كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 424-463
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 424-463
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنةُ لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرُّك أن يسورك الله بهما يوم القيامة بسوارين من نارٍ؟ وما روي عن عائشة قالت: "دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتخاتٍ من ورقٍ، فقال: ما هذا يا عائشة فقلت: صنعتنَّ أتزيَّن لك [بهن] يا رسول الله، قال: أتؤدِّين زكاتهنَّ؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النَّار" أخرجهما أبو داود.
والمسكة- بالتحريك-: السوار من الذبل.
والفتخة- بالتحريك- جمعها: فتخات، بفتحتين: حلقة من فضة لا فص فيها، فإذا كان فيها فص فهو الخاتم.
وقال عبد الرزاق: هي الخواتم العظام.
وقيل: هي خواتم عراض الفصوص ليست بمستقيمة.

وقيل غير ذلك.
ولأن الحلي من جنس الأثمان؛ فكانت الزكاة واجبة فيه قياساً على الدراهم والدنانير.
قال الإمام: ولا يخفى على ناظر في وجه الرأي أن هذا القول هو الأصح في القياس، والقائلون بالأول قالوا: هذه الأخبار متكلم في رواتها؛ حتى قال الترمذي: إنه لا يصح في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء.
ولو صحت فهي منسوخة؛ لأن لبس الحلي من الذهب كان محرماً على النساء لأخبار دلت عليه ثم نسخ وأبيح لهن فسقطت فيه الزكاة .. وكذا قاله أبو الطيب.
والحلي من الفضة فقد ذكرنا أن عائشة كانت لا تخرج زكاته وهي راوية المنع وهي لا تخالف الرسول إلا فيما علمته منسوخاً، كذا قاله البيهقي.
قال ابو الطيب: وجواب آخر: وهو أن الزكاة المذكورة في الأخبار محمولة على إعارة الحلي، لأنه روي عن [ابن] عمر وجابر وغيرهما أنهم قالوا: زكاة الحلي إعارته.
وذكر الماوردي هذا عن [رسول الله]- صلى الله عليه وسلم - وتوعده عليها بالعقاب- وإن كانت غير واجبة- حث عليها كما في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7].
والجواب عما ذكر من القياس: أن كونهما من جنس الأثمان لا يدل [على] أن الزكاة تجب فيهما؛ ألا ترى أن الماشية المعلوفة من جنس السائمة وحكمهما مختلف، وقد جعل الغزالي مأخذ الخلاف في الوجوب وعدمه مأخوذاً من أن مناط الوجوب في الذهب والفضة معناهما، وهو الاستغناء [عنهما] في عينهما؛ [إذ لا يرتبط بذاتهما غرض فبقاؤهما شبه يدل على الغنى، أو عينهما] كما في الربا؟ وفيه قولان:

فعلى الأول: لا تجب في الحلي المباح، قال في "الوسيط": وهو الجديد.
وعلى الثاني: تجب: وإذا قلنا به: فكان زنة الحلي مائتي درهم، وقيمته ثلاثمائة درهم- فقد قال الأصحاب كأبي الطيب وابن الصباغ وغيرهما: يتخير المالك بين أن يعطي ربع عشره مشاعاً يقبضه الساعي ويبيعه منه أو من غيره إن رأى ذلك، وبين أن يخرج خمسة دراهم فضة مضروبة، أو مضاعفة قيمتها مثل قيمة ربع عشره.
وفي "الحاوي": نسبة هذا القول إلى ابن سريج، والبندنيجي نسب إليه الجواز فيما إذا [أراد] إخراج خمسة دراهم تساوي سبعة ونصفاً من نقد البلد؛ لأنه موضع ضرورة، وقال: إن الشيخ أبا حامد قال: لا يجوز ذلك عندي؛ لأنه إخراج قيمة في الزكاة، ولا يجوز إخراج خمسة دراهم من نقد البلد، ولا أن يخرج منه سبعة دراهم ونصفا؛ لأنه ربا ولا يجوز أن يكسر منه خمسة دراهم فيعطيها؛ لأن في ذلك إضراراً به وبالفقراء.
وقد حكى القاضي أبو الطيب وغيره عن ابن سريج: [أنه قال]: يجوز له أن يعطي قيمة ربع عشره من الذهب؛ للضرورة.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا فيه نظر؛ لأن الشافعي لم يجوز إخراج قيمة العشر في الرطب الذي لا يجفف فمسألتنا مثله.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يجوز عندي ما قاله ابن سريج؛ لأنه أخذ القيمة في الزكاة ويمكن أن يسلم إليه ربع عشره ثم يعطيه قيمته فيجوز وجهاً واحداً، وقد اختاره في الحاوي.
[وحكى الرافعي] وجها: أنه يجوز أن يعطي خمسة دراهم إما منه أو من غيره، ولا اعتبار بصنعته ولا معول على قيمته؛ لأن الزكاة إذا وجبت في الحلي، إنما تجب في عينه لا في قيمته؛ ألا ترى أنه لو كان وزن الحلي دون النصاب وقيمته نصاباً لا تجب فيه الزكاة، [ولأن زيادة القيمة في مقابلة الصنعة وليست الصنعة عيناً تجب فيها الزكاة] فلم يجز اعتبارها ولا يمكن إلحاق ذلك

بالضرب في الدراهم والدنانير حيث قلنا: إذا كان معه مائتا درهم مضروبة لم يجز أن يعطي خمسة دراهم غير مضروبة؛ لأن ضرب الدراهم والدنانير وطبعها أقيم مقام صفات الجنس من الجودة والرداءة؛ لجواز ثبوته في الذمة كثبوت ضمان الجنس، ولا كذلك الحلي، ويشهد لذلك: أن من أتلف على غيره دراهم [مضروبة] لزمه مثلها ولو أتلف حلياً مصوغاً لم يلزمه مثله مصوغاً.
قلت: وامتناع أخذ سبعة ونصف من غير الحلي مفرع على الجديد في أن الفقراء ملكوا من المال قدر الفرض، وعلى القول بثبوته في الذمة؛ لأن محذور الربا قائم فإنها إذا ثبتت في الذمة ثبتت بتلك الصفة.
ثم على قياس مذهب ابن سريج في جواز أخذ القيمة عن الفرض للضرورة يظهر جواز أخذ سبعة دراهم ونصف إذا كان نقد البلد دراهم كما نقول فيما إذا أتلف حلياً من ذهب ونقد البلد ذهب فإنه يجوز أخذ قيمته ذهباً، وإن زادت على وزنه على الأصح كما ستعرفه في باب الغصب، وبه صرح القاضي الحسين هنا، وقال: إن من قال بمقابله أخذه من قول الشافعي في الصداق: إذا أصدقها إناءين فانكسر أحدهما، يقوم [بالذهب إن كان فضة، وبالفضة إن كان ذهباً].
وما ذكرناه في كيفية أخذ زكاة الحلي جار في كيفية أخذ زكاة الآنية من الذهب أو الفضة إذا قلنا بجواز اتخاذهما، أما إذا قلنا بمنعه كانت كالسبائك والنقار، صرح به البندنيجي وغيره.
قال: وإن كان معداً لاستعمال محرم، أو مكروه، أو للقنية، أي محرمة كانت أو مكروهة، أو مباحة- وجبت فيه الزكاة ووجهه في الأولى: الإجماع كما قال الرافعي، وفي الثانية: أنه عدل به عن أصله بفعل غير مباح فسقط حكم فعله وبقي على حكم الأصل وهو وجوب الزكاة.
وفي الثالثة: أنه مستغنى عنه ومرصد للنماء فهو كغير المصوغ، وهذا هو المشهور.
وللإمام احتمال في منع الوجوب في المعد للاستعمال [المحرم نذكره في آخر الباب وجوابه.

ولصاحب "التهذيب" احتمال في إلحاق المعدة للاستعمال] المكروه بالمباح حتى يجري فيه القولان، وفي المعد للقنية المباحة وجه نذكره في التفريع، إن شاء الله تعالى.
أما إذا ملك حلياً من جوهر نفيس أو لؤلؤاً أو عنبراً ونحو ذلك فلا زكاة فيه، والتحلي به جائز للرجال والنساء.
[نعم، يمنع الرجال من لبس ما له تشبه بالنساء] منع كراهة، كما سنحكيه عن النص.
واعلم أنه قد بقي من أحكام المسألة: المتخذ عارياً عن قصد الاستعمال والقنية مع كون استعماله مباحاً ولا شك في وجوب الزكاة فيه إن قلنا: بوجوبها في المعد للاستعمال المباح، وإن قلنا: لا تجب فيه، فهل تجب هاهنا؟ فيه وجهان حكاهما المراوزة: أحدهما: الوجوب؛ لأن اسم "الزكاة" منوط باسم "الذهب" و"الفضة"، و [لا ينصرف] إلا بقصد الاستعمال ولم يوجد.
قال الإمام: وهذا هو الجاري على القاعدة.
والثاني: المنع؛ لأن الزكاة إنما تجب في المال النامي، والنقد وإن لم يكن نامياً بنفسه لكنه ألحق بالناميات، لكونه مهيأ للإخراج، وبالصياغة بطل التهيؤ.
قال في "العدة": وهذا ظاهر المذهب.
قلت: وعلته تقتضي عدم الوجوب في المتخذ للقنية المباحة، وفي النقار والسبائك، ولا قائل به في النقار والسبائك.
نعم قد قيل به في المتخذ للقنية المباحة.
وقال الإمام: إنه غير معتد به فلا جرم كان الجمهور على الوجوب فيه قولاً واحداً، والمتخذ لقصد الاستعمال المباح إذا انكسر.
وقد قال الأصحاب فيه: إن لم يمنع الكسر من استعماله من غير حاجة إلى إصلاح فهو كالصحيح، وإن كان بحيث لا يمكن استعماله إلا بإعادة سبكه ففيه طريقان حكاهما البندنيجي وتبعه في"البحر":

إحداهما- عن أبي إسحاق-: القطع بالوجوب، وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ [والرافعي].
والثانية: إلحاق ذلك بالحالة التي سنذكرها وهي ما إذا كان لا يحتاج في استعماله إلى سبكه، بل إلى لحام ونحو ذلك، والحكم فيها: أن المالك إن لم يقصد به شيئاً بعد الكسر كان في وجوب زكاته- على قولنا: لا زكاة فيه- في حال صحته قولان: قال البندنيجي: أحدهما- وهو ما يقتضيه نصه في "الأم"-: عدم الوجوب والثاني- وهو الذي يقتضيه تعليله في القديم-: الوجوب؛ ولأجل ذلك قال في "البيان": إن الأول هو الجديد، والثاني هو القديم.
وقال في "الحاوي": إن الذي نص عليه الشافعي منهما الأول، والثاني قاله الأصحاب وبه جزم الفوراني وبعضهم أثبت الخلاف في المسألة وجهين.
وإن قصد المالك بعد كسره إعادته إلى ما كان عليه، ففيه طريقان: إحداهما- وهي التي أوردها البندنيجي، وابن الصباغ، وأبو الطيب-: أنه كالصحيح؛ ففي زكاته القولان.
والثانية: إلحاق ذلك بالحالة قبلها.
وعند الاختصار يجيء في مجموع المسألة أربعة أوجه: أحدها: الوجوب مطلقاً.
والثاني: المنع مطلقاً.
والثالث: الوجوب فيما إذا لم يمكن الانتفاع به إلا بعد تجديد سبكه وعدمه، فيما إذا أمكن بدون ذلك.
والرابع: الوجوب عند عدم قصد الإعادة، والمنع عند وجود القصد.
وعلى هذا: لو لم يشعر به المالك إلا بعد سنة فقصد الإصلاح فوجهان: الأصح في "الوسيط": عدم الوجوب.
ولا خلاف فيما إذا قصد جعله تبراً أو دراهم في الوجوب؛ لأن بهذا القصد تبين أنه كان مرصداً له.

وقصد الاستعمال المباح والمحرم والمكروه والقنية وغيره إذا طرأ في أثناء الحول كالمقارن بالنسبة إلى وجوب الزكاة وعدمها من حين طروء القصد، لا بعده صرح به الأصحاب.
قال الإمام: وقد جرى في أثناء كلام صاحب "التقريب" ما يدل على أن الحلي المباح على قول إسقاط الزكاة فيه لا يعود إلى الحول ما لم يقصد صاحبه رده إلى التبرية حتى لو قصد إمساكه حلياً من غير كسر فلا زكاة.
وقد آن ذكر ما هو مباح الاستعمال من الحلي، والمحرم منه، والمكروه؛ إذ به يحصل ثمرة ما تقدم، فنقول: الحلي- بفتح الحاء وإسكان اللام-: مفرد، وجمعه: حُلُّي بضم الحاء وكسرها، قرئ بهما في السبع، والأكثرون على الضم، واللام مكسورة الياء مشددة فيهما.
وهو ثلاثة أنواع: منه ما يحل للرجال ويحرم على النساء، ومنه ما يحل للنساء ويحرم على الرجال، ومنه ما يستويان فيه من الإباحة والتحريم: فالنوع الأول- ما يحل للرجال خاصة: وهو المنطقة المفضضة، والسيف الذي قبضته ونصله وحلقته فضة، وكذا كل سلاح مباح حلي بالفضة، مثل: السهم، والرمح، والطير، وما أشبه ذلك، والدرع، والجوشن، والخوذة، والخف.
وهل يلتحق بذلك تحلية لجم الخيل، والسرج والمقود، ونحو ذلك مما يحلى به الفرس من الفضة؟ فيه وجهان: المنسوب منهما لابن سلمة: الحل.
وفي "المهذب": نسبة مقابله إلى النص.
وغيره قال: إنه الذي يقتضيه نص الشافعي، وإليه ذهب ابن سريج، وأبو إسحاق، وعامة أصحابنا؛ لأن ذلك حلية للفرس لا لراكبه، بخلاف ما ذكرناه فإنه حلية للراكب، وإنما قالوا: إن ذلك هو الذي يقتضيه النص؛ لأنه نص في "المختصر" على أنه: "إذا كان له فضة ملطوخة على لجام فعليه إخراج الصدقة عنها"، وهكذا ذكر في "البويطي"، ومذهبه فيه أن

الحلي المباح لا زكاة فيه؛ فدل على أن ذلك محرم.
قال الرافعي: "ورأيت كثيراً من الأئمة قطعوا في تصانيفهم بتحريم القلادة للدابة.
وهذا يكون وجهاً ثالثاً في المسألة، وقد أجري الخلاف في الركاب وفي برة الناقة من الفضة.
قال في "الذخائر": ولا يجوز تحلية لجام البغلة والحمار وجهاً واحداً، وكذا السرج؛ فإنهما لا يعدان للحرب.
وقد ألحق بعض المراوزة سكين المهنة بسكين الحرب، وأجراه في "التهذيب" في سكين الداوة والمقارض، وهو الذي أجاب به الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر".
قال الإمام: وعلى هذا الخلاف يثور عندي اختلاف في النساء، فإن رأينا في حق الرجال أن يلحق سكين المهنة بآلات الحرب- منعناها النسوة، وإن قطعناها عن آلات الحرب-[أي] فحرمناها على الرجال- ففيه احتمال في حق النساء، والذي أورده العراقيون والمحققون: المنع في حق الرجال.
وهذا كله في المحلى بالفضة كما ذكرنا، أما لو حلي بالذهب فهو حرام عند الفريقين، لما روي أنه عليه السلام "خرج يوماً وعلى إحدى يديه قطعة ذهب، وعلى الأخرى قطعة حرير، وقال: هما حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم.
نعم، ترددوا في مسألتين: إحداهما: اتخاذ سنة أو سنتين من الذهب لخاتم من الفضة، هل يجوز؟

الذي أورده الأكثرون: لا.
وقال الإمام من عند نفسه: لا يبعد تشبيه القليل منه بالضبة الصغيرة في الأواني، وتطريف الثوب بالحرير.
قال الرافعي: وللأكثرين أن يقولوا: الخاتم ألزم للشخص، واستعماله أدوم؛ فجاز الفرق بين أسنانه وبين الضبة.
وأما التطريف بالحرير فأمر الحرير أهون؛ لأن الخيلاء فيه أدنى.
الثانية: تمويه حلي الفضة السائغ استعماله بذهب لا يتحصل منه شيء عند العرض على النار، والمذكور في "الوسيط": الجواز، ومقابله هو الذي أجاب به العراقيون هنا.
وما عدا ما ذكرناه ونحوه من حلي الذهب حرام إلا المنسوج بالذهب إذا فاجأته الحرب ولم يجد غيره للضرورة كما سنذكره، ومن الفضة يجوز منه الخاتم كما سنذكره؛ لأنه عليه السلام "كان له خاتمُ من فضَّةٍ منقوشُ عليه: محمَّدُ رسول الله"، وما عداه لا يجوز عند الجمهور.
وفي "التتمة": أنه إذا جاز للرجل التختم بالفضة فلا فرق بين الأصابع وسائر الأعضاء، كحلي الذهب في حق النساء، فيجوز للرجل لبس الدملج في العضد، والطوق في العنق، والسوار في اليد وغيرها.
وبهذا أجاب الغزالي في "الفتاوى"، وقال: لم يثبت في الفضة إلا تحريم الأواني، وتحريم الحلي على وجه يتضمن التشبه بالنساء، [وقد استدل الأصحاب على تحريم تحلية آلات الحرب بالذهب والفضة على النساء، بأن في استعمالهن لها تشبيهاً بالرجال.

واعترض عليهم صاحب "المعتمد"، وقال: آلات الحرب من غير أن تكون محلاة إما أن يجوز للنساء استعمالها ولبسها أو لا يجوز، الثاني: باطل؛ لأن كونه من ملابس الرجال لا يقتضي التحريم، إنما يقتضي الكراهة؛ ألا تراه قال في "الأم": "ولا أكره للرجال لبس اللؤلؤ إلا للأدب، وأنه من زينة النساء، لا للتحريم"، فلم يحرم زي النساء على الرجال، وإنما كرهه، وكذلك حكم العكس، وأيضاً: فإن الحرب جائز للنساء في الجملة، وفي تجويز الحرب تجويز استعمال آلات الحرب، وإذا ثبت جواز استعمالها وهي غير محلاة فمحلاة أولى؛ لأن التحلي لهن أجوز منه للرجال، وبتقدير ألا يجوز لهن استعمالها وهي غير محلاة فلا يكون التحريم بأسباب التحلية؛ فلا يحسن تعليقه بها.
قلت: لكن لقائل أن يقول: النسوة إنما أبيح لهن التحلية لما فيها من التزين الحامل لأزواجهن على الاستمتاع بهن وهو في حالة الحرب لا يليق بهن لكونه داعياً إلى ذلك في حق الأجانب؛ فلا يسلم رجحانه على الرجال بل هن دونهم فيه، وقد ادعى في "الروضة": أن تشبه الرجال بالنساء وعكسه حرام؛ للحديث الصحيح: "لععن الله المتشبهين بالنساء من الرجال، والمتشبهات بالرجال من النساء" [وأما ما نصه في "الأم" فليس مخالفاً لهذا؛ لأن مراده أنه من جنس زي النساء].
والنوع الثاني- ما يحل للنساء خاصة: وهو: التاج الذي جرت عادة النسوة به، والطوق، [والدملج والأسورة المعتادة] من الذهب والفضة، والحلق في الأصابع من الذهب، وفي الأذنين

منهما، والخلخال المعتاد، وغير ذلك من الذهب والفضة مما جرت عادتهن بلبسه، وفي السوار الثقيل والخلخال الثقيل الخارج عن العادة في الوزن وجهان في "التهذيب".
وجه المنع- وهو الذي ذكره معظم العراقيين والمتولي-: أن المباح لهن ما تتزين به ولا زينة في ذلك.
قال الرافعي والإمام: وهو جار في إسراف الرجال في تحلية آلات الحرب.
ومقابله: مقيس على جواز اتخاذ أساور كثيرة وخلاخل ليلبس واحداً؛ بعد واحد فإن ذلك جائز.
وعن ابن عبدان: أنه ليس لهن اتخاذ زر القميص، والفرجيَّة من الفضة والذهب.
قال الرافعي: [ولعل] هذا جواب على الوجه الذي يقول: لا يجوز لهن لبس المنسوج بهما، وهل يجوز لهن لبس النعال من الذهب والفضة؟ فيه وجهان: المذكور منهما في "الحاوي": المنع.
ومقابله: منسوب للقاضي الحسين.
قال في "الحاوي": وما أبحناه لهن هل يتجه للأطفال الذكور؟ فيه وجهان.
وقد حكاهما غيره.
قال الرافعي: ويجيء فيهم الوجه الثالث الذي ذكرناه في إلباسهم الحرير.
والخنثى المشكل في تحريم ما أبحناه للمرأة، كالرجل لجواز أن يكون رجلاً.
وقال المتولي: يجوز له لبس حلي الرجال والنساء معاً؛ لأنه كان [له] لبسهما في الصغر فيستصحب إلى الزواج.
قلت: وهذا منه بناء على جواز لبس حلي النساء للذكر الصغير، وكلامه

يقتضي أيضاً: أن ما حرمنا لبسه على النساء من آلة الرجال [نبيحه] للأطفال من الإناث، وإلا لما كان يجوز للخنثى جواز حلي الرجل؛ حذراً من أن يكون أنثى.
والنوع الثالث: ما يشترك فيه الرجال والنساء: فيباح لهم: خواتم الفضة، واتخاذ الأنف من الفضة والذهب إذا جدع، وكذا الأنملة منهما، دون اتخاذ الكف والأصبع من الذهب أو الفضة؛ لأنه لا يعمل ولا ينتفع به، والأنملة ينتفع بها.
وفي "الروضة" وجه عن رواية القاضي الحسين وغيره: أنه يجوز أن تتخذ اليد والأصبع من الذهب والفضة.
ويجوز لهما ربط السن بالذهب والفضة عند تقلقلها؛ اقتداء بعثمان رضي الله عنه.
وفي جواز تحلية المصحف بالفضة قولان أومأ إليهما في "حرملة" كما قال البندنيجي.
وقال غيره: إن في "سير" الواقدي: ما يدل على الحظر، وفي القديم والجديد ما يدل على الجواز؛ ولذلك قال الكرخي: في المسألة قولان، وبعضهم أثبت الخلاف في المسألة وجهين، فإن جوزناه- وهو الذي أورده الماوردي وأبو الطيب- ففي جوازه بالذهب وجهان: أصحهما في "الحاوي": الجواز أيضاً وبه أجاب الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر" والفوراني، وهو المذكور في "فتاوي" الغزالي حيث قال: من كتب القرآن بالذهب فقد أحسن ولا زكاة عليه.
وعلى هذا فلا بأس بتحلية المصحف بالذهب وتزيين الكعبة بالذهب والحرير ما لم ينسب إلى الإسراف.
والذي أورده القاضي أبو الطيب: منع الرجال من تحلية المصحف بالذهب.
وعند الاختصار يجيء في المسألة ثلاثة أوجه: ثالثها يجوز بالفضة، ولا يجوز بالذهب.

وقال البندنيجي: إن الثالث: لا يجري في المرأة.
وهو ما قاله الغزالي: حيث حكى في جوازه بالفضة وجهين، وفي جوازه بالذهب ثلاثة أوجه، ثالثها: يجوز للنساء دون الرجال.
قال الرافعي: وكلام الصيدلاني والأكثرين إلى هذا أميل.
وذكر صاحب "التقريب": أن بعض أصحابنا جوز تحلية نفس المصحف دون غلافته المنفصلة عنه، ثم زيفه، وقال: إنه لا فرق، ولذلك قال الرافعي: الأظهر التسوية.
قال الإمام: [فإذن] عندي في غلاف المصحف إذا لم يكن متصلاً به- تردد أخذاً من اختلاف الأصحاب في أن المحدث هل يمس غلافة المصحف أم لا؟ وهل يجوز للرجال والنساء تمويه الكعبة وسائر المساجد [بالذهب والفضة؟ فيه وجهان في "الحاوي" يجري مثلهما في تحلية الكعبة وسائر المساجد] بقناديل الذهب والفضة، كما حكاه الرافعي: فالمنع في الأولى هو الذي أورده البغوي، وقال القاضي أبو الطيب: إن الشافعي نص عليه ولم يحك غيره.
وقال الإمام: إن العراقيين حكوه عن أبي إسحاق ولم يذكروا غيره، ولم أعثر على خلاف هذا أنقله وليس يخفى وجه الاحتمال.
والمنع في الثانية هو الذي حكاه الغزالي تبعاً لإمامه عن رواية العراقيين عن أبي إسحاق.
وقال الغزالي: لا يبعد مخالفته؛ حملاً على الإكرام كما في المصحف، أو لأن الأصل في الفضة الإباحة إلا في الأواني، وفي الذهب الإباحة إلا على ذكور الأمة، وليس هذا من تحلي الذكور.
قلت: وقضية التوجيه الأول: جواز تمويه محراب المسجد بالذهب والفضة، وقد حكينا عن نص الشافعي وغيره منعه، وقال الإمام: إنه لم يعثر على خلافه.

وقضية التوجيه الثاني: جواز تمويه سقف البيوت [وجدرانها] بالذهب والفضة، ولم يختلف الأصحاب في منعه، وإذ قد بطل ذلك لزم إبطال ما ذكره إن قلنا: إن من شرط العلة الاطراد.
والمشهور: أنه يحرم على الرجال والنساء تحلية غير المصحف من الكتب بالذهب والفضة، كما لا يجوز تحلية الدواة، والمحبرة، والمقلمة، والمرآة، والسرير للدواة.
وحكى في "النهاية" عن شيخ الإمام أنه قال: من فصل بين الرجال والنساء في تحليةل المصحف يتطرق إليه أن يجوز لهن تحلية كتب يتعاطينها، لاعتقادهن [ذلك] حلية في حقهن، وهذا بعيد لم يقل به أحد وبه يتبين أن الأولى رفع الفرق بين الرجال والنساء في تحلية المصاحف، وقد حكى البغوي وجهاً في جواز تحلية الدواة والمقلمة والمرآة بالفضة، وبه أجاب في "مختصر المختصر".
ولا شك في تحريم التاج الذي لا يلبسه إلا عظماء الفرس على الرجال والنساء.
وهذا ما حصرنا فيما يحل لمن ذكرنا ويحرم عليه.
والمكروه لكل من الفريقين: ما يجوز استعماله من غير الذهب والفضة إذا ضبب بالفضة القليلة لغير الحاجة، أو الكثيرة للحاجة، دون ما إذا ضبب بالفضة

من غير حاجة أو ضبب بفضة كثيرة؛ فإنه محرم على الأصح كما هو مذكور في باب الآنية.
والمضبب بالذهب من الأواني [إن] أبحناه كان كالمضبب بالفضة، وإن منعناه كان من المعد لاستعمال محرم، وكذا المضبب من غير الأواني بالنسبة إلى الرجال، وبالنسبة إلى النساء يكون فيما يحرم عليهن استعماله إذا كان خالصاً كالمضبب بالفضة من الأواني كذا يظهر لي، ولم أعثر فيه على نقل.
والقنية المحرمة: قنية المضبب، والمحلى من آلات الملاهي.
والقنية المكروهة قنية ما يحرم من استعماله من الحلي على الرجال والنساء، إذا اتخذ لأجل القنية، إن لم نقل بتحريم الاتخاذ.
والقنية المباحة: اقتناء ما يباح استعماله من الحلي.
وقد جعل بعضهم ما يكره اقتناؤه: آنية الذهب والفضة إذا اتخذت للقنية، وقلنا: لا تحرم قنيتها؛ فإنها مكروهة.
ولا شك في أن اقتناءها مكروه، والحكم فيها كما ذكرنا، لكنه لا يمكن أن يصور بذلك كلام الشيخ؛ لأن الكلام في الحلين وآنية الذهب والفضة ليست من الحلي، فإن كانت منه استقام ما ذكرناه والله أعلم.
وإذ قد عرفت ما يحرم استعماله، ويباح، ويكره، عرفت أن الرجل إذا ملك الحلي المباح للرجال خاصة، وأعده ليستعمله أو يعيره للرجال، والحلي المباح للنساء خاصة وأعده لتلبسه زوجته وجواريه أو يعيره للنسوة، أو ملكت المرأة الحلي المباح للنساء خاصة [و] أعدته لتستعمله أو تعيره أو الحلي المباح للرجال خاصة وأعدته لتلبسه بنتها وخدمها وزوجها أو لتعيره للرجال- لم تجب الزكاة فيه على أصح القولين؛ لأن ذلك معد لاستعمال مباح، وهل يلحق اتخاذ ذلك لقصد إجارته لمن يباح له استعماله، بقصد إعارته؟ فيه طريقان.
أصحهما: نعم فيكون الحكم كما تقدم.
والثاني لا فتحب الزكاة فيه قولاً واحداً؛ لأن هذا معد للنماء.
ولو ملك الرجل حلى النساء، [وملكت] المرأة حلي الرجال لتلبسه أو

لتعيره من يحرم عليه استعماله- فذلك معد لاستعمال محرم؛ فتجب فيه الزكاة قولاً واحداً، ووراء ذلك احتمال للإمام في منع الوجوب على قولنا: إن الحلي المباح لا زكاة فيه من حيث إنَّ معتمد من ينفي الزكاة عن الحلي: أنه مصروف عن جهة النماء، فإنه عرض من العروض، والنقد وإن لم يكن نامياً في نفسه فإنما ألحق بالناميات من جهة تهيئته للصرف، فإذا اتخذ منه حلي زال هذا المعنى؛ فسياق هذا يقتضي أن يقال: كل حلي لا يكسر على صاحبه لا زكاة فيه، وإن كان قد قصد استعماله على وجه محرم فإن التحريم يرجع إلى فعله في الحلي، [لا] إلى نفس الحلي.
والحلي فيما ذكرنا [محترم في الصنعة] غير مكسر على المالك، وعلى كاسره الضمان وإن فسدت القصود.
نعم، إن قلنا بكسر أواني الذهب والفضة على ملاكها فتجب الزكاة فيها؛ لأن تلك الصنعة مستحقة الإزالة شرعاً؛ فالأواني في حكم الشرع متبرة، وكذلك لو اتخذ من التبر صور وآلات ملاهٍ.
قلت: ولا يجيء مثل هذا في الحلي إلا أن يكون محرم الاستعمال على الرجال والنساء؛ فإن في جواز اتخاذه قولين كما في الآنية صرح به الرافعي؛ حيث حكى: في وجوب ضمان صنعته على كاسره وجهين أما المحرم على أحدهما فلا يكسر بحال الإمكان الانتفاع به فلو كسر ضمنه كاسره وجهاً واحداً.
فإذن: يتلخص من هذا الاحتمال ألا تجب في الحلي المباح لأحد الفريقين، وتجب في المتخذ صوراً وآلات ملاهٍ وهل تجب في الأواني؟ فيه خلاف مبني على جواز الاتخاذ، فإن قلنا: يحرم، وجبت، وإلا فلا [تجب].
ثم قال الإمام: و [في] هذا الذي ذكرته إشكال أبديته، وليس [من] قاعدة المذهب، وجوابه: أن الزكاة تجب في النقد لعينه، لا لكونه مهيأ للنماء، بدليل وجوبها في النقار والسبائك، وعينه لا تنقلب باتخاذ الحلي، وهو في معنى النقار والسبائك، لكنه يتميز عنها بقصد الاستعمال، وحينئذ فلا يلحق بالعروض- وهو

عينهما- إلا بقصد ينضم إليه، وهذا يناظر- على العكس- الثياب وغيرها من العروض؛ فإنها لما لم يكن مال الزكاة في عينها، لا تصير مال الزكاة إلا بقصد ينضم إلى الشراء وهو قصد التجارة، وإذا لم تسقط الزكاة بمحض الصنعة، واحتيج إلى قصد الاستعمال- فمتى قصد محرماً لغا ولم يؤثر في الإسقاط.
هذا ملخص كلامه.
والخنثى إذا حرمنا عليه لبس حلي الرجال، واتخذه ليلبسه- كان عليه زكاته على الأظهر، وبه أجاب أبو العباس الروياني في "المسائل الجرجانيات".
قال الرافعي: وقيل: هو على القولين في الحلي المباح.
أما إذا أبحناه له جاء القولان بلا خلاف.
فرع: قد تقدم أن تمويه سقف البيت وجداره بالذهب والفضة حرام، فإذا فعله هل تحرم استدامته؟ قال البندنيجي وصاحب "البحر": إن كان قد استهلك بحيث لا يمكن أن يجتمع منه شيء لم تحرم، وإن أمكن أن يجتمع منه شيء حرمت ووجبت فيه الزكاة، وكيفية إخراجها: أنه ينظر: فإن كان مقطوعاً بمقداره أخرج واجبه من غيره، وإن لم يقطع وأمكنه أن يستظهر فيعطي الواجب أو أكثر، [فعل]، وإن قال: لا أحيط به علماً ولا أستظهر، قلنا: فاقلع واسبكه.
وهكذا الحكم في إخراج الزكاة من الملطوخ على اللجام إذا قلنا: فيه الزكاة، والله أعلم.

باب زكاة العروض

ترجم الشيخ هذا الباب في "المهذب": بباب زكاة التجارة؛ اتباعاً للمزني والجمهور؛ تنبيهاً على أن سبب الوجوب: التجارة، وترجمه هنا بباب زكاة العروض؛ لأنه ترجم الباب قبله بباب زكاة الناض، وقد تقدم: "أن "الناض" ضد "العروض"، فأراد أن يبين حكم الضدين، وأيضاً ففي التبويبين هاهنا تعريف أن الذهب والفضة هما الناض، وما عداهما من جميع صنوف الأموال هو العرض، كما ذكرناه عن أهل اللغة.
وهو واحد العروض، وهو بفتح العين، وإسكان الراء، وإن فتحت الراء مع العين فهو جميع متاع الدنيا من الذهب والفضة وغيرهما، وله معان آخر.
ومراد الشيخ بالعروض التي بوب عليها عروض التجارة؛ لأن ما ذكره من الأبواب بعد كتاب الزكاة مبين لما أجمله من قوله: "ولا تجب الزكاة إلا في المواشي، والنبات، والناض، وعروض التجارة، وما يؤخذ من المعدن والركاز".
وأيضاً فقوله الآتي من بعد يدل عليه أيضاً.
والأصل في وجوب الزكاة في عروض التجارة الذي سكت الشيخ عنه هاهنا اكتفاء بقوله: ولا تجب الزكاة إلا في المواشي .. إلى قوله: وعروض التجارة؛ فإنه دال على الوجوب فيها- من الكتاب قوله تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267] فأراد بالكسب: التجارة، قاله مجاهد.
ومن السنة: ما رواه أبو داود، عن سمرة بن جندب قال: "أمَّا بعد: فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعدُّه للبيع" والمعدُّ

للبيع هو عرض التجارة.
[وما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بعث عمر على الصَّدقة فشكا من ثلاثة أنفسٍ .. " ذكرها في الحديث، منهم خالد؛ فقال عليه السلام: "أمَّا خالد؛ فإنكم تظلمون خالداً فقد احتبس أدرعه [وأعتاده] في سبيل الله"، والزكاة لا تجب في عين الدرع؛ فدل على أنها كانت للتجارة].
وما روى الدارقطني من حديث ابن جريج، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البزِّ صدقته"، والبز: بالزاي المعجمة، ومعلوم أن البز لا تجب فيه زكاة العين؛ فثبت أن الواجب فيه زكاة التجارة.
ومن القياس: أنه مال مرصد للنماء أو يبتغي فيه النماء؛ فوجبت فيه الزكاة كالمواشي، وقد تمسك الشافعي في ذلك بأثر عن عمر سنذكره.
وهذا هو الجديد، وقد حكى الإمام عن رواية الصيدلاني: أن الشافعي تردد في القديم في زكاة التجارة، ثم قال: وهذا [إذا] لم يحكه عن القديم غيره؛ فلا التفات إليه.
قلت: قد حكاه عنه القاضي الحسين، والفوراني، وغيرهما، وإن اختلفت

عباراتهم في حكايته.
وأثبت بعض الأصحاب ذلك، وجعل في المسألة قولين، وبعضهم قطع بالوجوب، وقال: لم تصح هذه [النسبة] إلى الشافعي، وممن قال ذلك القاضي أبو الطيب، والبندنيجي.
ثم عرض التجارة عند العراقيين وبعض المراوزة: ما ملك بعقد معاوضة محضة، كالبيع، والصلح عن المال بمال، والهبة المقتضية للثواب، والأخذ بالشفعة، والإجارة، أو غير محضة: كالنكاح، والخلع، والصلح عن دم العمد مقروناً بنية التجارة.
وبعض المراوزة اشترط أن تكون المعاوضة محضة، [وإليه يرشد كلام الشيخ الآتي من بعد].
وحكى القاضي الحسين- تفريعاً عليه- وجهاً في اشتراط كون العوض عينا أو ديناً حالاً أو مؤجلاً، وأخرج بذلك المملوك بعقد الإجارة عن أن يكون مال تجارة، وهو ما ادعى في "التهذيب"- في كتاب الأيمان، في فصل الحلف على ألا مال له- أنه الأصح.
وفي "التتمة": أن مأخذ ذلك العبد المأذون له في التجارة لا يؤاجر عبيد التجارة، وكذا عامل القراض، وهذا الوجه لم يحك القاضي الماوردي غيره؛ حيث ألحق المملوك بالصداق وألإجارة بالمملوك بالوصية ونحوها ولم يحك غيره، وقال في "البحر": إنه أقيس، وإن ظاهر المذهب الأول.
قلت: وفي جعله الأول ظاهر المذهب نظر فإن البندنيجي قال: الذي نص عليه الشافعي الشراء، والصلح في معناه، وإذا كان كذلك فظاهر المذهب مع من اشترط أن تكون المعاوضة محضة، فإن مقصود الخلع والصلح عن القصاص ونحوهما يحصل بدون المال، بخلاف الشراء، وبهذا لا يكون في معنى المنصوص عليه.
وقد تلخص لك مما ذكرناه أن الكل متفقون على أمرين:

أحدهما: أن المملوك بغير عقد معاوضة لا يكون من عروض التجارة.
والثاني: أن المملوك بعقد معاوضة محضة أو غير محضة إذا لم تقترن به نية التجارة لا يكون من عروض التجارة.
ووجه الأول: أن المتهب هبة لا تقتضي ثواباً وقابل الوصية والوارث والمحتطب والمحتش إذا اقترن بقوله أو فعله نية التجارة لا يسمى تاجراً، ولو كان [ما] ملكه عرض تجارة بذلك لسُمِّي تاجراً، وكذا من رد عليه عرض قنية باعه بعيب فيه، ونوى عند الرد عليه أن يمسكه للتجارة لا يسمى تاجراً؛ فلا يكون العرض حينئذ للتجارة، وكذلك لو كان الرد صدر منه لعيب اطلع عليه في الثمن ونوى عند الرد التجارة لا يكون العرض بذلك للتجارة.
نعم لو كان العرض الذي باعه عرض تجارة، [ولم] يقصد بثمنه القنية، فرد عليه بعيب، أو رد هو مقابله، فرجع إليه- كان عرض تجارة اعتباراً بما كان عليه، ولو كان قد قصد ثمنه للقنية لم يعد العرض بعد الرد إلى التجارة.
وحكم رجوع البائع في عين ملكه بسبب فلس المشتري، وبالإقالة، حكم رده بالعيب قاله الماوردي وهو في الإقالة بناء على أنها فسخ كما هو الصحيح.
ووجه الثاني: أن المملوك بعقد المعاوضة تارة يقصد به القنية، وأخرى يقصد به التجارة فتعين الإتيان بالنية حالة العقد للتمييز فلو تخلفت عن القصد ووجدت بعد لم تؤثر، وكذا في المملوك بغير عقد إذا طرأت نية التجارة عليه لم تؤثر، خلافاً للكرابيسي من أصحابنا فإنه قال: إنها كافية في جعله عرض التجارة؛ لقول سمرة بن جندب: "كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعدُّه للبيع"، وهذا معد للبيع، وبالقياس على ما إذا نوى بعرض التجارة القنية، فإنه يصير للقنية بلا خلاف.
قال الأصحاب: وهذا ليس بشيء؛ لأن ما لا يثبت حكم الحول بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية؛ كما لو نوى بالمعلوفة السوم، والخبر نخصه بحالة

مقارنة النية عقد المعاوضة بالقياس، والفرق بينه وبين التجارة ونية القنية، من وجهين: أحدهما: أنه ليس القنية إلا الحبس والإمساك للانتفاع فإذا أمسك ونوى الاقتناء فقد قرن النية بصورة الاقتناء لا أنه جردها.
والثاني: أن الأصل في العروض الاقتناء فصح بمجرد النية، كما أن المسافر إذا نوى الإقامة بموضع من المواضع، فإنه يصير مقيماً بمجرد النية؛ [لأن الأصل فيه الإقامة، فهو يريد الرجوع إلى الأصل، والتجارة رجوع عن الأصل فلم تصح بمجرد النية، كما لا يصح الرجوع عن الإقامة بمجرد] نية السفر.
فرع: إذا نوى القنية ببعض عرض التجارة إن عينه كان للقنية دون باقي العرض، وإن أبهمه فهل يؤثر ذلك ويكون بعضه للقنية وبعضه للتجارة، أو لا تؤثر نيته للجهل ويكون جميعه للتجارة؟ فيه وجهان في "الحاوي".
ولو نوى قنية الثياب الديباج ليلبسها والسيوف ليقطع بها الطريق، فهل ينقطع الحول؟ فيه وجهان في "التتمة"، أصلهما – كما قال-: أن من عزم على معصية أو أصر عليها هل يأثم أم لا؟ ومحل ذلك [في] كتاب الشهادات.
وحيث حكمنا بانقطاع الحول يعود المال للقنية؛ فيستحب إخراج زكاته.
قال الشافعي فيما إذا نوى بعرض التجارة القنية: لم تكن عليه زكاة، وأحب لو فعل.
قال في "البحر": وإنما استحبه، لأن نيته أبطلت الحول بعد انعقاده.
قال- رحمه الله-: إذا اشترى عرضاً للتجارة بنصاب من الأثمان، بنى حوله على حول الثمن؛ لأن الذهب والفضة إنما خصا من بين سائر الجواهر بإيجاب الزكاة فيهما، لإرصادهما للنماء، [وطريق النماء] بالتقليب في التجارة؛ [فلم يجز أن يكون الموضوع لإيجاب الزكاة سبباً لإسقاطها، ولأن زكاة

التجارة] في القيمة، والقيمة هي الثمن نفسه.
قال الفوراني- وتبعه المتولي والبغوي-: وهكذا الحكم في عكس المسألة: وهي إذا كانت له سلعة للتجارة، فباعها بنصاب من الورق أو الذهب، ونوى القنية- بنى حول هذا النصاب على حول سلعة التجارة في وجوب الزكاة للمعنى الذي بيناه.
قلت: ومن هذا يؤخذ أن ذلك فيما إذا كان المبيع من جنس رأس المال، أو نقد البلد إن كان رأس المال عرضاً، أما إذا كان من غيره فلا بناء لما ستعرفه.
وقد ألحق المتولي والبغوي بما نحن فيه ما إذا كان المشتري به ديناً يبلغ نصاباً وقلنا: إن الدين تجب فيه الزكاة فحول التجارة يبنى على حول الدين ولا ينقطع.
نعم لو اشترى العرض بنصاب من الأثمان في ذمته ونوى أن ينقد ذلك مما في يده من الأثمان، أو أطلق ولم ينو- فقد قال القاضي الحسين في "تعليقه ولم يحك سواه: إنه ينعقد عليه الحول من وقت الشراء؛ فإذا نفد ما في يده انقطع حوله، ولا يبني حول التجارة على حوله، ووجهه غيره بأن [ما] معه لم يتعين في الصرف فيه.
وهذه الصورة ينبغي أن تستثنى من كلام الشيخ، وكذا التي قبلها، أما إذا قلنا: لا زكاة في الدين، فقد تعرض الشيخ في هذا الفصل لبيان ما يصير به العرض للتجارة كما تقدم: فقوله: "إذا اشترى" بنية على اشتراط عقد المعاوضة في ذلك؛ فيخرج به الاتهاب بلا ثواب، والاحتطاب، ونحوهما، وقد يقال: إن من هذا التمثيل يؤخذ اشتراط كون المعاوضة محضة- كما تقدم- حتى لا يلتحق بالشراء النكاح، والخلع، والصلح عن دم العمد، لكن لم أر ذلك لأحد من العراقيين.
[نعم كلام الرافعي يفهم أن به قال بعضهم؛ حيث قال: ولم يذكر أكثر العراقيين] سوى أنه مال تجارة، لأنه مال ملكه بمعاوضة.
وكذا يؤخذ من قوله: "عرضاً" أنه لو استأجر دوراً وحوانيت للتجارة، لا يكون الحكم كما لو اشترى ثوباً ونحوه؛ لأن المنفعة ليست بعرض وهو وجه

حكاه المراوزة مع وجه آخر؛ أن الحكم كما في العرض وقد قربهما المتولي من أن الدين هل تجب فيه الزكاة أم لا؟ وقوله: "للتجارة"، تنبيه على اشتراط النية المقترنة بعقد المعاوضة؛ إذ هي الصارفة له عن القنية التي هي الأصل.
وقوله: "بنصاب من الأثمان"؛ ذكره لأجل المسألة الآتية، لا للتنبيه على أن ذلك شرط في كون العرض للتجارة، على أن قوله: "من الأثمان" لو أجري على ظاهره والعمل بمفهومه لاقتضى عدم ثبوت [ما ذكره من الحكم] فيما إذا كان الثمن نصاباً من الذهب أو الفضة الذي تجب فيه الزكاة، وليس كذلك بل حكمه حكم ما لو اشتراه بنصاب من الأثمان.
وكذلك فرض الفوراني الكلام فيما إذا [اشترى سلعة للتجارة بنصاب] من الذهب أو الورق.
واحترزت بقولي: تجب فيه الزكاة- عما إذا اشتراه بنصاب من الحلي المعد لاستعمال مباح، فإنه لا زكاة فيه على الصحيح، فإذا اشترى به كان ابتداء حوله من حين الشراء، كالمسألة الآتية، لكن كلام الشيخ محمول على إرادة جنس الأثمان، وإن حمل على الأثمان نفسها فلا مفهوم له يراد؛ لأن الغالب أن الشراء إنما يكون بالأثمان، والشيء إذا خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، والله أعلم.
قال: وإن اشتراه بعرض للقنية، أو بما دون النصاب من الأثمان، أي: وهو لا يملك ما يتم به النصاب من الجنس الذي اشترى به- انعقد الحول عليه من يوم الشراء؛ لأن الحول لابد منه في زكاة التجارة بالاتفاق؛ لعموم قوله- عليه السلام-: "لا زكاة في مالٍ حتَّى يحول عليه الحول".
والأصل- وهو ما اشتراه به- لم ينعقد عليه حول؛ لكونه غير مال زكاتيّ، أو ناقصاً عن النصاب؛ فوجب اعتبار الفرع- وهو مال التجارة- بنفسه، وبالشراء حصل الاتجار؛ فكان وقته وقت مبتدأ الوجوب وهو الانعقاد، ولا فرق في ذلك بين أن تكون قيمة ما اشتراه حالة الشراء نصاباً أو أقل منه.
نعم، إن

كانت نصاباً في آخر الحول وجبت الزكاة، وإلا فلا كما سيأتي.
ووجهه: ما روى الشافعي بسنده عن أبي عمرو بن حماس أن أباه حماساً قال: مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقي أدم أحملها فقال: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما لي [غير] هذا، وآهبة في القرظ، فقال: ذلك مال فضع، فوضعتها بين يديه، فحسبها فوجده قد وجبت فيها الزكاة؛ فأخذ منها الزكاة".
ووجه الدلالة منه: أنه حسب ذلك في آخر الحول وأخذ الزكاة، وظاهره: أنه لم يراع كونه نصاباً إلا في الحال ولم يبحث عما مضى ولم ينكر عليه أحد.
وقال الرافعي: إن الاحتجاج به ليس هو كما ينبغي.
ووجهه من جهة المعنى: أنه يعسر ملاحظة النصاب فيه في جميع الحول فاعتبر في آخر الحول؛ لأنه وقت الوجوب وبهذا فارق ما نحن فيه ما تجب الزكاة في عينه؛ لأن ملاحظة النصاب فيه في كل وقت من الحول لا تشق.
فإن قلت: ملاحظة أول الحول لا مشقة فيها كآخر الحول فوجب أن يعتبر كون المال نصاباً فيهما دون وسط الحول الذي يشق اعتباره فيه، كمذهب أبي حنيفة.
قلت: قد قال به بعض المراوزة وحكاه الماوردي والقاضي الحسين وابن عبدان عن ابن سريج؛ أخذاً من قوله في "المختصر": "ولو كان في يده عرض للتجارة تجب في قيمته الزكاة [ثم اشترى عرضاً للتجارة وأقام في يده ستة أشهر]- فقد حال الحول [على] المالين معاً وقام أحدهما مقام صاحبه فيه؛ فيقوم العرض الذي في يده ويخرج زكاته".
فقوله: "تجب قيمة الزكاة"، [عنى به] أن تكون قيمته نصاباً فشرط بلوغه

نصاباً في انعقاد الحول.
والقائلون بالأول قالوا: لا نسلم أن المشقة غير موجودة في ملاحظة النصاب في ابتداء الحول؛ لأنه إذ لم يكن نصاباً في أول الحول احتاج إلى تعريف قيمته في كل وقت؛ كي لا تبلغ قيمته نصاباً، وذلك عين المشقة.
قلت: وهذا الجواب إنما يتم إذا سلم القائل بهذا الوجه أنه إذا كان عند الشراء دون النصاب، ثم بلغ بعد ذلك نصاباً أنه ينعقد عليه الحول إذ ذاك كما هو أحد الوجهين وفي "تعليق" القاضي الحسين.
أما إذا منع ذلك، وقال: لا ينعقد الحول فيما إذا كانت قيمته حال الشراء دون النصاب إلا عند التصرف ثانياً بنية التجارة؛ لأن الشراء الأول كان في حكم القنية كما هو الوجه الآخر الذي قال القاضي: إنه الأظهر- فلا يتم الجواب.
وهكذا إن قلنا- بما حكاه الإمام عن الربيع-: إنه لا ينعقد الحول إلا بعد بلوغ المال نصاباً بالنضوض واقتران التصرف فيه بنية التجارة.
نعم، يقال للمخالف: مال يعتبر نصابه بقيمته وجد نصاباً في آخر الحول فوجبت فيه الزكاة كما لو وجد النصاب في الطرفين.
قال: وقيل: لا يجزئ في الحول حتى تكون قيمته- أي: قيمة العرض المشترى- نصاباً من [أول الحول] إلى آخره؛ كما في المواشي والناض، وهذا قد حكاه البندنيجي قولاً عن رواية ابن سريج، وعبارة القاضي أبي الطيب عنه في حكايته أنه قال: مذهب الشافعي: أن العرض لا يجزئ قيمته في الحول حتى يكون نصاباً حين الشراء، ويستديم ذلك إلى آخر الحول.
ومعنى كلام الشافعي الذي نقله المزني: هو أن يشتري العرض بأقل من نصاب وقيمته تبلغ نصاباً.
قلت: وهذا منه يقتضي الجزم بانعقاد الحول فيما إذا كانت قيمته نصاباً حين الشراء، وإن كان الثمن دون النصاب وبه صرح البندنيجي وغيره.
وعبارة الشيخ وغيره في حكاية ذلك تقتضي أمرين آخرين.
أحدهما: إذا كانت قيمته حال الشراء دون النصاب، وقد اشتراه بنصاب وزنه

حالة الشراء [به] أنه لا يجزئ في الحول وكذا فيما إذا اشتراه بنصاب جرى في حوله أنه ينقطع الحول، ولم أقف في ذلك على شيء للأصحاب.
الثاني: أن شرط انعقاد الحول على هذا القول استمرار القيمة نصاباً، وهذا ليس شرطاً في الانعقاد؛ [بل هو شرط في استمرار الانعقاد؛ [بل هو شرط في استمرار الانعقاد]، فإن كان المراد بالجريان في الحول هذا فلا إشكال.
وقد قال القاضي الحسين، وتبعه المتولي: إن ما قاله ابن سريج أخذه من قوله في القديم: "ويخرج زكاة التجارة من عينه"، فأجراه مجرى المواشي، فكذا في استكمال النصاب، وقد يحصل في المسألة ثلاثة أقوال كما قال الفوراني، والإمام، وثلاثة أوجه كما قال البغوي وغيره، وقولان ووجه كما اقتضاه كلام البندنيجي [وغيره].
وقال الرافعي حكاية عن أبي علي: إنه ليس في المسألة منصوصاً عليه إلا الأول وماا عداه خرجهما شيوخ الأصحاب ولا منافاة في ذلك؛ لأن الوجوه المخرجة يعبر عنها بالوجوه تارة، وبالأقوال أخرى، والصحيح باتفاق الأصحاب: الأول، وهو اختيار أبي إسحاق كما قال القاضي الحسين والمتولي، وادعى القاضي أبو الطيب والبندنيجي والبغوي أنه المذهب؛ لقوله في "المختصر": "لو كان يملك أقل مما [تجب] فيه الزكاة زكى ثمن العرض من يوم ملك العرض؛ لأن الزكاة تحولت فيه بعينه".
قال القاضي أبو الطيب: وهو الذي نص عليه في "الأم" مصرحاً بأن قيمة العرض لا تعتبر في أول الحول ولا في أثنائه.
وبهذا يبطل ما تأول به ابن سريج من لفظ "المختصر"، والفرق بينه وبين المواشي والناض ما تقدم، وعلى هذا: لو باع العرض في أثناء الحول بالنقد الذي يقوم به العرض عند تمام الحول لو بقي فلم يبلغ ثمنه نصاباً فهل ينقطع الحول حتى إذا اشترى بذلك عرضاً استأنف له حولاً من وقت الشراء، أو لا ينقطع؟ فيه وجهان في "الوجيز" حكاهما الإمام والقاضي الحسين؛ تفريعاً على اعتبار النصاب في أول الحول وآخره دون وسطه، وكان قد اشتراه بنصاب وهو مائتا درهم مثلاً وبمجموع النقلين يكون الوجهان

مفرعين على ما عدا الأول وبه صرح الفوراني والرافعي وقال: إن الذي رأى الأكثرين مائلين إليه: الانقطاع، وهو في "البحر" في الصورة التي ذكرها الإمام منسوب إلى القفال، وغلط من قال بخلافه، ولم يحك الماوردي غيره، وجعله في "الوسيط" قولاً رابعاً في المسألة وأعرض عن التفريع [معبراً عن ذلك بأن النقصان بانخفاض الأسعار في أثناء الحول لا يعتبر ولكن] إن صار محسوساً بالرد إلى الناض فيعتبر؛ لأن هذا منضبط.
قلت: هذا ملخص لما ذكره الإمام أصلاً وفرعاً وما ذكره في "الوجيز" أحسن منه وأبلغ؛ لأن من قال بانقطاع الحول عند تحقق النقص عن النصاب بالتنضيض في أثناء الحول- تفريعاً على قولنا: إن النظر في النصاب إلى آخر الحول- قال به مع المسامحة في عدم اعتبار النصاب في أول الحول وآخره، فهو قائل به عند المسامحة في عدم اعتبار النصاب في وسطه دون أوله من طريق الأولى ولا يلزم من قال بانقطاع الحول عند تحقق النقص عن النصاب بالتنضيض في أثناء الحول – تفريعاً على اعتبار النصاب أول الحول [وآخره]- أن يقول بمثله تفريعاً على اعتبار النصاب في آخر الحول.
[ولأن الحول في هذه الحالة انعقد على عينه في الابتداء والآن صار من جنس [ما انعقد الحول على عينه؛ فالزكاة حين تجب في هذا إنما تجب في عينه، وكل موضع تجب فيه زكاة العين فيعتبر فيه] نصاب كامل في جميع الحول، وهاهنا النصاب قد انتقص كذا قاله القاضي الحسين في "تعليقه" فقط لما ذكره من المعنى، فإذن ما ذكره الإمام ولخصه في "الوسيط"، خاص بالتفريع على اعتبار النصاب في الطرفين فقط وما ذكره في الوجيز جار على ذلك وعلى ما إذا اعتبرنا النصاب آخر الحول فقط، وهو الذي صرح به الأصحاب كما تقدم؛ فكان أولى.
وقد جعل القاضي الحسين الوجهين تفريعاً على اعتبار النصاب في طرفي الحول فقط مبنيين على ما إذا اشترى عرضاً بمائتي درهم ونض ثمنه، وزاد على قدر رأس المال، فإن قلنا: إنه يزكي الجميع لحول الأصل لم ينقطع هاهنا وإلا انقطع [وقال: إنهما جاريان، فيما إذا كان له عرض للقنية فباعه بدراهم بنية

التجارة بأقل من نصاب هل ينعقد] الحول عليها أم لا؟ وهذا كله إذا كان التنضيض في أثناء الحول بما يقوم به العرض عند تمام الحول فلو كان بغيره بأن كان المقوم به دراهم فنضه بذهب أو بالعكس، فهو كما لو باعه بعرض فلا ينقطع الحول، وإن كانت قيمته دون النصاب على الصحيح، صرح بذلك الفوراني وأبداه الإمام احتمالاً، وحكي وجهاً آخر فيما إذا باعه بعرض ينقص قيمته عن النصاب المقوم به: أنه ينقطع الحول؛ كما ينقطع لو باعه بما دون النصاب من النقد الذي يقوم به ويبتدأ الحول في السلعة المستفادة، وقد قال: إنه ساقط؛ لأن المناقلة لا أثر لها في أموال التجارة.
قال: وإن اشترى بنصاب من السائمة- أي: مثل: أن اشتراه بخمس من الإبل، أو ثلاثين من البقر، أو أربعين من الغنم السائمة- فقد قيل: يبني على حول الماشية؛ لأنه فرع لأصل انعقد عليه الحول فجرى في حوله؛ كما لو اشتراه بنصاب من الأثمان، وهذا ما ادعى الإصطخري أنه مذهب الشافعي؛ لقوله في "المختصر": "ولو اشترى عرضاً للتجارة بدنانير أو دراهم أو بشيء تجب فيه الصدقة والماشية، وكان إفادة ما اشترى به ذلك العرض من يومه- لم يقوم العرض حتى يحول عليه الحول من يوم أفاد ثمن العرض ثم يزكيه بعد الحول"، وما ذكره الإصطخري هو الذي فهم المزني من كلام الشافعي أنه ذكره كما ذكرنا، واعترض عليه.
وقيل: ينعقد عليه الحول من يوم الشراء- أي: إن كانت قيمته نصاباً بلا خلاف، أو دون النصاب [على الأصح]؛ كما قاله البندنيجي؛ لأن نصاب الماشية مخالف لنصاب التجارة؛ لأن نصاب الماشية وواجبه مختلف؛ فلم يجز أن يبنى حول أحدهما على الآخر مع اختلاف نصابهما وواجبهما؛ كما لو باع الإبل بالبقر، وهذا ما صار إليه ابن سريج وجمهور الأصحاب.
[وقال القاضي أبو الطيب: إنهم قالوا: إنه مذهب الشافعي، واختلفوا فيما نقله المزني: فمنهم من غلطه وإليه مال الإمام، ومنهم من لم يخطئه، وهؤلاء

اختلفوا في المراد بما نقله على أوجه: أحدها: أنه مفروض فيمن ملك ماشية فاشترى بها عرضاً في اليوم الذي ملكها فيه، وهو ظاهر النص.
الثاني: أنه محمول على ماشية اشتراها للتجارة وأسامها فوجبت فيها زكاة التجارة، وسقطت عنها زكاة العين- في أحد القولين- ثم ابتاع بها عرضاً للتجارة؛ فإن حول العرض من حين ملك الماشية.
والثالث: أنه جمع بين الدراهم والدنانير والماشية، ثم عطف بالجواب على الدراهم والدنانير دون الماشية، وقد يقع ذلك في كلامه]، واحتجوا له بأنه قال: من يوم أفاد الثمن، ولفظ "الثمن" يقع على النقدين دون الماشية.
قال الرافعي: وهذا منتظم على قولنا: إنه لا ثمن إلا النقدين.
قال: ويقوم مال التجارة- أي: الذي هو عرض؛ كما دل عليه كلامه من أول الباب إلى هنا، برأس المال إن كان رأس المال نقداً أي: نصاباً كان أو دونه، وهو نقد البلد أو غيره؛ لأن رأس المال نقد يقوم به كما أن نقد البلد يقوم به فكان الرجوع إلى رأس المال أولى؛ لأنه أقرب إليه.
قال الأصحاب: وصار هذا كالمستحاضة ينظر إلى عادتها، فإن لم يكن له عادة ردت إلى الأغلب.
قال: وبنقد البلد إن كان رأس المال عرضاً، أي: تجب فيه الزكاة، أو لا تجب لأنه لا يمكن تقويمه بما اشتراه [به فيقوم] بنقد البلد؛ لتعينه.
وهذا القول هو الأصح عند القاضي أبي الطيب والماوردي والغزالي وغيرهم، وإذا قلنا به: فلو لم يعلم ما اشتري به قوم بنقد البلد، حكاه في "البحر".
والمملوك بالنكاح والخلع على قصد التجارة، إذا قلنا: إنه مال تجارة- كالمملوك بالعرض؛ فيقوم بنقد البلد، قاله الرافعي.
وقيل: إن كان رأس المال دون النصاب- أي: وليس في ملك المشتري حالة الشراء مما اشترى به ما يتم النصاب- قوم بنقد البلد؛ لأنه لا يبني حوله على حول ما اشترى [به] فكان كالمنفرد بنفسه فألحق بالعرض، وهذا اختيار

أبي إسحاق.
أما إذا كان في ملكه حالة الشراء ما يتم به النصاب؛ كما إذا كان في ملكه مائتا درهم فاشترى العرض بمائة منها، فقد قال القاضي- حكاية عن القفال-: أنه قال في مرة: إن ذلك ينبني على الصورة قبلها، فإن قلنا ثم: يقوم برأس المال فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، والفرق: أن ما اشتري به العرض في المسألة الأولى ما انعقد عليه الحول فهو في حكم العرض، فقلنا: يقوم بنقد البلد بخلاف هذا، وقال في المرة الثانية: إنه يقوم بجنس ما اشترى به قولاً واحداً؛ لأنه اشتراه ببعض ما انعقد النصاب على عينه، وهذا ما اقتصر الرافعي على إيراده، وقال: لا خلاف فيه.
ثم ملخص ما ذكرناه: أن الشراء إن وقع [بنصاب من الأثمان، فالتقويم بجنسه لا خلاف فيه، وكذا إن وقع] بدون النصاب وفي ملك المشتري ما يتم به النصاب على الأصح، وإن وقع بعرض فالتقويم بنقد البلد بلا خلاف، وحكى القاضي الحسين وجهاً فيما إذا كان رأس المال عرضاً باعه بدراهم بنية التجارة، ثم اشترى بها عروضاً للتجارة- أنه يقوم بالدراهم؛ لأن الحول انعقد حين البيع بالدراهم، فيقوم بها، وإن وقع بما دون النصاب من الأثمان وليس في ملك المشتري ما يتم به النصاب، فهل يقوم بجنس رأس المال أو بنقد البلد؟ فيه وجهان بناهما القاضي الحسين وغيره على أن علة التقويم برأس المال إذا كان نصاباً بخلاف ما إذا كان دونه، وفيه معنيان ذكرهما الماوردي أيضاً: أحدهما: كون حول التجارة مبنياً على حوله، فعلى هذا يقوم بنقد البلد؛ لأن ما دون النصاب لم ينعقد عليه حول حتى يبني عليه.
والثاني: لأنه قيمة، ونقد البلد قيمة، وهو [إلى] ما اشترى به أقرب؛ فكان الاعتبار به أولى، فعلى هذا: يقوم برأس المال- إذا كان دون النصاب أيضاً.
وبنى المتولي على المعنيين ما إذا اشترى للتجارة [شيئاً] بنصاب في ذمته، ونقد الثمن مما في يده قال: فعلى الأول: يقوم بنقد البلد؛ لأن حول التجارة لا يبنى على حول ما أداه كما تقدم، وعلى الثاني: يقوم بجنس ما اشترى به، وقضية

العلتين: أنه إذا اشتراه بدين في ذمة البائع، وقلنا بظاهر المذهب: إن الدين تجب فيه الزكاة أن يقوم بجنسه.
وقد حكى في "التتمة" معه وجهاً آخر: أنه يقوم بنقد البلد؛ لأن الدين ملك ناقص على معنى أنه لا يجوز التصرف فيه إلا مع من هو عليه، فكان بمنزلة العرض الذي لم يعد [للتصرف، والمشترى] بالعرض يقوم بنقد البلد؛ وهكذا المشترى بالدين.
وقد حكى الماوردي وغيره عن ابن الحداد أنه قال: إنما يقوم بنقد البلد على كل حال في جميع الصور؛ كما تقوم به المتلفات.
وقال الإمام: إن صاحب "التقريب" نقله قولاً قديماً، وقال: إنه غريب جداً، وليس له اتجاه في المعنى.
وغيره قال: إنه ليس بشيء أو خطأ.
وقد بقي من أقسام المسألة: ما إذا اشتراه بذهب، أو فضة: نقرة أو سبائك، فإن ذلك ليس من الأثمان؛ لأن اسم "الأثمان" [-لغة- مختص] بالدراهم والدنانير المطبوعة وليس هو من العروض؛ كما نقلناه في باب زكاة الناض، وحينئذ فقد حكى المتولي فيما يقوم به وجهين- بناء على ما تقدم-: فإن قلنا: إنما يقوم برأس المال إذا كان نصاباً؛ لأن حول العرض مبني على حوله، وهاهنا يقوم بجنس الثمن؛ لأن ما وقع به الشراء لا يقوم به؛ وإن قلنا: إنما قوم به لكونه أقرب إليه من نقد البلد، مع استوائهما في النقدية- فهاهنا يقوم بنقد البلد؛ لأن النقار والسبائك ليست بنقد.
ثم اعلم أنا حيث قلنا: يقوم بما اشتراه به، فلا فرق بين أن يكون قد اشتراه بأحد النقدين أو بهما، لكنه إذا اشتراه بهما قوم بهما على نسبة التقسيط يوم الشراء؛ فإنه الوقت الذي يتوزع الثمن فيه على المثمن، ولا يجوز تقويمه- والحالة هذه- بأحدهما، سواء كان لا يبلغ بكل منهما نصاباً أو يبلغ به، أو يبلغ بأحدهما دون الآخر.
نعم، حكى الماوردي وجهاً فيما إذا كان قد اشتراه

بما دون النصاب في كل منهما: أنه يقوم بالدراهم، لأنها أصل وطريقها النص، والدنانير تبع وطريقها الاجتهاد.
وحيث قلنا: يقوم بنقد البلد: فلو كان فيها نقدان رائجان، قوم بأكثرهما رواجاً، فإن تساويا في الرواج، نظر: فإن كان يبلغ بأحدهما نصاباً دون الآخر، قوم بما يبلغ به نصاباً، كذا قاله الجمهور، وقال في "التتمة": إنه ظاهر المذهب.
وإن [من أصحابنا] من قال: يقوم بالنقد الذي لا يبلغ به نصاباً؛ لأن الزكاة إذا دار بين السقوط والوجوب فالسقوط مغلب، وأصله: ما إذا علف السائمة في بعض الحول أقل من المدة التي أسامها فيها؛ فإنه لا زكاة.
وفي "الحاوي" وجه ثالث: أن القيمة إن بلغت نصاباً إذا قوم بالفضة قوم بها، وإن لم تبلغ بها نصاباً، وتبلغ إذا قومت بالذهب فلا تقوم بالذهب، ولا تجب الزكاة إلا أن يفعل ذلك تطوعاً.
ونقل الإمام عن رواية صاحب "التقريب" وجهاً يقاربه: أن الاعتبار في التقويم بالدراهم إذا كان رأس المال دون النصاب من النقد؛ لأن الدنانير بالإضافة إلى الدراهم تكاد أن تكون عرضاً من جهة أن صرف كسور الدنانير إلى المستحقرات عسر، قال: وعلى هذا لو بلغ- إذا قوم بالدنانير- نصاباً، ولم يبلغه إذا قوم بالدراهم فلا زكاة، والمشهور الأول.
نعم، إن بلغ بكل من النقدين- لو قوم به-[نصاباً فبماذا يقوم؟ فيه] أربعة أوجه: أحدها: بالأنفع للمساكين، [وهو معتضد بأن الأظهر في اجتماع الحقاق وبنات اللبون رعاية الأغبط للمساكين]، وهو الذي يقتضي إيراد الإمام ترجيحه.
والثاني: تتعي الدراهم لأنها أنفع إذ تصلح لشراء المحقرات، ولأن وجوب الزكاة في الدراهم وجب بالتواتر- بخلاف الذهب- وهذا قول ابن أبي هريرة.
والثالث: يقوم بأغلب نقد أقرب البلاد إليه.
والرابع- وهو قول أبي إسحاق، وهو الذي صححه الشيخ أبو حامد، وتبعه في "الشامل" و"البحر"، وقال البندنيجي: إنه المذهب-: أن المالك يخير فيقومه بما

شاء منهما، وهو معتضد بأنه الأظهر في الجبران أن الخيار في تعيين الشاتين والدراهم إلى المعطي.
فرع: إذا اشترى جارية للتجارة، فولدت، فهل يدخل الولد في حول التجارة فيقوم، أم لا؟ فيه وجهان في "الوسيط"، المذكور منهما في "التتمة": الدخول – وهو الصحيح- ومقابله منسوب إلى ابن سريج.
قال الرافعي: والوجهان فيما إذا لم تنقص الأم بالولادة، فإن نقصت نظر: فإن كان قدر قيمة الولد جبر به، وأخرج زكاة الجميع، وإن كان النقص ينجبر ببعض قيمة الولد جبر به، وحكم الثاني كما تقدم؛ كذا حكى عن ابن سريج وغيره.
وقال الإمام: وفيه احتمال ظاهر، وقضية قولنا: إنه ليس مال تجارة، ألا يجبر به نقصان الجارية؛ كالمستفاد بسبب آخر.
وثمار أشجار التجارة بمثابة أولاد حيوان التجارة؛ ففي كونها مال تجارة الوجهان، والمنصوص منهما- كما قال في "البحر"-: أنها مال تجارة.
وهو الذي يقتضيه كلام الشيخ وغيره كما سنذكره، والله أعلم.
قال: فإن بلغت قيمته في آخر الحول نصاباً زكاه.
هذا من الشيخ تفريع على أن النصاب إنما يعتبر في آخر الحول، وقد تقدم دليله، لكن بماذا يزكيه؟ هل من العرض، أو مما قوم به؟ اختلف فيه النص: فالذي قاله في "الأم" ونقله المزني: أنه يزكيه مما قوم به؛ فيخرج ربع عشره.
وقال: في القديم قولان: هذا أحدهما.
والثاني: يخرج عرضاً [منها] بقدر ربع عشره.
وقال في القديم، قال- بعده بأسطر-: يخرج الزكاة دراهم أو دنانير أو عرضاً منها.
واختلف الأصحاب لأجل ذلك في المسألة على ثلاث طرق: إحداها: أن له في المسألة قولين: أحدهما: تعين عليه إخراج ربع عشر ما قوم به، وهو الجديد وأحد قولي القديم.

والثاني: تعين عليه إخراج عرض يقدر بربع عشر القيمة، وهو القول الثاني في القديم، ووجه ظاهر خبر سمرة بن جندب؛ فإن الذي يعد للبيع هو العرض، واستدل له المتولي بقول أبي بكر: "ولو منعوني عقالاً مما أدوه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه"، ولا يتصور وجوب العقال في الزكاة إلا إذا كان يتجر في العقال فيجب عليه من جنس مال التجارة.
قلت: وفي قوله: ولا يتصور وجوب العقال إلا في التجارة- فيه نظر؛ لأن القاضي الحسين قال في أول الكتاب: إن العقال قد يستحق في الزكاة إذا وجب عليه بعير في زكاة الإبل وكان ذلك البعير مغتلماً شارداً، فعليه تسليمه إلى الساعين؛ ليسقط عنه الفرض، ولا يمكنه تسليمه إلا بشد قوائمه بالعقال، فعليه تسليمه مع العقال، ثم يسترد العقال، وهذه الطريقة تعزى إلى ابن أبي هريرة، قال في البحر: ولا تصح عنه.
والثانية: أن في المسألة قولين: أحدهما: أنه تعين إخراج ربع العشر مما قوم به؛ كما نص عليه في الجديد.
والثاني: هو بالخيار بين ذلك وبين إخراج عرض بقدر ربع عشر القيمة.
وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح"، وقالا: قول الشافعي: يخرج عرضاً، معناه: إن اختار ذلك.
قلت: وكلام الشافعي الذي ذكره بعد ذكر القولين يدل عليه، وهذه طريقة أبي إسحاق، وعليه ينطبق [ما قاله] بعض الأصحاب: إن هذه الزكاة تجب في العين أو في القيمة؟ فيه وجهان: فإن قلنا بالثاني فأخرج من العين، أجزأه.
وإن قلنا بالأول فأخرج من القيمة، هل يجزئ؟ فيه قولان.
وإذا جمعت بينها وبين الطريقة السابقة جاءك في المسألة ثلاثة أقوال، وهي الطريقة الثالثة، وتعزى إلى ابن سريج.
وقال الإمام: إن صاحب "التقريب" جمعها من القديم والجديد، ولم يورد الماوردي غيرها:

أحدها: أنه يتعين إخراج ربع عشر ما قوم به، وهو الأصح في "الحاوي"، و"البحر"، وبه الفتوى؛ كما قال الإمام؛ لأن الحول ينعقد على القيمة لا على العين، بدليل: أنه لو بادل عرض التجارة بعرض للتجارة لا ينقطع الحول، وإذا ثبت ذلك وجب إخراجها مما انعقد عليه الحول.
والثاني: يتعين إخراج العرض؛ لما تقدم، وعلى هذا لو عدل عما عنده، وأراد أن يخرج عرضاً من جنسه- قال البندنيجي: فالمذهب: أنه لا يجوز، ومن أصحابنا من قال: يجوز؛ كما في المواشي والأثمان.
وغيره قال: إنه المذهب؛ لأن الشافعي قال في القديم: "ينظر كم قدر زكاته؟ فيشترى به عرضاً ويخرج" وهذا نص صريح، قال في "البحر": وهو الصحيح.
والثالث: أنه يتخير بين إخراج أيهما شاء؛ عملاً بموجب الدليلين.
وقد فرع ابن سريج على طريقته ما يوضح به ما ذكره، فقال: إذا اشترى مائتي قفيز من طعام بمائتي درهم للتجارة، فحال الحول وقيمته مائتان- وجبت الزكاة، ومن أين يخرجها؟ إن قلنا: يخرج من القيمة، أخرج خمسة دراهم، وإن قلنا: من العرض أخرج خمسة أقفزة، وإن قلنا: بالخيار أخرج خمسة دراهم، أو خمسة أقفزة، فإن عدل عن هذا الطعام إلى أربعة أقفزة من طعام تساوي خمسة دراهم، فإن قلنا بالأول لم يجزئه، وإن قلنا بالثالث سئل، فإن أراد إخراج ذلك عن خمسة دراهم لم يجزئه، وإن أراد إخراجه عن خمسة أقفزة أجزأه عن أربعة، وطولب بخامس كما ذكرنا.
قلت: وهذا يقوي قول من قال: إنا إذا قلنا: يخرج من العرض، أنه يخرج من غيره.
ولو حال الحول وقيمة الطعام مائتان، ولكن تغير الحال بعد الحول، فإن نقصت قيمته لنقصان السوق فبلغت مائة، فإن كان بعد إمكان الأداء، فإن قلنا بالأول فعليه خمسة دراهم، وإن قلنا بالثاني أخرج خمسة أقفزة وإن كانت تساوي درهمين ونصفا؛ لأن نقصان القيمة لنقصان السوق لا يضمن بالتفريط

كالغصب، وإن قلنا بالثالث: فإن اختار إخراج العرض أخرج خمسة أقفزة، وإن اختار إخراج القيمة أخرج خمسة دراهم.
ولو كان النقص قبل إمكان الأداء، وقلنا: إمكان الأداء شرط في الوجوب- فلا يجب عليه شيء، وإن قلنا: شرط الضمان، فعلى الأول يخرج درهمين ونصفا، وعلى الثاني خمسة أقفزة، وعلى الثالث: إن اختار [إخراج] القيمة أخرج درهمين ونصفا، وإن اختار العرض أخرج خمسة أقفزة.
ولو كانت القيمة قد زادت قدر الأصل؛ لزيادة السوق، وقال البندنيجي: فالحكم كما لو لم تزد ولم تنقص، ولا فرق بين أن تكون الزيادة قبل إمكان الأداء أو بعده، وغيره قال: إن كان ذلك قبل إمكان الأداء، وقلنا: إنه شرط الوجوب- فعلى الأول: يخرج عشرة دراهم، وعلى الثاني: خمسة أقفزة، وعلى الثالث: يتخير بينهما.
وإن قلنا: إنه شرط الضمان: فعلى الأول: [يخرج خمسة دراهم، وعلى الثاني: خمسة أقفزة منها، أو من غيرها يكون قيمتها عشرة، وعن ابن أبي هريرة: أن له أن] يخرج خمسة أقفزة قيمتها خمسة؛ لأن هذه الزيادة حدثت بعد وجوب الزكاة، وهي محتبسة في الحول الثاني.
قال في "البحر": وهو غلط.
وعلى الثالث: يتخير بين الأمرين.
وقد بنى بعضهم على الخلاف المذكور جواز بيع العروض قبل إخراج الزكاة، فقال: إن قلنا: يخرج من العروض، كانت على الخلاف في غير ذلك من المواشي، وإن قلنا: يؤدي من القيمة، فالحكم كما لو وجبت شاة في خمس من الإبل فباعها؛ لأن القيمة ليست من جنس الأصل؛ كذا حكاه الإمام، وقال: إن هذا غفلة عظيمة؛ لأن بيع مال التجارة تجارة، فكيف يخطر لذي فهم منع ما هو من قبيل التجارة في مال التجارة؟ ونحن وإن قلنا: إنه يتعين إخراج العرض فسد باب البيع لا وجه له، وحينئذ فلا وجه لما تقدم وهو غلط غير معدود من المذهب.
نعم قد حكى صاحب "التقريب" تردد

الأصحاب في جواز البيع قبل تأدية الزكاة.
قلت: وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما، حيث حكوا في المسألة طريقين: إحداهما: أن في البيع قولين كما في المواشي.
والثانية: القطع بالجواز وبها قال الجمهور كما قال الرافعي، ولم يذكر في "الوسيط" غيرها، [وهي التي رجحها الإمام]؛ لأنه لا يزيل المالية التي هي [متعلق الزكاة].
وهذا إذا باعه بالقيمة، فلو باعه بمحاباة فالمحاباة به كالموهوب، وهو إن وهب جميع المال أو أعتقه كان كالمتصرف في المواشي فيخرج على الخلاف.
قال الرافعي: فإن لم تصح الهبة فينبغي أن تبطل في قدر المحاباة، ويخرج في الباقي على تفريق الصفقة.
وقال الماوردي والإمام: إذا كان العرض يساوي ثلاثمائة فباعه بمائتين، فالناقص عن القيمة بمثابة طائفة من ماله يتلفها بعد وجوب الزكاة، وهذا يقتضي الجزم بنفوذ التصرف.
وحكينا في عكس المسألة: أن العرض لو كانت قيمته آخر الحول مائتين فباعه بثلاثمائة، فالمائة الزائدة هل تزكى للحول الأول كما لو حصلت بسبب ارتفاع السوق آخر السنة؛ إذ لولا السلعة لما حصلت، أو تحسب للحول الثاني وتضم إليه؛ فإن القيمة لم تزد وإنما احتال المالك في تحصيلها، فهو كما لو كسبها بصنعة وعمل؟ فيه وجهان.
قال: إن نقصت عن النصاب- أي: وليس له مال من جنس ما يقوم به يكمل به النصاب- لم تلزمه الزكاة إلى أن يحول عليه حول آخر- أي: وتكون قيمته في آخره نصاباً- ووجهه: أنا أسقطنا اعتبار النصاب في جميع السنة؛ حتى لا يؤدي إلى المشقة، و [لو] لم يستأنف الحول أدى إلى المشقة؛ لأن في كل ساعة يحتاج أن يقوم لينظر هل تم نصاباً حتى نأخذ الزكاة أم لا؟

قال الماوردي: وهذا قول أبي إسحاق وجمهور أصحابنا.
وقيل: إن زادت قيمته بعد ذلك بيوم أو شهر صار ذلك حوله، وتلزمه الزكاة، ويجعل [ابتداء] الحول الثاني من ذلك الوقت؛ لأن مال التجارة قد أقام في يده حولاً، وتم النصاب، فيجعل كأن ملكه في ابتداء المدة ما كان؛ وإنما ملكه بعد تمام المدة بيوم أو شهر، وهذا قول ابن أبي هريرة، وقال في "الوسيط": إنه الأصح.
وهو مطرد فيما إذا زادت القيمة بعد ستة أشهر فأكثر؛ كما صرح به الأصحاب.
أما إذا كان له ما يكمل به النصاب مثل: أن تكون [له] مائة درهم فاشترى منها بخمسين عرضاً للتجارة وبقيت الخمسون في ملكه، وبلغت قيمة العرض في آخر الحول مائة وخمسين- فإن ذلك يضم إلى ما عنده، وتجب عليه الزكاة في الكل بلا خلاف، وهكذا لو كان قد اشترى عرضاً بمائة درهم، ثم عرضا آخر بمائة درهم ملكها بالإرث بعد شهر ثم بعد شهر آخر اشترى عرضاً آخر بمائة أخرى، فإذا حال الحول على الأول ولم تبلغ قيمته نصاباً، ثم حال الحول على الثاني ولم تبلغ [قيمته] نصاباً، ثم حال الحول على الثالث ولم تبلغ قيمته نصاباً- ضممنا الكل: فإن بلغت القيمة نصاباً وجبت الزكاة، ومن طريق الأولى: إذا بلغت قيمة أحدها نصاباً، وإن لم تبلغ [قيمة] الجميع نصاباً، فلا زكاة حتى يحول حول آخر، ويجيء فيه الوجه الآخر؛ كذا حكاه البندنيجي.
وقال القاضي الحسين فيما لو كان قد اشترى العرض بمائتين، ثم في أثناء الحول ورث مائة درهم، فاشترى بها عرضاً آخر للتجارة- ففي آخر الحول هل يضم ما اشتراه بالموروث إلى ما عنده في تكميل النصاب أم لا؟ ينظر: إن كان نقد البلد دراهم فيضم وإن كان دنانير: فإن قلنا: إن ما اشتراه بما دون النصاب من النقد يقوم بجنس ما اشترى به- يضم أيضاً، وإن قلنا: لا يقوم [به؛ بل يقوم] بنقد البلد فلا يضم.

قلت: ومثل هذا لا يجيء فيما ذكرناه؛ لأن المشترى به أولاً دون النصاب، وكذا الثاني، والثالث، فنحن إن قلن: يقوم بجنس ما اشترى به فهو جنس واحد، وإن قلنا: يقوم بنقد البلد فهو جنس واحد؛ فلذلك لم يقع اختلاف في الضم.
نعم، لو كان المشترى في بلاد مختلفة النقود وبقي فيها إلى أن حال الحول، جاء التقسيم المذكور، فتأمل ذلك، والله أعلم.
ولو كان قد باع العرض في أثناء الحول بنقد لا تقوم به السلعة آخر، فإنه يقوم في آخر الحول: فإن بلغت قيمته نصاباً زكاه باعتبار القيمة، وهل يخرجها من المقوم به أو العين؟ فيه ما تقدم، وإن لم تبلغ قيمته نصاباً نظر [فيه]: فإن لم يكن في نفسه نصاباً فحكمه حكم العرض، وإن كان في نفسه نصاباً مثل: أن يكون قد باع العرض بعشرين ديناراً، وكان ما يقوم به من النقد هو الدراهم، ولم تبلغ قيمة الذهب في آخر الحول مائتي درهم- فإن قلنا فيما إذا كان مال التجارة في آخر الحول عرضاً: إنه ينتظر في إيجاب الزكاة فيه بلوغه نصاباً، فهكذا الحكم هنا فينتظره أيضاً، ولا نوجب فيه الزكاة وإن أقام سنين، وإن قلنا: لا تلزمه الزكاة حتى يحول حول آخر؟ فهاهنا هل يستأنف حول التجارة، أو حول العين؟ فيه وجهان: فإن قلنا بالثاني فمن أي وقت يستأنفه؟ فيه وجهان: أحدهما: من حين وقت التقويم.
والثاني: من حين ملك ذاك؛ لأن النصاب حصل في ملكه من ذلك الوقت؛ كذا قاله الإمام والمتولي.
وحكى الماوردي قولاً عن رواية الربيع: أن بمجرد بيع العرض في أثناء الحول بنصاب من النقد الذي لا يقوم به، يستأنف الحول ولا يبنى؛ لأن الزكاة قد انتقلت من قيمة العرض إلى عين لا تعتبر في العرض، فلم يجز أن يبني حول أحدهما على الآخر، وقال: إنه الأقيس، وإنه ظاهر المذهب وبه قال جمهور أصحابنا: البناء وهو الأحوط، والله أعلم.
قلت: وما نقله الربيع مستمد من أنه إذا اشترى للتجارة ما تجب الزكاة في عينه أن الواجب زكاة العين دون زكاة التجارة، سواء اتفق وقت وجوبها أو

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل