كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 118-157
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الشهادات

صفحات 118-157
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وإذا جمعت هذا مع تقدم جاءك في الكل ثلاثة أوجه: ثالثها: تسمع شهادة الحائك دون ما عداه، وكذا حكاه الماوردي، وألحق القصاب والسماك بالحائك.
قال في ((البحر)): وقيل: هما أحسن حالًا منه.
والدباغ ملحق بالقيم في الحمام.
والأساكفة، قال القاضي الحسين: إن كانوا يستعملون شعر الخنزير- وهو: الهلب- ولا يغسلون الثياب عنه، فلا خلال أنه لا تقبل شهادتهم.
وإن كانوا يستعملون الهلب، ويغسلون الفم والأيدي من ذلك، فهل تقبل شهادتهم؟ فيه وجهان، الأصح: أنها لا تقبل.
وإن كانوا يخرزون بالليف، أو بشعر الزرافة ويغسلون الثياب عن النجاسات فالأصح من المذهب: قبول شهادتهم.
والصباغون والصاغة، أطلق الجمهور القول بقبول شهادتهم، إلا أن يصدر منهم كذب في الموعد، كما في سائر المحترفة، ويتكرر، فترد به شهادتهم.
وعن كتاب ابن كج: أن بعض الأصحاب ألحق الصباغين [والصواعين] بمن ترد شهادتهم.
وقد خص الغزالي محل الخلاف فيمن ذكرناهم إذا كان يليق كل حرفة بمن اكتسب بها، وكانت من صنعة آبائه، فأما غيره إذا اختارها واشتغل بها، سقطت مروءته.
قال الرافعي: وهو حسن، وقضيته أن يقال: الإسكاف والقصاب إذا اشتغلا بالكنس، سقطت مروءتهما، بخلاف العكس.
وذكر القاضي الحسين عند الكلام في شهادة الوالد للولد طريقة أخرى، فقال: شهادة الحمال في يسير من المال مقبولة، وكذا الدلال، وتارك المروءة، ونحوه، لأن الغالب أنهم لا يقصدون بمثل ذلك.
وإن شهدوا بمال كثير، نظر: إن كان الشيء مما يقصد بالإشهاد عليه فلا يقبل، لأن الغالب أن من [يتخذ] على شيء شاهدًا، فلا يقصد حمالًا ولا كيالًا.

وإن كان الشيء مما لا يقصد بالإشهاد، مثل أن يرى رجلًا غصب مال رجل، فإنه يجوز أن يتفق مثل هذا، فتقبل شهادته فيه.
قال: وتقبل شهادة الأخرس، أي: إذا كانت له إشارة مفهمة، لأن إشارة الأخرس كعبارة الناطق في نكاحه، وطلاقه، وبيعه، وشرائه، وجميع الأمور، كما قال البندنيجي في باب حد الزنى، فكذا في شهادته، وهذا ما نسبه البندنيجي في باب حد الزنى إلى أبي إسحاق، وهنا إلى ابن سريج، وهو المذكور في ((الحاوي)) في مواضع.
وقيل: لا تقبل، لأن الإشارة لا تصرح، وإنما تعرف بالاستدلال الظن، ولا حاجة بالقاضي [إلى] إقامة الظن مقام العلم، لأنه يمكنه أن يستشهد غيره، بخلاف العقود، فإنها لا تستفاد إلا من جهته: إما بعقده، أو بإذنه، فكان تصحيحه للضرورة، وهذا ما صححه النواوي، والغزالي في كتاب اللعان، وحاكه البندنيجي في باب حد الزنى عن النص، وقال هنا: إنه المذهب.
وكذلك الماوردي قال هنا وفي كتاب الأقضية: إنه المذهب.
وفي كتاب اللعان: إنه [الذي] عليه جمهور أصحابنا، وهما في ذلك متبعان للشيخ أبي حامد، فإن هذه طريقته، كما حكاها ابن الصباغ.
قال: والأول [أصح]، لما ذكرناه، والشيخ فيه موافق لأبي عبد الله الحناطي، وشيخه [القاضي] أبي الطيب، فإن القاضي في باب حد الزنى حكاه عن رواية ابن المنذر عن المزني [عن مذهب الشافعي، وقال هنا: إنه حكاه أبو بكر بن المنذر عن المزني].
وإني سمعت أبا عبد الله الحناطي يقول: إنه المذهب، وإن أبا العباس قال: لا يسمع.
وكان رجلًا حافظًا لكتب الشافعي، وكتب أبي العباس.
وقد ذكر المزني هذه المسألة في ((الجامع الكبير))، وذكر أن الذي يجيء على قياس قول الشافعي أن شهادته تصح، كما في نكاحه، ولم أحد للشافعي نصًا، وإنما وجدت هذا في كتاب المزني، وهو أعلم بمذهب الشافعي وما تقتضيه أصوله من غيره.

وقولهم: إنه به حاجة إلى العقود [دون الشهادة، لا يصح، لأنه يجوز أن يكون وكيلًا لغيره في العقود] وإن لم تدع الحاجة إليه، وقد تتعين عليه شهادة تحملها قبل الخرس، فتدعو الحاجة إلى سماعها منه.
قال: وتقبل شهادة الأعمى فيما تحمله قبل العمى، أي: على من عرف اسمه، ونسبه، لأنه مساوٍ للبصير في العلم بذلك، والبصير يجوز أن يشهد والحالة هذه وإن لم ير المشهود عليه لغيبة أو موت، فكذلك الأعمى يجوز أن يشهد عليه وإن لم يره، وهكذا نقول من طريق الأولى لو عمي بعد الشهادة وقبل الحكم.
ولا يقال: إن العمى نفسه مانع من الشهادة كالفسق، لأنا نقول: هو معنى طرأ بعد الشهادة، لا يورث تهمة في حال الشهادة، فلا يمنع الحكم بها، كالموت والعداوة، بخلاف الفسق، فإنه يورث تهمة في حال الشهادة، وهذا ما نص عليه.
نعم، لو كان من طرأ عليه العمى قاضيًا، وقد سمع الشهادة على رجل باسمه ونسبه، فعمي قبل الحكم- هل يحكم؟ حكى الإمام ومن تبعه فيه وجهين، والذي حكاه القاضي الحسين منهما: أنه يحكم، وعليه فرع العراقيون، فإن صاحب ((البحر)) قال: قال أصحابنا: يجوز له في مثل هذه الصورة أن يقضي بعلمه إذا جوزنا القضاء بالعلم، أما إذا كانت الشهادة على معين بالإشارة، دون أن يعرف اسمه ونسبه، لم تصح الشهادة منه عليه بعد العمى، كما لا تصح الشهادة عليه من البصير إذا كان غائبًا والحالة هذه، اللهم إلا أن تكون يده في يده، ولم يفارقه بعد طروء العمى عليه إلى القاضي، فإنه تسمع شهادته عليه، كما قاله الماوردي وغيره.
قال: ولا تقبل [شهادته] فيما تحمله بعد العمى، لانسداد طريق المعرفة عليه مع اشتباه الأصوات التي يقدر الإنسان على التصنع فيها، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الحديث.
فإن قيل: إذا عرف الشخص، وألف صوته، ينبغي أن تسمع شهادته عليه، كما يحل له أن يطأ زوجته بمثل ذلك.

قيل: الشهادة تخالف ذلك، لأنه يجوز أن يطأ زوجته، اعتمادًا على اللمس إذا عرف به علامة فيها، وبخبر المرأة الواحدة إذا زفها إليه، وقال: إنها زوجته، ولا تجوز الشهادة بمثل ذلك.
قال: إلا في موضعين: أحدهما أن يقول في أذنه شيئًا، فيعلقه- أي: يجعل يده على رأسه، أو يده في يده- ويحمله إلى القاضي، ويشهد بما قاله في أذنه، للعلم بحصول العلم بأنه المشهود عليه، وهذا ما صححه الرافعي تبعًا للغزالي، والقاضي الحسين، وحكى وجهًا آخر: أنه لا تقبل، لجواز أن يكون المقر به غيره، وهو بعيد.
قال القاضي: ومحل الخلاف إذا جمعهما مكان خال، وألصق فلق فيه بحرف أذنه وضبطه كما ذكرنا، فلو كان هناك جماعة، وأقر في أذنه، لم تقبل.
والثاني: فيما يشهد فيه بالاستفاضة، أي: كالموت، والنسب، والملك المطلق، لأن الشهادة إذا كانت على الاسم والنسب، لم يؤثر فيها فقد البصر، كما لو شهد البصير على ميت أو غائب.
ولأنه يساوي البصير في العلم بذلك، لأن سببه السمع، وهما يستويان فيه، وهذا ما حكاه الشيخ أبو حامد عن جميع الأصحاب، كما حكاه في ((البحر)) عنه، وتبعه البندنيجي في هذه الحكاية عنه.
ولأنه يساوي البصير في العلم بذلك، لأن سببه السمع، وهما يستويان فيه، وهذا ما حكاه الشيخ أبو حامد عن جميع الأصحاب، كما حكاه في ((البحر)) عنه، وتبعه البندنيجي في هذه الحكاية عنهم.
وقال المحاملي: إنه لا نص للشافعي [في المسألة]، وفيها نظر، لأن المخبرين لابد وأن يكونوا عدولًا، والأعمى لا يشاهدهم، فلا يعرف عدالتهم، وهذا النظر اتبع فيه الشيخ أبا حامد، فإنه قاله، كما حكاه في ((البحر)).
وزاد البندنيجي فحكى عنه أنه قال بعدم السماع لأجل ذلك.
وقال في ((البحر)) بعد حكاية المنع عن غيره، وأنه أصح عند عامة أصحابنا: وعليه يدل نص الشافعي، لأنه قال: ((لا تجوز شهادة [الأعمى] إلا أن يكون أثبت شيئًا معاينة، وسمعًا، ونسبًا، ثم عمي، فيجوز))، فأخبر أنه إنما يشهد بالنسب إذا كان قد أثبته وهو بصير، ثم عمي.

وأجاب القاضي أبو الطيب عن النظر الذي حكيناه عن المحاملي لما سئل عن في الدرس بأن كلام الأصحاب محمول على ما إذا سمع ذلك في دفعات، وتكرر عليه مع قوم مختلفين في أزمان مختلفة حتى يصير لا يشك فيه، لكثرة تكراره على سمعه، ويصير بمنزلة التواتر عنده، وأنه لا يجوز له التحمل إلا على هذا الوجه.
وقال الشيخ أبو علي: كلامهم في سماع شهادته بالنسب مصور بما إذا كان الشخص معروف النسب من جهة أبيه وأجداده، وليس تعرف نسبته إلى قبيلة بعينها، فشهد أن فلان بن فلان [من بني فلان]، فتثبت هذه الشهادة من الأعمى، فإنه نسب لا يحتاج إلى الإشارة دون ما [إذا] نسب شخصًا إلى شخص، فإنه لا يجد إلى ذلك سبيلًا، كذا حكاه الإمام عنه.
وأبدى الروياني صورة وجد له بها سبيلًا، وهي أن يقول: الرجل الذي صنعته كذا، واسمه كذا، وكيفيته كذا، هو فلان بن فلان، ثم يقال لذلك الرجل: أقم بينة أخرى على أنك الرجل الذي في سوق كذا، واسمك كذا، وكيفيتك كذا، [وصنعتك كذا]، وليس في سوقك من يشتبه معك، إلا أن يشير إلى شخص، ويشهد بنسبه.
وفي ((الحاوي)): أن ما ذكره الأصحاب من سماع شهادته بالملك مفرع على أنه ليس من شرط الشهادة بالملك مشاهدة التصرف [بل تكفي استفاضة الخبر، أما إذا قلنا: لابد من الشهادة بمشاهدة التصرف] مع استفاضة الخبر، فلا تسمع عليه، وهو ما أبداه القاضي الحسين احتمالًا لنفسه، وعليه ينطبق قول القاضي أبي الطيب وغيره: كل ما شرطنا فيه البصر مجردًا، أو البصر والسمع معًا، فإنه لا يقبل فيه شهادة الأعمى.
وكذا الخلاف يجري- كما قال الماوردي- فيما إذا شهد بالزوجية، وسمعنا فيها شهادة البصير بالاستفاضة، كما سيأتي.
ومأخذه: أن مشاهدة الدخول والخروج شرط في هذه الشهادة أم لا؟ وقد أضاف الأصحاب إلى الصورتين المستثناتين صورة ثالثة، وهي سماع

شهادته في الترجمة، ولم يحك الماوردي وابن الصباغ غيره، وهو الصحيح كما حكيناه من قبل، لكنا حكينا ثم عن رواية صاحب ((التقريب)) وجهًا: أنه لا يسمع في الترجمة أيضًا.
وأبدى ابن الصباغ احتمالًا في إلحاق صورة رابعة بما ذكرناه، فقال: ينبغي أن يكون [من] قد ألفه، وعرف صوته ضرورة أن يجوز له أن يشهد عليه، لأن ذلك يقين، ولهذا قال أصحابنا: يجوز أن يشهد على طريقة الاستفاضة، وأنه يحتاج أن يسمعه من اثنين عدلين، حسب ما ذكروه، ولابد أن يعرفهما حتى تعرف عدالتهما، وإذا صح أن يعرف الشاهد صح أن يعرف المقر، وهذا كله مفرع على منع سماع شهادة الأعمى مطلقًا.
[وقد] قال الرافعي: إن الوجه المذكور في صحة قضاء الأعمى- على ضعفه- يطرد في الشهادة، وعلى هذا فلا حاجة إلى استثناء.
فرع: هل تجوز رواية الأعمى؟ قال العراقيون: نعم، للتساهل فيها.
وقال الإمام: تردد أئمتنا في روايته، والأظهر: منعها إذا كان السماع في حالة العمى.
ووجه الجواز إذا حصلت الثقة الظاهرة: أن عائشة- رضي الله عنها- كانت تروي من وراء الستر، ومعظم الروايات عنها، والبصير في هذا المقام كالأعمى.
وهذا منه قد يفهم أن الخلاف يجري في رواية ما تحمله قبل العمى، وهذا مما [لا] خلاف فيه، كالشهادة، صرح به الرافعي.
تنبيه: قوله ((فيعلقه)) هو بفتح الياء، واللام، أي: يقبضه ويتعلق به، كما ذكرنا.
قال أهل اللغة: يقال: علق به يعلق علقًا، كفرح يفرح فرحًا: إذا تعلق به.
قال: ولا تقبل شهادة الوالد لولده وإن سفل، ولا شهادة الولد لوالده وإن علا، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة:282]. والريبة تتوجه إلى شهادة بعضهم لبعض، لما جبلوا عليه من الميل والمحبة،

ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: ((الولد مبخلة مجبنة))، وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ...﴾ [الزخرف:15]، أي: ولدًا.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: ((فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها، ويسوءني ما ساءها)).
وإذا كان الولد جزءًا من الوالد، وبضعة منه، لم تسمع شهادة أحدهما للآخر، كما لا تسمع شهادته لنفسه.
وقد ذكر الساجي حديثًا رواه عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ((لا تقبل شهادة خائنٍ، ولا خائنةٍ، ولا محدودٍ حدا، ولا ذي غمر على أخيه، ولا مجربٍ في شهادة زور، ولا ظنين في قرابة، ولا ولاء، ولا شهادة القانع لأهل البيت))، وصل بذلك: ((ولا شهادة الولد لوالده، ولا الوالد لولده))، ثم قال: وهذا لا يثبته أهل النقل، فإن ثبت فهو نص، وإن لم يثبت ففي قوله: ((ولا ظنين في قرابة)) دليل على الوالد والولد، وسنذكر معنى ذكر ((الغمر)) و ((الظنين)).
وأما القانع: فهو السائل، والمستعطم، وأصل القنوع: السؤال.
وقيل: القانع: المتقطع إلى القوم يخدمهم، ويكون في حوائجهم، وذلك مثل الأجير والوكيل.
وهذا هو المشهور.
ولا فرق فيه بين الآباء والأمهات من جهة الأب أو من جهة الأم، ولا بين البنين والبنات، وأولادهن.

ونقل ابن الصباغ: أن ابن القاص حكى عن القديم قولًا: أنه تقبل شهادة الوالد للولد وبالعكس، وبه قال المزني وأبو ثور، واختاره أبو بكر [بن المنذر].
وحكى القاضي الحسين: أن لفظ الشافعي في القديم: ((الوراثة لا تنفي الشهادة))، ووجهه: أن الرجل لا يكون أمينًا في بعض الأشياء، خائنًا في البعض، [ولا] صادقًا في البعض، كاذبًا في البعض.
والصحيح عند الجمهور: الأول، وما ذكروه متروك عليهم بمنع شهادته لنفسه.
وعلى هذا قال الأصحاب: لا تسمع شهادة أحدها لمكاتب الآخر، وهل تسمع شهادة أحدهما بأن الآخر وكل أجنبيًا في حقوقه؟ فيه خلاف قدمت حكايته في كتابة الوكالة.
وفي تزكية الوالد للولد خلاف قدمت حكايته عند الكلام في الاستخلاف.
وهذا حكم الشهادة للقريب، أما الشهادة عليه، فلا خلاف في سماعها من الأب على الابن وإن سفل، وكذا من الابن على الأب في غير حد-[أي: حد] قذف- كما قاله الماوردي، ولا قصاص.
وإن كانت في حد أو قصاص، ففي سماعها قولان حكاهما الماوردي والبندنيجي، تبعًا للشيخ أبي حامد، ورواهما الإمام والقاضي الحسين وجهين في الشهادة بالقود وحد القذف.
ووجه المنع: أنه لما لم يقتل بقتله، و [لم] يحد بقذفه- لم يقتل ولم يحد بقوله، كالعبد إذا شهد على الحر.
والمذهب- كما قال القاضي أبو الطيب-: أنها تقبل أيضًا، وهو الذي صححه القاضي الحسين وغيره.
وقال القاضي أبو الطيب: إن مقابله غلط، لأنه مخالف لنص الشافعي، فإنه قال: لو أن رجلين شهدا على أبيهما بأنه قذف أمهما وأجنبية، قبلت شهادتهما عليه في قذف الأجنبية، ولم تقبل في أمهما.
وقد ادعى القاضي الحسين قبل باب الشهادة على الشهادة بورقتين-: أنه المذهب، وفرع عليه أنه [إن] شهد على أبيه أو أمه بالزنى، فهل تقبل؟

قال: يحتمل أن يقال: تقبل، لأن الأب لو زنى بابنته، أو زنت الأم بابنها يجب عليهما الحد، بخلاف ما لو قتل ولده أو قذفه، فإنه [لا] يجب عليه الحد.
وعلى الأول فرع الشيخ حيث قال: ومن شهد على أبيه: أنه طلق ضرة أمه، أو قذفها- أي: وأمه تحت أبيه- ففيه قولان: أحدهما: تقبل شهادته، لأنها شهادة على [أبيه لغير] أمه، فقبلت كما لو شهد على غيره.
والثاني: لا تقبل، لأنه متهم، إذ يجر بشهادته إلى أمه نفعًا، وهو انفرادها [بالأب]، فإن الطلاق منجز ذلك، والقذف محوج للعان، وهو سبب الفرقة.
وقد نسب بعض الشارحين القول [الأول] إلى الجديد، والثاني إلى القديم، وهو كذلك في ((المهذب))، في مسألة القذف.
وقال في ((الشامل)): إن قول السماع فيها هو القديم.
ونسب الماوردي في كتاب اللعان القولين في الصورتين إلى القديم، وأن المزني نقلهما في ((جامعة الكبير))، [واختار] الأول منهما.
وفي ((تعليق)) البندنيجي: أنه نص في ((الأم)) على أنه لو شهد على أبيه بقذف ضرة الأم: أنه يقبل، وأطلق ذلك، وقال: إنه إذا شهد أنه طلق ضرة أمه، فقد قيل: لا يقبل.
وهذا ما أشار إليه ابن الصباغ بقول: وقد علق الشافعي القول في الطلاق من الأم.
قال البندنيجي: ولا فرق بين أن يشهد على أبيه بطلاق ضرة أمه أو قذفها، فالكل على قولين.
وهذا منه يفهم أنهما بالنقل والتخريج.
وفي ((النهاية)): أن المزني حكى في ((الجامع الكبير)) عن ((الأم)) في مسألة القذف قولين، أظهرهما: القبول، وأن العراقيين ألحقوا بذلك ما لو شهد بأنه طلق ضرة أمه.
قال: ولا شك أن المسألة كالمسألة، والطلاق أوقع إن كان لهذه التهمة موقع في رد الشهادة، فإن الطلاق ينجز الفراق، ولا وجه لقول رد الشهادة في

المسألتين، فإن الزوج لا يتحتم عليه مسلك التزويج، وهذا ما اختاره النواوي وغيره.
فروع: أحدهما: لو شهد ابنا الرجل عليه بأنه قذف أمهما، لم تسمع.
وإن كان الأب معترفًا بالقذف، فشهد ابنا المرأة منه على إقرارها بالزنى- لم تسمع.
ولو شهد أربعة من بينهما عليها بالزنى، قال الماوردي في كتاب اللعان: لم يسقط الحد عن الأب.
وفي وجوب الحد على الأم قولان مبنيان على اختلاف قوليه إذا رد بعض الشهادة، هل يوجب رد باقيها أم لا؟ على قولين.
وهذا- أيضًا- بناء على الصحيح في سماع الشهادة على الأب بما يوجب العقوبة [إلا أن يخص الخلاف بالعقوبة] المختصة بالآدمي، فحينئذ يكون هذا بلا خلاف، وكلام الإمام ها هنا يقتضي تعميمه، وهو ما أفهمه كلام البندنيجي وغيره.
الفرع الثاني: إذا ادعت أمه بالطلاق، فشهد لها أبناها به- لم تسمع.
ولو شهدا حسبة ابتداء، سمعت، وكذلك في الرضاع، قاله الرافعي وغيره هنا، وفي أواخر الرضاع.
الفرع الثالث: إذا شهد الأب مع ثلاثة على زوجة ابنه بالزنى، فإن سبق من الابن قذف، فطولب بالحد، فحاول إقامة البينة، لدفع الحد عن نفسه- لم تقبل شهادة الأب.
[وإن لم يقذف، أو قذف ولم يطالب بالحد- قبلت شهادة الأب].
الفرع الرابع: عبد في يد زيد ادعى مدع أنه اشتراه من عمرو بعدما اشتراه عمرو من زيد، وقبضه، وطالبه بالتسليم، فأنكر زيد جميع ذلك، فشهد ابناه للمدعي بما يقوله- حكى القاضي أبو سعد فيه قولين: أحدهما: رد شهادته، لتضمنها إثبات الملك لأبيهما.

وأصحهما عنده: القبول، لأن المقصود بالشهادة في الحال المدعي، وهو أجنبي عنهما.
قال: ولا تقبل شهادة الجار إلى نفسه نفعًا: كشهادة الوارث للمورث بالجراحة قبل الاندمال، وشهادة الغرماء للمفلس بالمال- أي: بعد الحجر عليه- وشهادة للوصي لليتيم، والوكيل للموكل، أي: فيما فوض إليه النظر فيه.
الأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة:282]، فأمر بالشهادة لنفي الريبة، والريبة: التهمة، وهي حاصلة في شهادة من ذكرناه.
وقد روي عن ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: ((لا تقبل شهادة خصمٍ، ولا ظنينٍ ولا ذي إحنةٍ)).
وروى طلحة بن عبد الله بن عوف أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث منادياً: ((أنه لا تجوز شهادة خصمٍ ولا ظنينٍ)) وقال الزهري: مضت السنة ألا تجوز شهادة خصم ولا ظنينٍ.
والظنين: المتهم، ووجه التهمة في حق الوارث: أن الجراحة قد تسري إلى نفسه، فيموت منها، ويصير هو المستحق، فيصير شاهدًا لنفسه.
وقيل: لأن المجروح مع بقاء الجراح: كالمريض، ولورثة المريض الاعتراض عليه في ماله، ومنعه من التصرف فيما زاد على ثلثه كاعتراضهم عليه بعد موته، ولا تجوز شهادتهم له بعد الموت، فكذلك في المرض.
قال الماوردي: وعلى هذا لو كان الجرح مما لا يسري مثله إلى النفس، لم تجز شهادته له أيضًا، وعلى التعليل الأول: تجوز.
ووجه التهمة في حق غرماء المفلس: أن ما يثبتونه له من المال يتعلق حقهم به حالة الشهادة، فأشبه ما لو شهد لعبده المأذون بمال، أو لشريكه بما هو مشترك بينهما، أو ببيع شريكه ما يثبت له فيه الشفعة قبل العفو، أو المرتهن

للراهن بملك العين المرهونة، أو غرماء الميت له بمال، أو المودع [للمودع] بالعين، فإنها لا تقبل.
نعم: لو كان المفلس لم يحجز عليه بعد، ففي سماع شهادة الغرماء له وجهان: الأظهر منهما في ((الحاوي)): المنع أيضًا، لأنه يستفيدون بها المطالبة بديونهم، فكان كالمحكوم بفلسه.
وأصحهما عند ((الرافعي))، والمختار في ((المرشد)): القبول، وهو المعزي إلى الشيخ أبي حامد، ولم يورد القاضي الحسين وأبو الطيب وابن الصباغ سواه.
الفرق: أن المحكوم بفلسه يحكم لغرمائه بماله حال الشهادة، بخلاف المعسر، فإن مطالبة الغرماء له إنما تستفاد بيساره، وليس حاصلًا وقت الشهادة.
قال في ((البحر)): ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الفرق لا يمنع من تساويهما في الرد، وهذا أصح عندي.
ووجه التهمة في الوصي والوكيل: أنه يثبت لنفسه سلطة التصرف في المشهود به، فكأنه شهد لنفسه.
نعم: لو شهد الوصي للموصى عليه بما لم [يكن له] التصرف فيه، سمعت بلا خلاف.
ولو شهد الوكيل لموكله بما لم يثبت له ولاية فيه، قال في ((الحاوي)): ففي السماع وجهان.
والفرق: أن الوكيل يجوز أن يتقرب بشهادته إلى موكله، والوصي بخلاف ذلك.
ولو شهد الوكيل فيما فوض إليه التصرف فيه بعد عزله عنه، قال ابن القاص- وهو في ((المرشد)) وغيره-: إن كان بعد أن انتصف فيه مخاصمًا، لم تسمع شهادته، لقوله- عليه السلام-: ((لا تقبل شهادة خصمٍ)).
وإن لم يكن خاصم، سمعت.
وقد ذكرت هذا الفرع في الوكالة، وذكرت عن الإمام وغيره فيه وجهًا.
وقد عد الأصحاب من قسم الشهادة الجارة نفعًا: شهادة الشخص لمكاتبه، [أو

مكاتب أصله وفرع] بمال، أو بجراحة في بدنه، وشهادة الوارث بموت المورث، وكذا شهادة الموصي له أو إليه بموت الموصي.
وكذا شهادة المشتري شراء صحيحًا بعد الإقالة والرد بالعيب بأن الملك في المبيع للبائع- لا تقبل، لأنه يستبقي لنفسه الغلات والفوائد، إذا كان المدعي يدعي الملك من تاريخ متقدم على البيع.
ولو شهد بعد الفسخ بخيار المجلس أو الشرط، فوجهان، بناء على [أنه يرفع] العقد من أصله، ويرد الفوائد إلى البائع، لا من حينه ولا يزيد، كذا حكى في ((الإشراف)).
وألحق في ((التهذيب)) و ((الكافي)) في باب حد قاطع الطريق بذلك ما إذا شهد اثنان من الفقراء بأن فلانًا أوصى بثلث ماله لنا معشر الفقراء.
والماسرجسي وغيره ألحقوا بذلك ما [إذا] شهد اثنان بأن فلانًا أوصى بوصية لنا فيها نصيب أو إشراف.
نعم، لو قال الفقير: أشهد [أنه] أوصى بثلث ماله للفقراء، قبلت، قاله في ((التهذيب)) و ((الكافي))، لأنه لا يتعين الصرف إليه.
وكذا لو قال الآخران: نشهد بالوصية، سوى ما يتعلق بنا من المال والإشراف قبلت شهادتهما، كما حكاه الرافعي.
ولهذا نظائر كثيرة.
قال: وإن شهد الوارث للمورث في المرض- أي: بمال- لم يقبل، كما لو شهد له بالجرح، وهذا قول أبي إسحاق، واختاره في ((المرشد))، تبعًا لصاحب ((الإفصاح))، وابن الصباغ، فإنه قال: إنه أقيس.
وقيل: يقبل، لأنه لا يجر لنفسه بذلك نفعًا، ولا يدفع به عن نفسه ضررًا، فإنه إذا ثبت المال صار للمريض [دونه]، ثم إذا مات ورثه، فلا تهمة ها هنا، بخلاف الجراحة.
وأوسع القاضي الحسين عبارته في الفرق، فقال: [الفرق]: أن الشهادة على

الجرح شهادة تثبت سببًا، ذلك السبب يثبت المال للوارث.
وأما في المال فشهادته لا تثبت السبب له، إذ المال إنما يثبت بسبب سابق، من قرض أو بيع أو إتلاف وغيره، وهذه الأسباب تثبت المال للمورث، وهذا قول أبي الطيب بن سلمة، وهو الأصح في الرافعي هنا، وقال في كتاب القسامة: إنه الأظهر عند أكثرهم، وبه جزم الغزالي [هنا] تبعًا للفوراني وإن حكى الخلاف ثم.
فرع: لو شهد الأخ لأخيه بجراحة قبل الاندمال، وللمجروح ابن يحجب الأخ، فشهادته مسموعة.
قال في ((المرشد)): وكذا لو لم يكن للمجروح وارث غير الأخ، لكن كان عليه دين يستغرق ديته، لانتفاء التهمة.
نعم: لو مات الابن قبل موت أبيه فالجمهور على أنه ينظر: إن مات قبل الحكم بالشهادة بطلت، وإن مات بعده لم تبطل.
وعبارة الشافعي في ذلك: إن شهد له، وهناك من يحجبه، قبلته، فإن لم [أحكم] حتى صار وارثًا، طرحته، ولو كنت حكمت به ثم مات [من يحجبه] ورثته.
قال الفوراني بعد حكاية ذلك: وقد قيل في هذه المسألة قولان، بناء على الإقرار للوارث، وفيه قولان، فإن قلنا: لا يجوز، فكونه وارثًا يعتبر بحال الإقرار أو بحال الموت؟ فيه قولان، كذلك ها هنا.
وقضية هذا التخريج: أن يطرد فيما إذا شهد وهو وارث، فصار عند الموت غير وارث، وقد حكاه الرافعي تبعًا للغزالي وإمامه، وقال: أما على [القول] بالنظر إلى حالة الموت، يتبين أن الشهادة مقبولة، وكأنا نتوقف في الشهادة إلى آخر الأمر.
قلت: وإن صح هذا [وجب] طرده فيما إذا شهد وهو وارث بالجراحة قبل الاندمال، ثم اندمل الجرح: أنه لا يحتاج إلى إعادة الشهادة.

[وقد] قال الأصحاب: إنه لابد من إعادة الشهادة، إن [قلنا]: إنها تسمع، كما سيأتي.
والصحيح هاهنا: عدم القبول، [وهو المجزوم به في ((الحاوي)) وغيره]، لأن التهمة قارنت الأداء، فمنعت القبول.
نعم: لو أعاد تلك الشهادة، هل تسمع؟ قال الماوردي: فيها لخلاف الآتي فيما إذا شهد بالجراحة ثم اندملت.
والإمام ادعى إجماع الأصحاب على أنها لا تقبل معادة هاهنا، كما إذا ردت شهادة الفاسق، ثم تاب، وأعادها.
وقال: إن ما بينهما مما قد يخطر للفقيه: أنه فرق، وهو أن الفاسق إذا تاب لم [نتحقق تغير] حاله باطنًا، وقد تحققنا أن الوارث صار محجوباً لا أثر له، لأن الذي ردت شهادته به ترويج الشهادة، وهو موجود بعد طرآن الحجب.
قال: ولا تقبل شهادة الدافع عن نفسه ضررًا، كشهادة العاقلة على شهود القتل- أي: الذي تحمله العاقلة- بالفسق، لأنها متهمة في دفع تحمل العقل عن نفسها، فاندرجت في قوله- عليه السلام-: ((ولا ظنين)).
قال الرافعي: وهكذا الحكم لو شهدت بتزكية شهود جرح بينة القتل.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في رد شهادة العاقلة بالجرح بين الموسر منها والمعسر، والقريب والبعيد.
[وهو قول] في المسألة في بعض الصور، ومجزوم به في بعض: فالمجزوم به: ما إذا كان الشاهد موسرًا قريبًا.
والمختلف فيه: ما إذا [كان] بعيدًا أو فقيرًا، لأن الشافعي نص على عدم قبول شهادة المعسر، ونص على سماع شهادة البعيد عند وجود من يقوم بالواجب من الأقربين، فاختلف الأصحاب- لأجل ذلك- في المسألتين على طريقين: الأولى منهما- وبها قال المزني، وطائفة من متقدمي أصحابنا، كما قال

الماوردي-: أن في المسألتين قولين، نقلًا وتخريجًا: وجه المقبول: [أنهما لا يتحملان في الصورتين شيئًا في الحالين، فليس موضع تهمة.
ووجه المنع:] أن الفقير يتحمل لو أيسر، والبعيد يتحمل لو مات القريب، فهما متهمان بدفع ضرر متوقع.
والثانية: تقرير النصين، وبه قال أبو إسحاق وابن أبي هريرة، وكثير من متأخري أصحابنا، كما قال الماوردي.
والفرق: أن المال غادٍ ورائح، والغنى غير مستبعد، بل كل أحد يحدث نفسه ويتمنى الأماني، وموت القريب الذي يحوج الأبعد إلى التحمل كالمستبعد في الاعتقادات، فالتهمة لا تتحقق بمثله.
ورجح الإمام طريقة القولين معترضًا على الثانية بأن البعيد كما يلزمه التحمل بموت القريب، يلزمه التحمل، لافتقارهم وحاجتهم، فإن استبعد الموت فاحتمال الفقر والحاجة غير مستبعد، لأن احتمال الغنى غير مستبعد.
قال الرافعي: والأظهر عند الأكثرين طريقة التقدير، ولهم أن يجيبوا عما ذكره بأن الإنسان يطلب غنى نفسه ويذر أسبابه، ويتحمل مساعدة القدر، والظفر بالمقصود، ولا يطلب فقر غيره، ولا يسعى فيه، فتكون التهمة المبنية على تقدير غناه أظهر من التهمة المبنية على فقر الغير.
أما شهادة العاقلة على فسق شهود القتل عمدًا، [أو على فسق] من شهد على إقراره بالقتل خطأ، فمقبولة، لأن الدية لا تلزمهم، فلم يكن حكمنا بقولهم دافعًا عنهم شيئًا، كذا قاله الماوردي والقاضي أبو الطيب والحسين وغيرهم، والله أعلم.
ومن هذا النوع شهادة الضامن ببراءة المضمون عنه.
قال في ((البحر)): وكذا شهادة الوصي والوكيل بجرح من شهد [بمال] على الموكل واليتيم.
قال الرافعي: وكذا شهادة المشتري شراء فاسدًا بعد القبض بأن العين المبيعة

لغير بائعه، لما في ذلك من نقل الضمان.
وكذا لو كان لميت دين على شخصين، فشهد أجنبيان لرجل بأنه أخو الميت، ثم شهد الغريمان لآخر بأنه ابنه- لم تقبل شهادة الغريمين، لأنهما ينقلان ما وجب للأخ عليهما إلى من يشهدان له بالبنوة، بخلاف ما لو تقدمت شهادة الغريمين.
قال: ولا شهادة العدو على عدوه، لقوله تعاللى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة:282]، والعداوة من أقوى الريب، وقد روى أبو داود وابن ماجه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ((لا تجوز شهادة خائنٍ ولا خائنةٍ، ولا زان ولا زانيةٍ، ولا ذي غمرٍ على أخيه)).
والغمر- بكسر الغين المعجمة، وسكون الميم، وبعدها راء مهملة- قال أبو داود: الحنة والشحناء.
وقال غيره: العداوة.
قال القاضي الحسين: ويروى: ((ولا ذي ضغن)).
وقوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث السابق: ((ولا ذي إحنةٍ) يدل عليه أيضًا، فإن ذي الإحنة: العدو.
والمعنى في ذلك: التهمة.
قال القاضي الحسين وغيره: والعداوة التي ترد بها الشهادة مع عدالة الشخص في نفسه، هي أن يظهر من الشخص من اللسان والفعل ما يغلب على القلب أنه معاديه يشمت بمصائبه، ويحزن بمساره، يتمنى له [كل] شر.
وعد الماوري من الأسباب المقتضية للعداوة: القذف، والغصب، والسرقة، والقتل، وكذا قطع الطريق في بابه، فلا تقبل شهادة المقذوف على القاذف،

والمغصوب منه على الغاصب، والمسروق منه على الساق، وولي المقتول على القاتل، كذا أطلق قوله، وظاهره يقتضي أن مجرد القذف وغيره يحصل العداوة.
وكذلك قال في كتاب اللعان: إن شرط سماع شهادة المقذوف على القاذف: أن يعفو عن الحد قبل الشهادة، وأن يكون قد حسن حاله معه، ولا يضر إذا وجد ذلك أن يذكر في شهادته عليه بقذفه لغيره قذف نفسه، إخبارًا عن الحال، وسنذكر ما يعضده عن النص.
وفي ((تعليق)) القاضي الحسين في كتاب اللعان- وهو المذكور في ((التهذيب))، وغيره-: أن المقذوف لو شهد على القاذف بقذف أجنبي منفرد عن قذفه، سمعت شهادته، إذا لم يطالب بالحد، سواء عفا عنه أو لا.
وادعى الإمام وفاق الأصحاب على ذلك، قياسًا على ما لو شهد عليه [فقذفه المشهود عليه، فإن الشهادة لا تبطل.
نعم، لو طلب الحد ثم شهد عليه] لم تسمع شهادته، وكذا لو لم يطلب الحد، وشهد، ثم طلبه قبل الحكم- بطلت، قاله القاضي الحسين والبغوي.
وكذا لو شهد اثنان من المقطوع عليهم الطريق على القاطع بقطع الطريق على غيرهما، ولم يتعرضا لأنفسهما- سمعت، كما نص عليه الشافعي، وقال: إن القاضي لا يسألهما: هل قطع عليهما الطريق أو لا؟ ولم يخالفه الأصحاب في ذلك، وقالوا: إنه لو سألهما، فلهما ألا يجيباه، فإن ألح قالوا: لا يلزمنا الجواب عن هذا، وإنما عندنا شهادة أقمناها، كذا قاله الإمام في باب [حد] قاطع الطريق.
ولو تعرض الشاهد لكونه قطع عليه الطريق، لم تسمع شهادته.
وعلى هذا ينطبق قول القاضي أبي الطيب وغيره في باب حد قاطع الطريق: [لو شهد رجلان] على رجل بأنه قذفهما وامرأة أجنبية، لا يثبت القذف في حقهما، ولا في حق الأجنبية: أما في حقهما، فلأمرين: أحدهما: أنهما صارا خصمين، وشهادة الخصم على خصم لا تقبل، للحديث السابق.

والثاني: أنهما صارا عدوين، ولهذه العلة لا تسمع شهادتهما للمرأة به أيضًا، بخلاف ما لو شهدا أنه قذف أنه قذف أمهما وامرأة أجنبية، فإن شهادتهما للأم [لا تسمع] للبعضية، وفي سماعها للأجنبية قولان، لأجل تبعيض اللفظ.
وكذا قولهم فيما لو شهد شاهدان على شخص: أنه قطع علينا وعلى هؤلاء الطريق، لا تسمع في حق الجميع، لأنهم صاروا خصومًا، كما قاله أبو الطيب، وأي عداء كشهر السلاح عليهما، وأخذ نفوسهما ومالهما، كما قاله الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي الحسين والإمام.
ويوافق ذلك- أيضًا- ما حكي عن القفال: أنه إذا عادى الشخص من يريد أن يشهد عليه، وبالغ في خصومته، فلم يجب، وسكت، ثم شهد عليه- قبلت شهادته، وإلا لاتخذ الخصماء ذلك ذريعة إلى إسقاط الشهادات.
لكن في ((تعليق)) الشيخ أبي حامد وغيره- كما قال الرافعي-: أن الشافعي صور العداوة الموجبة للرد بما رجل رجلًا، أو ادعى عليه أنه قطع عليه الطريق، وأخذ ماله، فقال: ((يصيران عدوين، فلا تقبل شهادة واحد منهما على الآخر))، فاكتفى بالقذف دليلًا على العداوة، ولم يتعرض لطلب الحد.
وقذف الأم والزوجة هل يحلق العداوة بين القاذف والولد والزوج أم لا؟ فيه خلاف حكاه الإمام في كتاب اللعان، وسيظهر لك أثره في التفريع، وكلام البغوي يقتضي أن قذف الزوجة يلحقها دون قذف الأم، كما سنذكره.
فرع: قال في ((البحر)) في الفروع المذكورة بعد كتاب الأقضية: إذا شهد على الميت، وهو خصم الوارث، هل تسمع شهادته؟ يحتمل وجهين: أحدهما: لا تسمع، لأن الضرر يعود إلى الورثة، لأنهم لا يستحقون التركة مع بقاء الدين، فهي شهادة على الخصم في الحقيقة.
والثاني: تسمع، لأن هذه الشهادة على الميت لا عليه، لأنه يقول: أشهد أن على هذا الميت كذا، ولا حق على الوارث، وإنما ينتقل إليه حق القضاء.
ولو كان الشاهد خصمًا للميت دون الوارث فوجهان: فعلى الوجه الأول: تقبل.
وعلى الثاني: لا.

قلت: ويظهر أن يتخرج على هذا ما إذا ادعى أولاد ميت على شخص بدين ورثوه من أبيهم، فأسقط أحدهم حقه، وأراد أن يشهد به، فعلى الوجه الثاني: لا تسمع، [لأنها] شهادة للأب، وعلى الأول: ينبغي أن تسمع.
ويمكن تخرجي الخلاف في هذه الصورة على أن الورثة إذا أقاموا شاهدًا واحدًا، [بالدين لمورثهم، وراموا الحلف معه- فهل يحلف كل واحد] على كل الدين، لأنه يثبته [لنفسه، لا] لمورثه، أو يحلف أنه يستحق بطريق الميراث عن مورثه من جملة كذا- كذا وكذا؟ فيه خلاف حكاه ابن أبي الدم: فعلى الأول: لا تسمع، لأن الشهادة تكون للأب.
[و] على الثاني فهو محل النظر.
واعلم أن ما ذكرناه في رد شهادة العدو محله إذا كانت العداوة لأمر دنيوي- كما ذكرنا- أما إذا كانت لأمر ديني، كعداوة المسلم للكافر، والدين للفاسق، بسبب فسقه، كما قاله الرافعي، والجلاد للمضروب في الحد، كما قاله القاضي الحسين- فلا تمنع الشهادة عليهم.
وكذا لو قال العالم: لا تسمعوا الحديث من فلان، فإنه مخلط، [و] لا تستفتوا منه، فإنه لا يحسن الفتوى- لم يقدح ذلك في قبول شهادته، كما حكاه الرافعي عن النص.
نعم: شهادة الكافر على المسلم وغير المسلم لا تسمع، كما تقدم.
وشهادة أهل الباطل في الاعتقاد من أهل القبلة، هل تسمع على أهل الحق وغيرهم؟ قال الشافعي في ((المختصر)): ((ولا أرد شهادة الرجل من أهل الأهواء، إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقيه بتصديقه وقبول يمينه، ولشهادة من يرى كذبه شركًا بالله تعالى، ومعصية تجب بها النار- أولى بطيب النفس بقبولها ممن يجوز المأثم فيها)) أي: من أهل الأهواء- أيضًا- كما قاله ابن سريج، لا من أهل الحق.
وقد اختلف الأصحاب بعد ذلك: فذهب ابن القاص وابن أبي هريرة وغيرهما إلى إجراء هذا اللفظ على ظاهره، فلم يردوا شهادة أحد من أهل الأهواء والبدع من أهل القبلة إلا الخطابية الذين

أشار إليهم الشافعي بقوله: ((أن يشهد لموافقيه))، وهم أصحاب ابن الخطاب الكوفي، لأنه يعتقدون أن من كان على رأيهم لا يكذب، لاعتقادهم أن الكذب كفر، فيصدقونه على ما ادعاه، ويشهدون له على خصمه، ومنهم من يستظهر بإحلافه قبل الشهادة، ومنهم من لا يستظهر، ويشهد بمجرد قوله.
قال الماوردي: وهي في الحالتين شهادة زور.
وقال الشيخ أبو حامد، وتبعه البندنيجي- وقال القاضي الحسين: إن به قال أصحابنا-: أهل الأهواء على ثلاثة أضرب: ضرب يكفرون باعتقادهم، وسنذكرهم، فلا تقبل شهادتهم.
وضرب يفسقون به ولا يكفرون، كمن سبت القرابة من الخوارج، والصحابة من الروافض، فلا [نحكم] بشهادتهم أيضًا.
وضرب لا يكفرون ولا يفسقون، ولكن يخطئون، قال القاضي الحسين: كالبغاة.
وقال غيره- كالشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وغيرهم-: الذين اختلفوا في علم الشريعة.
فهؤلاء لا تقبل شهادتهم، وبهذه الطريقة أخذ الماوردي، حيث قال: لسماع شهادة [أهل] الأهواء ممن لم نحكم بكفرهم ستة شروط: الأول: أن يكون ما انتحله بتأويل سائغ كتأويل البغاة، فإن كان تأويلهم غير سائغ فهم فسقة لا تقبل شهادتهم.
الثاني: ألا يدفعه إجماع منعقد، [فإن دفعه، فإن كان إجماع الصحابة، لم تقبل شهادته، للحكم بفسقه، وكذا إجماع غيرهم إن كان ممن يعتقد] أنه حجة، دون ما إذا كان لا يعتقده حجة، أو ينكر تصوره.
الثالث: ألا يفضي به إلى القدح في بعض الصحابة، وهم الذين كانوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في حضره وسفره، أو بايعوه في [الدين والدنيا]، أو وثق بسرائرهم، أو أفضى بأوامره ونواهيه إليهم، دون من قدم عليه من الوفود، وقاتل معه الأعراب، فإن أفضى به إلى القدح في واحد منهم: فإن كان ذلك القدح

سبًّا فلا تقبل شهادته، لفسقه، ويعزر، وإن كان القدح نسبته إلى فسق وضلال فكذلك الحكم إن كان المقدوح فيه من العشرة، أو ممن حضر بيعة الرضوان، أو من غيرهم ولم يدخل في المتنازعين في قتال الجمل وصفين.
وإن كان ممن دخل فيهم، ففي رد شهادته بالقدح فيه وجهان مبنيان على أن حكم المتنازعين بعد ذلك حكمهم كما كان قبل التنازع، وهو الذي عليه أكثر أهل العلم، أو حكمهم غيرهم من أهل الأعصار، حتى لا يقطع بعدالة واحد منهم في الظاهر والباطن، ويحتاج للحكم بقوله إذا شهد إلى البحث عن عدالته في الباطن؟ وفيه اختلاف لأهل العلم: فعلى الأول: لا تقبل شهادة القاذف له.
وعلى الثاني: تقبل، لكونهم انتقلوا بالتنازع من الألفة إلى التقاطع المنهي عنه.
الرابع: ألا يقاتل عليه ولا يتأيد فيه، فإن قاتل عليه أهل العدل مبتدئًا لهم، أو دافعًا عن نفسه، وقد قدموا على قتاله دعاءه إلى الطاعة، فلم يفعل- لم تقبل شهادته، لفسقه.
نعم: لو قاتلوه قبل أن عرضوا عليه الطاعة لم يفسق بمقاتلتهم، لأنه دافع بها عن نفسه، فتقبل شهادته.
وهكذا الحكم فيما إذا تأيد فيه بغيره إن كان مبتدئًا، لم تقبل شهادته لفسقه، وإن تأيد فيه ليستدفع عن نفسه، فإن وجد لدفعهم بغيره سبيلًا، لم تقبل شهادته، وكذا إن لم يجد بدًا منها، وكان لا يستضر باجتماعهما، فلو كان يستضر سمعت شهادته، لأن دفع الضرر عذر مستباح.
الخامس: ألا يرى تصديق موافقيه على مخالفيه، وهم الخطابية.
السادس: أن تكون أفعاله [مرضية]، وتحفظه [في الشهادة ظاهر] كغيره من أهل الحق.
أما من حكم بتكفيره كمن برئ من الخوارج، لموالاتهم لأبي بكر وعمر، ويكفر جميع الأمة، ويستبيح أموالهم ودماءهم، وكالغلاة يرون بمعتقدهم في علي

ابن أبي طالب تكفير جميع الأمة، واستباحة أموالهم ودمائهم- فلا تقبل شهادته.
وكذا من يعتقد تكفير مخالفيه حتى من الصحابة والتابعين، فإن لم ير استباحة أموالهم ودمائهم، فلا تقبل شهادته، لكفره.
نعم: لو اعتقد تكفير مخالفيه في الاعتقاد، ولم ير استباحة أموالهم، ولا تكفير الصدر الأول من الصحابة والتابعين- لم نحكم بكفره، وحكمنا بفسقه، فلا تقبل شهادته.
والشيخ أبو حامد ومن تبعه مثلوا الكفار المحكوم بكفرهم من أهل الأهواء الذين سبقت الإشارة إليهم- بالقائلين بالقدر، وبنفي الرؤية، وبإضافة المشيئة إلى نفوسهم، فيقول أحدهم: أنا الفاعل للخير والشر معًا، دون الله تعالى، وبخلق القرآن.
قال الإمام: [و] القول بخلق القرآن أهون بدعة ابتدعها المعتزلة، فهم- كما قال القاضي أبو الطيب- ممن حكم بكفره.
قال البندنيجي: فلا تحل مناكحة من ذكرناه، ولا تؤكل ذبيحتهم، وحكمهم في هذا حكم الكفار، وهذا مذهب الشافعي، فإنه قال- أي: في الأقضية من الأمالي القديمة، كما قال في ((البحر)): من قال بخلق القرآن فهو كافر.
وقال لحفص الفرد: نصفك مؤمن، ونصفك كافر، تقول بخلق القرآن فتكفر، وتقول بالرؤية فتؤمن.
وقد حكى الربيع أنه قال: لا تقبل شهادة القدرية، لأنهم كفار.
قال الفوراني في كتاب القسامة: وهذا ما عليه غير القفال من مشايخنا، وأكثر أهل الأصول، وقال القفال: إنهم لا يكفرون.
والصحيح من الطريقين عند القضاة: أبي الطيب، وابن كج، والروياني- كما قال الرافعي- الأولى.
وقال ابن الصباغ: إن الطريقة الثانية مخالفة لظاهر قول الشافعي هنا وفي ((الأم))، فإنه قال: ذهب الناس في تأويل القرآن والأحاديث والقياس، أو من ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها، فتباينوا فيها تبيانًا شديدًا، واستحل فيها بعضهم من بعض ما تطول حكايته، وكان ذلك متقادمًا: منه ما كان في عهد السلف، وبعدهم إلى اليوم، فلم نعلم أحدًا من سلف هذه الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم

رد شهادة أحد بتأويل- وإن خطأه وضلله- ورآه استحل منه ما حرم عليه، فلا ترد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال.
ولأجل هذا قال الإمام: أنا أقول: لا سبيل إلى تكفير المعتزلة ومن في معناهم من أهل الأهواء، اقتداء بالقفال- كما ذكرنا- لأن الشافعي نص في مجموعاته على قبول شهاداتهم، وما نقل عنه من تكفيرهم فهو مجاز، وظني الغالب: أنه ناظره بعضهم فألزمه الكفر عن حجاج، ولم يحكم بكفره، وإذا كان كذلك فسبيلهم في الشهادة كسبيل غيرهم، فينظر إلى العدالة، وهذا هو المذهب لا غير، ومن أجل ذلك قال الغزالي: إن المعتزلة وسائر المبتدعة لا يكفرون وتقبل شهادتهم وإن ضللناهم.
قال الإمام: وقد كان محمد بن إسماعيل البخاري يؤلف مخرجه الصحيح في الروضة بين القبر والمنبر، فقال: رويت عن محمد بن محيريز، فغلبتني عيناي، فرأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المنام، فقال: تروي عن ابن محيريز وهو يطعن في أصحابي؟! - وكان خارجيًا- قال: قلت: يا رسول الله، لكنه ثقة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: ((صدقت إنه ثقة، فارو عنه)) فكنت أوري عنه بعد ذلك بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقد حمل الشيخ أبو حامد ومن تبعه قول الشافعي: ((ولا أرد شهادة أحد من أهل الأهواء)) - على أهل الأهواء في الأحكام التي يسوغ فيها الاجتهاد، وقال: إنه ظاهر في كلامه، لأنه قال في جملة كلامه: ((لم ترد الشهادة بشيء من التأويل، إذا كان له وجه يحتمله))، ثم عطف فقال: ((وكذلك أهل الأهواء))، فثبت أنه أراد به أهل الذين يذهبون إلى تأويل محتمل، وقد نص على أنه لا تقبل شهادة الخوارج والقدرية.
وقوله: ((ولشهادة من يرى كذبه شركًا بالله تعالى ...)) إلى آخره- لا يقدح في هذا النص وإن كان المشار إليهم الخوارج والقدرية، لأنه أراد: أني لا أرد شهادتهم باعتقادهم: أن الكذب كفر، وأنه معصية تجب بها النار، لأن هذا أدعى إلى قبول شهادتهم، لأنهم يجتنبون الزور أكثر من اجتناب غيرهم، ولكن أرد شهادتهم، لأسباب أخر، وهي اعتقادهم خلق القرآن، والقدر، ونفي الرؤية، ونحو ذلك.

وقد حكى عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: ((من فضل بعض الصحابة على بعض، أو فضل عليًا على غيره- لم ترد شهادته، ومن قال: كانت الإمامة لعلي دون غيره بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ردت شهادته، لأنه خالف الإجماع.
وحكى عنه انه قال: من نفي إمامة أبي بكر، أو قال: كان ظالمًا- فقد كفر.
قال في ((البحر)): قال [القاضي] أبو الطيب: ما ذكر عن أبي إسحاق لم يذكره في ((الشرح)) وإن كان صحيحًا، فهو مخالف لنص الشافعي، لأنه نص على [أن] من شتم قومًا بتأويل لا ترد شهادتهم، وأراد به هؤلاء.
فرع: إذا قبلنا شهادة أهل الأهواء، فمحل رد شهادة الخطابية إذا شهدوا على مخالفيهم في الاعتقاد، [ولم يثبتوا سبب الفعل، أما إذا شهدوا على موافقيهم في الاعتقاد]، أو على مخالفيهم، وصرحوا بمشاهدة الفعل- لم ترد شهادتهم كغيرهم، صرح به القاضي الحسين في كتاب البغاة، وغيرهم هنا.
وفي ((تعليق)) البندنيجي ثم نسبة القول بالقبول عند الشهادة بالمعاينة إلى أبي إسحاق، وقال: إنه ليس بشيء.
وهذا من البندنيجي تفريع على طريقة أبي حامد في رد شهادة أهل الأهواء، وقد صرح به الماوردي [ثم].
قال: ولا تقبل شهادة الزوج على زوجته بالزنى، لأمرين: أحدهما: [أن الزنى] يفرض بمحل حق الزوج، فإن الزاني [مستمع] بالمنافع المستحقة له، فشهادته في صفتها تتضمن إثبات خيانة الغير على ما هو مستحق له، فلم تسمع، كما إذا شهد أنه جنى على بعده.
والثاني: أن من شهد بزنى زوجته، فنفس شهادته دالة على إظهار العداوة، لأن زناها يوغر صدره بتطليخ فراشه وإدخال العار عليه وعلى ولده، وهو أبلغ في العداوة من مؤلم الضرب فاحش السبب.
قال القاضي الحسين: وإلى هذه العلة أشار الشافعي- رحمه الله تعالى- وهي التي حكاها القاضي أبو الطيب في باب حد قاطع الطريق عن الشيخ أبي حامد.

وحكى بعض الرواة عن الشيخ أبي محمد وجهين في سماع شهادة الشخص على زنى زوجة ولده، وأنه قربهما من المعنيين: فعلى المعنى الأول: لا تسمع.
وعلى الثاني: تسمع.
قال الإمام: وهذا غريب، لا تعويل عليه، والوجه القطع بقبول شهادة أب الزوج.
قال: و [تقبل] شهادة الصديق لصديقه- أي: وإن كان ملاطفًا- وهو الذي يهدي لصديقه من ماله، لعموم أدلة الكتاب والسنة.
ولأن الصداقة سبب بين الشخصين، لا يتعلق به عتق أحدهما على الآخر، فلا تتعلق به رد شهادة أحدهما للآخر، قياسًا على قرابة الأخوة والعمومة والصداقة بلا ملاطفة، وقد سلم الخصم في المسألة- وهو الإمام مالك- سماع الشهادة لمن ذكرناهم.
قال: و [تقبل] شهادة [الزوج] لزوجته، لعموم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282]. ولأن بينهما صلة لا توجب العتق، فلم تمنع من قبول الشهادة، كالأخوة.
ولأن الزوجية عقد على منفعة، فلم توجب رد الشهادة، كالإجارة.
وهذا ما حكاه العراقيون والماوردي، وهو الصحيح في ((التهذيب)) و ((تعليقة)) شيخه.
[وحكى البغوي قولًا آخر: أنه لا تقبل شهادة أحدهما للآخر، وحكى شيخه] القاضي الحسين بدله: أنه تقبل [شهادة] الزوج لزوجته دون العكس.
وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أقوال قد حكاها الغزالي، كما تقدم مثلها في القطع [في] السرقة.
قال الإمام في كتاب اللعان: وإذا قبلنا شهادة الزوج لزوجته، فهل نسمعها في القذف؟ فيه وجهان: وجه المنع: أن الشهادة بقذفها تتضمن إظهار عداوة القاذف، فإن الرجل يتعير بقذف [زوجته كما يتعير بقذف] نفسه.

قال: ولا تقبل شهادة الإنسان على فعل نفسه: كالمرضعة على الرضاع- أي: إذا قالت: أشهد أني أرضعته كذا- قياسًا على ما لو شهدت بالولادة، فقالت: أشهد أني ولدته، وهذا ما جزم به الفوراني، وصححه البغوي.
والجمهور على السماع، ولم يحك العراقيون سواه فيما وقفت عليه، بل قال البندنيجي قبيل كتاب الشهادات: إنه لا خلاف فيه، وهو ظاهر النص في ((المختصر)) في كتاب الرضاع.
ووجهه: أنها بهذه الشهادة لا تجر لنفسها نفعًا، ولا تدفع عنها ضررًا، بخلاف الولادة، فإنها يتعلق بها حق النفقة، والميراث، وسقوط القصاص، وغيرها، ولا نظر إلى أن الراضع يتعلق به ثبت المحرمية، وجواز الخلوة والمسافر، فإن الشهادة لا ترد بمثل هذه الأعراض، ألا ترى أنه لو شهد شاهدان: أن فلاناً طلق زوجته، أو أعتق أمته- تقبل، وإن كان يستفيدان حل المناكحة.
ولا خلاف في سماع شهادتها إذا نسبت الفعل إلى الصبي، فقالت: أشهد أنه ارتضع مني، وهذا لم تدع أجرة [على] الرضاع، فإن ادعت عليه أجرة، لم تسمع شهادتها، للتهمة.
وعلى هذه الحالة حمل بعضهم كلام الشيخ.
وعن ((الحاوي)) حكاية وجهين في أنه إذا لم تقبل شهادتها في الأجرة، هل تقبل في ثبوت المحرمية، تخريجًا على الخلاف في تبعيض الشهادة، وأن اختيار أبي إسحاق منهما: القبول، [واختار] ابن أبي هريرة المنع.
قال: والقاسم على القسمة بعد الفراغ، والحاكم على الحكم بعد العزل أي: إذا قال: أشهد: أني حكمت على هذا، أو لهذا بكذا، لتطرق التهمة إليهما.
وقيل: تقبل شهادة القاسم والحاكم، كما في المرضعة، تفريعًا على النص، وهذا ما نسبه البندنيجي والقاضي أبو الطيب وغيرهما إلى الإصطخري، وكذا القاضي الحسين في كتاب القسمة.
[وفي ((الحاوي)): أن الإصطخري حكاه عن بعض الأصحاب، وابن الصباغ في كتاب القسمة] نسبه إليه، لكنه خصه بما إذا كان بغيره أجرة، والصحيح الأول،

وبعضهم لم يورد سواه، وفرقوا بين [الحاكم] والقاسم، والحاكم والمرضعة بفرقين، ذكرهما ابن الصباغ وغيره في كتاب الرضاع: أحدهما: أن قسمة القاسم وحكم الحاكم يتعلق به حكم المتنازعين فيه، وليس كذلك إرضاع المرضعة، فإن التحريم لا يتعلق بفعلها، ولهذا لو شرب منها الطفل وهي نائمة تعلق به حكم الرضاع.
والثاني: أن القاسم والحاكم متهمان، لأنهما يثبتان لأنفسهما العدالة والإضافة، بخلاف مسألتنا.
وعلى هذا قال الأصحاب: لو قال الحاكم: أشهد أن قاضيًا عدلًا قضى بذلك، ففي سماع شهادته وجهان حكاهما العراقيون، والمراوزة عنهم: [وجه المنع]: أنه يحتمل أن يريد نفسه مع أن نسبة القضاء إليه ظاهرة، فكأنه صرح به.
وعلى وجه السماع قال ابن أبي الدم: فالشاهد الآخر معه لا يقول: أشهد أن هذا قضى بكذا، لامتناع التلفيق بين الشهادتين، فلا يثبت الحق إن فعل ذلك، لكن هل يقول: أشهد أن قاضيًا عدلًا قضى بكذا، كما تلفظ به القاضي المعزول، أو: أشهد أن القاضي الذي شهد هذا: أنه قضى بكذا، قضى به؟ فيه تردد ظاهر عندي، ولم أظفر به مسطورًا.
قال الإمام: ولو شهد [عدلان] لم يقضيا قط على قضاء قاضٍ من غير تسمية، فظاهر المذهب: قبول ذلك.
وقد جزم في ((الوسيط)) بعدم قبول شهادة القاضي بعد العزل إذا أضاف الفعل إلى نفسه.
وحكى الوجهين فيما إذا قال: أشهد أن قاضيًا قضى: أحدهما: تقبل، كما تقبل شهادة المرضعة كذلك فأفهم كلامه أن شهادة المرضعة إنما تقبل إذا أبهمت المرضعة، وهو راجع إلى ترجيح مذهب الفوراني الذي اقتصر الشيخ على حكايته فيها، فإن هذه الصورة تنفي إضافة الفعل إلى نفسها، كما ينفيه قولها:

قال الرافعي في كتاب الرضاع: ويمكن أن يخرج مثل [هذا] الخلاف المذكور فيما إذا شهد الحاكم أن قاضيًا قضى في المرضعة أيضًا.
ويلتحق بصور الكتاب في المنع، ما إذا شهد الوكيل بالبيع على المشتري بالثمن، وأضاف البيع إلى نفسه، أو العبد الذي دفع مال سيده لأجنبي بغير إذنه، ثم عتق، وأضاف الفعل في الشهادة إلى نفسه، مثل: أن قال: أشهد أني دفعت إليه كذا من مال سيدي، كما قاله القاضي الحسين في ((الفتاوى)).
ولا خلاف أن الحاكم إذا أقر عنده الخصم في مجلس الحكم، ثم عزل، وقال: أشهد: أنه أقر عندي بكذا- في سماع شهادته.
قال الماوردي: ولا يحتاج إلى استرعاء، لأن الإقرار في مجلس الحكم استرعاء.
وقد ألحق القاضي الحسين في ((التعليق)) بهذه الحالة ما إذا أطلق الشهادة، وقال: أشهد: أن [له] عليه [كذا، فقال: إنها تقبل، وكذلك إذا قال الوكيل بعد العزل: أشهد أن عليه] لفلان كذا، قبلت شهادته، وبمثله قال في ((الفتاوى)) في مسألة العبد: إذا قال: أشهد بأن لهذا في ذمة هذا كذا، سمعت.
واحترز بقوله في مسألة الوكيل: ((بعد العزل)) عما إذا لم يعزله الموكل عن قبض الثمن، فإنه حينئذ يكون شاهدًا بما يجر [به نفعًا لنفسه].
لكن في ((الإشراف)) أطلق القول بالسماع من غير تقييد بالعزل، ثم قال: وهو غلط، فإنها شهادة جارة إلى نفسه نفعًا، فإنه يثبت لنفسه القبض، ويسقط الضمان أيضًا، فإن الوكيل إذا سلم المبيع قبل قبض الثمن يجب عليه الضمان، فصار كالبائع لا يشهد للمشتري، لأنه يسقط العهدة عن نفسه.
واعلم أن ما ذكره القاضي من السماع مفرع على المذهب في سماع الشهادة بأن فلانًا يستحق في ذمة فلان كذا، وهو ما حكاه الماوردي في باب الشهادة على الشهادة، ووراءه وجهان، حكاهما ابن أبي الدم: أحدهما: عدم السماع، لأن هذا من وظيفة الحاكم.
والثاني: إن كان الشاهد متمذهبًا بمذهب القاضي سمعت، وإلا فلا.

ثم إطلاق القاضي القول بجواز شهادة الوكيل لموكله بعد العزل يؤخذ [منه] أن الشخص إذا كان لولده حق على شخص، والقاضي يجهل أنه ابنه-: [أنه] يجوز له أن يشهد له.
ويظهر أن يجئ في الجواز ما ذكرناه في جواز الشهادة للفاسق في الباطن بما علمه إذا كان عدلًا في الظاهر.
قال: وإن جمع في الشهادة بين ما يقبل وما لا يقبل، ففيه قولان: أحدهما: ترد في الجميع، لأن الصيغة واحدة، وقد ردت في البعض، فكذلك في البعض الآخر.
والثاني: تقبل في أحدهما دون الآخر، لاختصاص المانع به.
قال الرافعي: والخلاف كالخلاف المشهور في تفريق الصفقة، بل هو هو.
ومن هنا يظهر لك أن الصحيح الثاني، كما صرح به النواوي، واختاره في ((المرشد)).
وقد أثبت بعضهم الخلاف المذكور وجهين، ومحله إذا كان ما لا يجوز لأجل التهمة، كما إذا شهد أنه اقترض من أبيه وأجنبي مالًا، ونحو ذلك.
وأما إذا كان ما لا يجوز، لأجل العداوة، كما إذا شهد أنه قذفه وأجنبيًا، أو قطع عليه وعلى رفيقه الطريق- فها هنا ترد في الجميع قولًا واحدًا، لأن بهذه الشهادة ظهرت العداوة بين الشاهد والمشهود عليه، فردت شهادته عليه مطلقًا، كذا قاله البندنيجي في كتاب اللعان وغيره.
وعن كتاب ابن كج: أن أبا الحسين حكى عن بعض الأصحاب فيما إذا شهد أنه قطع علي وعلى رفقتي الطريق- أن في قبولها في حق الرفقة قولين، كالقولين فيما إذا شهد لنفسه ولشريكه، فإن شهادته لنفسه مردودة، وفي شهادته لشريكه قولان، وهذه الطريقة حكى الإمام مثلها في كتاب اللعان فيما إذا شهد: أنه قذفه وأجنبياً.
والصحيح الأول، ولم يورد العراقيون سواه.
وما قاله ابن كج من جريان القولين في سماع الشهادة بالنسبة إلى الشريك عند الشهادة لنفسه ولشريكه، مذكور في ((الإشراف)) أيضًا.

لكن المشهور- وبه جزم صاحب ((التهذيب))، و ((الكافي)) في باب حد قاطع الطريق-: المنع، كما تقدم، ومثلاه بما إذا قال: أشهد أن العبد لنا نصفين، وقد حكينا أن القاضي أبا الطيب وغيره جعلوا من مسائله ما إذا شهد أنه قذف أمهما وأجنبية.
وعزى البندنيجي ذلك في كتاب اللعان إلى نص الشافعي في ((الأم)).
وحكى الإمام [ثم] في هذه الصورة طريقة قاطعة عن رواية الشيخ أبي علي: أنها ترد في الجميع، لأن قذف الأم يورث العداوة، وقد حكاها القاضي الحسين ثم أيضًا، وصححها، ولم يحك في باب حد قاطع [الطريق] غيرها، وتبعه الإمام.
والطريقان يجريان- كما حكاه الإمام في كتاب اللعان- فيما إذا شهد بقذف زوجته وامرأة أجنبية.
فرع: إذا كان لشخص دين على شخص، وله به بينة، فضاه بعضه، ثم مات، أو جحد، فأراد صاحب الحق [إقامة] البينة عليه- فكيف يشهد؟ قال فقهاء زماننا: إن شهد الشاهد على إقراره بباقي الدين، فقد شهد بخلاف ما وقع، وإن شهد على إقراره بكل الدين، شهد بما استشهد عليه و [ما] لم يستشهد فيه، فيكون في ذلك خلاف مبني على [أن] من شهد قبل الاستشهاد، هل يصير مجروحًا، أم لا كما سيأتي؟ فإن قلنا: يصير مجروحًا، بطلت جملة الشهادة، وإلا خرج على الخلاف السابق.
فالطريق أن يقول: أشهد على إقراره بكذا من جملة بكذا، ليكون منبهًا على صورة الحال، [وما قالوه في الحالة] الثانية قد رأيت مثله في ((الإشراف)) فيما إذا ادعى ألفًا، فشهد له شاهد بألف، وآخر بألفين.
وفي ((البحر)) في الفروع المذكورة قبل كتاب الشهادات: أنه إذا ادعى تسعة، فشهد له شاهد على إقرار المدعى عليه بعشرة-[فالشهادة] زائدة على الدعوى، فتبطل في الزيادة، وهل تبطل في الباقي؟ قولان، بناء على القولين في تبعيض الإقرار، لكنه قال قبل ذلك في الفروع- أيضًا-: إن البينة لو خالفت

الدعوى في الجنس لا تسمع، وإن خالفتها في القدر إلى نقصان، حكم في القدر بالبينة دون الدعوى، وإن خالفتها إلى زيادة، حكم في القدر بالدعوى دون البينة، ما لم يكن من المدعي تكذيب البينة في الزيادة، فإن أكذبها فيه، ردت، ولم يحكم بها.
وهذا قد ذكره الماوردي في باب ((ما على القاضي في الخصوم، وهو موافق لما في ((أدب القضاء)) للزبيلي، فإنه قال: لو ادعى عشرة، فشهدت له البينة بعشرين، صح له العشرة، ولا يكون طعنًا على الشهود، لأنه لم يكذبهم بما فوق العشرة، بل صدقهم في العشرة، وسكت عما فوقها، وذلك يحتمل أن يقول: كان في الأصل عشرون، وكنت قضيت منها عشرة، فادعيت الباقي، وشهد الشهود على الأصل، إذ لم يعلموا بقبضي، فلا يكون ذلك تكذيبًا للبينة.
وعندى: أن الشهادة على إقراره بالقدر الباقي لا تمتنع، لأن من أقر بالعشرة فقد أقر بكل جزء منها، كما قال أصحابنا: من ادعى عشرة فقد ادعى كل جزء من أجزائها، ومما يؤيد ذلك أمران: أحدهما: [أنه] لو شهد له شاهد بعشرين، وشاهد بثلاثين، [لفق بين الشهادتين، وتثبت العشرون على الأصح.
ولولا أن من شهد بالثلاثين] شهد بعشرين، لما تلفقتا، وثبتت العشرون.
الثاني: أن من اشترى عينًا بعشرة، هل يجوز [له] أن يقول: اشتريتها بتسعة؟ فيه وجهان حكيناهما في المرابحة: فإن قلنا: يجوز، فهاهنا كذلك.
وإن قلنا: لا يجوز، فإنما كان ذاك، لأن العقد الواقع بعشرة مخالف للعقد الواقع بتسعة، لأنه يقتضي أن الدرهم من العشرة في الصورة الأولى مقابل لعشر المبيع، وفي الصورة الثانية مقابل لتسع المبيع، ولذلك لو شهد بالعقد بعشرة، والآخر شهد بالعقد بعشرين، وأضافا إلى وقت واحد، وعين واحدة- لم يلفق، وهذا منتف في الإقرار.
وقد حكى الإمام في كتاب الإقرار: أنا [إذا] رددنا الشهادة [في الألف الزائد، لوقوع الشهادة] [به] قبل الدعوى لا لأجل الحرج، كما سنذكره

وجهًا، فهل نردها في الألف المدعى به؟ فيه طريقان: أحدهما: القطع بالقبول.
والثاني: طرد القولين.
قال: وإذا أعتق عبدين، ثم شهدا على المعتق: أنه غصبهما- لم تقبل شهادتهما.
قال القاضي أبو الطيب في مسائل الدور من كتاب الإقرار: لأن إثبات شهادتهما يؤدي إلى إسقاطها، [لأنه إذا حكم بشهادتهما لم ينفذ العتق، وإذا لم ينفذ العتق بقيا على رقهما، وإذا بقيا على رقهما لم تصح شهادتهما، فلما كان إثباتها يؤدي إلى إسقاطها، لمن نقبلها.
وهكذا الحكم فيما إذا ورثهما شخص عن أخيه، فأعتقهما، وشهدا بابن للميت- لم تسمع.
وكذا [الحكم] لو أعتقهما المالك في مرض موته، فشهدا عليه بدين يستغرق التركة- لم تسمع، لما ذكرناه.
[ثم] في مسألة الكتاب ليس لمن نسبا ملكهما إليه تسليم رقهما، لما فيه من إبطال الولاء على المعتق، وهل له أخذ أكسباهما؟ فيه وجهان، وجه المنع: أن استحقاق الأكساب فرع الرق، وأنه لم يثبت، كذا أخذته من كلام الرافعي في كتاب الإقرار.
وقد حكى الإمام في كتاب الغصب فيما إذا كان في يد رجل عبد، فباعه، وأعتقه المشتري، فادعاه آخر، وصدقه البائع والمشتري والعبد- أن العتق لا يبطل، ولو مات هذا العبد، وترك مالًا، ولم يكن له قريب وارث- فميراثه للمصدق.
قال: و [قد] ينقدح في المسألة تفصيل، فنقول: ما يصح من اكتسابه من غير إذن المولي، وخيار التصرف إليه، فإن يبين أن يكون كسب عبده، وما ثبت في يد

العبد عن جهة لا يصح استبداد العبد بها، فالوجه الحكم أن المقر له لا يستحقه، فإنه ينكر الملك فيه برد عتق المشتري.
قال: وهذا مما لابد منه، وهو مستقر المسألة، والأئمة وإن لم يذكروا هذا التفصيل فلاشك أنهم عنوه، ولو عرض عليهم لم ينكروه.
قلت: ولاشك في إجرائه في مسالة الكتاب في الكسب في حال حياتهما إذا قلنا بالتسلط على أخذه، وكذا بعد موتهما، إذا لم يكن لهما قريب، واعترف المعتق بالغصب، والله أعلم.
قال: ومن ردت شهادته لمعصيته غير الكفر، أو لنقصان مروءة، فتاب- أي: ذكر أنه تاب- لم تقبل شهادته حتى يستمر على التوبة، أي: بإثباتها بالضد مما كان عليه، وهو صلاح العمل، لأن ما ادعاه من أعمال القلوب كما سنذكره، وهي لا مطلع عليها، وهو متهم في قوله، لأنه قد يريد ترويج شهادته وإصلاح حاله، فاعتبر الشرع مع دعواه إصلاح العمل الظاهر، ليدل على [صدقه فيما] ادعاه، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ الآية [الفرقان:70]، وقال تعال: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء:16].
قال: سنة، [لأن] لمضي الفصول الأربعة تأثيرًا بينا في تهييج النفوس، وانبعاثها لمشتهياتها، فإذا مضت على السلام، أشعر ذلك بحسن السريرة.
وأيضًا: فإن لها اعتبارًا في الشرع في مدة العنة، وفي الزكاة، والدية، والجزية، وهذا ما حكاه الماوردي والبندنيجي والقاضي الحسين والبغوي عن الأصحاب، ورجحه ابن الصباغ.
قال في ((الحاوي)): لكن اعتبار السنة، هل هو تحقيق أو تقريب؟ فيه وجهان.
وقد حكى القاضي أبو الطيب وغيره وراء ذلك وجهين: أحدهما: أن المعتبر مضي ستة أشهر، وقد حكاه القاضي الحسين- أيضًا- في موضع آخر، وقال الرافعي: إنه منسوب إلى النص.

قلت: ولعله أخذ من قول الشافعي في الأم: ((أشهر))، قال أبو الطيب: وهذا لا معنى له، فإنه لم يرد في الشرع تقدير بستة أشهر في الأحكام.
والثاني: أن المعتبر مضي مدة يغلب على ظن الحاكم فيها صلاحه، [وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فإذا غلب على ظنه صلاحه] وتوبته، قبلت شهادته، وهذا ما صححه القاضي الحسين، وتبعه الإمام والعبادي.
وقال الإمام في تضعيف سواه: وكيف المطمع والتقدير لا يثبت إلا توقيفًا؟! أما إذا كانت المعصية كفرًا، كما إذا ارتد من هو مسموع القول في الشهادة فلا يشترط في قبول شهادته استبراء بإصلاح العمل بلا خلاف، بل يكفيه النطق بالشهادتين، والتبرؤ من كل دين خالف [دين] الإسلام مع التوبة الباطنة، كما سنذكرها.
قال الأصحاب: والفرق: أنه إذا أسلم فقد أتى بضد الكفر، فلم يبق بعد ذلك احتمال، وليس كذلك إذا كان قد زنى، أو شرب، ثم تاب، لأن التوبة ليست مضادة لمعصيته بحيث تنفيها من غير احتمال، فلهذا اعتبرنا في سائر المعاصي صلاح العمل، هكذا قاله القاضي أبو الطيب وغيره.
وقال الماوردي: إن الحكم كذلك إذا تاب من الردة عفوًا غير متق بها القتل، أما إذا أسلم عند إثباته للقتل، لم تقبل شهادته، إلا أن تظهر منه شروط العدالة، باستبراء حاله، وصلاح عمله.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين: أحدهما: أنه لا فرق فيما ذكره من اعتبار الاستبراء بين أن تكون المعصية قذفًا أو غير قذف، وهو في غير القذف موافق لما [أورده الأصحاب، كما حكاه

ابن يونس عن بعض أصحابنا وجهًا: أنه لا يشترط في شهادة الزور الاستبراء، وفي القذف]- قاله الشافعي في كتاب الشهادات من ((الأم)) -: أنه لابد من إصلاح العمل، وهو الذي جزم به في ((التهذيب))، لكن ظاهر النص في ((المختصر)): أنه لا يحتاج فيه إلى استبراء، فإنه قال: والتوبة إكذابه نفسه، لأنه أذنب حين نطق بالقذف، والتوبة منه أن يقول: القذف باطل، كما تكون الردة بالقول والتوبة عنهابالقول، فإن كان عدلًا قبلت شهادته، وإلا فحتى يختبر حاله.
واختلف الأصحاب- لأجل ذلك- في المسألة على طريقين: إحداهما- وهي التي أوردها الماوردي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ-: أن المسألة على قولين: أحدهما: أنه لا يشترط، لأن القاذف يحتمل أن يكون صادقًا، فلا حاجة فيه إلى التشديد.
وأصحهما في ((الرافعي)): الاشتراط، وهو المختار في ((المرشد))، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور:5]، فصار كما في سائر المعاصي.
قال أبو الطيب: والقائلون بالأول حملوا الآية على التأكيد.
والثانية: تنزيل النصين على حالين، والقائلون بها اختلفوا: فمنهم من حمل ما في ((الأم)) على ما إذا صرح بتكذيب نفسه، وما في ((المختصر)) على ما إذا لم يصرح.
ومنهم من حمل ما في ((الأم)) على ما إذا لم يطل الزمان بعد القذف، [وما في ((المختصر)) على ما إذا طال الزمان بعد القذف] وحسنت سيرته، ثم تاب بالقول، كما سنذكره.
ومنهم من حمل ما في ((الأم)) على ما إذا قذف سبًا وإيذاء كما هي صورة مسألتنا، وما في ((المختصر)) على ما إذا جاء شاهدًا ولم يتم العدد، وأوحينا عليه الحد، فإنه لا خلاف- كما قال القاضي أبو الطيب، وتبعه ابن الصباغ وصاحب ((البحر)) -: في أنه لا يجب في حقه الاستبراء وهو الذي أورده الماوردي

والبندنيجي، واستدلوا لذلك بقول عمر- رضي الله عنه- لأبي بكرة: ((تب، أقبل شهادتك))، ولم ينكره أحد.
وفرقوا بينه وبين القاذف سبًا وإيذاء بأن القاذف سبًا مقطوع بفسقه، بنص الكتاب، والفسق عند الشهادة غير مقطوع به، ولهذا اتفقوا على قبول روايته، وعدم قبول رواية ذاك، وعلى هذا قال ابن الصباغ والروياني: من كانت شهادته تقبل بنفس توبته، فالإمام أن يقول له: تب، أقبل شهادتك، كما فعل عمر- رضي الله عنه.
وقال الإمام: الوجه عندنا أن يقال: إذا صرح بتكذيب نفسه فلا يخرج [على] هذا التفصيل وترديد القول، بل يقطع فيه بالاستبراء.
وإذا جاء شاهدًا، في الاستراء قولان مرتبان على ما إذا جاء قاذفًا، وهذه الصورة أولى بالا يشترط الاستراء فيها.
وقال الغزالي: الصواب أن نقول: إن علم-[أي:] القاذف سبًا- أن ذلك حرام، فهو فاسق، فيستبرأ.
وإن ظن أن هذا الصدق مباح، فلا حاجة إلى الاستبراء، ويكفي قوله: تبت.
الأمر الثاني: أنه لا يشترط قبول الشهادة بعد التوبة، والإصلاح في العمل أمر آخر، وهو فيما عدا شهادة الزور وما في معناها، والقذف موافق لما أورده الأصحاب إذا كان مقبول الشهادة قبل ذلك.
وأما في شهادة الزور، فقد قال في ((المهذب)): لابد أن يقول: كذبت فيما فعلت، ولا أعود إلى مثله.
قال الرافعي: وقضية ذلك أن يطرد في الغيبة والنميمة.
وفي ((الحاوي)) في بابا ما على القاضي في الخصوم: أنه هل يحتاج إلى النداء عليه بالتوبة من شهادة الزور، كما ينادى عليه عند الحكم بفسقه، لأجل ذلك؟ فيه وجهان، وعلى المنع فالفرق أن ظهور التوبة بأفعاله أقوى.
ولأن في النداء بذلة لا تليق بحال العدل، بخلاف الفسق.
وأما في القذف، فقد ذكرنا عن الشافعي أنه قال: ((والتوبة إكذابه نفسه ...)) إلى

آخره، واختلف الأصحاب في مراد الشافعي بذلك: فقال الإصطخري: مراده: ما اقتضاء ظاهر كلامه، وهو أن يقول: كذبت بما قذفته به ولا أعود إلى مثله، لأنه روى [أن النبي] صلّى الله عليه وسلّم قال: ((توبة القاذف إكذابه نفسه))، قال: ويقول ذلك وإن كان صادقًا في قذفه، لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَاتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:13]، فهذا لقب أثبته الشرع، فيكذب القاذف على هذا التأويل نفسه، فإن الشرع سماه: كاذبًا.
قال الإمام: وهذا بعيد، لا أصل له.
وقال أبو إسحاق وابن هريرة وجمهور الأصحاب- كما قال الرافعي، وادعى البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما: أنه المذهب-: لا يكلف أن يقول ذلك، فإنه قد يكون صادقًا، فكيف نأمره بأن يكذب، والآية التي ذكرها الإصطخري نزلت في قصة الإفك، وعائشة- رضي الله عنها- كانت مبرأة مما قالوا، فلذلك سماهم الله تعال: كاذبين، ولكن يقول: القذف باطل، وإني نادم على ما فعلت، أو يقول: ما كنت محقًا في قذفي، وقد تبت منه، وما أشبه ذلك.
والخبر محمول على الرجوع والإقرار ببطلان ما صدر منه، فإنه نوع إكذاب، وكذلك لفظ الشافعي، ويؤيده قوله بعد ذلك: ((والتوبة منه أن يقول: القذف باطل))، وعلى هذا قال في ((الحاوي)): هل يحتاج أن يقول في التوبة: ((لا أعود إلى مثله))، أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحتاج [إليه]، لأن العزم على ترك مثله يغني عنه.
والثاني: لابد أن يقول: لا أعود إلى مثله، لأن القول في هذه التوبة معتبر، والعزم ليس بقول.
قال الرافعي بعد حكاية قول أبي إسحاق: ولا فرق في ذلك بين القذف على

سبيل السب والإيذاء، وبين القذف على صورة الشهادة، [إذا] لم يتم عدد الشهود، وقلنا: يوجب الحد على من شهد.
ويشبه أن يشترط في هذا الإكذاب جريانه بين يدي القاضي.
وما ذكره في القاذف على سبيل السب [لا نزاع] فيه، وأما القاذف على صورة الشهادة، فقد قال البندنيجي وابن الصباغ: إنه يكفي في توبته أن يقول: ندمت على ما كان مني، ولا أعود إلى ما أتهم فيه، فإذا قال هذا، زال فسقه، وثبتت عدالته، وقبلت شهادته.
وقال الماوردي: يعتبر في توبته من الشروط المتقدمة في قذف السب أن يقول: قذفي باطل، ولا يحتاج إلى الندم وترك العزم وترك العزم، لأنه شهادة في حق الله تعال، ولا أن يقول: إنني كاذب، ولا يقول: لا أعود إلى مثله، لأنه لو كمل عدد الشهود لزمه أن يشهد.
أما إذا لم نوجب الحد عليه، فلا حاجة به إلى التوبة.
وكذا نقول فيما إذا قذف سبًا وإيذاء، ثم أتى ببينة تشهد بالزنى، أو على الإقرار به، أو كان زوجًا، فلاعن، ولم تلاعن المرأة- لا يحتاج إلى التوبة في قبول الشهادة، كما جزم به الماوردي وابن الصباغ.
وفي ((النهاية)) وجه آخر: أنه لابد منها، لأنه ليس له أن يقذف، ثم يأتي بالبينة، بل كان ينبغي أن يجئ مجئ الشهود.
ومن هذا التعليل يظهر لك أنه لا يطرد في قذف الزوج إذا لا عن بعده، لأنه قد يضطر إليه.
أما إذا لاعنت المرأة أيضًا، قال في ((الحاوي)) في كتاب اللعان: فيحتمل في ارتفاع فسقه وجهين، لأن لعانها معارض للعانه.
فإن قلت: ما ذكرته لا يرد على الشيخ، لأن إكذاب القاذف وغيره نفسه فيما أتى به، من جملة شرائط التوبة وأركانها، كما أفهم ذلك كلام الشافعي وغيره، والشيخ، فقد قال: ((لم تقبل شهادته حتى يستمر على التوبة))، فاندرج ما ذكرته تحت كلامه.

قلت: كلام الأصحاب كالمصرح بأن هذا غير معتبر في التوبة الباطنة بين العبد وربه، وإنما هو معتبر في التوبة الظاهرة، وقول الشيخ: ((ثم تاب))، المراد به: التوبة الباطنة، وقوله: ((لم تقبل شهادته حتى يستمر على التوبة))، يعود إلى التوبة الأولى، لأنه أتى فيها بالألف واللام، فعادت إلى ما ذكر أولًا، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: 15،16]. وإذا كان ذلك اتجه السؤال، لكن للمعترض أن يقول: مراد الشيخ بقوله: ((ثم تاب)): التوبة الظاهرة التي تشمل ما ذكرته وغيره، لأن قوله بعد ذلك: ((حتى يستمر على التوبة سنة))، يعود إلى الأولى.
وقد اتفق الأصحاب على أن التوبة الظاهرة بما ذكرناه لابد منها مع التوبة الباطنة، فتعين أن المراد بما ذكره أولًا: التوبة الظاهرة، وعلى [هذا] ينتفي السؤال، وهو الأحسن، لأن الدعوى أن مراد الشيخ بالتوبة التي ذكرها أولًا: الباطنة لا دليل عليه، والله أعلم.
واحترز الشيخ بقوله: ((ومن ردت شهادته، لمعصية غير الكفر، أو لنقصان مروءة)) عما إذا ردت شهادته، لأجل الغلط، فإنه لا يستبرأ، كما صرح به البغوي والرافعي، وعما إذا ردت شهادته، لحرصه على أدائها قبل الاستشهاد، إذا قلنا: إنه يصير به مجروحًا، كما سنذكره، فإنه لا يحتاج إلى استبراء، كما صرح به البغوي.
لكن في ((النهاية)) في باب الشهادة على الجناية: أن الأصحاب قالوا: يستبرأ أيضًا، ولا يبلغ استبراؤه مبلغ استبراء الفاسق، بل يقرب.
[وحد القاضي ذلك في ((تعليقه)) بيومين أو ثلاثة،] فإن الغرض يحصل لنا بأن يبين لنا شبهة لإقامة الشهادة في حينها ووقتها، وترك ما يدل على غرضه في الثبوت والابتداء.
وهذا المسلك وإن كان ظاهرًا فليس علي أوثره وأحبه، وهذا ذكره تفريعًا على قولنا: إنه لو أعاد تلك الشهادة لم تقبل، وأنه يشترط على هذا- أيضًا- أن يتوب عما جرى منه، ويذكر أنه لا يعاود مثله، ولا يبادر الشهادة قبل الاستشهاد، والله أعلم.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل