كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
البيوع: جمع بيع.
وهو في اللغة: إعطاء شيء في مقابلة شيء.
وهو في الشرع: مقابلة الماء القابل للتصرف بالمال القابل للتصرف مع الإيجاب والقبول على الوجه المأذون فيه.
وسمي البيع بيعا؛ لأن البائع يمد باعه إلى المشتري حالة العقد في العادة.
وسمي صفقة أيضاً؛ لأن أحد المتبايعين يصفق يده على يد صاحبه حالة العقد.
كذا حكاه القاضي الحسين وغيره.
ورد ابن الخشاب الأول وقال: إنه غلط؛ لأن البيع من ذوات الياء تقول: باع يبيع بيعاً، [والباع من ذوات الواو تقول: بُعْتُ الشيء أَبُوعُه بَوْعاً.
وإنما جمع الشيخ البيع] وإن كان اسم جنس؛ لاختلاف أنواعه؛ لأنه يقع على أضرب: بيع عين، وبيع دين، وبيع منفعة، وإن شئت قلت: بيع صحيح قولاً واحداً، وبيع فاسد قولاً واحداً، وبيع في صحته قولان.
وكل واحد من المتعاقدين [فيه] يقال له: بائع وبيع ومشتر؛ قال الله تعالى ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة: 41]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "المُتبَايِعَان بالخِيَار".
وتقول العرب: بعت، بمعنى: بعت ملكي من غيري، وبعت بمعنى اشتريت، وقد جاء "شرى" بمعنى: باع أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: 20]، وقوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة: 102].
والأصل في مشروعية البيع في الجملة قبل الإجماع من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، وخص الأكل بالذكر؛ لأنه أعم وجوه المصارف كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء: 10]، ولا يختص الوعيد بالأكل.
وقرئ برفع ﴿تِجَارَةً﴾ [النساء: 29] على أن "كان" تامة، تقديره "إلا أن تقع تجارة"، وبالنصب على أن "كان" ناقصة، و"إلا" استثناء من غير الجنس على الصحيح؛ لأن التجارة ليست من الباطل في شيء، وذلك جائز عند عامة العلماء إلا عند محمد بن الحسن.
وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَاثِيماً (25) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة: 25، 26].
وقال أبو إسحاق: هو استثناء من الجنس؛ لأن قوله: ﴿لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29]، يتناول الأكل بالتجارة وغير التجارة؛ لأنه قد يؤكل المال بالباطل بتجارة فاسدة، فقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [النساء: 29] استثناء من جنسها.
وضعف [نسخ ذلك بآية النور وهي قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ إلى قوله ﴿أَشْتَاتاً﴾ [النور: 61]، كذا رواه أبو داود عن ابن عباس].
[و] قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، والألف واللام في ﴿الْبَيْعَ﴾: إما أن تكون للعموم أو للعهد أو لتعريف الماهية وأياً ما كان فهي دالة على بيع ما، وهو المقصود هنا، والذي رجحه الشافعي، وصححه أصحابه: أن الآية عامة في كل بيع إلا ما خصه على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، أو كان في معنى المنهي عنه، وإن كان الشافعي قد قال: إن احتمال تناولها لكل بيع على العموم أشبه، ونقل عنه أيضاً أنه قال: إنها مجملة؛ لأن السنة وردت مفسرة لها.
حكى هذا الخلاف القاضي الحسين وغيره.
وحكى أيضاً أنا إذا قلنا: إنها عامة، أو قلنا: إنها مجملة، فهل كانت السنة المخصصة أو المبينة متأخرة عن الآية أو متقدمة عليها؟ فيه قولان.
وإن فائدة الخلاف في الأصل تظهر في شيء واحد، وهو إذا وقع الاختلاف في مسألة من مسائل البيع أحلال هو أم حرام؟
إن قلنا: إن الآية عامة يجوز الاستدلال بها في المسألة وإلا فلا.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282].
قال ابن عباس: المراد به السلم.
ومن السنة ما روي أنه قيل: يا رسول الله: أي الكسب أطيب؟ فقال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور" أي: لا غش فيه ولا خيانة.
وما روى الترمذي عن قيس الجهني أنه قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتبايع في [السوق] وكنا ندعي السماسرة، فقال [لنا]: "يا معشر التجار إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة" وقال: إنه حسن صحيح.
وغير ذلك من الأخبار التي تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى.
باب ما يتم به البيع
هذه ترجمة زائدة على ما في الباب؛ لأن أركان البيع على ما حكاه غيره- وإن كان في إطلاق ذلك مناقشة ثلاثة-: العاقد وهو ينظم البائع والمشتري، والمعقود عليه وهو ينظم الثمن والمثمن، وصيغة العقد [وهي تنظم] الإيجاب والقبول.
والمذكور منها في هذا الباب: العاقد والصيغة، والثالث وهو المعقود عليه مذكور في الباب الثاني فكان هذا التبويب به أليق.
والمناقشة التي أشرنا إليها أبداها الرافعي على قول الغزالي لابد منها؛ لوجود صورة العقد وهي أن المراد إن كان لابد من وجودها ليدخل صورة البيع في الوجود، فالزمان والمكان وكثير من الأمور بهذه المثابة فوجب أن تعد أركاناً.
وإن كان المراد أنه لابد من حضورها في الذهن ليتصور البيع، فلا نسلم أن العاقد والمعقود عليه بهذه المثابة، وهذا؛ لأن البيع فعل من الأفعال، والفاعل لا يدخل في حقيقة الفعل.
ألا ترى أنا إذا عددنا أركان الصلاة والحج لا نعد المصلي والحاج، وإن كانا في جملتهما، وكذلك مورد الفعل، بل الأشبه أن الصيغة أيضاً ليست جزءاً من حقيقة فعل البيع.
وجوابها: أن المراد الأول وإنما لم يعد الزمان والمكان من الأركان؛ لأنه لا يعقل فعل من الأفعال بدونهما عقداً كان أو غير عقد، والعلم بذلك حاصل بالبديهة؛ فلذلك لم يذكرهما بخلاف ما ذكره فإنه لما اختلف فيه احتاج إلى ذكره؟
تنبيه: المراد بالبيع المبوب عليه بيع الأعيان خاصة، يدل عليه قوله في باب السلم: "السلم صنف من البيع" ينعقد بجميع ألفاظ البيع إلى غير ذلك.
[وقوله في باب الإجارة: وهي بيع المنافع بيع يصح ممن يصح منه البيع إلى غير ذلك] ولهذا التقرير فائدة تظهر لك من بعد.
قال: [و] لا يصح البيع إلا من مطلق التصرف غير محجور عليه.
المراد بهذا اللفظ: بيان أهلية العاقد للبيع والمانع القائم به.
فقوله: "مطلق التصرف"، بيان الأهلية وهي تحصل بالبلوغ والعقل؛ لأن أهلية المعاملات عند الشافعي- رضي الله عنه- مستفادة من التكليف.
فلا يصح بيع الصبي والمجنون سواء وافق الغبطة أو خالفها، أذن فيه الولي أو لم يأذن؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ" رواه الترمذي.
ووجه الدلالة منه: أن البيع لو صح؛ لاستلزم المؤاخذة بالتمكين من التسليم والمطالبة بالعهدة، والحديث دال على نفي المؤاخذة.
فإن قيل: لم لا يصح البيع ويكون الولي هو المخاطب بذلك كما يخاطب بإيفاء أروش الجنايات وتفرقة الزكوات؟
قلنا: أما المجنون فقد قام الإجماع على عدم صحة تصرفه لفسخه شرعاً وعرفاً.
وأما الصبي فلأنا إنما أقمنا الولي مقامه فيما ذكر للضرورة ولا ضرورة بنا هنا ثم لا فرق في بيع الصبي بين أن يكون للاختبار أو غيره على الأصح؛ لإمكان اختباره بتقرير الثمن والمساومة والمماكسة المطلوبة في البيع.
وفي الطريقتين حكاية وجه في صحة بيع الاختبار، واختاره ابن أبي عصرون في "المرشد"، هذا حكم بيعه.
وسيأتي في قبول روايته وإسلامه ووصيته وتدبيره خلاف في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وقوله: "غير محجور عليه" بيان للمانع القائم بذات مطلق التصرف؛ ليخرج به بيع السفيه، وشراؤه بغير إذن وليه، فإنه لا يصح مع وجود الأهلية، لا في حق نفسه ولا في حق غيره، وكذا لو أذن له على الأصح في "التهذيب"، [وشرح ابن التلمساني] هذا ما ظهر لي، ورأيت لبعض من شرح هذا الكتاب أن [مراد] الشيخ بهذا اللفظ: الاحتراز عمن حجر عليه لحق غيره؛ كالراهن في العين المرهونة، والمفلس في الأعيان المحجور عليه فيها بدون الإذن، والعبد غير المأذون، وأضاف إلى ذلك بعضهم بيع الفضولي على القول الجديد.
ولم يظهر لي صحة شيء من ذلك، لأن منع الراهن من التصرف في المرهون للحجر عليه في العين لا في ذاته.
وقد احترز عنه الشيخ بقوله في الباب الثاني: "ولا يجوز فيما يبطل به حق آدمي"، فلو كان يدخل فيما احترز عنه هاهنا لم يحتج إلى ذكره ثم، ومنع المفلس من التصرف في الأعيان المحجور عليه فيها يضاهي منع الراهن، ثم لو قدرنا صحة ذلك لم يكن كلام الشيخ جامعاً للمقصود؛ لأنه نفى صحة البيع على الإطلاق عند عدم إطلاق التصرف، وعند وجوده ووجود الحجر.
والراهن ليس ممنوعاً من البيع على الإطلاق فإنه يجوز له بيع غير الرهن وشراء ما أراد لنفسه ولمن يوكله وكذلك المفلس في غير الأعيان المحجور عليه فيها على الصحيح وهو الذي جزم به العراقيون.
وأما العبد فمنعه من التصرف بالبيع لعدم الملك أو ضعفه والاحتراز عنه مذكور
في الباب الثاني بقوله: "ولا يجوز بيع ما لا يملكه إلا بولاية أو نيابة" وشراؤه عند العراقيين [على ما] حكاه القاضي أبو الطيب في "كتاب التفليس" كشراء المفلس.
ومقتضاه أن يكون الصحيح جوازه [وحينئذٍ] فلا يحسن الاحتراز عنه، نعم إن قلنا: إنه لا يجوز، كما صححه الرافعي وغيره، فيحسن الاحتراز عنه أيضاً، إن كان الشيخ يوافقه عليه، كما سنذكره عن بعض العراقيين.
ولو قيل: هل يصح شراؤه للغير بإذن سيده؟
قلنا: بالإذن ارتفع عنه الحجر في ذلك التصرف.
وأما بيع الفضولي فالمنع منه لعدم الملك.
فإن قيل: احترز الشيخ- رضي الله عنه- عن مانع الحجر بما ذكرتموه، ولم يحترم عن مانع الإكراه بغير حق بلفظ الاختيار، فهلا ذكره كما فعل في "المهذب".
قلنا: الموانع الأصل عدمها، وذلك يغني عن الاحتراز عنها، والمحوج إلى ذكر الاحتراز عن الحجر مخالفة أبي حنيفة في بيع الصبي؛ فإنه إذا جاز بيعه فبيع السفيه أولى فاحتاج إلى التنبيه عليه خشية أن يعتقد معتقد موافقته؛ لأجل أنه صحيح العبارة بخلاف الصغير.
فرع: بيع المصادر هل ينعقد؟ فيه خلاف محكي في "الوسيط" في باب الأطعمة.
وحكى ابن أبي الدم: أن القاضي أبا منصور ابن أخت الشيخ أبي نصر [سأل أبا نصر] عن هذه المسألة فقال: إن كان له مال غير الذي باعه صح البيع، وإن لم يكن له مال سوى الذي باعه فهل يصح البيع؟ فيه وجهان.
فرع: رجل مجهول الحال لا تعرف حريته ولا رقه، هل تصح المعاملة معه أو لا؟ فيه قولان [في "التتمة" في باب العبد المأذون].
والأظهر: الجواز؛ لأن الأصل في الناس الحرية فيتمسك بالأصل.
ووجه الثاني: بأن الأصل في حق كل إنسان الحجر وعدم ذلك التصرف، فل
يجوز المعاملة معه حتى يعلم أنه من أهله، وهذه العلة تقتضي طرد هذا الوجه فيمن جهل رشده من طريق الأولى وهو [بعينه] كلام الشيخ حيث قال: "لا يصح إلا من مطلق التصرف غير محجور عليه" فمتى لم يتحقق وجود ذلك لا يصح هذا الإطلاق، ولم أر هذا لأحد.
قال: ولا ينعقد [البيع] إلا بإيجاب وقبول [أي على وجه الجزم، سواء كان المعقود عليه من المحقرات أو غيرها كالجواري والدواب والدور؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: 29]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما البيع عن تراض"، والرضا أمر خفي لا يطلع عليه فوجب أن يناط الحكم بسبب ظاهر يدل عليه وهو الصيغة.
وروى الخراسانيون، عن ابن سريج تخريج قول للشافعي: أنه يكتفي في المحقرات بالمعاطاة وبه أفتى القاضي الروياني وغيره على ما حكاه الرافعي؛ لأن المقصود الرضا والقرائن تعرف [حصوله].
وفي "البيان" أن ابن سريج حكاه عن الشافعي من غير أن يذكر لفظ التخريج.
وفي "النهاية" في باب حبل الحبلة، أن ابن سريج ذكر قولين في المعاطاة مع القرائن في إرادة البيع هل يكون بيعاً؟ ولم يقيده بالمحقرات، وهو يوافق ما في "الوسيط" في كتاب "العارية" حيث قال: "ولهذا ذكر القاضي في المعاطاة في البيع وجهين؛ لأجل القرائن"، ومقتضى هذا الإطلاق [أن الخلاف] غير قاصر على المحقرات.
وفي "التتمة": أنه حكي عن ابن سريج: أن كل ما جرت العادة فيه بالمعاطاة ويعدونه بيعاً فهو بيع، وما لم تجر العادة فيه بالمعاطاة كالجواري والدواب والعقار فلا يكون بيعاً.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: المعاطاة في بيع المحقرات، فأما في الأشياء النفيسة فلا بد من الإيجاب والقبول.
ومقتضى هذا أن خلاف ابن سريج ليس قاصراً على المحقرات بل يجري في المحقرات وما فوقها مما جرت العادة فيه بالمعاطاة، ولا يجري فيما لم تجر العادة فيه بالمعاداة إذ لو لم يكن كذلك لقال عقيب ما حكاه عن ابن سريج: "وبه قال مالك وأبو حنيفة والذي يقتضيه كلام المتولي [و] هو الذي رجحه ابن الصباغ".
والمقررون لكلام ابن سريج ذكروا لمستند تخريجه صوراً منها.:
ما إذا دفع إلى غسال ثوبه وأمره بغسله ولم يذكر له أجرة، والغاسل ممن يعمل بالأجرة، فإنه يستحق الأجر على قول.
ومنها: لو عطب الهدي قبل المحل، وغمس النعل الذي قلده بها في الدم وضرب بها على صفحة سنامه فإنه يجوز للمارين الأكل منه على أحد القولين.
ومنها: لو قال لزوجته إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق، فوضعته بين يديه، ولم تتلفظ بشيء فإنه يملكه على الصحيح.
ومثلوا المحقرات بالباقة من البقل والرطل من الخبز، ومنهم من مثلها بما دون نصاب السرقة.
قال الرافعي: والأشبه الرجوع فيه إلى العادة فما يعتاد فيه الاقتصار على المعاطاة بيعاً ففيه التخريج ولهذا قال صاحب "التتمة" عن التخريج ما جرت العادة فيه بالمعاطاة فهو بيع وما لا؛ كالدواب والجواري والعقار فلا.
هذا آخر كلامه، وقد قدمت أن المفهوم من كلام صاحب "التتمة" أن بينهما فرقاً، فلا يحسن الاستشهاد به.
فرع: حيث قلنا: إن بيع المعاطاة لا يصح، فما حكم ما جرت العادة فيه بالمعاطاة في الأخذ والعطاء؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه إباحة، وبه أجاب القاضي أبو الطيب وابن الصباغ حين سأله عما إذا أخذ بقطعة [ذهب] شيئاً، وأكله، ثم عاد يطالبه بالقطعة، هل له ذلك؟ [فقال: لا]، فقال ابن الصباغ: لو كان إباحة لكان له ذلك.
قال القاضي: إنما أباح كل واحد منهما بسبب إباحة الآخر، قال ابن الصباغ: فهو إذن معاوضة.
وأصحبهما: أن حكمه حكم المقبوض في سائر العقود الفاسدة وحكي عن الشيخ أبي حامد [أنه] قال: يسقط ذلك عن ذممهم بالتراضي.
وهذا يشكل بسائر العقود الفاسدة.
وحيث قلنا: بصحة بيع المعاطاة، فصورتها على ما حكاه مجلي: أن يتفقا على الثمن والمثمن، ثم يعطي المشتري الثمن للبائع ويعطي البائع السلعة للمشتري من غير أن يجري بينهما إيجاب وقبول.
فرع آخر: إذا باع الأب أو الجد مال ابنه الصغير من نفسه، هل يفتقر إلى النطق بلفظ العقد أو يكفي فيه ذلك؟ فيه وجهان منقولان في كتاب "الحاوي" في كتاب الرهن فإن اعتبرنا الإتيان باللفظ به فهل يفتقر إلى القبول؟ فيه وجهان، فإن
اعتبرناه- وهو مقتضى إطلاق الشيخ- فلا يكفي التوكيل على الأصح.
فإن لم نعتبره وأراد أن يوكل وكيلاً واحداً في الإيجاب والقبول فهل يجوز؟ فيه وجهان مذكوران في "النهاية" في كتاب العارية.
أما إذا حصل الإيجاب والقبول على وجه الهزل فهل ينعقد به البيع؟ قال القاضي حسين في باب البراءة [وفي فتاويه] يحتمل وجهين بناء على مسألة السر والعلانية في الصداق.
فإن جعلنا المهر مهر السر ففي هذه المسألة لا ينعقد؛ لأنهما ما قصدا بذلك معاوضة حقيقية وإن قلنا: المهر مهر العلانية انعقد، ولا اعتبار بقصدهما، بل العبرة بالملفوظ.
وفي بيع التلجئة: وهو أن يخاف واحد من السلطان فيجيء إلى صديق له ويقول: أبيعك ما لي منك على أن ترد علي البيع إذا أمنت من السلطان حتى أقول للسلطان: إني بعته.
[وإذا بعتك] لا ينعقد البيع وهم يسمونه بيع أمانة، مثل هذا الخلاف [و] المذكور في "الشامل" الجزم بالصحة.
قال: وهو أن يقول- أي البائع- بعتك أو ملكتك أي بكذا؛ لأن اسم البيع يقع على ذلك، قال: وما أشبهه أي مثل أن يقول: شريت منك هذا، وصارفتك في عقد الصرف ووليتك هذا العقد وأشركتك معي فيه نصفين، وغير ذلك مما هو في معناه، وهذا هو الإيجاب وضابطه فيما نحن فيه: كل لفظ يدل على التمليك بعوض بدلالة ظاهره وهذا هو المشهور.
وفي لفظ التمليك حكاية وجه مروي في "الحاوي" أنه لا يصح به البيع وأنه الأصح؛ لأن التمليك حكم من أحكام البيع وموجبه فاحتاج إلى تقديم العقد ليكون التمليك يتعقبه؛ ولأنه يحتمل البيع ويحتمل الهبة على العوض فصار من جملة الألفاظ المجملة، وهذا التعليل منه مبني عل اعتقاده: أن البيع لا ينعقد من جهة البائع
إلا بلفظ واحد وهو قوله: بعتك دون قوله: أبحتك هذا العبد بألف أو سلطتك عليه أو قد أوجبته لك أو جعلته لك وما أشبه ذلك.
وهذا إن أراده مع وجود النية، وجعل القابل كالشاهد فهو خلاف الظاهر من المذهب على ما حكاه الرافعي وغيره، والأصح على ما حكاه الرافعي وغيره، والأصح على ما حكاه الغزالي في الشرط الخامس من شرائط المبيع.
وإن أراد عند فقد النية فهو موافق للمذهب، ويكون توجيه الوجه القائل بالصحة في لفظ التمليك على هذا: إقامة ذكر العوض مقام النية، وله التفات على أن الخلع إذا جعلناه صريحاً في الطلاق فهل مأخذ الصراحة فيه ذكر العوض أو كثرة استعماله لإرادة الفراق؟ وفيه خلاف في موضعه فإن قلنا: مأخذ الصراحة فيه ذكر العوض فيكون لفظ التمليك صريحاً أيضاً لوجوده، وهو قصد كلام الشيخ وابن الصباغ حيث قرناه بلفظ البيع وهو ما صرح به المتولي.
ويتجه جريانه في قوله: "خذه بكذا" أو: "جعلناه لك بكذا"، فيكون صورة الكناية التي أجرى فيها الخلاف ما إذا قال: "خذه"، ولم يذكر عوضاً، لكن نواه، وكذلك صورها مجلي فيما إذا قال: ملكتك ونوى العوض، وإن قلنا: مأخذ الصراحة، ثم كثرة الاستعمال فالكثرة لم توجد هاهنا [ولا نية] فلا ينعقد به البيع.
قال: ويقول المشتري: قبلت- أي البيع- أو ابتعت وما أشبهه أي مثل قوله: "تملكت"، و"اشتريت"، و"أخذته"، وغير ذلك مما هو في معناه، وهذا هو القبول وضابطه: كل لفظ يدل على التملك.
وفي "النهاية": أن القبول على الحقيقة ما لا يتأتى الابتداء به مثل قوله: "قبلت"، فأما ما يتأتى الابتداء به مثل قوله: "ابتعت"، وما بعده فذاك قائم مقام القبول.
ولو قال: "قبلت"، ولم يقل "البيع"، صح على الأصح، وفيه وجه حكاه الرافعي في كتاب النكاح؛ أنه لا يصح كما في النكاح على قول.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يقول البائع: "بعت"، فيقول المشتري: "اشتريت"، أو يقول المشتري: "اشتريت" أو "ابتعت"، ثم يقول البائع: "بعت"، ولا بين أن يتفق اللفظ كما ذكرناه أو يختل، مثل أن يقول: "بعتك"، فيقول: "ملكت"؛ لأن المعنى الواحد.
ثم يشترط توافق الإيجاب مع القبول في العدد والنقد والحلول والأجل، وفيما إذا قال: "بعتك بألف"، فقال: اشتريت بألف وخمسمائة"، أو قال: "اشتريت منك بألف"، قال: "بعتك بخمسمائة"- وجه: أنه يصح حكاه في الأول الرافعي وفي الثاني الغزالي في الخلع.
ويشترط أيضاً: ألا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول، وألا يتخللهما كلام أجنبي عن العقد، فإن طال أو تخلل لم ينعقد، كذا حكاه الرافعي هنا، وحكى في كتاب النكاح عن أبي سعد الهروي أنه نقل عن العراقيين من أصحابنا الاكتفاء بوقوع القبول في مجلس الإيجاب، وقالوا: حكم نهاية المجلس حكم بدايته.
وحكى في باب الاستثناء من كتاب الطلاق: أن الكلام اليسير لا يقطع الاتصال بين الإيجاب والقبول على الأصح.
قلت: ويتجه جريان مثل ذلك هاهنا.
ويشترط أيضاً: أن يكون الجواب ممن صدر معه الخطاب، فلو مات المشتري بعد
الخطاب ووارثه حاضر، فَقَبِلَ، فالأصح أنه لا ينعقد.
تنبيه: قول الشيخ في صدر الفصل: "وهو أن يقول: "بعتك" .. ". إلى آخره فيه دلالة ظاهرة على أن البيع لا ينعقد بالكتابة مع النية، لا في طرف الإيجاب ولا في طرف القبول؛ لأنها ليست بقول، وكذا لا ينعقد فيما إذا قال: بعت من فلان وأرسل إليه رسولاً، فأخبره بذلك وقبل؛ لانعدام الخطاب الذي اعتبره بقوله: "بعتك"، وهو ما جزم به القاضي الحسين في "كتاب الطلاق" وفي كل من الصورتين [خلاف] بين الأصحاب، لكن الخلاف في الكتابة مبني على أن الطلاق هل يقع بها أم لا؟ فإن لم نوقع الطلاق فالبيع أولى، وإن أوقعناه ففي البيع وجهان.
وأصحهما في "تعليق" القاضي الحسين في "كتاب الطلاق": عدم الانعقاد.
وفي "النهاية" في "كتاب الوكالة" أن الصحيح إقامة الكتابة في حال الغيبة مقام النطق في الحضرة وسيأتي في "كتاب الطلاق": حكاية وجه في أن نفس الكتابة بصريح الطلاق [صريح في الطلاق]، ويتجه جريان مثله هاهنا، إذا قلنا: ينعقد بالكتابة مع النية.
إذا عرفت ذلك فهمت من كلام الشيخ أنه لا يرى انعقاد البيع بالكتابة؛ لأن الكتابة كناية، وقد بينا أنها تخرج من كلام الشيخ وأن الظاهر خلافه.
قال: فإن قال المشتري: بعني فقال: بعتك انعقد البيع أي: من غير احتياج إلى أن يقول ثانياً: "ابتعت"؛ لأن المقصود وجود لفظ دال على الرضا بموجب العقد وقد حصل، فصح به كالنكاح.
وفي "الوسيط" حكاية قول على ما حكاه في النكاح، ووجه على ما حكاه في البيع: أنه لا ينعقد.
وقال في "الوجيز": إنه الأصح؛ لأن قوله: "بعني" مما يذكر لاستبانة الرغبة، فينوب عن قوله: "أتبيعني" ويخالف النكاح فإنه لا يجري مصافقة في الغالب، فتكون الرغبة معلومة من قبل فيتعين قوله زوجني استدعاء جزماً، والأول هو الراجح عند الجمهور والمجزوم به في "مجموع المحاملي" و"الشامل".
وقال في "الوسيط": إنه أقيس، وعليه ينبني ما لو قال: بعني، فقال: قد فعلت ذلك،
أو نعم فإنه يصح، على ما حكاه الرافعي في كتاب النكاح.
ولو قال: اشتر مني، ففي "التهذيب": أنه كما لو قال: بعني.
وفي "الحاوي": أنه لا ينعقد به.
والفرق: أن المشتري إنما يراد من جهته [القبول مجيباً] كقوله بعد قول البائع: "بعتك"-: "اشتريت"، أو الطلب مبتدئاً، كقوله ابتداء: "اشتريت منك"، ولفظ "بعني" موضوع للطلب، وقد وجد ما هو للطلب من جهته، والمطلوب من جهة البائع البدل مبتدئاً كقوله: بعتك والإيجاب مجيباً، كقوله بعد قول المشتري: اشتريت: بعتك.
وقوله: اشتر مني، لم يوضع للبدل ولا للإيجاب فلم يحصل من جهته المطلوب منه.
وبنى على ذلك: ما لو باع عبداً [بعبد] وعقد البيع بلفظ الأمر، فإن قال أحدهما:"بعني عبدك بعبدي"، فقال: "بعتك"، صح البيع، وإن قال: "اشتر مني عبدي هذا بعبدك هذا" لم يصح.
فروع:
لو قال البائع: بعتك بألف: أفقبلت؟ فقال: نعم، [أو قال: بعتك بألف، فقال: نعم] انعقد البيع حكاه الرافعي في كتاب النكاح.
وفي "النهاية" في كتاب الإقررا أن قول المشتري: "نعم" لا يكون قبولاً.
ولو قال: بعتك بألف إن شئت، فقال: شئت، لم ينعقد.
وفي "التتمة" عند الكلام في نية الوضوء والتبرد، أنه يصح.
ولو قال: اشتريت، فوجهان، أظهرهما، وهو اختيار القاضي الحسين وبه أجاب [القاضي] أبو الطيب، وابن الصباغ في كتاب الإقرار: أنه ينعقد.
ولو قال الطالب: اشتريت منك هذا بألف إن شئت، فقال: بعته منك إن شئت.
قال الإمام في كتاب "الإقرار": الذي يجب القطع به أنه لا ينعقد فإن الموجب علق الإيجاب بالمشيئة بعد سبق التعليق، والتعليق يقتضي وجود شيء بعده، فلو قال القائل مرة أخرى: اشتريت أو قبلت، قال: فالذي يظهر عندي أن البيع لا يصح على قياس القاضي أيضاً، فإنه يبعد حمل المشيئة على استدعاء القبول، وقد سبق فتعين حمله على المشيئة نفسها، وإذا حمل على ذلك كان تعليقاً محققا، والتعليق يبطل البيع.
ولو قال المتوسط لبائع المتاع: بعت بكذا؟ فقال: نعم.
أو بعت وقال للمشتري: اشتريت بكذا فقال: نعم أو اشتريت، فهل ينعقد البيع؟ فيه وجهان:
المذكور منهما في "التتمة" وفي "النهاية" في كتاب "الإقرار" وفي "الوسيط": في كتاب الطلاق: [عدم] الانعقاد، وادعى القاضي الحسين في كتاب الوكالة: أنه ظاهر المذهب.
[و] قال الرافعي: إن أظهرهما على ما دل عليه إيراد صاحب "التهذيب" والروياني: الانعقاد، وهو ما جزم به الماوردي.
ولو فسخ البيع ثم قال البائع للمشتري: أقررتك على ما مضى، فقال: قبلت، هل يصح؟
فيه وجهان ذكرهما الغزالي في أواخر القراض.
قال: وإذا انعقد [البيع] ثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا أو يتخايرا لما روى البخاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر- رضي الله عنهم- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه.
اختر"، والمراد بالمتبايعين هاهنا: من صدر منهما البيع لا المتساومين؛
لأنه قد جاء في بعض طرق الحديث من اشترى شيئاً فوجب له فهو بالخيار إلى أن يفارقه صاحبه و [المراد] بالتفرق: أن يتفرقا بالأبدان عن مجلسهما الذي تبايعا فيه لا في الأقوال على المذهب؛ لأنه جاء في بعض طرق الحديث أيضاً "ما لم يتفرقا عن مكانهما الذي تبايعا فيه" وروى عن ابن عمر أنه كان إذا باع بيعاً مشى أذرعاً، وهو راوي الحديث، وأعرف بتفسيره وقد قال ابن سلمة: وهو من أهل اللغة: العرب تقول: افترقا بالأقوال وتفرقا بالأجسام.
وفي زوائد العمراني حكاية وجه عن الفروع: أن الخيار ينقطع إذا شرعا في أمر آخر، وأعرضا عن أمر العقد، وطال الفصل.
والمذهب الأول لما ذكرناه.
ثم الرجوع فيما يحصل به التفرق إلى العرف، فإن الشرع علق عليه حكماً، ولم يبينه ولا له لفظ يحصره من حيث اللغة، فيرجع فيه إلى العرف كالحرز في السرقة، ثم ذلك يختلف باختلاف الأماكن فإن كانا في دار صغيرة، أو سفينة صغيرة، فالتفرق أن يخرج أحدهما.
ولو كانا قريبين من الباب فخرج أحدهما، ومشى خطوتين مثلاً، حصل التفرق أيضاً على الظاهر عند الإمام.
وإن كانت الدار كبيرة فيصعد السطح، أو يدخل من صحنها إلى صفة أخرى، أو يخرج إلى دهليزها.
وفي السفينة الكبيرة يصعد أحدهما إلى أعلاها، ويبقى الآخر في أسفلها وإن كانا في صحراء فالمعتبر أن يصير إلى مكان، لو أراد التخاطب لافتقر إلى رفع الصوت رفعاً يزيد على المعتاد.
وضبط الشيخ في "المهذب" التفرق من غير [تعرض إلى ما] ذكرناه من الأحوال بأن: يتفرقا إلى موضع لو كلم أحدهما صاحبه على العادة لم يسمع كلامه.
وحكى ابن الصباغ هذا الضابط عن الإصطخري.
وفي الجيلي [أنه قيل:] إن ضابطه أن يبعد أحدهما عن الآخر عشرة أذرع.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا مشى أحدهما وتبعه الآخر وكان بينهما قدر ما بين الصفين لم يحصل التفرق، وإن كان أكثر من ذلك حصل التفرق، وهذا يشعر بأن انلتفرق يحصل بما إذا مشى أحدهما ولم يتبعه الآخر وكان بينهما أكثر مما بين الصفين ثم هو مفرع أيضاً على أنهما إذا اصطحبا إلى مجلس آخر أن الخيار لا ينقطع، وهو الصحيح أما إذا قلنا إنه ينقطع على ما حكاه العمراني في زوائده، فلا فرق أن يكون بينهما قدر ما بين الصفين أو أكثر.
وهل يحصل ببناء جدار؟ أطلق بعضهم فيه وجهين، وأصحهما عدم الحصول، وهو المذكور في "الحاوي".
وفصل بعضهم فقال: إن كان بجعل أحدهما بغير إذن الثاني فهو كما لو هرب، وإن كان الجاعل غيرهما فهو كما لو حمل أحدهما، ومساق كلامه يقتضي أنه إذا كان بإذنهما أنه يحصل.
ثم ما ذكرنا أن التفريق يحصل به فذاك إذا كان في حال العقل والاختيار، وسواء فيه حالة الذكر والنسيان، وأما إذا فارق أحدهما المجلس في حال جنونه فهل يحصل به التفرق؟ يبني على أن الجنون هل يقطع الخيار أم لا؟ والمذهب: [أنه] لا يقطع، وادعى الإمام فيه الاتفاق، فيقوم وليه [فيه] مقامه، ويفعل ما فيه المصلحة.
وفيه وجه مخرج من الموت: أنه ينقطع.
فإن فرعنا عليه لم يحتج إلى التفرق، وإن فرعنا على المذهب، قال الإمام: فيه احتمال يلاحظ إخراج أحد المتعاقدين عن مجلس العقد، ويجوز أن يقال: لا يحصل؛ لأن التصرف انقلب إلى الولي، ويعارضه أنه لو كان كذلك لكان الجنون كالموت.
ولو أكره أحدهما على الخروج وترك التخاير بأن سد فاه فهل ينقطع خياره؟ فيه وجهان.
أصحهما: لا ينقطع، وهو المذكور في "الشامل" وادعى المحاملي فيه نفي الخلاف.
وإن لم يسد فاه بل أكره على الخروج فقط، ففيه طريقان:
أحدهما القطع بانقطاع خياره.
والثاني: طرد الوجهين.
وهذا ما يوجد في طريق العراق، والمذهب منهما على ما حكاه المحاملي، والبندنيجي بقاؤه فإن قلنا: يبطل خيار المكره فيبطل خيار الباقي.
وإن قلنا: لا يبطل خيار المكره فله التصرف بالفسخ والإجازة.
وإذا وجد التمكين: فهل يكون على الفور؟ فيه خلاف.
فإن قلنا: بعدم الفورية وكان مستقراً في المجلس امتد الخيار امتداد المجلس، وإن كان ماشياً انتهى الخيار بمفارقته مكان التمكن وهل يبطل خيار الباقي؟ ننظر: فإن ضبط حتى لا يساوق المخرج، فلا يبطل خياره إذ تحقق الإكراه في حقه كما تحقق في حق المكره، وإن كان يمكنه أن يساوقه فلم يفعل فذاك منه بمثابة إجازته للعقد مع دوام المجلس، وفيه خلاف سيأتي.
ثم لا فرق عند الغزالي بين أن يحمل مكرهاً [ويخرج]، وبين أن يكره حتى يخرج بنفسه؛ لأن هذا حكم منوط بصورة المفارقة.
وجزم في "التهذيب" بأنهما إذا حملا أو أحدهما والآخر لا يمكنه أن يتبعه لا يبطل خيارهما، وإن أكرها حتى تفرقا بأنفسهما، فهل يبطل خيارهما؟ فيه الخلاف المذكور من قبل ولو هرب أحدهما ولم يتبعه الآخر لزم العقد عند ابن الصباغ.
وفي الرافعي: أن هذا فيما إذا أمكنه أن يتابعه أما إذا لم يتمكن من المتابعة ففي "التهذيب": أنه يبطل خيار الهارب دون الآخر.
وعلى الأول: هل يعصي الهارب؟ نقل ابن التلمساني أن بعض أصحابنا قال: بعصيانه لإبطاله على صاحبه حقاً لازماً.
ولا فرق في دوام الخيار ببقاء المجلس بين أن تزيد مدة المقام على ثلاثة أيام أو لا تزيد.
وفي "الوسيط"، حكاية وجه لطيف: أنه ينقضي بثلاثة أيام.
فروع:
أحدها: إذا تبايعا في موضع لو انتهى إليه أحدهما بطل الخيار، هل يثبت فيه الخيار؟ قال الإمام: يحتمل أن يقال لا خيار؛ لأن التفرق الطارئ قاطع للخيار، فالمقارن يمنع ثبوته، ويحتمل أن يقال: يثبت ما داما في موضعهما، وهذا ما أورده المتولي ثم قال: إذا فارق أحدهما موضعه بطل خياره، وهل يبطل خيار الآخر أو يدوم إلى أن يفارق مكانه؟ فيه احتمالان.
الثاني: إذا مات أحد المتعاقدين قبل التفرق فالنص أنه ينتقل إلى وارثه، والنص فيما إذا مات المكاتب أن العقد يجب، فمن الأصحاب من خرجهما على قولين: وأصحهما: أنه يثبت للوارث والسيد.
وبعضهم قطع بهذا القول.
وبعضهم أقر النصين، وفرق بأن الوارث خليفة الموروث فيقوم مقامه، والسيد ليس خليفة للمكاتب وإنما يأخذ ما يأخذه بحق الملك.
وحكم العبد المأذون إذا باع أو اشترى ثم مات حكم المكاتب.
ثم حيث قلنا: إن الخيار لا يثبت للوارث، فلا يثبت للحي أيضاً على ما حكاه الإمام، وفي "التهذيب": أنه لا يسقط حتى يفارق ذلك المجلس.
وحيث أثبتناه للوارث، فإن كان حاضراً بالمجلس امتد الخيار حتى يتفرق هو والعاقد الآخر، أو يتخايرا.
وكذا إذا كانوا جماعة، ولا ينقطع الخيار بمفارقة بعضهم على الأصح، وهو ما حكاه ابن الصباغ بخلاف ما إذا فسخ أحدهم، فإنه ينفسخ العقد في حق الكل على الأصح؛ كما لو فسخ المورث العقد في بعض المبيع [وأجاز في بعض].
ولو اختار بعضهم فسخ البيع في نصيبه وبعضهم الإجازة في نصيبه، قال مجلي: لم يكن لهم ذلك وجهاً واحداً.
وفي "الحاوي": حكاية وجه أنه يجوز لكل واحد منهم أن ينفرد برد حصته دون
شركائه؛ لأنه يرد جميع ما استحقه بالعقد فصاروا في حكم المشترين صفقة واحدة.
وإن كان غائباً ثبت له الخيار إذا وصل الخبر إليه على الأصح.
وفي "الشامل": أنه حكى عن بعض أصحابنا أنه قال: يثبت له الخيار إذا نظر إلى السلعة ليعرف الحظ في الفسخ أو الإجازة.
وفي "التتمة" حكاية وجه آخر: أنه إنما يثبت إذا اجتمع مع العاقد في مجلس واحد ثم هو على الفور أو يتقيد بمفارقة موضعه، أو يحتاج أن يصير إلى موضع يتعذر عليه سماع المخاطبة على الاعتياد فيه خلاف.
ولو كان الوارث أكثر من واحد، قال في "التتمة": إن قلنا: في حق الواحد يثبت له الخيار في مجلس مشاهدة المبيع، فإذا اجتمعوا في مجلس ثبت لهم الخيار، وإن قلنا: خياره إذا حضر مع العاقد في مجلس فهاهنا خيارهم إذا اجتمعوا معه في مجلس وأما الحي فيدوم خياره إلى أن ينقطع خيار الوارث، وقيل: لا يتصرف قبل بلوغ الخبر إلى الوارث وقيل: يتأخر خياره إلى أن يجتمع مع الوارث في مجلس، حكاه المتولي مع وجه آخر أنه يدوم ما دام في مجلسه، فإذا قام بطل وفي شرح ابن التلمساني: حكاية وجه آخر: أنه يكون على الفور، فإن فسخ انفسخ وإلا لزم.
الثالث: الوكيل في البيع إذا عقد بحضرة الموكل، فالخيار يتعلق بالوكيل، وينتهي بمفارقته، قال الإمام: ويجب القطع بأنه لا ينفذ فسخ الموكل وإجازته، فإنه لا تعلق له بالمجلس وكذا قاله في "الوسيط"، وزاد عليه أن الموكل إذا كان في المجلس وحجر على الوكيل في الخيار.
فإن قلنا: عليه الامتثال رجع حقيقة الخيار للموكل، وإن قلنا: لا يمتثل فإنه من لوازم السبب السابق كان بعيداً أيضاً.
وفيه تأمل للناظر، وفي هذه العبارة قلق؛ لأنها توهم تردداً في امتثال الوكيل أمر الموكل، وليس كذلك، بل المراد استشكال ما قاله الأصحاب من ثبوت الخيار للوكيل دون الموكل؛ ولأنه لو حجر على وكيله في الفسخ والإجازة، فإما أن يجب على الوكيل الامتثال أو لا، إن أوجبناه رجع الخيار إلى الموكل حتى إذا أمره بالفسخ فسخ، وإذا أمره بالإجازة أجاز، وإن لم نوجبه كان بعيداً عن حقائق الوكالات، فإنها
مبنية على وجوب الامتثال ومتابعة الموكلين فيما يرونه من زيادة أو نقصان، فكيف يخالف أمره هاهنا ولا يتابعه على ما يعتقده مصلحة، والمصير إلى هذا فيه نظر فليتأمل ولأجل ذلك، حكى بعض الأصحاب أن الاعتبار بمجلس الموكل، على ما حكاه الرافعي وسأذكر في أواخر باب اللقطة عن الماوردي ما يقتضي الجزم بثبوت الخيار للموكل.
فإن فرعنا على المذهب فمات الوكيل قبل التفرق، هل ينتقل الخيار إلى الموكل؟ المذهب أنه لا ينتقل.
وفيه وجه ألا يقوم مقامه؛ لأن المجلس تعلق بالوكيل، وليس الموكل وارثاً له، كذا قاله ابن الصباغ.
قال: وهو أن يقولا: اخترنا إمضاء البيع؛ لأن التخاير تفاعل كالتخاصم والتضارب وذلك لابد فيه من اثنين وقد يستعمل حيث لا تعدد، كقولك: طارقت النعل، وهذا متعذر هنا؛ لأن المقصود بالخيار دفع الغبن فلو اكتفي باختيار أحدهما الإمضاء في لزوم العقد لم يعجز الغابن عن المبادرة إلى الإمضاء وذلك يسقط ثمرة الخيار.
على أن فيه وجهاً حكاه [المتولي وأشار إليه] الإمام عند الكلام في الإكراه على التفرق أنه يكتفي بقول أحدهما: اخترت [حتى يسقط خيار الآخر؛ لأن المخير ينقطع خياره بقوله: اخترت] إمضاء العقد وخيار المجلس لا يتبعض في الثبوت فلا يتبعض في السقوط.
وهذا التعليل يمكن أن يعكس فيقال: لا ينقطع خيار الساكت؛ لأنه لم يجر منه ما يدل على الرضا؛ فوجب أن يبقى خيار المتكلم أيضاً؛ لأن خيار المجلس لا يتبعض في الثبوت فلا يتبعض في السقوط.
وقد حكاه الإمام وجهاً أيضاً، فتحصل من مجموع النقلين ثلاثة أوجه: ثالثها: ينقطع خيار المتكلم دون الساكت وهو الأصح.
ويقوم مقام قولهما: اخترنا إمضاء البيع قولهما: اخترنا العقد أو ألزمناه أو تخايرنا وإشارتهما بذلك إذا كانا أخرسين، والإشارة مفهمة.
وكذا لو قالا: قطعنا الخيار أو رفعناه، ولو قالا: أبطلنا الخيار أو أفسدناه ففيه وجهان عن روايه الشيخ أبي محمد.
ولو قال أحدهما لصاحبه: اختر، فقال: اخترت.
قام مقام قولهما: اخترنا إمضاء العقد، أما إذا سكت فلا ينقطع خياره، وينقطع خيار القائل على الأصح في "التهذيب" وغيره، وهو ظاهر المذهب في "الشامل".
واعلم أنه يوجد في بعض النسخ أصلاً، وبعضها ملحقاً في تفسير التخاير: وهو أن يقولا: اخترنا إمضاء البيع أو فسخه.
وهذه الزيادة غير صحيحة من جهة النقل والفقه؛ أما النقل فلأن الموجود في النسخ العتق وما عليه خط المصنف منها ويوجبه [ابن الخل] ما اقتصرت على ذكره أولاً من غير ذكر الفسخ.
وأما الفقه: فقد اتفق الأصحاب على أن الفسخ ينفذ إذا صدر من أحدهما، ولو اعتبر فيه توافقهما لم يعجز الغابن عن عدم الموافقة حتى يلزم العقد وتبطل فائدة الخيار.
وما نقل عن الشيخ يقتضي اعتباره؛ لأنه معطوف على قوله: اخترنا إمضاء البيع، والمعطوف شريك المعطوف عليه، فيكون تقديره: أو اخترنا فسخه.
وأجاب عن ذلك الحموي؛ لاعتقاده صحة ذلك وتوهمه كمن أثبت هذه الزيادة، أن الشيخ أراد بيان الحالة التي ينقطع فيها الخيار مع بقاء العقد ومع فسخه، فقال: مراد الشيخ بقوله: "أو فسخه" بطريق البدل إما بأن يفسخ البائع أو المشتري بطريق الصلاحية لكل واحد منهما ولم يرد بطريق الاستقلال؛ ولهذا لو زاد مع قوله: "اخترنا فسخه": "بطريق البدل" لكان جائز الاستعمال بطريق المجاز.
وما قاله صدر كلام الشيخ يأباه، وهو قوله: "أو يتخايرا"، وقد ذكرنا أن التخاير
تفاعل لابد فيه من اثنين.
والأقرب في الجواب- إن صح هذا أن الشيخ لم يرد بقوله: "اخترنا إمضاء البيع أو فسخه أن يقع منهما هذا القول على هذا النسق، لاتفاق الأصحاب على أن ذلك ليس بشرط، بل المراد: أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر إمضاء العقد أو فسخه، فيقول الآخر: اخترت إمضاء العقد أو فسخه، كما ذكره في "المهذب"، ويكون الأول بتفويضه للآخر الإمضاء والفسخ، كأنه قائلاً عند نطق الآخر بالإمضاء: أمضيت، وعند نطقه بالفسخ: فسخت؛ لرضاه بما يقوله، فالقول صادر من أحدهما بالصريح ومن الآخر في ضمن تخييره لصاحبه.
لكن الصحيح ما ذكرته أولاً فلا حاجة إلى هذا التعسف وما توهمه من توهمه كما ذكرته فغير صحيح؛ لأن قوله: "ما لم يتفرقا" بيان لانتهاء مدة الخيار مع بقاء ما أوجبه، وهو العقد فليكن المراد بالتخاير مثل ذلك، ولهذا حسن الإتيان بـ"أو" وإلا فكل واحد يعلم أن الشيء إذا رفع أصله الذي شرط وجوده بقاؤه لا يبقى، والله أعلم.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي [ثبوت] هذا الخيار في كل بيع صدر من متعاقدين، سواء كان المبيع ممن يعتق على المشتري لقرابته أو لشرائه لنفسه، أو لشهادته بعتقه ولم تسمع شهادته لمانع إذا جعلناه بيعاً، [أولاً] ايعتق عليه، وسواء كان المبيع حاضراً أو لا يبقى، كالجمد في شدة الحر، ويقتضي عدم الثبوت فيما إذا كان العاقد واحداً، وفي كل من ذلك خلاف في الطرق لا غنى عن ذكره.
فنقول: إذا اشترى قريبه الذي يعتق عليه صح شراؤه بالاتفاق وهل يثبت فيه الخيار؟ الذي ذهب إليه الأكثرون أنه يثبت للبائع، وفي ثبوته للمشتري خلاف مبني على أقوال الملك.
فإذا قلنا: إن الملك للبائع أو موقوف ثبت له أيضاً، وإن قلنا: إنه للمشتري لم يثبت على الصحيح.
وفي "الحاوي": حكاية وجه أنه يثبت أيضاً.
وقال صاحب "التهذيب": يحتمل أن يثبت له إذا قلنا: إنه لا يعتق إلا بانقضاء الخيار، وهو ظاهر المذهب.
ثم متى يحكم بالعتق؟ الحكم فيه كالحكم فيما إذا أعتق المشتري العبد المشتري في زمن الخيار
ووسنذكره؛ كذا قاله [ابن الحداد] وابن الصباغ.
والذي حكاه الإمام والفوارني وتابعهما الغزالي: أنه لا يثبت للمشتري على المذهب المشهور، وأن الأودني قال: بثبوته.
وزاد الإمام في الحكاية عنه: أن المشتري لو فسخ في المجلس انفسخ، ولو أعتقه أو ألزم العقد كما لو اشترى عبداً لا يعتق عليه وتمسك [في ذلك] بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - "المتبايعان بالخيار"، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - كما خرجه مسلم وغيره: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه".
وقال: هذا ظاهر في إثبات إنشاء إعتاق بعد العقد، وأنا إذا قلنا: بأنه لا خيار للمشتري، فلا خيار للبائع أيضاً.
وحكى في كتاب الإقرار: أن العراقيين ذكروا وجهاً بعيداً أنه يثبت له دون
المشتري، ومساق ما حكاه عن الأودني: أن العتق لا يحصل إلا بإنشائه إياه.
وإن قلنا: إن الملك له.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الأودني استدل بالحديث على أن الملك في زمان الخيار للبائع إذا كان الخيار للمشتري وحده وأنه إذا أعتقه يصح؛ لأنا لو قلنا: الملك للمشتري لم يصح عتقه؛ لأنه يعتق عليه بنفس الملك ومساق هذا يقتضي أن الخيار إذا انقضى حصل العتق عند الأودني من غير إنشاء إعتاق.
والله أعلم.
وإذا اشترى العبد نفسه صح الشراء على الأصح، وهل يثبت فيه الخيار؟
قال القاضي الحسين في التعليق: حكمه حكم البيع.
وفيه وجه: أنه لا يثبت، كما لو أعتقه على مال، وهذا ما حكاه في "الإبانة"، والإمام في باب الإقرار.
وقال في كتاب الكتابة: الوجه تنزيل ذلك منزلة ما لو اشترى الإنسان من يعتق عليه حتى يخرج الكلام في أن خيار المجلس هل يثبت؟ وهل يقع فيه شرط الخيار؟ وحكي أن الشيخ أبا علي حكى عن الأصحاب أنهم خرجوا عتق العبد على ما إذا اشترى الإنسان عبداً ثم أعتقه في زمان الخيار.
وإذا شهد بعتق عبد ثم اشتراه صح العقد في الظاهر؟ لكن هل هو بيع أو فداء؟ أو بيع من جانب البائع فداء من جانب المشتري؟
فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: ثالثها، وأضعفها ثانيها، فإن جعلناه بيعاً من الجانبين ثبت للبائع والمشتري الخيار.
وإن جعلناه بيعاً من جانب البائع ثبت له دون المشتري، وإن جعلناه فداء من الجانبين فلا خيار لواحد منهما، كذا حكاه الرافعي، وحكى الإمام عن القاضي الجزم بأن الخيار لا يثبت للمشتري، وإن أثبتناه في شراء القريب؛ لأن العقد على القريب يتضمن ملكاً ثم يترتب على حصول الملك العتق وليس كذلك ما نحن فيه، فإنا لا نقضي بحصول الملك للمشتري أصلاً، وإذا لم يثبت الخيار للمشتري، فهل يثبت للبائع؟ فيه وجهان.
وإذا اشترى ما لم يره وصححناه فهل يثبت فيه الخيار؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يثبت، ففي وقته أربعة أوجه: أحدها: وقت الرؤية، وهو أبعدها، والثاني: وقت العقد، وهو أصحها، والثالث: يثبت وقت العقد للبائع وحده، قال الإمام: وهو أمثل من الأول، والرابع: يثبت للبائع وحده [وقت] الرؤية.
وإذا اشترى الجمد في شدة الحر، ففي ثبوت الخيار فيه وجهان يقربان من الوجهين في ثبوته في إجارة العين.
وإذا اشترى من ولده الصغير لنفسه شيئاً أو بالعكس صح، وهل يثبت فيه الخيار؟ فيه وجهان:
المذكور منهما في "الشامل" و"التهذيب": الثبوت، ثم بماذا ينقطع؟ فيه وجهان: أصحهما في "التهذيب" ولم يذكر في "الشامل" سواه: أنه ينقطع بمفارقته مجلس العقد، ونسبه الماوردي إلى أبي إسحاق، والثاني لا ينقطع إلا بالفسخ أو الإجازة، قال الماوردي: وهو الذي عليه جمهور الأصحاب ويجري فيه الوجه الذي حكيناه من قبل أن نهايته ثلاثة أيام.
فروع:
إذا جاء المتعاقدان معاً، فقال أحدهما: تفرقنا بعد البيع فلزم، وأنكر الثاني وأراد الفسخ، فالقول قوله مع يمينه.
ولو اتفقا على التفرق، وقال أحدهما: فسخت قبله، وأنكر الآخر، فالقول قول املنكر مع يمينه، وعن صاحب "التقريب": أن القول قول من يدعى الفسخ.
وهما مذكوران في تعليق أبي الطيب في باب التحالف عن رواية أبي علي في الإفصاح، والذي صححه الماوردي منهما في باب الربا الثاني.
ولو توافقا على عدم التفرق وتنازعا هكذا، ففي "التهذيب" أن دعوى مدعي الفسخ فسخ بالشرع.
قال: وإن تبايعا على ألا خيار لهما يعني خيار المجلس- لم يصح العقد؛
لأنه خيار ثابت، فإذا شرطا نفيه فقد شرطا ما ينافي مقتضى العقد، فأبطله كشرط عدم التسليم وهذا هو الأصح في "التهذيب"، والرافعي، وبه جزم بعضهم.
قال: [و] قيل: يصح، ولا خيار لهما، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" فاستثنى بيع الخيار، وهو استثناء من إثبات فيكون نفياً، ويكون التقدير: إلا بيعاً شرط فيه نفي الخيار؛ ولأن فيه نوع غرر، [لأنه يمنع] مقصود العقد، والشرع أثبته رفقاً بالمتعاقدين، فإذا أسقطاه سقط؛ لأن الحق لهما ولا يعدوهما، وهذا ما نص عليه البويطي في القديم.
ومن قال بالأول، أول الحديث بما قال الشافعي: أنه أظهر التأويلين، وهو أنه أراد بيعا قطع فيه الخيار وقد فسره في الحديث الآخر، وهو قوله: "أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر"، وأجاب عن قولهم: إنه غرر، بأنه: مقتضى العقد فيثبت كيف كان.
قال: وقيل: يصح؛ لما قلناه، ويثبت لهما الخيار؛ لأنه خيار ثبت بعد تمام البيع، فلا يجوز إسقاطه قبل تمام البيع كخيار الشفيع.
واحترزنا بقولنا: بعد تمام البيع، من خيارهما بعد الإيجاب وقبل القبول، والقائل بسقوط الخيار يمكن أن يفرق بينه وبين الشفعة بأن الشرط إنما يؤثر على الأصح إذا اقترن بالعقد، وإذا اقترن بالعقد فقد وجد بعد سبب الوجوب فأقمناه مقام الوجوب، وفي مسألة الشفعة وجد إسقاط الحق قبل ثبوته وسبب ثبوته، فلم يوجد ما يمكن أن يسند المنع إليه.
ونظير هذه المسألة: ما إذا وقع البيع بشرط البراءة من العيوب، أو بشرط نفي خيار الرؤية، إذا صححنا بيع ما لم ير، لكن القول بالفساد في نفي خيار الرؤية قطع به الأكثرون.
فرع: لو قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، فباعه بشرط أن لا خيار بينهما، فهل يعتق؟ بناه الأصحاب على الأقوال المتقدمة.
فإن قلنا: إن البيع باطل، لم يعتق وكذا إن قلنا: إنه يصح ولا خيار، وإن قلنا: بثبوت الخيار عتق؛ لأنه لو نجز عتقه في خيار المجلس نفذ، فكذلك إذا وجدت الصفة فيه.
قلت: وفي حصول العتق، إذاقلنا: بأن الملك للمشتري نظر لباحث؛ لأنا حيث حكمنا بنفوذ عتقه المنجز في زمن الخيار، قدرناه بالعتق فاسخاً للعقد قبيله، وأن العتق وقع في ملكه ضرورة توقف صحته على وقوعه في الملك، وفي مسألة التعليق لم يصدر منه بعد العقد ما يقتضي الفسخ ولا ما يتضمنه، والتعليق لا يصلح متضمناً للفسخ؛ لكونه صدر قبل البيع، والفسخ لا يقبل التعليق والله أعلم.
[وجوابه ما قاله القاضي حسين في كتاب الزكاة: حيث حكى نفوذ العتق عن نص الشافعي، وكذلك غيره: أنا نسلم أن الفسخ لا يقبل التعليق قصداً، لكن نقول: قد يقبله ضمناً كالإبراء.
فأما ما لا يقبل التعليق قصداً ويقبله ضمناً، وذلك فيما إذا علق عتق المكاتب فأما [ما] يضمنه الإبراء عن النجوم عند وجود الصفة حتى يبيعه إكسابه ولو لم يضمنه الإبراء لكان عتقه غير واقع عنها، فلا يستتبع الإكساب.
وهذا الجواب فيه نظر أيضاً: لأنه في مسألتنا علق الشيء قبل ملكه له، وقاعدتنا: أن من لا يملك الشيء لا يملك تعليقه.
وفي مسألة الإبراء: التعليق وجد بعد الملك له.
ومما يشابه مسألة الكتابة: إذا أسلم الزوج على أكثر من أربع، فقال: من دخلت الدار فهي طالق فدخلت واحدة، طلقت، وكان ذلك اختياراً للزوجية فيها.
ولو قال: من دخلت الدار فهي مختارة، لم يصح، فظهر أنه يغتفر في التعليق الضمني ولا يغتفر في المقصود والله أعلم].
قال: وإن تبايعا بشرط الخيار إلى ثلاثة أيام فما دونها جاز.
الأصل في صحة شرط الخيار للمتعاقدين: الإجماع، وفي جوازه ثلاثة أيام ما روى مسلم وأبو داود عن محمد بن يحيى بن حبان قال: كان جدي قد بلغ مائة وثلاثين سنة، وما زال يخدع،
فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من بايعته فقل: لا خلابة وأنت بالخيار ثلاثاً".
وزاد البخاري في تاريخه بعد قوله: "فقل: لا خلابة، وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال".
وحكى الإمام: أن سبب ضعفه ما أصابه من شجة في رأسه مأمومة.
وكان قد ثقل لسانه لأجل الشجة فكان يقول لا خدابة.
وما روي عن عمر- رضي الله عنه- أنه قال: ما أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحبان بن منقذ جعل له عهدة ثلاثة أيام، إن رضي أخذ وإن سخط ترك.
وغير ذلك من الأحاديث المذكورة في كتب الفقهاء.
وإذا ثبت جواز شرط الثلاث، فما دونها أولى؛ لأن فيه تخفيفاً للغرر.
وأما الزيادة على الثلاث فلا يجوز اشتراطها؛ لأن ما حد في الشرع بحد فلا بد أن يفيد المنع من الزيادة أو النقصان، ولما لم يفد هذا الحد المنع من النقصان وجب أن يمنع الزيادة.
ولأن الخيار غرر جوز شرطه ثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة والحاجة تدعو إليها في الغالب بخلاف ما فوقها.
ولأن الخيار مخالف لوضع البيع في منع نقل الملك أو لزومه فثبوته حائد عن الوضع فتعين التوقيف فيه، وقد ورد الخبر في إثبات الثلاث فلا مزيد عليها، ولو شرط زيادة عليها بطل العقد.
ويقوم مقام قولهما: "شرطنا خيار الثلاث" قولهما: "لا خلابة"، إذا كانا عالمين بمعناها، وهو اشتراط الخيار ثلاثة أيام وإن كانا جاهلين لم يثبت الخيار، وإن علم البائع دون المشتري ففيه وجهان، عن ابن القطان.
قال مجلي: ويتخرج الوجهان أيضاً إذا كان المشتري عالماً والبائع جاهلاً، وفيما إذا كانا جاهلين [أو أحدهما] وعلى ذلك جرى ابن التلمساني فقال: إن كانا عالمين بمعناها ثبت، وإن كانا جاهلين أو أحدهما فوجهان، وهذا منه فيه نظر: لأنه فسر قوله: "لا خلابة" بمعنى: لا خديعة، وإذا كان هذا معناه لم يلزم من قوله: "لا خلابة" اشتراط الثلاث، وإن كانا عالمين بمعناها؛ إذ لا يلزم من عدم الغبن والخديعة اشتراط الثلاث.
واعلم أن لصحة اشتراط ما دون الثلاث شرطين:
أحدهما: أن يقيده بمدة معلومة فلو لم يقيد بل قال: يكون لنا الخيار وقتا من
النهار أو [وقتاً] من الليل، أو لا ينتهي إلى ثلاثة أيام لم يصح.
والعلم تارة يحصل بأن يقال: إلى طلوع الشمس، أو إلى وقت طلوعها من الغد، وإلى غروب الشمس، أو إلى وقت غروبها من الغد.
وخالف الزبيري وقال: التقييد بطلوع الشمس لا يصح.
وتارة بأن يقال: إلى يوم أو ساعة فيصح وإن أطلق؛ لأنه يحمل على اليوم الذي هو فيه كما لو حلف [أنه] لا يكلمه شهراً، ثم ينظر: إن كان العقد نصف النهار ثبت له الخيار إلى أن ينتصف النهار من الغد، والليل يدخل في حكم النهار للضرورة، وإن كان العقد بالليل فلابد أن يشترط الخيار في بقية الليل، كذا قاله في "التتمة" وفيه نظر، من حيث إنه جعل اليوم محمولاً على اليوم الذي هو فيه، وفي نظيره من الإجارة لا يصح، ولم يظهر لي فرق بينهما.
الشرط الثاني: أن يكون متوالياً، فلو قال: على أن يكون لنا الخيار اليوم وبعد غد ويكون العقد لازماً في الغد لم يصح وكذا لو شرطا الخيار [في الغد دون اليوم؛ لأن العقد بعد لزومه لا ينقلب جائزاً بالشرط ولهذا لو شرطا الخيار] ثلاثة أيام ثم أسقط الخيار في اليوم الأول سقط الكل.
ولصحة شرط خيار الثلاث شرط ثالث غير اتصالها بالعقد أو بلزومه، وهو: أن يكون المبيع مما لا يفسد فيها، فلو كان مما يفسد فيها، فهل يصح العقد ويباع عند الإشراف على الفساد أو يبطل العقد؟ فيه وجهان محكيان في البيان عن الفقيه زيد بن عبد الله.
قلت: ويتجه أن يكونا مفرعين على القول بأن خيار المجلس يثبت فيه، وأما إذا قلنا: لا يثبت فيه فخيار الشرط أولى لضعفه، بسبب افتقاره للشرط، وإذا لم يثبت بطل العقد؛ لأنه شرط فاسد انضم إليه.
قال: إلا في الصرف وبيع الطعام بالطعام؛ لأن الشرع اعتبر في ذلك التقابض، ليتمكن من التصرف فيه، وينقطع العلق، والخيار يمنع التصرف ويبقي علقه، فهو مناقض لموضوع الشرع، ولأن ذلك لا يقبل الأجل لما فيه من الغرر، والخيار أحق أن يكون غرراً من الأجل؛ لأنه يمنع الملك أو لزومه فهو أولى بألا يحتمل.
وفي "النهاية": أن الخيار في الحقيقة تأجيل لنقل الملك أو تأجيل لزومه.
والمراد بالصرف: تبايع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة أو أحدهما بالآخر.
قال النووي: وسمي بذلك لصرفه عن مقتضى باقي البيوع، وقيل: لصيرفه، وهو صوته في كفه الميزان، وقال الماوردي: لأن الشرع أوجب على كل واحد مصارفة صاحبه، أي: مصافقته.
تنبيه: قال ابن يونس: واعلم أن هاهنا موضعين آخرين لابد من استثنائهما: السلم، وكل شراء يستعقب العتاقة، فإنه لا يثبت فيه خيار الشرط، ولا خيار المجلس على المذهب الصحيح ووافقه ابن التلمساني على ذلك، وزاد موضعاً ثالثاً وهو: المعاوضة على ما في الذمة حيث يجوز الاعتياض عنه.
وما قالاه غير محتاج إليه؛ لأن السلم بيع دين، وكذا المعاوضة على ما في الذمة؛
وقد بينا في أول الباب أن المراد بالبيع المبوب عليه: بيع الأعيان.
وشراء القريب قد بينا أن خيار المجلس ثابت فيه عند الجمهور كما فصلناه.
وخيار الشرط عندهم [كذلك] كما أشار إليه الرافعي بقوله: "والقول الجملي في خيار الشرط: أنه مع خيار المجلس متلازمان في الأغلب، فإن أردت التفصيل فراجع ما سبق في خيار المجلس، وما قاله مطرد في كل ما يسمى: بيعاً، وقد صرح القاضي الحسين بثبوته جزماً في كتابه الوصية عند الكلام فيما إذا أوصى له بقريبه، وقلنا: إنه يملك بالموت.
[تنبيه] آخر: إطلاق الشيخ القول بجواز اشتراط خيار الثلاث فما دونها من غير أن يعين من يثبت له فيه إشعار بجواز اشتراطه لهما ولأحدهما، كما حكاه غيره، ومنه يستنبط جواز اشتراطه لأحدهما ثلاثة أيام وللآخر دونها؛ لأنه إذا جاز أن ينفرد أحدهما به فانفراداه ببعضه أولى ويجوز اشتراطه لغيرهما سواء كان ذلك الغير العبد المبيع أو غيره كما جزم به الإمام، وادعى اتفاق الأصحاب [عليه]؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان مطلقاً للفظ في موضع لابد فيه من التصفيل، ومما يؤيد ذلك: أن خيار المجلس لما كان مختصاً بالمتعاقدين ولا يجوز انفراد أحدهما به ابتداء، قال فيه: وإذا انعقد البيع ثبت لهما الخيار.
وفي طريقة العراق- على ما حكاه في "المهذب" و"الشامل"، وطريق المراوزة على ما حكاه البغوي والمتولي- حكاية قول فيما إذا شرط لغير المتعاقدين أنه يبطل العقد.
وعلى المذهب: هل يثبت الخيار لمن اشترطه للأجنبي مع الأجنبي؟ فيه قولان: أصحهما: أنه لا يثبت اقتصاراً على الشرط.
والثاني: يثبت لمعنيين.
أحدهما: أن شرط الخيار للأجنبي يشعر بإثباته لنفسه من طريق الأولى.
والثاني: أنه يستحيل ثبوت الخيار لغير المتعاقدين إلا على سبيل النيابة.
وعليهما يخرج ما لو شرطا الخيار لأجنبي دونهما، فعلى الأول يختص به.
وعلى الثاني: يبطل، ثم حيث حكمنا بثبوته لهما فلا يتوقف اختيار أحدهما الفسخ والإجازة على أمر الآخر، ولو أجاز أحدهما وفسخ الآخر، كان الفسخ أولى، وحيث حكمنا بثبوته للثالث خاصة، فإذا مات الوكيل في زمن الخيار ثبت للموكل على الأصح في "التهذيب" وهو قريب مما حكيناه في خيار المجلس.
فروع:
[الأول] إذا اشترى شيئاً على أن يؤامر فلاناً فيأتي بما يأمره [به]، المنقول عن نصه في "الإملاء": أنه يجوز، وليس له الرد حتى يقول استأمرته فأمرني بالفسخ، فمن الأصحاب من قال: لا يفسخ إلا بالإذن وفاءً بالشرط، ومنهم من قال: [يجوز] بغير إذنه، وحمل النص على مراعاة الصدق وذلك فيما إذا قيد المؤامرة بالثلاث فما دونها، وقيل: يحمل على الإطلاق كما في خيار الرؤية.
[الثاني] الوكيل بالبيع أو الشراء يجوز أن يشترط الخيار بإذن موكله، ولمن يثبت عند الإطلاق؟
فيه ثلاثة أوجه: ثالثها لهما، ولا يجوز أن يشترطه بغير إذن موكله لغيره ويجوز أن يشترطه لموكله على الأصح.
وفي اشتراطه لنفسه وجهان.
وفي "النهاية" في كتاب الوكالة حكاية وجه: أنه يجوز أن يشترطه لغير موكله من بائع أو مشتر.
ثم حيث أثبتناه له لم يفعل إلا ما فيه الحظ للموكل؛ لأنه مؤتمن، بخلاف الأجنبي المشروط له الخيار فإنه لا يلزمه رعاية الحظ.
قال الرافعي: ولناظر أن يجعل شرط الخيار له ائتماناً، وهذا أظهر إذا جعلناه نائباً عن الشارط.
الثالث إذا باعه على أنه إن لم ينقد الثمن في ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، أو باع على أنه إن رد الثمن في ثلاثة أيام فلا بيع بينهما، فهذا شرط فاسد، وعن أبي إسحاق
المروزي: أنه يصح العقد، والمذكور في الصورة الأولى شرط الخيار للمشتري، وفي الثانية شرطه للبائع.
وإذا شرط الخيار في أحد العينين على الإبهام لم يصح وإن كانت معينة ففي الصحة قولا تفريق الصفقة في الحكم ولا فرق عند الشيخ أبي حامد فيجريان القولين بين أن يكون قد قدر ثمن كل عين منهما أو أطلق.
وقال صاحب التلخيص: إن كان ثمن كل عين مقدراً صح وقلته تخريجاً قال العمراني في الزوائد: فمن أصحابنا من وافقه ومنهم من وافق أبا حامد.
وعلى قول الصحة إذا أجاز البيع في الذي شرط الخيار فيه أخذهما بالثمن، وإن لم يجزه جاز البيع في الآخر وأخذه بقسطه من الثمن، كذا قاله أبو الطيب في تعليقه.
[الرابع]: إذا مات أحد المتعاقدين في مدة الخيار، انتقلت بقية المدة لوارثه، فإن كان غائباً وتصرمت بقية المدة قبل اطلاعه ففي "الحاوي": أنه يسقط الخيار ويلزم العقد.
وفي "الشامل" وغيره: أنه لا يسقط ولكن هل يثبت له على الفور، أو بقدر ما بقي من المدة؟ فيه خلاف.
ولو ارتد في مدة الخيار ومات حكى الرافعي في كتاب الشفعة: أن للإمام الرد.
قال: ويعتبر ابتداء المدة- أي: في خيار الشرط- من حين العقد؛ لأنه خيار ثبت بالشرط والشرط وجد في العقد؛ ولأن زمان التفرق مجهول، ووجهه الشيخ وغيره من العراقيين: بأن مدة الخيار [مدة] ملحقة بالعقد فكانت من حين العقد كالأجل، وقاسوا على الأجل؛ لأن الشافعي نص فيه على ذلك؛ كما قاله ابن الحداد.
واحترزوا بقولهم: "ملحقة بالعقد"، من الاستبراء فإن ابتداء مدته من حين القبض على وجه، ومن حين اللزوم على وجه.
ووجه مشابهة الخيار الأجل: أن كلا منهما مانع من المطالبة وهو مماثل له في هذا المعنى، وقد اجتمعا، فكذلك خيار اشلرط [مع] خيار المجلس.
أو لأن الخيار في الحقيقة تأجيل لنقل الملك أو للزومه، والأجل تأجيل للمطالبة، وقد اجتمع أحد التأجيلين مع خيار المجلس فكذلك الآخر، وهذا هو الصحيح في الخيار والأجل.
وفي طريق المراوزة حكاية وجه في الأجل، أن ابتداءه من حين انقطاع خيار المجلس.
قال الإمام: ومن قال به فقياسه يقتضي أن يقول: إذا اشترط في البيع خيار ثلاثة أيام وأجل الثمن أن يكون ابتداء الأجل من انقضاء خيار الشرط [لأنه عنده في معناه ولا سبيل إلى الجمع بين المتماثلين هكذا حكاه هاهنا، وحكى في آخر باب الشرط [الذي يفسد البيع وجهين في أنه يثبت من وقت انقضاء خيار المجلس، أو من وقت انقضاء خيار الشرط].
ثم قال: والوجه القطع بأن ابتداء الأجل من انقضاء الخيار المشروط على الوجه الذي عليه نفرع، فإن الأجل أحق بمجانسة خيار الشرط منه بمجانسة خيار المجلس، والمجانسة تؤثر في منع الجمع.
قال: وقيل من حين التفرق، أي: أو التخاير؛ لأن الجمع بين خيارين متماثلين في وقت واحد لاغ لا معنى له، وكل شرط لم يتضمن فائدة: لغو، هكذا حكاه الإمام.
وعبر عنه الغزالي: بأن اجتماع خيارين متماثلين في وقت واحد لا يعقل.
والمراد بالمتماثلين: أنهما: [خيار الشرط والمجلس]؛ ولأن الشارط إنما يبغي الإثبات لنفسه في وقت يقتضي العقد لزومه، وهذا ميل النص إليه أكثر، كما قاله الإمام في آخر باب الشرط الذي يفسد البيع، وقاله الماوردي أيضاً ثم إنه ظاهر [مذهب الشافعي]، وكذا أبو الطيب في "شرح الفروع"، وقال: إن لفظه ولو اشترط الخيار في البيع أكثر من ثلاثة بعد التفرق فسد البيع.
وللقائل الأول أن يجيب عن الأولى: بأن الخيار واحد، لكن له جهتان: المجلس والشرط، وذلك لا تعدد فيه، كما أنه يثبت بجهة الخلف والعيب معاً.
وعن الثانية بأن تنزيل الشرط على ما ذكرتموه يورث الجهالة؛ لأنو قت انقطاع خيار المجلس [مجهول فإن قيل: هذا جهل من أحد طرفي الخيار، وذلك غير ممنوع بدليل خيار المجلس فإن انتهاءه غير معلوم.
قلنا: الفرق من جهتين:
أحدهما: أن ما ذكرتموه يؤدي إلى تثكير الجهالة.
والثاني: أن خيار المجلس] ثابت بالشرع فهو أقوى، فلا يقاس عليه الأضعف.
التفريع:
إن قلنا، بالقول الأول، وهو ما ذهب إليه ابن الحداد، فلو اصطحبا حتى مضت مدة خيار الشرط، وبقي خيار المجلس، فإن أسقطا أحد الخيارين لم يسقط الآخر، ولو قالا: ألزمنا العقد وأسقطنا الخيار مطلقاً سقطا، ولو شرطا الاحتساب من وقت التفرق بطل الشرط والعقد، وحكى صاحب "التقريب" وجهاً: أن الشرط لا يبطل، وضعفه الإمام، وقال: لا أصل له.
وإن قلنا: بالقول الثاني، وهو طريقة أبي إسحاق المروزي، على ما هو محكي في "شرح الفروع"، فلو قالا: أسقطنا الخيارين، أو قطعناهما انقطع خيار المجلس، وهل ينقطع خيار الشرط؟ فيه وجهان: حكاهما الإمام، وفي "التهذيب" تصوير محلهما بما إذا أوجب أحدهما البيع في المجلس.
ووجه عدم السقوط: أنه غير ثابت بعد.
ولو شرطا الاحتساب من حين العقد ففيه وجهان، حكاهما ابن الحداد عن أبي إسحاق أصحهما عند العراقيين الصحة، وهما مبنيان عند الشيخ أبي علي، وصاحب "التقريب" على العلتين، فعلى الأولى، لا يصح العقد؛ لأن الجمع غير ممكن، ولا سبيل إلى إسقاط خيار المجلس لقوته، وإذا لم يسقط كان حقيقة الشرط ترجع إلى اشتراط ما يبقى من الثلاث من حين التفرق، وذلك مجهول مبطل، وعلى الثانية يصح مع الشرط؛ لأن التصريح يبين أنه لم يرد بالشرط ما بعد التفرق.
وقد حكى ذلك الإمام والغزالي، والبناء ظاهر على عبارة الغزالي.
وأما على عبارة الإمام ففيه نظر، من حيث إنه إذا كان الشرط لا يتضمن فائدة، وقد