كتاب النفقات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
من أصحابنا من قطع بأنا لا نشترط الإعلام.
ومنهم من أجرى الخلاف.
وهذه المسألة شبيهة بما إذا تزوجت امرأة المفقود، ثم عادت إلى منزل الزوج الأول بعد فسخ نكاح الثاني، تفريعاً على الجديد، وقد حكيت فيها طريقين.
ولا فرق [في سقوط النفقة بالإحرام بغير الإذن بين أن يكون الزوج محرماً أو غير محرم كما لا فرق] في نشوزها بخروجها من المنزل بين أن يكون الزوج حاضراً أو مسافراً، ولا بين أن يكون ما أحرمت به فرضاً- وقلنا: له أن يحللها منه- أو تطوعاً؛ كما تسقط نفقتها بالهروب، وإن كان قادراً على الرد.
ثم المسألة مصورة في "الشامل" بما إذا خرجت مسافرة.
وفي كلام الماوردي إشارة إليه أيضاً، والمراوزة قالوا: إن أحرمت بفرض، وقلنا: له أن يحللها على الأصح، أو كان تطوعاً- فإن له أن يحللها وجهاً واحداً، فإذا لم يحللها فلها النفقة: ما لم تخرج- على الأصح- فإذا خرجت: فإن كان- أيضاً- بغير إذنه فلا نفقة، وإن كان بإذنه: فإن سافر معها لم تسقط- على الأصح- وإن لم يكن معها فقولان.
واشترط القفال في وجوب النفقة ألا ينهاها عن الخروج.
وإن قلنا: إنه ليس له أن يحللها، سقطت نفقتها [بمجرد الإحرام على الأصح بخلاف ما إذا أحرمت بإذنه فإنها لا تسقط] بمجرده- على الأصح- ولا إذا خرجت على وجه، وفيه وجه: أنها لا تسقط ما لم تخرج.
قال الرافعي: وقد حكي وجه أو قول مطلق: أن الإحرام لا يؤثر في النفقة؛ لأنها تسقط فرضاً عن نفسها.
وفي صوم التطوع وجه محكي في "المهذب" وغيره: أنه لا يستقط النفقة.
وقال الماوردي: إن لم يدعها إلى الخروج منه بالاستمتاع فهي على حقها، وإن دعاها، فأبت، كانت ناشزة وسقطت نفقتها؛ إن كان ذلك في أول النهار، وإن كان في آخره فلا؛ لقرب الزمان والتحاقه بزمان الأكل والشرب.
ويفهم من كلامه: أنه لو دعاها إلى الخروج لغير الاستمتاع، فلم تفعل- كانت على حقها؛ وهذا وجه حكاه في "العدة" ثالثاً.
قال الرافعي: وقد استحسن الروياني هذا التفصيل، والأكثرون سكتوا عنه.
ولا فرق في الصوم عن نذر في الذمة بين أن تكون نذرته قبل النكاح، أو بعده؛ لكونه غير واجب على الفور، وحق الزوج واجب على الفور؛ فأشبه الحج.
وألحقه الماوردي بصوم الكفارة، والحكم فيه عنده: أنها إن دخلت فيه بعد أن نهاها سقطت نفقتها، وإن لم يمنعها منه حتى دخلت فيه- ففي [إجبارها على الخروج منه] وجهان:
أحدهما: [له] ذلك، فإن أقامت سقطت نفقتها.
والثاني: لا.
فعلى هذا ينظر:
إذا كان التتابع فيه مستحقاً سقطت نفقتها، وإلا ففي سقوط النفقة وجهان:
أحدهما: لا تجب كالتتابع.
والثاني: تجب.
وهما مأخوذان من اختلاف وجهي أصحابنا في وجوب نفقة الأمة إذا سلمت ليلاً ومنعت نهاراً: تجب نفقتها أو لا؟ على وجهين.
هذا آخر كلامه، ومقتضى هذا التخريج أن يجيء وجه آخر: أنها تستحق شطر النفقة
كما حكيناه في الأمة، وطرده في "التهذيب" في كل صوم قلنا: إنه يسقط النفقة.
والصوم عن نذر تعلق بزمان بعينه بعد النكاح، له منعها منه؛ لأنه استحق الاستمتاع بها في وقته قبل لزومه، فقدم؛ لسبقه، فإن دخلت فيه سقطت نفقتها، وإن كان بإذنه، فليس له ذلك، وعليه النفقة.
ونقل إبراهيم المرورذي فيه وجهين، سواء نذرته قبل النكاح أو بعده.
[ولو] كان الصوم الذي شرعت فيه قضاء شيء من شهر رمضان، فإن لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليها [لم يكن له منعها، وكانت على حقها من النفقة كصومها في رمضان، وإن كان أكثر من ذلك] ولم تكن متعدية في الإفطار- فله منعها.
وإن دخلت فيه ففي جواز إجبارها على الفطر وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في إجبارها على إحلالها من الحج، فإن قلنا: له التحليل- فامتنعت- سقطت نفقتها.
وفي "الشامل" حكاية وجه في كل صوم قلنا: إن له أن يمنعها منه، فلم تفطر – أن نفقتها لا تسقط، كما هو محكي في صوم التطوع.
وإن قلنا: ليس له، ففي وجوب النفقة [وجهان:
أحدهما:] لا كالحج.
والثاني: نعم.
والفرق من وجهين:
أحدهما: قرب زمان الصوم، وقدرته على الاستمتاع بها في ليله.
والثاني: أنها مقيمة في منزله، بخلاف الحج؛ فإنها خارجة منه.
وحكى الغزالي وغيره الخلاف في جواز المنع من المبادرة.
وإن كانت متعدية بالإفطار فالقضاء يجب على الفور، وهل تسقط نفقتها؟ فيه وجهان، المذكور منهما في "التهذيب": عدم السقوط، وفي "التتمة": السقوط.
فرعان:
[أحدهما]: لو اعتكفت تطوعاًن أو عن نذر في الذمة، أو زماناً [عينته بنذرها] بعد النكاح بغير إذنه: فإن كان في مسجد بيتها، وجوزناه- لم تسقط
نفقتها، وإن كان في المسجد سقطت.
وإن كان عن نذر متقدم على النكاح، فلا منع منه، ولا تسقط النفقة، ولو كان بإذنه: فإن كان معها فنفقتها مستمرة، وإلا فقولان [يأتي] مثلهما في السفر في حاجتها.
وفي كتاب ابن كج [وجه]: أنه إن قصرت مدته بأن لم يزد على يوم، لم يؤثر، وإذا قلنا بسقوط النفقة فالساقط جميعها؛ كما في الإحرام، قاله الجيلي.
الثاني: إذا شرعت في الصلاة، فإن كانت صلاة فرض فليس له أن يحللها، وإن كانت قضاء، أو في أول الوقت، وإن جاز تأخيرها بخلاف فرض الحج.
والفرق: أن تعجيل الصلاة لأول وقتها فضيلة تتعلق بالوقت؛ فلم يكن له تفويتها عليها، وتعجيل الحج احتياطاً لا يختص بفضيلة تفوت؛ فافترقا.
وهل له منعها من الدخول فيها في أول الوقت؟ فيه وجهان، والأصح لا.
وليس له منعها من الشروع في قضاء الصلاة مطلقاً، ولكن لو أرادت أن تحرم بها، وأراد الاستمتاع، فمن المقدم منهما؟ فيه وجهان.
اختيار الشيخ أبي حامد منهما: الزوج.
واختيار الماوردي: الزوجة.
ولو كانت الصلاة نفلاً؛ نظر:
فإن كانت من الرواتب التابعة للفرائض والضحى فليس له منعها ولا تحليلها.
وفيه وجه: أن له المنع من الاستدامة.
وصوم يوم عرفة وعاشوراء في الصيام ملحق بهذه الرواتب في الصلوات.
وإن كانت من الرواتب التي شرع لها الجماعة: كالعيدين والكسوفين والاستسقاء- فله منعها من الخروج من منزله، وليس له منعها [من فعل ذلك في البيت، وإن كانت لا سبب لها فله منعها] إذا دعاها إلى الاستمتاع، وله قطعها بعد الدخول، فإن امتنعت، فهل تسقط نفقتها؟ يتجه أن يخرج على الوجهين في صوم التطوع.
ويمكن أن يفرق بينهما بقصر المدة، كما تقدم.
وصوم يوم الاثنين والخميس في الصيام ملحق بالنوافل غير الراتبة من الصلوات.
قال: وإن سافرت بإذنه، أي: في حاجتها من حج أو غيره، ولم يكن معها- ففيه قولان:
أحدهما: أنها لا تسقط، لأنها سافرت بالإذن؛ فأشبه ما إذا سافرت في حاجته، فإنه لا نزاع في وجوب النفقة، وهذا أظهر عند الماوردي- على ما حكاه- فيما إذا أحرمت بإذنه، ولم يسافر معها، وذكر هو وغيره أنه ظاهر النص هنا.
وأظهرهما عند أكثر الأصحاب: أنها تسقط؛ لأنها غير ممكنة، وبه قطع بعضهم، وحمل النص على ما إذا سافر معها، وهو متفق فيه على الوجوب.
قال الرافعي: وقد يبنى القولان على أن النفقة تجب بالعقد أو التمكين؟ إن قلنا بالأول وجبت؛ لأنه لا نشوز، وإن قلنا بالثاني لم تجب.
قلت: وما قاله متجه على طريقة المراوزة، أما على طريقة الشيخ، فلا.
ويجري القولان، على ما حكاه المتولي فيما إذا أجرت نفسها بإذن.
قال: وإن أسلم الزوج وهي في العدة، أي: شرعت فيها بإسلامه؛ لكونها غير كتابية ومدخولاً بها- لم تجب لها النفقة؛ لأنها ناشزة بالتخلف ممتنعة من التمكين.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه في الوجوب؛ وهذا إذا أخرت إلى انقضاء العدة.
قال: وإن أسلمت أي: في العدة؛ ففيه قولان:
أصحهما: [أنها] لا تستحق لما مضى، وهو الجديد؛ كما لو سافر الزوج، وأراد مسافرتها، فتخلفت، ثم عادت إلى الطاعة؛ فإنها لا تستحق لما مضى شيئاً.
والثاني- وهو القديم-: أنها تستحق؛ لأنها ما أحدثت شيئاً، والزوج هو الذي بدل الدين؛ فحصل بإسلامه تشعث في العقد وخلل، وقد زال بإسلامها، واستقرت له الزوجية؛ فاستحقت النفقة.
فعلى الجديد: لو اختلفا: فقال الزوج: أسلمت من عشرة أيام، وقالت: بل من شهر- فالقول قوله مع يمينه.
وكذا على القديم لو قالت أسلمت في العدة، وقال بل بعدها فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الاستحقاق.
ولو أسلمت المرأة أولاً، وتخلف الزوج- وجبت النفقة، سواء أخر إلى انقضاء العدة أو أسلم فيها؛ لأنها أدت فرضاً مضيقاً؛ فلم تسقط نفقتها به كصوم رمضان.
ولأنه متمكن من رفع هذا المانع بإسلامه؛ فكان عليه النفقة كما في الطلاق الرجعي.
وحكى ابن خيران وصاحب "الإفصاح" وغيرهما وجهاً: أنه لا نفقة لها في مدة التخلف إذا أسلم في العدة، لأنه استمر على دينه، وهي التي أحدثت المانع من الاستمتاع.
وإذا جرى هذا الوجه، وقد عاد إلى الإسلام في العدة- فلأن يجري إذا لم يعد كان أولى؛ لأنا نتبين- إذن- أن النكاح قد زال من حين الإسلام.
وإطلاق الشيخ في "المهذب" يقتضي جريانه فيها، وقد صرح به الإمام ورجحه، وضعف مقابله، وهو الذي رجحه الأكثرون، والمنصوص في "المختصر".
قال في "التتمة": ويخالف ما إذا سبقت إلى الإسلام قبل الدخول؛ حيث يسقط المهر، وإن أحسنت؛ لأن المهر عوض العقد، والعوض يسقط بتفويت [العاقد] مدة المعقود عليه، وإن كان معذوراً؛ كما لو باع طعاماً، ثم أكله وهو مضطر إليه، والنفقة في مقابلة التمكين، وإنما تسقط عند التعدي ولا تعدي.
واعلم أن الشيخ لم يتعرض لذكر هذه المسألة؛ لأنه في معرض بيان ما يسقط النفقة بعد وجود سبب وجوبها، والنفقة لا تسقط فيها؛ فلذلك لم يذكرها.
فرع: على المذهب: لو اختلفا في سبق الإسلام؛ فقال الزوج: أسلمت أولاً؛ فلا نفقة لك، وقالت: بل بعدي؛ فلي النفقة- فمن القول قوله؟ فيه وجهان: أشبههما وهو المذكور في "التهذيب"، والمحكي عن ابن أبي هريرة: أنه الزوجة مع يمينها؛ لأن النفقة كانت واجبة عليه وهو يدعي السقوط؛ فأشبه ما لو ادعى عليها أنها نشزت وأنكرت.
قال: وإن ارتدت- أي: بعد الدخول- سقطت نفقتها- أي: في زمن العدة- لإساءتها ونشوزها، فإن أسلمت قبل انقضاء العدة، فقد قيل: لا تستحق؛ كما لو نشزت ثم عادت إلى الطاعة، وهذا ما أجاب به القاضي الحسين.
وقيل: على قولين- كالمسألة قبلها- لأنها على شرك تحرم به، وهو مسلم؛ فهو كما لو أسلم وتحته وثنية؛ هكذا عللها البندنيجي، وادعى ابن الصباغ أن هذه الطريقة أقيس.
والفرق على الطريق الأول، وهو الذي أجاب به الماوردي أيضاً، ونفيا مجيء خلافه: أنها ثم أقامت على دينها، ولم تحدث شيئاً يقتضي المنع، وهاهنا أحدثت الردة، وهي تقتضي المنع؛ فغلظ عليها.
ولا نزاع في أنها تستحق النفقة من حين عودها إلى الإسلام وإن كان الزوج غائباً، [وكذا إن كانت وثنية وأسلمت والزوج غائب] ويخالف ما إذا نشزت، ثم غاب الزوج، ثم عادت؛ فإن النفقة لا تعود حتى تعود إلى يده أو يد وكيله، أو يرسل إليه الحاكم- كما ذكرنا- لأن النفقة هاهنا سقطت بالكفر، وقد زال بالإسلام، وثم سقطت بالامتناع والخروج عن اليد؛ فلم تعد إلا بالتسليم، هذا مذهب العراقيين.
وفي "النهاية": أن أئمة المراوزة لم يفصلوا بين أن يكون سقوط النفقة بالخروج من مسكن النكاح أو غيره.
ولو ارتد الزوج فعليه النفقة في مدة العدة.
وإن ارتدا [معاً]، قال في "التهذيب": هو كما لو ارتدت المرأة.
قال الرافعي: ويشبه أن يجيء فيه خلاف؛ كما لو ارتدا معاً قبل الدخول:
ففي وجه: يسقط نصف المهر.
وفي وجه: لا يجب؛ كما لو ارتدت هي.
وإن طلقها طلقة رجعية وجبت لها النفقة والسكنى؛ لما روى الدارقطني عن فاطمة بنت قيس في حديث طويل، وقد طلقها زوجها ثلاثاً أنها قالت: فأتيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجعل لي سكنى، ولا نفقة، وقال: "إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِمَنْ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ" وخرجه النسائي أيضاً.
ولأن الزوجية باقية، والتمكين من جهتها مستمر، وإنما المنع من جهته، وهو قادر على الإزالة.
قال الماوردي: وهذا إجماع.
قال الرافعي: ويجب لها مع النفقة والسكنى سائر المؤنات المختصة بالزوجات، إلا آلة التنظيف؛ فإن الزوج ممتنع عنها.
قاله في "البسيط" وغيره.
فروع: لو ظهر بها بعد انقضاء الأقراء أمارات الحمل، فعلى الزوج الإنفاق عليها، قال الماوردي: يوماً بيوم وجهاً واحداً.
فإذا أنفق، ثم بان أنه لم يكن حملا؛ فله استرداد ما زاد على مدة الأقراء، ويرجع إليها في الأقراء إذا ادعت جريانها على مقتضى عادتها، وكذا إن ادعت نقصاناً عن عادتها، وإن ادعت تباعد حيضها فكذلك على المذهب.
ونقل القاضيان أبو الطيب وابن كج أنها لا نفقة لها، وله الرجعة وعليها العدة على وجه، ولا يختص بهذه الصورة، بل يجري فيما لو ادعت ذلك ولا حمل أصلاً.
فإن قالت: لا أعلم متى انقضت الأقراء، رجعنا إلى عادتها المضبوطة في الطهر والحيض، فإن ادعت اختلافها رجعنا إلى أقل عادة، ورجع الزوج فيما زاد.
وإن قالت: نسيت عادتي، رجع بنفقة ما زاد على ثلاثة أشهر على النص، وقال الشيخ أبو حامد: يبنى الأمر على أقل ما يمكن انقضاء العدة به، وهذا ما أورده أبو الفرج السرخسي والماوردي.
قال الرافعي: وهو قريب من الخلاف في مدة المبتدأة.
ولو وضعت ولداً لا يلحق الزوج، فإن ادعت أنه من زوج يلحقه بعد انقضاء العدة، أو من وطء شبهة فعليها رد ما زاد على مدة الأقراء، وإن ادعت أنه جرى
في أثناء الأقراء فعليها بعد الوضع أن تتم عدة المطلق، وعليه النفقة فيها، وأما ما في مدة الحمل فقد جزم الماوردي بأنه يسترجع ما زاد على مدة [الأقراء].
وغيره بنى ذلك على أن هل له الرجعة فيها أم لا؟ فإن قلنا: لا رجعة له، فلا نفقة، وإن قلنا: له، فوجهان، وهذا أظهر.
وقيل: إن قلنا له الرجعة، وجبت، وإلا فوجهان، والظاهر أنه لا نفقة لها؛ فيسترجع ما أخذته بإزاء ذلك.
والحكم فيما ادعت أن وطء الزوج الثاني أو الأجنبي عقيب طلاق الأول كذلك؛ فتعتد عن الزوج بعد الوضع بثلاثة أقراء، ويجب عليه نفقتها فيها، وله الرجعة فيها إن صدقها، وإلا فلا رجعة له.
وأما نفقة مدة الحمل فيسترجعها على رأي الماوردي وعلى رأي غيره يظهر أن يجيء فيه ما ذكر في الصورة قبلها.
ولو أشكل الحال في وقت وطء الثاني، فالحكم كما في المسألة قبلها إلا في ثبوت الرجعة، صرح به الماوردي.
وإن قالت: وطئني الزوج الأول، فإن صدقها، لحق به الولد، وانقضت به العدة، وأما النفقة فتستحقها في مدة الأقراء، وفي مدة الحمل قولان؛ لأنه من وطء شبهة.
وإن أكذبها فهو المصدق بيمينه، ولا يلحق به الولد، ولا تنقضي به العدة على الظاهر من المذهب، وهو قول جمهور أصحابنا، خلافاً للشيخ أبي حامد في انقضاء العدة.
وعلى القولين تسأل عن وطئه: فإن قالت: بعد مضي الأقراء، استرد ما أنفقه بعد اقنضائها، وإن قالت: عقيب الطلاق، وأمكن أن يكون الولد من ذلك الوطء- فقد بان أنها ما مضت عدتها؛ فترد ما أخذت، وتعتد بعد الوضع بثلاثة أقراء، ولها النفقة فيها، كذا ذكره ابن الصباغ وغيره.
قال الرافعي: وإنما يستمر ذلك على قولنا: إن العدتين المختلفتين من شخص واحد لا تتداخلان.
وفي "الحاوي": أنها لا تستحق النفقة- أيضاً- في زمن الأقراء بعد الوضع؛ لإقرارها بانقضاء العدة بالولادة، والرجعة له فيها أيضاً؛ لإكذابها فيما ادعته.
[فرع] آخر: إذا وطئت المطلقة طلاقاً رجعياً بشبهة، وظهر بها حمل يمكن أن يكون منهما- وجب [الإنفاق] عليهما إن قلنا: إن النفقة للحمل، ويجب التعجيل.
وإن قلنا: للحامل، فلا تجب على الزوج؛ لاحتمال أن يكون من الواطئ؛ [فلا تكون في عدته]، ولا على الواطئ؛ لأنه لا يجب عليه النفقة لو تحقق أنه منه، فكيف مع الشك؟
وإذا وضعته وأتمت الأقراء، قال الماوردي وابن الصباغ: يؤاخذ الزوج بنفقة أقصر المدتين؛ لاستحقاقها يقيناً، فإن كانت مدة الحمل أقصر أخذ بنفقتها في مدة حملها، وإن كانت مدة الأقراء أقصر أخذ بنفقة الباقي منها، ثم يراعى حال الحمل بعد الولادة كما سنذكره من بعد.
وإن قلنا: للحمل ولا يجب التعجيل، فيكون الحكم في الحال كما إذا قلنا: إنها للحامل.
ولايخفى ما يترتب على ذلك من بعد.
فإذا وضعت: فإن ألحق بالزوج وجب عليه نفقة ما مضى.
وإن ألحقوه بالواطئ لزمه نفقة ما مضى، وتعتد عن الزوج بالأقراء، ويجب عليه نفقتها في الأقراء، وهل تجب في مدة النفاس؟ فيه وجهان.
وإذا لم يلحقه القائف بواحد منهما فيجب لها على الزوج أقل الأمرين من نفقة الحمل أو نفقة الأقراء، ونفقة الولد عليهما نصفين، فإذا انتسب إلى الزوج، وكانت نفقة مدة الحمل أكثر-[رجعت عليه] بما بقي منها، وإلا فلا شيء لها.
وأما رجوع أحدهما على الآخر: فإن كان الذي لم يلحقه نسبه يدعي نسبه، لم يرجع على الآخر.
وإن كان لا يدعي ذلك، فإن أنفق بقول الحاكم رجع وإلا لم يرجع.
وهكذا الحكم فيما إذا أنفقا في حال الحمل.
كذا قاله ابن الصباغ في العدد.
وقال الماوردي: إذا أنفق بغير إذن الحاكم: إن شرط الرجوع في حال الإنفاق
رجع وإن لم يشترط لم يرجع.
وحكى عن ابن أبي هريرة وجهاً: أنه يرجع بها؛ لأن بحملها من الاشتباه قد كان واجباً عليه؛ فاستوى في الرجوع بها حكم الحاكم وعدمه.
أما لو لم يظهر بها حمل فلا نفقة على الزوج إن تأخر اعتدادها عنه، وقلنا: لا رجعة له.
وإن قلنا: له الرجعة، فوجهان، [كذا قال في كتاب التهذيب].
[فرع] آخر: لو اختلفا: فقالت: وضعت قبل الطلاق؛ فلي النفقة، وقال: بل بعده؛ فلا نفقة لك- فالقول قولها، وليس له الرجعة.
ولو قالت: وضعت بعد الطلاق، وقال: بل قبله- فله الرجعة، ولا نفقة لها في العدة.
قال: وإن طلقها طلاقاً بائناً- أي: بعد الدخول- إما على عوض، أو تمام ما يملكه من العدد- وجبت لها السكنى، أي: حائلاً كانت [أو] حاملاً؛ لما تقدم في باب العدد، وأما كون رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لفاطمة سكنى، فقد أجاب عنه سعيد بن المسيب حين قال له ميمون بن مهران: فاطمة بنت قيس طلقت؛ فخرجت من بيتها-: تلك امرأة فتنت الناس؛ إنها كانت لسنة؛ فوضعت في بيت ابن أم مكتوم الأعمى" على ما رواه أبو داود.
قال: وأما النفقة: فإن كانت حائلاً لم تجب؛ لأن الله- تعالى- لما جعلها لها إذا كانت حاملاً دل على سقوطها بعدم الحمل، ولحديث فاطمة.
وقد روى مسلم- أيضاً- "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً".
ولأن زوجتيها زالت؛ فلا تستحق النفقة بعد زوالها كالمتوفى عنها.
فرع: لو ادعت المرأة أن الزوج أبانها وأنكر- فالقول قوله- ولا تستحق عليه
نفقة قاله الرافعي في القسم والنشوز أصلاً مقيساً عليه.
قال: وإن كانت حاملاً وجبت؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، ولما روى أبو داود، عن فاطمة أنها قالت: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُوني حَامِلاً".
ثم محل وجوبها عند توافقهما على الحمل، أو شهادة أربع نسوة- عند إنكاره- فإن لم يكن ثم من يشهد فالقول قوله مع يمينه.
وتجوز الشهادة بالحمل وإن كان لدون ستة أشهر إذا عرفنا ذلك، وفيه وجه: أنه لا يعتمد على قوله إلا بعد مضي ستة أشهر، ووجه حكاه القاضي الحسين: أنها تعتبر بعد مضي أربعة أشهر.
قال: ولمن تجب؟ فيه قولان:
أحدهما: لها- أي: بسبب الحمل- لأنها تجب على المعسر، وتختلف بيسار الزوج وإعساره، ومقدرة لا بالكفاية، وذلك من شأن نفقات الزوجات، دون الأقارب.
ولأنها لو كانت للحمل لما وجبت على الأب إذا ملك الحمل مالاً من وصية أو ميراث، وفي إجماعهم على أنها على الأب دليل على أنها تجب للحامل دون الحمل.
ولأنها لو كانت للحمل، لوجبت على الجد، عند إعسار الأب، وهي لا تجب، كذا ذكر الماوردي التوجيه الثاني والثالث، وفيهما شيء سأذكره من بعد- إن شاء الله تعالى.
وهذا القول هو الصحيح، والمنصوص عليه في "الأم" واختاره المزني.
قال: والثاني: للحمل- أي: وصرفت لها- لأن غذاءه بغذائها، وإنما قلنا ذلك؛ لأنها لما وجبت بوجوده وسقطت بعدمه دلت على وجوبها له دون أمه.
ولأن النفقة لما وجبت له بعد انفصاله، وجبت في حال اتصاله؛ لتحفظ بها حياته في الحالين، بل هو في حال الاتصال أضعف.
ولأن نفقة المرضعة لما وجب للمرضع دونها، وإن تقدرت بكفايتها- كانت نفقة الحامل بمثابتها تجب للحمل دونها، وتتقدر بكفايتها دونه، كذا قاله الماوردي.
وهذا القول منقول في "الإملاء"، وربما نسب إلى التقديم.
ويتفرع على القولين مسائل نذكرها، إن شاء الله تعالى.
قال: ولا تجب إلا على من تجب عليه نفقة الولد، أي: على القول الثاني، لأنه ولده.
فإن [كان] المطلق عبداً أو حراً- والولد رقيق- فلا تجب عليه.
وتجب عليه على القول الأول؛ لأن نفقة القريب مواساة، وليس من أهل المواساة، ونفقة الزوجة معاوضة في الأصل، والعبد من أهل المعاوضات.
وقد استشكل الإمام قول الوجوب؛ لأنا وإن قلنا: إنها لها، فهي بسبب الحمل؛ فكان ينبغي ألا تجب كما في اللعان.
ثم أجاب عن ذلك باتباع ظاهر نص الكتاب في المطلقات؛ لأنه لا تفرقة [فيهن بين أن يكون الزوج حراً أو عبداً، ولا] بين أن تكون الزوجة حرة أو أمة.
قال: وهل يدفع إليها يوماً بيوم، أو لا يجب شيء منها حتى تضع؟ فيه قولان- أي: سواء قلنا: إنها لها أو للحمل كما صرح به في "المهذب" والبندنيجي وغيرهما:
أحدهما- وهو الصحيح: الأول؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6].
ووجه الثاني: أن الأصل براءة الذمة عن النفقة، وقد انقطع عصام النفقة، ولم نستيقن سبباً متجدداً.
وبعضهم بناه على أن الحمل هل يعرف أم لا؟ والصحيح أنه يعرف؛ بدليل رد الجارية المبيعة به، وتحريم وطء المسبية حتى تضع، ولا تؤخذ الحامل في الزكاة، وتجب الخلفة في الدية، ولا يقام الحد على حامل.
ومن الأصحاب من قال: القولان على اختلاف حالين: فالأول محمول على ما إذا تبين الظهور، والثاني: على ما إذا لم يتبين، بل ظهر أدنى ظهور؛ قاله الجيلي.
التفريع:
إن قلنا بالأول، فدفع، ثم بان أن لا حمل- رجع.
وعلى الثاني إن كان الإنفاق بإذن الحاكم، أو صرح عند الدفع بأنها نفقتها إن كانت حاملاً، وأنه يرجع عليها إن لم تكن حاملاً- رجع، وإن فقد ذلك لم يرجع.
وإن صرح بأنها نفقة، ولم يشترط الرجوع عند ظهور أن لا حمل- فوجهان، أصحهما في "الحاوي" وغيره: أنه يرجع.
ولو لم ينفق عليها حتى وضعت الحمل، أو لم ينفق في بعض المدة: فإن قلنا بالثاني لم تسقط نفقة ما مضى، وإن قلنا بالأول فمنهم من قال: إن قلنا: إن النفقة للحامل فكذلك، وإن قلنا: للحمل، فتسقط؛ لأن نفقة القريب تسقط بمضي الزمان؛ وهذا ما أورده المتولي، والغزالي.
ومنهم من قطع بعدم السقوط وإن قلنا: إنها للحمل، وعلى ذلك جرى البندنيجي، لأن المرأة مستحقة لها، وانتفاعها بها أكثر من انتفاع الحمل؛ فكانت كنفقة الزوجة، وهذا هو الظاهر، والذي عليه الجمهور.
وحكى الإمام الوجهين عند الكلام في سقوط نفقة القريب بمضي الزمان.
قال: وإن لاعنها ونفى حملها، وجب لها السكنى، لأنها معتدة عن فرقة نكاح في حال الحياة؛ فأشبهت المطلقة.
وحكى القاضي أبو الطيب وجهاً: أنها لا تجب؛ لأنها إنما تجب [لتحصين] الماء، والولد منتف عنه.
قال: دون النفقة؛ [لأن النفقة في حال] البينونة إنما تجب بسبب الحمل أو
له، وهو منتف عنه؛ فأشبهت الحائل.
وفي تعليق القاضي الحسين حكاية وجه: أنها تجب إذا قلنا: إنها للحامل.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون اللعان في حال الزوجية [أو بعد البينونة إلا في استحقاق السكنى فإن القاضي أبا الطيب قال: إن قلنا: إنها حال الزوجية]، ففي حال البينونة يحتمل وجهين، فإذا لم نجوزه إلا بعد الوضع، فحكمها كما تقدم إلى الوضع، فإذا لاعن استرد النفقة، ولو أكذب نفسه بعد اللعان، رجعت عليه بالنفقة في زمن العدة، كذا صرح به الماوردي وغيره.
وبعضهم قال: إن هذا بناء على أن النفقة للحامل، أما إذا قلنا: إنها للحمل، فلا ترجع.
ولو أكذب نفسه [بعد] ما أرضعته، رجعت عليه بأجرة الرضاع، نص عليه في "الأم" وفيه وجه.
وإن أنفقت عليه مدة، ثم رجع، رجعت عليه بما أنفقت؛ لأنها أنفقت عليه على ظن أنه واجب عليها، لا على سبيل التبرع، فإذا بان خلافه ثبت الرجوع، وشبه ذلك بما إذا ظن أن عليه ديناً، فقضاه، ثم تبين خلافه رجع.
أما إذا لاعنها ولم ينف حملها، فهي كالمطلقة ثلاثاً في استحقاق السكنى والنفقة، وهذا هو الصحيح.
وقد حكى الغزالي: أن فرقة اللعان تنسب إليها- على رأي- فتكون في استحقاقها السكنى والنفقة كما سنذكره فيما إذا انفسخ النكاح بسبب من جهتهاز
ولا يخفى على الطريقة [المرجحة] أن اللعان من قبيل العوارض، والفراق به ليس مستنداً إلى حالة العقد.
قال: ومن وطئ امرأة بشبهة، أي: سواء كانت شبهة نكاح فاسد أو غيره، وحملت منه- لم تجب لها السكنى؛ لأنها لا تستحقها في حال الاجتماع؛ فأولى ألا تستحقها بعد التفريق.
وحكى الماوردي أنه قيل: [إن] لها السكنى أيضاً، إذا [قلنا]
[إنها] تستحق النفقة، وذكره فيما إذا كانت الشبهة في نكاح فاسد.
قال: وفي النفقة قولان، أي: ينبنيان على أن النفقة للحامل أو للحمل؟ فإن قلنا: لها، لم تجب؛ [لأنها] لا تستحقها في حال التمكن فأولى ألا تستحقها بعده.
وإن قلنا: إنها للحمل، وجبت؛ إذ الحمل تابع له، وهذا ما علل به الجمهور، ولم يرتض الإمام ذلك، وقال: إنما وجبت لها من جهة قيامها بتربية الولد وتنزيلها منزلة الحاضنة، وطرده في كل موضع قلنا: إنها تستحق النفقة، وهذا المعنى يقتضي القطع بإيجاب النفقة.
ثم قال: وحاصل هذا الخلاف- عندي- يرجع إلى أن الولد إذا كان مجتناً هل تجب مؤنته؟ فعلى قول: نعم كالمنفصل، وعلى قول: لا؛ لأنه جزء من الأم ما دام مجتناً لا استقلال له.
قال الرافعي: وتنزيل نفقة الحالم منزلة مؤنة الحاضنة بعد الانفصال لا اتجاه له وإن ردده الإمام مراراً؛ لأن الواجب هناك كفاية أمر من تحضنه، إما تبرعاً وإما بأجرة، من غير تقدير، وهذه النفقة مقدرة كنفقة الزوجات.
قلت: إن كان المراد بمن تحضنه: غير المرضعة فالاعتراض صحيح، وإن كان المراد به: المرضعة، فقد تقدم عن الماوردي- عند الكلام: في أن النفقة لمن؟ ما يدل على أنها مقدرة [فدفع الاعتراض] على أنه- أيضاً- مشكل.
ثم هذا كله فيما إذا كانت الموطوءة بالشبهة غير منكوحة، فإن كانت منكوحة، وحملت من وطء الشبهة، فإن أوجبنا النفقة على الواطئ بالشبهة، سقطت عن الزوج، وإن لم نوجبها عليه ففي سقوطها عن الزوج وجهان:
أفقههما: السقوط؛ لفوات الاستمتاع عليه، وهذا ما جزم به في "التهذيب".
والثاني: لا تسقط؛ لأنها معذورة فيه، وهذا ما أورده في "البسيط".
قلت: ويجوز أن يكون مأخذ هذا الخلاف أنه هل يحل له التلذذ بها، أم لا؟ وفيه خلاف تقدم في باب العدد.
فإن قلنا: يحل، لم يفته جميع [وجوه] الاستمتاعات، [فتجب؛ كالمريضة.
وإن قلنا: لا يحل فقد فاته جميع وجوه الاستمتاع]، فلا تجب؛ كالمحرمة.
واستحسن الإمام توسطاً، وهو أنها إن كانت نائمة أو مكرهة فلها النفقة.
وإن مكنت على ظن أنه زوجها، فهذا فيه التردد الذي حكاه الأصحاب.
وما قاله قريب مما قاله الشيخ أبو علي فيما إذا وطئ زوجة أبيه؛ [كما ذكرناه في باب: ما يحرم من النكاح.
وحكم أم الولد، إذا أعتقها سيدها]، وهي حامل- حكم الموطوءة بالشبهة، صرح به القاضي الحسين.
قال: وإن توفي عنها لم تجب لها النفقة في العدة- أي: وإن كانت حاملاً
-[لأنها إذا كانت حائلاً بانت بالموت؛ فأشبهت البائن بالطلاق، وإن كانت حاملاً]، فهي إنما تجب إذا كانت الفرقة بالطلاق، إما للحمل وإما بسببه، ونفقة القريب تنقطع بالموت.
قال: وفي السكنى قولان:
أحدهما: أنها لا تستحقها؛ لأنها تجب يوماً بيوم؛ فلم تجب كالنفقة، وهذا ما اختاره المزني، وصححه منصور اليمنى في "المستعمل" والغزالي في "الخلاصة".
وروي "أَنَّ عَلِيًّا-[رَضِي اللهُ عَنْهُ]-
نَقَلَ أَمَّ كُلْثُوم بَعْدَمَا اسْتُشْهِدَ عُمَرُ- رَضِيَ اللهُ عنه- بِسَبْعِ لَيَالٍ".
والثاني: أنها تستحقها، وهو الأصح عند العراقيين، وتابعهم الروياني وغيره.
ووجهه: ما روى أبو داود أن فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قتل زوجها؛ فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجع إلى أهلها، فإنه لم يتركها في مسكن
يملكه، ولا نفقة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم"، فخرجت حتى صارت إلى الحجرة أو في المسجد، فدعاها وقال: "كَيْفَ قُلْتِ"؟ فأعادت عليه القصة، فقال: "امْكُثِي فِي بِيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ" قال: فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشراً، فلما كان عثمان أرسل إلي، فأخبرته القصة؛ فقضى به واتبعه.
قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح.
ومن قال بالأول، قال: قوله: "امكثي في بيتك" ندب لها إلى الاعتداد في ذلك البيت، والمذكور أولاً بيان أنه لا سكنى لها.
وقد ذهب كثير من الأصحاب إلى بناء القولين على التردد في أن حديث فريعة منزل على هذا الترتيب، أو الأول حكم بأنه لا سكنى لها، والذي ذكره آخراً ينسخ الأول.
وفي "الجيلي": أن صاحب "الحلية" قال: تجب لها السكنى إن كانت حاملاً، على الأظهر.
ولم يذكر أحد من المصنفين هذا التقييد سواه.
ومحل الكلام في المسألة إذا لم يتقدم الموت طلاق، أما إذا تقدمه طلاق بائن فلا نزاع في وجوب السكنى لها، ولا نفقة لها إن قلنا: إنها للحمل، وإن قلنا: إنها للحامل، فوجهان:
اختيار ابن الحداد- وهو الأصح عند الإمام-: أنها تسقط أيضاً؛ لأنها كالحاضنة، ولا تجب نفقة الحاضنة للولد بعد الموت.
وعن الشيخ أبي علي: أنها لا تسقط؛ لأنها لا تنتقل إلى عدة الوفا’، بخلاف الرجعية، بل تعتد عن الطلاق، والطلاق كان يوجب هذه النفقة دفعة واحدة؛ فتصير كدين عليه، وهذا أقيس عند الغزالي.
واعلم أن الشيخ – رحمه الله- سكت عن نوع آخر من المعتدات، وهن المفسوخ نكاحهن بعد الحكم بصحته، وللأصحاب في استحقاقهن السكنى طرق:
أحدها: أنها تستحق وجهاً واحداً، وهو ما حكاه في "المهذب"، قال في "التتمة": وهو الصحيح.
والثاني: إطلاق قولين:
في قول: تستحق، كالمطلقة؛ تحصيناً لمائه.
وفي قول: لا؛ لأن إيجاب السكنى بعد زوال النكاح كالمستبعد، وهي إنما وجبت بالنص في المطلقة؛ فيبقى حكم غيرها على الأصل.
والثالث: إن كان لها مدخل في ارتفاع النكاح؛ بأن فسخت بالعتق، أو بالعيب، أو فسخ بعيبها- فلا سكنى.
وإن لم يكن لها مدخل [كما إذا انفسخ بإسلام الزوج، أو ردته، أو رضاع من أجنبي- فقولان.
والرابع: إن كان لها مدخل] – كما ذكرناه-[لم تجب وإن لم يكن] وجبت.
والخامس: أن الفرقة إن كانت بعيب أو غرور فلا سكنى لها، وإن كانت بسبب رضاع أو مصاهرة أو خيار عتق، فوجهان، المذهب منهما: أنها كالمطلقة، وهذه طريقة صاحب "التهذيب".
وفرق بأن الفرقة بالرضاع والصهارة وخيار العتق لم تكن بسبب موجود يوم العقد، ولا بسبب يستند إليه الفسخ حتى يجعل مفسوخاً من أصله، بدليل وجوب المسمى، وفي العيب والغرور كانت بسبب في العقد؛ ولذلك نوجب مهر المثل.
وأما النفقة ففيها- أيضاً- طرق:
أحدها: حكاية قولين مبنيين على أن النفقة للحامل أو للحمل:
إن قلنا بالأول لم تجب.
وإن قلنا بالثاني؛ وجبت.
وهذا ما أورده ابن الصباغ، والشيخ في "المهذب"، والقاضي في "التعليق".
والثاني: إن كان لا بسبب من جهتها، كردة وما في معناها، فهي كالمطلقة، وإن كان بسبب من جهتها، كالفسخ بخيار العتق، وما ذكرناه معه- فقولان ينبنيان على أن النفقة للحامل أو للحمل؟
والثالث: نسبه أبو علي إلى عامة الأصحاب، وهو المحكي في "التهذيب"- إن كان بسبب عارض، فهو كالطلاق، وإن كان بسبب قارن العقد كالعيب والغرور، فقولان.
قال الإمام: وهذا فيه غموض من جهة أن المفسوخ نكاحها؛ كما لا تستحق النفقة في حال الحيال؛ كذلك المطلقة لا تستحقها، إذا كانت بائناً، وهذا مما يعسر الفرق فيه، والذي أراه في المسائل إذا غمضت الرجوع إلى ما اقتضاه القرآن [العزيز]؛ فإنه أوجب النفقة للمطلقات، والمفسوخ نكاحها ليست مطلقة.
وقد ينقدح وجه آخر، وهو أنها كالمتسببة إلى رفع النكاح، فأثر ذلك في سقوط النفقة، كما أثر في سقوط المهر قبل الدخول.
والرابع: أنها تستحق النفقة حيث تجب السكنى، وحيث [لا تجب] السكنى ففي نفقتها قولان.
والخامس: أنها تستحق النفقة وجهاً واحداً؛ كالمطلقة، وهذا ما أبداه الماوردي من عند نفسه.
ثم ما أطلقناه في المفسوخ نكاحها بسبب اختلاف الدين هو المذكور هاهنا.
وفي "النهاية"- في نكاح المشرك- حكاية خلاف عن الأصحاب:
فمنهم من يقول: سبيلها سبيل الرجعيات؛ فلا يخفى حكمها مما تقدم.
ومنهم من يقول: سبيل البائن.
تنبيه: ما أطلقه الشيخ من استحقاق النفقة [يشمل الطعام والإدام والكسوة، وما أطلقه من استحقاق النفقة] والسكنى محمول على من تستحق ذلك في حال الزوجية، أما إذا كانت ممن لا يستحق ذلك: إما وفاقاً كالناشز أو على راي كالصغيرة، والأمة إذا سلمت ليلاً دون النهار- فحكهما في استحقاق السكنى كذلك.
وزاد المتولي فقال: إن المعتدة لو نشزت في العدة سقط سكناها، ولو عادت إلى الطاعة عاد حق السكنى.
وقال الإمام شيئاً عبر عنه بعضهم بأنها إن نشزت على الزوج وهي في بيته، فلها السكنى في العدة، وإن خرجت من بيته واستعصت عليه مطلقاً، فلا سكنى لها، وأما النفقة فلم أر للأصحاب فيها [نقلاً] هاهنا.
وحكى الإمام في فرع سأذكره في باب الحضانة عن الشافعي أن الرجعية تسقط نفقتها بما تسقط به نفقة الزوجات.
فائدة تقدم الوعد بها: وهي ذكر المسائل التي تتفرع على القولين بأن النفقة للحامل، أو للحمل؟
فمنها: أن الحمل لو كان موسراً فهل تجب النفقة على الأب؟ قال في "الزوائد": إن قلنا بالأول لم تسقط، وإن قلنا بالثاني، قال أبو يعقوب: لا تسقط أيضاً.
وقال الشاشي: تسقط وهو ما حكاه القاضي في "التعليق"؛ تفريعاً على هذا القول.
وقال ابن كج: إن قلنا: إنها للحمل، وإنها تؤخر إلى الوضع، فإذا وضعت سلمت إليها النفقة من مال الصبي.
وإن قلنا: يجب التعجيل، فلا تؤخذ من مال الحمل؛ كما لا نوجب فيه الزكاة والمؤنات، ولكن ينفق الأب عليها، فإذا وضعت ففي رجوعه في مال الصبي وجهان.
ومنها: لو كان الأب ميتاً وله أب غني، فعلى الأول: لا تجب عليه، وهو ما قطع به في "التهذيب" على القولين معاً، وعلى الثاني تجب.
وبهاتين المسألتين يظهر الاعتراض على الماوردي، فيما ذكره من الدليل على القول بأنها للحامل.
ومنها: لو نشزت، فإن قلنا بالأول سقطت، وإن قلنا بالثاني فلا؛ قاله ابن كج.
والصحيح السقوط، وكذا لو ارتدت أو أسلمت، ومنهم من قطع بالسقوط.
ومنها: لو أبرأته من النفقة، قال المتولي: إن قلنا بالأول سقطت، وإن قلنا بالثاني فلا.
وجزم في "الزوائد" بأنها تسقط على القولين معاً، ويظهر أن تكون صورتها إذا أبرأته من نفقة اليوم، بعد طلوع الفجر، أو الشمس، وبهذا يندفع ما أورد على ذلك من سؤال، ولا نزاع في أنها تملك المطالبة بها على القولين معاً.
ومنها: هل تتقدر بالكفاية، أم هي؟ كنفقة الزوجة؟ الذي أجاب به الأكثرون الثاني.
وحكى الإمام ومن تابعه طريقين:
أحدهما: إن قلنا بأنها للحامل فهي كنفقة الزوجة، وإن قلنا: للحمل فوجهان.
والثاني: إن قلنا: إنها للحمل، تقدرت بالكفاية، وإن قلنا: للحامل فوجهان.
ومنها: لو كانت ممن تخدم هل تستحق الخادم؟ قال الروياني: إن قلنا: إنها للحامل، فنعم، وإلا فلا.
قال: وإن اختلف الزوجان في قبض النفقة فالقول قولها؛ لأن شغل ذمته متحقق، والأصل عدم القبض.
ولا فرق في ذلك بين أن تكون الزوجة حرة أو أمة.
قال ابن الصباغ: لأن النفقة حق لها يتعلق بالنكاح، فكان الرجوع فيه إليها، كالمطالبة بالإيلاء والعنة.
فلو اختلفا في نفقة ماضية، وادعى أنه سلمها، وأنكرت هي وصدقه المولى- قال أصحابنا: لا تثبت دعواه بتصديق المولى، وإنما يكون شاهداً له بذلك.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن النفقة حق يتعلق بالنكاح لا حق للأمة فيها، وإنما حقها في النفقة بالمستقبل، وإذا ثبتت النفقة كان للسيد قبضها؛ فينبغي أن يقبل إقراره فيها.
قال: وإن اختلفا في تسليمها نفسها فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم التسليم، وقد تقدم الكلام فيما يتعلق بذلك.
قال: وإن ترك الإنفاق عليها مدة، صار- أي: الذي تنفقه- دينا في ذمته؛ أي: سواء طالبته بذلك أو سكتت؛ لأنه مال يجب بطريق البدل في عقد معاوضة؛ فلم يسقط بمضي الزمان؛ كالثمن والأجرة والمهر، واستدل له الماوردي بما روي أن عمر- رضي الله عنه- كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم: "إِمَّا أَنْ تُنْفِقُوا، أَوْ تُطْلِقُوا وَتَبْعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسْتُمْ"، ولم يخالفه في الصحابة أحد؛ فكان إجماعاً.
ولا فرق فيما تنفقه بين أن يكون طعاماً أو كسوة، ولا بين أن تكون نفقتها
أو نفقة خادمها، هذا هو المشهور.
وفي "الرافعي" في كتاب العدد: أن الشافعي نص على أن مدة العدة إذا مضت، أو بعضها، ولم تطلب حق السكنى- سقطت، ولم تصر ديناً، ونص في نفقة الزوجة على أنها لا تسقط بمضي الزمان، [وتصير ديناً] وللأصحاب فيهما طريقان:
أحدهما: أن فيهما قولين نقلاً وتخريجاً.
والثاني: المنع؛ كنفقة الأقارب.
وأظهرهما: تقرير النصين، وفرقوا بأن النفقة في مقابلة التمكين، وقد وجد.
ولا تسقط بترك الطلب، والسكنى؛ لتحصين مائه، على موجب نظره واحتياطه، ولم يتحقق.
وعن القفال الفرق بأن السكنى كفاية الوقت، وقد مضى، والمرأة لا تملك المسكن، والنفقة عين تملك وتثبت في الذمة.
وذكر أن حكم الكسوة حكم السكنى، وظاهر هذا يقتضي إثبات خلاف في المسألة، وقد ذكرت في العدد شيئاً يتعلق بذلك؛ فليطلب منه.
وما قاله القفال في الكسوة هو ما صححه المتولي، وهو بناء على اعتقاده أنها إمتاع.
قال: وإن تزوجت بمعسر، أو بموسر فأعسر بالنفقة- أي: نفقة المعسر- فلها الخيار: إن شاءت أقامت على النكاح، وتجعل النفقة-: [أي: إذا مكنته]- ديناً عليه، وإن شاءت فسخت النكاح.
والدليل على أن لها حق الفسخ من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] خيره بين أحد الأمرين؛ فإذا عجز عن الإمساك بالمعروف تعين التسريح بالإحسان.
ومن السنة: ما روى حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن أعسر بنفقة امرأته، فقال: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا".
خرجه الدارقطني.
وسئل سعيد بن المسيب عن رجل أعسر بنفقة زوجته، فقال: "يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا" قيل: سنة؟ فقال: سنة.
قال الشافعي: وقول الراوي: "سنة" يقتضي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار كروايته عنه، وقد ذهب إلى ذلك عمر وعلي وأبو هريرة.
وكتب عمر إلى أمراء الأجناد في رجال غابو عن نسائهم: "أن ينفقوا، أو يطلقوا، وليس لهم مع انتشار قولهم في الصحابة مخالف؛ فكان إجماعاً؛ كذا قاله الماوردي.
ولأنه حق مقصود بكل نكاح؛ فوجب أن يستحق الفسخ بإعوازه؛ كالاستمتاع من [المجبوب والعنين]، بل من طريق الأولى؛ لأن البدن يقوم بدون الجماع، ولا يقوم بترك الغذاء.
ولأن الحق مشترك في الجماع، وفي النفقة خاص بها، ولا يقال: الجماع لا تقدر على تحصيله من غيره؛ فيلحقها الضرر، والنفقة تقدر على تحصيلها من غيره؛ فلم يلحقها كبير ضرر؛ لأنا نقول: نفقة الزوجة لا تحصل بها أيضاً من غيره.
وقولنا: مقصود بكل نكاح؛ ليخرج القدر الزوائد على نفقة المعسر، ونفقة الخادم، هذه طريقة أهل العراق.
وفي طريقة المراوزة حكاية قول: أنه لا خيار لها، [ووجهه قوله] تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] فكان على عمومه في وجوب إنظار كل معسر بحق.
ولأنه مال وجب بحق الزوجية؛ فوجب ألا تملك به الفسخ؛ كالصداق بعد الدخول.
ولأن النفقة في مقابلة التمكين، ولو أعوزه التمكين منها بنشوزها لم يستحق الزوج به خيار الفسخ، [كذلك إذا أعوزت النفقة من جهته بالإعسار لم تستحق
الزوجة به خيار الفسخ].
قال الروياني: قال [جدي]: وبهذا أفتى.
وجزم بعض الأصحاب بالقول الأول، وحمل الثاني على حكاية مذهب الغير.
قال ابن كج والروياني: وهذه أظهر.
[و] أجيب عن الآية: بأن ذلك عائد إلى ما استقر ثبوته في الذمة من ماضي نفقتها، ونحن نقول به، ولا خلاف فيه- عندنا- في أكثر الكتب إلا ما حكاه في "التتمة": أن الحكم فيها حكم الصداق بعد الدخول على رأي.
وعن القياس على الصداق بأنا نقول به.
وعن النشوز: بأن ذلك دليل عليكم؛ لأن النشوذ لما أسقط ما في مقابلته [من النفقة، وجب أن يكون إعواز النفقة يسقط ما في مقابلته] من الاستمتاع، والله أعلم.
وحكم غيبة المال في مسافة القصر، أو مرض مرضاً يزيد مدته على ثلاثة أيام في حق المكتسب- حكم الإعسار.
قال القاضي الحسين: وهذا بخلاف ما إذا كان الزوج غائباً وهو موسر؛ فلا فسخ لها- على الأصح- لأن الزوج هناك قادر على الأداء، وتعذر الوصول إليه من جهة المرأة، وإذا كان المال غائباً فالعجز عن الإنفاق من جهة الزوج؛ فكان لها أن تفسخ.
وقد اختار القاضي أبو الطيب في الغيبة مع اليسار أن لها الفسخ أيضاً، وإليه ميل ابن الصباغ.
وذكر القاضي الروياني وابن أخيه صاحب "العدة"- أن المصلحة الفتوى به.
وحكم امتناعه ظلماً، مع إخفاء ماله، وعسر تحصيله منه بالقاضي- حكم غيبته مع اليسار.
وكذا لو كان كسوباً، فامتنع من الاكتساب؛ لأجل النفقة، وقلنا بوجوبه على أحد الوجهين.
وكذا لو غاب، ولم يعلم إعساره، لم يثبت لها الاختيار، على الأصح في "المهذب" وغيره، وهو قول الأكثرين على ما حكاه الماوردي؛ لأن سبب ثبوت الفسخ- وهو الإعسار- لم يتحقق.
ولو كان لا مال له إلا ديناً: فإن كان على مليء حاضر فلا خيار لها، وإن كان غائباً فوجهان؛ بناء على ما لو كان الزوج موسراً غائباً، قاله الماوردي.
ولو كان معسراً، ثبت.
وكذلك لو كان عليها وهي معسرة.
ولو كان عليه ديون وله مال قدرها يقبل الوفاء، لا خيار لها، وبعده يثبت.
ولو كان معسراً، فتبرع عنه أجنبي بأدائها- ثبت الخيار على الأصح، خلافاً لما أفتى به الغزالي، رحمه الله.
وكذا لو ضمن بإ ذنه على وجه محكي في كتاب "التهذيب".
والمجزوم به في "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا خيار، إن كان الضامن مليئاً، وكذلك في "التتمة".
وإن كان بغير إذنه فوجهان.
التفريع:
إن قلنا: لا فسخ لها، سقط عنها حق الحبس بسبب الزوجية، سواء كانت موسرة أو معسرة.
وكذا لو أثبتنا لها حق الفسخ، فلم تفسخ، لكن يجب عليها أن تأوي إلى المنزل ليلاً، وله أن يستمتع بها في الليل؛ لأنه زمن الفرغة، دون النهار؛ لأنه زمان الاكتساب، فلو امتنعت [عليه في النهار دون الليل لم تكن ناشزاً، وكانت على حقها في النفقة؛ وإن امتنعت] بالليل كانت ناشزاً.
فإن قيل: هلا إذا سقط حقه من الاستمتاع بها نهاراً أسقط عنه نفقتها؛ كما يسقط نفقتها لو كانت أمة فاستخدمها بالنهار سيدها؟
قيل: لأن منع الأمة من جهتها، فجاز أن تسقط به نفقتها، ومنع المعسر من
جهته؛ فلم تسقط به نفقتها، كذا حكاه الماوردي.
وفي "المهذب": أنه لا يلزمها التمكين من الاستمتاع، فلعله أراد: بالنهار؛ [لأنه قال: ولها أن تخرج من منزله، والخروج بالنهار].
وإن قلنا: لها حق الفسخ، فلا فرق في ذلك- أيضاً- بين أن [يكون معسراً أو موسراً]، ولا بين أن يعجز عن كل المد أو عن عشره.
وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنه إذا قدر على نصف مد لا خيار لها.
وفي "التهذيب": أنه إذا كان يجد في يوم نصف مد، وفي يوم يقتصر عليه، وفي يوم يجد قدر الكفاية- فلا خيار.
وأجرى الرافعي فيه الوجه السابق، وأجراهما فيما إذا كان يجد في يوم مداً، وفي يوم لا يجد شيئاً.
ولو كان يجد في أول النهار ما يغديها، وفي آخره ما يعشيها- فوجهان في الطريقين، والأصح في "التهذيب": أنه لا خيار.
ولو كان يكتسب في يوم قدر ما يكفيه ثلاثة أيام، ويبقى بعده يومين أو ثلاثة لا يكتسب، [ثم يكتسب] ما يكفي الأيام الماضية، أو كان نساجاً ينسج في كل أسبوع يوماً تكفيه أجرته الأسبوع- فلا خيار؛ لأنه ليس بإعسار، بل هو تأخير حق من وقت إلى وقت.
ولو تعطل عليه العمل في بعض الأسابيع، ففي ثبوت الخيار وجهان في "التتمة"، وقال: الصحيح الثبوت.
ولو كان بيده صنعة، [ولم يجد من يستعمله في صنعته]: فإن كان يعد ذلك نادراً فلا خيار، وإن كان غالباً؛ فلها الخيار؛ قاله الماوردي.
وكذا لو كانت صنعته محرمة؛ كعمل آلة الملاهي- فهو لا يستحق ما سمي من الأجرة [ولا بد] أن يستحق لتفويت عمله أجراً؛ فيصير به موسراً.
قال: ولا يكون لزوجته خيار.
وكذا المنجم والكاهن قد يوصل إليه شيء بسبب محظور، لكنه قد أعطي عن طيب نفس المعطي؛ فأجري مجرى الهبة، وإن
كان محظوراً لسبب؛ فساغ له إنفاقه.
ولو قدر على مد من شعير دون غيره: فإن كان في بلد يقتات فيه فقراؤه الشعير لم يفسخ، سواء جرت عادتها [باقتيات الشعير أم لا وإن كان في بلد لا] يقتات الشعير كان لها الخيار، وهل هذا الرفع طلاق أو فسخ؟
حكى الطبري: أن الذي قاله الشيخ أبو حامد، ولم يذكر غيره: أنها لا تفسخ بنفسها، بل ترفع الأمر إلى الحاكم حتى يأمره بالطلاق، أو يطلق عليه.
وفي "الشامل": أن الحاكم يفسخ بينهما النكاح.
وحكى المراوزة فيه وجهين:
أصحهما في "التهذيب": أنه فسخ، وهو ما جزم به القاضي الحسين في "التعليق"، وضعف الإمام مقابله؛ بأنه إذا طلق أو طلق عليه إنما يكون رجعياً، وذلك لا يسقط النفقة، ثم أجاب بأن ذلك محل ضرورة؛ فإن العدة لا بد منها.
وقد يستدل له بما روي أنه- عليه السلام- قال: "ابْدَأ بمَنْ تَعُولُ" فقيل: من أعول يا رسول الله؟ قال: "امْرَأتُكَ تَقُولُ: أَطْعِمْني وإلَّا فَارِقْنِي" كما خرجه النسائي.
واستدلله أبو يعقوب الأبيوردي بما كتبه عمر إلى أمراء الأجناد.
وبنى في "التتمة" الوجهين على القولين في أن المولي يطلق الحاكم عليه، أو يحبسه ليطلق؟
إن قلنا: يطلق، فيطلق هاهنا، وإن قلنا: يحبسه، فهاهنا لا يمكن الحبس؛ لأنه عاجز؛ فلا يبقى للخلاص طريق إلا الفسخ.
قال الرافعي: ولك أن تقول: العاجز عن الإنفاق لا يجوز حبسه لينفق، ولكن لا يبعد أن يحبس؛ ليكلف الإنفاق، أو يطلق كما ذكر في الكتاب- يعني: "الوجيز"-: حتى يحسبه؛ لينفق، أو يطلق.
وعلى كلا الوجهين لا بد فيه من الرفع إلى القاضي.
أما إذا قلنا: إنه طلاق، فليعرض عليه أن ينفق بالإقراض أو غيره، أو يطلق، فإن أبى ذلك طلق عليه طلقة رجعية؛ كما في المولي- على الأصح- أو يحبسه ليطلق، فإن راجعها طلق عليه ثانية إلى أن يتم الثلاث، إلا أن ينفق عليها.
وأما إذا قلنا: إنه فسخ، فليثبت إعساره عنده، وليسلطها على الفسخ فإنه مجتهد فيه، وفي كلام الإمام ما يدل على أنه إذا ثبت إعساره لا حاجة إلى تسليط الحاكم، وعزاه إلى المحققين.
وجزم في "الحاوي" قبيل باب شهادة النساء بأنه لا بد أن يحكم الحاكم بجواز الفسخ، وإذا حكم به فوجهان:
أحدهما: لا يصح إلا أن يتولاه.
والثاني: يجوز أن تتولاه الزوجة.
وهل يحتاج إذا كان الزوج غائباً أن يبعث إليه ليحضر أو ينفق، أو لا يحتاج؟ فيه وجهان، أظهرهما الثاني، وهو المذكور في "التتمة".
وفي "التهذيب": أنه قيل: لها أن تفسخ بنفسها، وحكاه في "التتمة" أيضاً.
وقال الغزالي: لو فسخت؛ لعلمها بإعساره، لم ينفذ ظاهراً، وهل ينفذ باطناً، حتى إن اعترف الزوج أو قامت بينة- تبين نفوذه واحتساب العدة من ذلك الوقت؟ فيه تردد، ولا خلاف أنه ينفذ ظاهراً إذا لم يكن في الناحية حاكم، أو عجزت عن الرفع إليه، هذا لفظه.
ولا يثبت هذا الخيار لولي الصغيرة والمجنونة، وكذا لسيد الأمة- في الأصح- لكن لا يجب عليه أن ينفق عليها.
وفي "تعليق البندنيجي": أن الخيار إلى سيدها، وليس كالعنة، وهذا يشعر بأنه لا يثبت لها، وهذا إذا لم تكن معتوهة أما إذا كانت معتوهة فقد حكى ابن الصباغ عن ابن الحداد أنه لا خيار، وينفق المولى عليها، وتكون النفقة في ذمة الزوج، فإذا أيسر وعقلت، قال القاضي أبو الطيب: تطالبه بها وإذا قبضتها كان للسيد أخذها.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن الأمة إذاك انت لا تملك العين فكذلك الدين؛ فيجب أن يكون ما يثبت من الدين للسيد، وله المطالبة به.
قلت: وما قاله القاضي قريب مما ذكرناه عن الأصحاب عند اختلاف في قبض النفقة.
قال: وإن اختارت المقام، ثم عن لها أن تفسخ- أي: بدا لها- جاز، أي:
بعد يوم الاختيار؛ لأن وجوب النفقة يتجدد كل يوم، فرضاها بما يتعلق بالآتي إسقاط شيء قبل ثبوته؛ فلا يسقط.
أما اليوم الذي اختارت المقام فيه فلا خيار لها فيه، صرح به البندنيجي.
وبهذا يظهر لك أنها إذا كانت عالمة بإعساره حالة العقد ثبت لها الخيار على هذا النحو.
قال: وإن اختارت الفسخ، ففيه قولان:
أحدهما: تفسخ في الحال، وهو القديم؛ لأنه فسخ لتعذر العوض؛ فثبت في الحال؛ كفسخ البيع بالإفلاس بالثمن.
والثاني- وهو الأصح-: أنها تفسخ بعد ثلاثة أيام؛ لتحقق العجز؛ فإن الإنسان قد يتعسر عليه وجه الإنفاق لعوارض، ثم تزول، وهذه مدة قريبة لا يصعب تزجيتها باستقراض وغيره.
وقد نقل عن "الإملاء": أنه يمهل يوماً، وجعله أبو الفرج السرخسي قولاً ثالثاً، والأكثرون امتنعوا منه، وقالوا: المراد منه: أنه لو أمهله يوماً- جاز، لا أنه [لا] يزيد عليه.
وفي "الوسيط" – تفريعاً على القول بعدم إمهال الثلاث-: أنه لا خلاف أنها لا تبادر إلى الفسخ صبيحة اليوم؛ فإن أكثر الناس يكتسبون قوت اليوم في اليوم، ولكن إلى متى التأخير؟ يحتمل أن يقال: إلى وسط النهار، ويحتمل أن يقال: إلى الليل، ويحتمل أن يقال: حتى يمضي يوم وليلة، وأراد: التي تليه؛ كما صرح به الرافعي، وقال: إن النفقة لهما، وبمضيهما تستقر.
قال الغزالي: فرجع هذا إلى أنه يمهل يوماً واحداً، وهذا ما رجحه الإمام على هذا التقدير، بعد أن قال: إن هذا يدل على فساد المفرع عليه.
وفي كتاب "التهذيب" تفريعاً على هذا القول- حكاية وجهين في أنها تفسخ في أول النهار أو آخره؟
قال الغزالي: [نعم]، لو أقر صبيحة اليوم بأني عاجز، ولست أتوقع شيئاً،
فيحتمل أن يقال: [لها المبادرة، ويحتمل أن يقال] يمهل إلى تحقق العجز بانقضاء اليوم.
ولو كان يعتاد الإتيان بالطعام لها ليلاً فلها الفسخ؛ لأن هذا صيام الدهر.
وفي "العدة" فيه وجه، ولو وجد ذلك مرة أو مرتين لم يثبت لها حق الفسخ.
ويتفرع على القول بإمهال الثلاث مسائل:
إحداها: يجوز لها في مدة الإمهال أن تخرج لتحصيل النفقة، وليس له منعها، وإن قدرت على الإنفاق من مالها، أو كانت تكتسب بما لا يحوجها إلى الخروج كالغزل والخياطة، وفيه ذه الحالة وجه، وهو قضية ما في كتاب "التهذيب" فإنه قيد ذلك بما إذا كانت معسرة.
وذكر وجه مطلق: أنه يدام حق الحبس في المدة، وعليها أن ترجع إلى المنزل ليلاً، والحكم في الاستمتاع كما تقدم.
وذكر في "التهذيب":أن لها المنع، لكن إذا منعت لا تستحق النفقة لمدة الامتناع، ولم تصر ديناً.
الثانية: إذا اختارت المقام بعد [مضي] الثلاث، ثم عن لها أن تفسخ- فلا بد من تجديد الإمهال.
وفيه احتمال للإمام، وللقاضي الروياني، والظاهر الأول، بخلاف امرأة المولي إذا رضيت، ثم عادت إلى المطالبة، لا تستأنف مدة الإيلاء؛ لأن المدة هناك منصوص عليها، غير موقوفة على طلبها وهاهنا مدة الإمهال تقع بعد طلبها، وإذا تعلقت بطلبها، سقط أثرها برضاها.
الثالثة: إذامضت الأيام الثلاثة، فلها الفسخ صبيحة اليوم الرابع، إن لم يسلم نفقته، وإن سلمها لم يجز الفسخ بما مضى، وليس لها أن تقول: آخذه عن نفقة بعض الأيام الثلاثة؛ لأن الاعتبار في الأداء بقصد المؤدي.
ولو توافقا على جعلها عما مضى، قال الرافعي: يمكن أن يقال: لها الفسخ، ويمكن أن تجعل القدرة عليها مبطلة للمهلة؛ وهذا بناء على أن الزوجة لا تفسخ بنفقة المدة الماضية، وهو الصحيح، كما حكيناه من قبل.
الرابعة: لو مضى يومان بلا نفقة، ووجد نفقة اليوم الثالث، وسلمها، وعجز في الرابع- فتستأنف المدة أو تبني؟ فيه وجهان، أظهرهما: البناء؛ فعلى هذا تصبر يوماً آخر، وتفسخ في اليوم الذي يليه.
الخامسة: لو لم يجد نفقة يوم، ثم وجد في اليوم الثاني، ولم يجد في الثالث، ووجد في الرابع- فيلينف أيام العجز، فإذا تمت أيام المهلة كان لها الفسخ.
السادسة: لو مضت ثلاثة أيام على العجز [ثم] أيسر في الرابع، وأعسر في الخامس- فالأظهر- وبه قال الداركي-: أن لها الفسخ، ويكتفي بالإمهال السابق، وهو ما أبداه ابن الصباغ احتمالاً.
وذكر الروياني وجهاً: أنه يمهل مرة أخرى، قال: وهذا إذا لم يتكرر، فإن تكرر لم يمهل؛ [لأنها لا تعد إمهالاً].
قال: ولو أعسر بنفقة الموسر أو المتوسط- لم تفسخ، قال الماوردي: وهذا
مجمع عليه، ولم يصر ديناً في ذمته؛ لأن ما زاد على المد غير مستحق مع الإعسار.
وكذا لو منعها من القدر الزائد على المد، وهو واجب عليه- لم يثبت لها حق الفسخ، لكن يصير ديناً في ذمته.
قال: وإن أعسر بنفقة الخادم لم تفسخ؛ لأن الخدمة مستحقة للدعة والترفه، ويمكن تحمله، ويقوم البدن بدونه؛ فجرى مجرى المد الثاني من المستحق باليسار؛ بخلاف نفقتها.
وقيل: لها الفسخ؛ لأنها نفقة مستحقة بالنكاح؛ فأشبهت نفقة المخدومة.
قال ابن يونس: وليس بشيء.
قال: ويصير ذلك ديناً في ذمته؛ لأنه مستحق عليه، مع الإعسار.
وفرق البندنيجي بينه وبين القدر الزائد على المد بأن ذلك معتبر به، واعتبار نفقة الخادم بها.
وفي "التتمة": أنها لا تصير ديناً في ذمته.
ولا فرق- على المذهب- بين أن تخدم نفسها أو تستأجر من يخدمها أو تنفق على خادمها، لكن إذا كان الخادم مملوكاً، رجعت عليه عند اليسار بنفقته، وإن كان حراً، فبأجرته؛ وإن باشرت هي الخدمة، فبأقل الأمرين؛ كذا قاله الماوردي.
قال: وإن أعسر بالكسوة ثبت لها الفسخ؛ [لأنه لا يقوم بدنها إلا بأمر يقيها الحر والبرد؛ فثبت لها الفسخ كالنفقة.
وفيه وجه.
قال: وإن أعسر بالأدم لم تفسخ؛ لأنه تابع، والنفس تقوم بدونه.
وفيه وجه لمعسر: الصبر على الخبز البحت دائماً، وبه قال الداركي، ورجحه الروياني، والأول أصح عند الإمامين أبي حامد والقفال وغيرهما، وتابعهما الإمام والغزالي والفراء.
وقال الماوردي: إن كان قوتها ينساغ للفقراء أكله على الدوام بغير أدم لم تفسخ، وغن كان لا ينساغ أكله على الدوام إلا بأدم؛ فسخت، وإذا لم تفسخ؛ بقي ذلك في ذمته.
قال: وإن أعسر بالسكنى احتمل أن تفسخ] لتضررها بعدمه، واحتمل ألا تفسخ؛ لأن النفس تقوم بدونه، فإنها لا تعدم مسجداً، أو موضعاً مباحاً؛ وهذا ما حكاه الشيخ أبو علي [عن الشيخ أبي حامد سماعاً، ورجحه صاحب "التهذيب".
فعلى هذا: هل يبقى في ذمته؟ فيه وجهان في "التتمة" وأصحهما: أنه لا يبقى، والأول هو الأصح عند الرافعي والقاضي الروياني واختاره الشيخ أبو علي] ولم يحك ابن الصباغ غيره؛ لأن الإنسان لا بد له من كن يئويه ومن الحر والبر يقيه، والحوالة على المسجد كالحوالة في النفقة على السؤال [والتقاط السابل].
قال: وإن كان الزوج عبداً، وجبت النفقة [في كسبه] إن كان مكتسباً، أو فيما في يده إن كان مأذوناً [له] في التجارة، فإن لم يكن مكتسباً ولا مأذوناً له في التجارة- ففيه قولان:
أحدهما: في ذمة السيد، وهذا هو القديم.
والثاني: في ذمة العبد يتبع بها إذا أعتق، وتعليل ذلك، وما يترتب عليه ويتفرع مذكور في كتاب الصداق، فيطلب منه.
وحكى الماوردي- عوضاً عما حكيناه عن القديم-: أنها تتعلق برقبته، فيباع فيها إلا أن يفديه السيد.
قال: ولها أن تفسخ إذا شاءت- أي: على القول الثاني- لتضررها؛ كزوجة الحر.
ويجيء فيه القول المحكي عن المراوزة في أنه لا فسخ بسببها، والله- عز وجل- أعلم.
باب نفقة الأقارب والرقيق والبهائم
يجب على الأولاد نفقة الوالدين- أي: بكسر الدال- وإن علوا، ذكوراً كانوا أو إناثاً؛ أي إذا [كانوا] أحراراً.
الأصل في وجوب نفقة الأبوين من الكتاب آيات: منها قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: 15]، ومن المعورف القيام بكفايتهما.
وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ [العنكبوت: 8]، ومن الإحسان إليهما النفقة.
وقوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23] مبالغة في برهما.
ومن السنة: ما روى [الأعمش]، عن إبراهيم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَطْيَبُ مَا يَاكُلُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَوَلدُهُ من كَسْبِه" يدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: 2]، يعني: ولده.
ويعضده [أنه] روى ذلك في متن الحديث، وفيه: "فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ".
وروى حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ أَوْلَادَكُم هِبة مِنَ اللهِ لَكُمْ، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، وَأَمْوَالُهُمْ لَكُمْ إِذَا احْتَجْتُمْ إِلَيْها".
فإذا ثبت وجوب نفقة الوالدين، ألحقنا بهما آباءهما وأمهاتهما، إن لم يدخلوا في عموم ما ذكر، كما ألحقوا بهما في عتقهم بالملك، وسقوط القود عنهم بالقتل، ورد الشهادة، لوجود البعضية.
قال: وعلى الوالدين نفقة الأولاد وإن سفلوا؛ ذكوراً كانوا أو إناثاً، أي: إذا كانوا أحراراً.
والأصل في وجوب نفقة الأولاد على الآباء من الكتاب آيات، منها: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233].
وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] يعني: المطلقات، فلما لزمت أجرة الرضاع؛ كان لزوم النفقة أحق.
وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: 31] فلولا وجوب النفقة عليه ما قتله خشية إملاق من النفقة.
ومن السنة: ما روى الشافعي بإسناده، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إِنَّ مَعِيَ دِينَاراً؟ فقال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ".
قال: معي آخر؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ".
وما روى مسلم عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: دخلت هند بنت عتبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح ما يعطيني ما يكفيني ويكفي بني، إلا ما أخذت من ماله بغير إذنه؛ فهل علي في ذلك [من] جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خُذِي مِنْ مَالِهِ [بِالْمَعْرُوفِ] مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ".
وما روى النسائي في حديث طويل: "وابدأ بمن تعول"، فقيل: من أعول يا رسول الله؟ قال: "امْرَاتُكَ تَقُولُ: أَطْعِمنِي وَإِلَّا فَارِقْنِي، خَادِمُكَ يَقُولُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْني، وَلَدُكَ يَقُولُ: إِلَى مَنْ تَتْرُكْنِي".
فإذا ثبت وجوب نفقة الولد على الوالد ألحقنا به أباه وإن علا، إن لم يتناوله إطلاق ما ذكرناه؛ لأنه لما قام مقام الأب في الولاية وما ذكر من الأحكام، وجب أن يقوم مقامه في التزام النفقة.
وأما وجوبها على الأم؛ فلأن البعضية فيها محققة، وفي الأب مظنونة، فلما تحملت بالبعضية المظنونة كان تحملها بالمتيقنة أولى.
وأما وجوبها على أبيها وأمها؛ فلأنه حق واجب بالقرابة المحضة، لا يعتبر فيه التعصيب؛ فاستوى فيه القريب والبعيد، والوارث وغير الوارث، والعصبة وغير العصبة؛ كالعتق بالملك، ورد الشهادة.
وفي الأم وجه: أنه لا تجب عليها النفقة بحال.
والمشهور الأول.
ولا فرق في ذلك بين الوارث وغير الوارث، ولا بين الموافق له في الدين والمخالف.
وقيل: لا تجب على المسلم نفقة الكافر.
والفرق- على المذهب- بين النفقة والميراث: أن الميراث يجب؛ لأجل
الموالاة والمناصرة، وهي منقطعة باختلاف الدين.
وأما النفقة [فتجب] بالقرابة والملك والزوجية؛ فإنها محققة، مع اختلاف الدين.
فائدة تقدم الوعد بها: استنبط الأصحاب من حديث هند [غير] وجوب نفقة الزوجة والولد- ثلاثة عشر حكماً:
أن صوتها ليس بعورة.
وأنه يجوز لمن منع حقه أن يشكو، أو يتظلم.
وأنه يجوز ذكر الغائب بما يسوءه عند الحاجة؛ فإنها وصفته بالشح.
وأنه يجوز لمن له حق على غيره- وهو ممتنع- أن يأخذ من ماله بغير إذنه.
وأنه لا فرق بين أن يكون من جنس حقه، أو من غيره.
وأنه يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه، وعلى الغائب.
وأجيب عنهما: بأنه أفتى، ولم يقض.
وأن للأم [طلب] نفقة الولد [قاله القاضي الحسين.
وأنها تأخذ نفقة الولد] من مال الوالد، إذا كانت [يدها تمتد] إليه.
وأبعد بعض الأصحاب، فلم يثبت لها ذلك إلا أن يفوض القاضي ذلك إليها، ورأى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليطاً منه لها على الأخذ بمثابة تسليط القاضي.
فعلى هذا: ليس لها أن تقترض عليه، وعلى الأول هل يجوز؟ فيه وجهان.
وأنها تكون قيمة بالولد؛ فإنه جوز لها الأخذ والإنفاق في حياة الأب لامتناعه؛ فكذلك بعد موته.
وأنه يجوز أن يذكر المرء بالكنية عند العظيم من الناس.
وأنه يجوز للإمام أن يستمع إلى أحد الخصمين، دون الآخر.
قالهما القاض الحسين.
وأنه يجوز [للمرأة] أن تخرج من بيتها؛ لتستفتي؛ قاله الرافعي، وفيه نظر؛ فإن هنداً خرجت عام الفتح متقدمة على سائر النساء؛ لما نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} [الممتحنة: 12]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أُبَايِعُكُنَّ عَلَى أَلَّا تُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً"، فقالت هند: لو أشركنا بالله شيئاً ما دخلنا في دين الإسلام، فقال: "أُبَايعُكُنَّ عَلَى أَلَّا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ"، فقالت هند: هل تركتم لنا من ولد؟ ربيناهم صغاراً فقتلتموهم كباراً، فقال: "أُبَايِعُكُنَّ عَلَى أَلَّا تَزْنِينَ"، فقالت هند: أف أو تزني الحرة؟ فقال: "أُبَايِعُكُنَّ عَلَى أَلَّا تَسْرِقْنَ شَيْئاً"، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح .. " الحديث.
وظاهر الحال يدل على أنها لم تخرج لتستفتي؛ فكيف يحسن الاستدلال به على ذلك؟
قال: فأما الوالدون فلا تجب نفقتهم إلا أن يكونوا فقراء زمني أو فقراء مجانين؛ لتحقق الحاجة حينئذ، فلو كان لهم مال لم تجب؛ لأنها مواساة؛ فتجب مع الحاجة، وتسقط مع القدرة على الكفاية، وكذا لو كان مكتسباً بيده.
وحكم العجز بالمرض والعمى- عند صاحب "التهذيب"- حكم العجز بالزمانة.
قال: فإن كانوا فقراء أصحاء، أي: ولم يكونوا ممن يكتسبون بأيديهم، والفرع بهذه المثابة- ففيه قولان:
أصحهما: أنها لا تجب، للقدرة على الكسب؛ إذ هو نازل منزلة المال بدليل الزكاة.
والثاني: أنها تجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: 15] وليس من الصحبة بالمعروف أن يكلفهما الكسب ما لم تجر به عادتهما، مع كبر السن.
وفي "النهاية": أن المذهب المعتد به: القطع بأن عدم الكسب ليس بشرط،
وحكاية طريقة قاطعة [بالوجوب].
فرع: قدرة الأم على النكاح مع كثرة الطلاب، لا تسقط عن الابن نفقتها.
نعم لو تزوجت، سقطت نفقتها بالعقد ولو كان الزوج معسراً إلى أن تفسخ النكاح؛ [كي لا] تجمع بين نفقتين.
ولو نشزت، وهي في عصمة زوج، لا تستحق النفقة على الولد؛ لقدرتها على النفقة؛ بطاعة الزوج حكى ذلك الماوردي.
والأب الرقيق لا تجب نفقته على ولده، بل على السيد؛ وكذلك المكاتب، بل في كسبه.
وفي المكاتب احتمال وجه- أبداه الماوردي-: أن نفقته تجب على الولد؛ لسقوط نفقته بالكتابة عن سيده.
ومن نصفه حر ونصفه رقيق فيه وجهان:
أحدهما: تجب عليه نصف نفقته.
والثاني: لا تجب.
حكاهما القاضي الحسين وغيره.
فرع: إذا كان الابن معتوهاً، هل للأب أن يأخذ قدر نفقته من ماله، أو لابد من أن يأذن الحاكم لغيره ليدفعها إليه؟ فيه وجهان، والأصح في "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا يحتاج إلى غيره؛ كما في الولد الصغير.
قلت: والذي يظهر: أن ذلك محمول على ما إذا بلغ عاقلاً، ثم حصل له العته، فإن في عود ولاية الأب على ماله خلافاً مذكوراً في موضعه.
أما إذا اتصل عتهه بصباه، فالذي يظهر: أنه يجوز وجهاً واحداً؛ لأن ولايته مستمرة؛ كما في حال الصبا.