباس.
ولا يقال: إنه كان بعيداً لم يسمع؛ فلذلك قدرها؛ لأنه روي عنه أنه قال: "قمت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما سمعت له حسّاً".
ولأنها صلاة نهار، لها مثل من صلاة الليل؛ فلم يشرع فيها الجهر؛ كالظهر والعصر.
فإن قيل: قد روى مسلم عن عائشة أنه- عليه السلام- جهر في صلاة الكسوف بقراءته، وهي مثبتة، والمثبت مقدم على النافي.
ولا جائزٌ [أن]
نحمل ذلك على [صلاة] خسوف القمر [؛ لأن أصحابنا قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل صلاة خسوف القمر]، كما حكاه القاضي الحسين.
قيل: جوابه من أوجه:
أحدها: أن الرواية اختلفت عنها: فروى عنها هشام بن عروة عن أبيه عنها أنها قالت: "حزرت قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم الأول بقدر سورة البقرة، والثاني بقدر "آل عمران"، والثالث بقدر سورة "النساء"، والرابع بقدر سورة "المائدة".
فقولها: "حزرت"، يدل على أنه لم يجهر، فإما أن يتساقطا للتعارض، أو يثبت منهما ما يوافق أحاديثنا ترجيحاً.
الثاني: أنا نحمل الجهر على صلاة خسوف القمر؛ فإنها روت أنه- عليه السلام- كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات وأربع سجدات، كما تقدمت حكايته عن رواية الدارقطني، وهو يدل على أنه صلى لخسوف القمر، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث.
الثالث: أنا نحمله على أنه جهر بالآية والآيتين.
الرابع: أنا نحمله على أنه أسمع نفسه؛ فإن ذلك يسمى جهراً؛ قال ابن مسعود: "ما أسر من أسمع نفسه".
وهذا والذي قبله قالهما الماوردي.
وهذا هو المذهب المشهور.
وقال الإمام: كان لا يبعد من طريق النظر قياسها على صلاة الجمعة في الجهر بالقراءة، وكذلك صلاة العيد.
وفي "الرافعي": أن أبا سليمان الخطابي ذكر أن الذي يحكى عن مذهب الشافعي- رضي الله عنه- الجهر فيها، واحتج له بخبر عائشة، والله أعلم.
قال: وإن كان في خسوف القمر جهر؛ لأنها صلاة ليل.
وهذا إجماع؛ كما قال الماوردي.
قال: ثم يخطب خطبتين، أي: في [كسوف الشمس والقمر]، يخوفهم فيهما بالله، عز وجل.
الأصل في مشروعية الخطبة في ذلك: ما رواه مسلم عن عائشة في تتمة الحديث السابق: "وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم قام فخطب الناس، فأثنى على الله بما هو أهله .. إلى أن قال: "فإذا رأيتموها فكبِّروا، وادعوا الله، وتصدَّقوا يا أمَّة محمَّدٍ، إن من أحدٍ أغير من الله أن يزني عبده وأمته، يا أمَّة محمَّدٍ، والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً، ألا هل بلَّغت؟! ".
وقد روى الخطبة فيها جمع من الصحابة، والكل في الصحيح، والقياس يوافقها؛ فإنها صلاة نفل يسن لها اجتماع الكافة؛ فسن لها الخطبة؛ كالعيد.
وإذا ثبت أن الخطبة بعدها مشروعة كانت خطبتين كما في العيد، ولو اقتصر فيها على خطبة واحدة أجزأه؛ حكاه البندنيجي عن نصه في البويطي، وقال: إنه إذا أراد أن يأتي بهما فإنه يخطب- كما فصلنا في العيدين- على المنبر، وجميع ما ذكرناه، وجلسة الاستراحة، والجلوس بين الخطبتين، ويأتي بهما كسائر الخطب: يحمد الله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويحض الناس على الخير، ويأمرهم بالتوبة والتقرب إلى الله تعالى.
وقوله: "يبدأ بهما كما يبدأ بسائر الخطب"، صريح في أنه لا يكبر في أولها كما يكبر في خطبة العيد، وهو ما قال الرافعي: إن كلام الأصحاب يدل عليه؛ حيث لم يتعرضوا للتصريح به، ولو كان مشروعاً لذكروه خصوصاً في الكتب المطولات.
قال الشافعي: "ويخطب بهم حيث لا يجمِّع بهم".
وقصد بهذا: أن الخطبة للكسوف تصح في الموضع الذي لا تنعقد فيه الجمعة، مثل: القرية الصغيرة، والبادية، والبيوت، لكن بشرط أن يكون ثمَّ جماعة، فإن صلى وحده لم يخطب؛ لأنها تراد لسماع المأمومين.
وإذا انفردت النسوة بإقامتها، لا يشرع لهن الخطبة بعد الصلاة؛ لأن الخطبة
ليست من سنة النساء.
قال الشافعي: فلو قامت واحدة منهن، ووعظت وخوفت، كان حسناً.
قال: فإن لم يصل حتى تجلت- أي الآية المنكسفة، شمساً كانت أو قمراً- لم يصل، أي لأجل الشكر، كما يفعل في الاستسقاء إذا سقوا قبل الصلاة؛ لأن الصلاة في حال الجدب كانت لدفع النقمة بالنعمة، فملا زالت بالسقي خلفها علةٌ أخرى، وهي طلب الزيادة والشكر؛ فشرعت الصلاة، ولا كذلك هنا؛ فإن الصلاة عند كسوف الشمس كانت لدفع النقمة، ولا شيء بعد التجلي يطلب بالصلاة؛ فإن النعمة المجردة لا يصلي لها، بل يسجد، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فصلُّوا حتَّى تنجلي" يفهم المنع منها بعد الانجلاء مطلقاً.
وإذا عرفت ما قلناه عرفت أن الشيخ بين بما ذكره أولاً [وهو قوله:] فإن فاتت لم تقض، وبما ذكره آخراً وهو قوله: فإن لم يصل حتى تجلت لم يصل- أن صلاة الكسوف لا تصلَّى بعد الانجلاء قضاء ولا أداء لأجل الشكر، وبه يندفع ما توهم أنه تكرار من الشيخ.
ولا خلاف عندنا في أنها إذا تجلت وهو في خلال الصلاة لم تبطل، بل يتمّها؛ لأنها صلاة مؤقتة فلا تبطل بخروج وقتها، وإن لم يشرع فيها القضاء كالجمعة؛ فإن الوقت إذا خرج وهو فيها لا تبطل، بل تنقلب ظهراً، ولو قيل ببطلانها- كما حكاه أبو علي في "شرح التلخيص" عن بعض الأصحاب- لكان الفرق: أن وقت الجمعة محصور يمكن البحث عنه، بخلاف الكسوف.
قال: وإن لم يصل لكسوف الشمس حتى غابت- أي: غربت، وهو المتبادر إلى الفهم- كاسفة، لم يصل؛ أي: وإن لم يوجد الانجلاء الذي هو نهاية وقتها؛ لأن المقصود بالصلاة دفع النقمة برد ضوئها إليها؛ لينتفع به، وقد زال بغيابها.
أما لو غابت عن أعين الناس بتجليل سحاب في النهار، فيصلي؛ لبقاء
[وقت] سلطانها.
قال البندنيجي: وكذا لو زال السحاب عن البعض وهو صافٍ، وكان الباقي من دونه حائل- صلوا أيضاً؛ لأنه لا يعلم ما وراء السحاب، والأصل: الكسوف.
نعم، لو حدث السحاب، فظن أن الشمس كسفت لا يصلي؛ لأن الأصل عدمه.
قال: وإن لم يصل لخسوف القمر حتى غاب خاسفاً قبل طلوع الشمس، صلَّى؛ لأن وقت سلطانه باقٍ؛ فإن الناس ينتفعون بضوئه في ذلك الوقت لو بقي، وهذا هو الجديد.
وقال في القديم: [إنه] إذا غاب خاسفاً بعد طلوع الفجر لا يصلي؛ لأن ذلك من النهار، والفجر حاجب الشمس؛ فكما لا يصلي بعد طلوع الشمس لا يصلي بعد طلوع الفجر، والصحيح هو الجديد.
وقد أفهم قول الشيخ: غاب خاسفاً قبل طلوع الشمس، أمرين:
أحدهما: أنه لو خسف بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، صلى من طريق الأولى، والقولان فيه كما صرح به البندنيجي وغيره، وعن ابن كج: أن الخلاف مخصوص بما إذا غاب القمر خاسفاً بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، [أما إذا لم يغب فلا خلاف في أن الصلاة جائزة.
الثاني: أنه لا يصلي بعد طلوع الشمس إذا غاب] خاسفاً، وهو كذلك وبه يعرف أن للغيبوبة خاسفاً ثلاث أحوال:
الأولى: أن يغيب قبل طلوع الفجر فيصلي في القديم والجديد، وفيه نظر.
الثانية: أن يغيب خاسفاً [بعد] طلوع الشمس فلا يصلي، قولاً واحداً.
والثالثة: أن يغيب خاسفاً بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، وفيه القولان.
قلت: وعلى القولين ينبغي [أن يقال]: إذا غاب خاسفاً قبل طلوع الفجر ولم يصل حتى طلع الفجر، هل يصلي؟ إن قلنا بالجديد فنعم، وإن قلنا بالقديم فلا، ولم أقف فيه على نقل.
واعلم أن قول الشيخ في أوّل [الباب:] ووقتها من حين الكسوف إلى حين