كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 238-277
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الشهادات

صفحات 238-277
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مأخوذان من فحوى كلام الأئمة: أحدهما: أنه لا يشترط، لأنه لا يشاهد، وهذا ما اقتضاه كلام الشيخ، وهو الذي يقتضي كلام الإمام ترجيحه.
وأظهرهما عند المتولي وغيره: الاشتراط، وبه قال الصيدلاني، وجزم ابن الصباغ وغيره، قياسًا على اشتراط ذكر الإيلاج في الشهادة بالزنى، وهكذا ظاهر النص في ((المختصر))، فإنه قال: وتوقف حتى تشهد أنه رضع المولود خمس رضعات كلهن إلى جوفه.
وعلى الأول لو استراب القاضي وجوز أن يكون الإرضاع غير مفض إلى وصول اللبن إلى الجوف المعتبر- فله أن يستفصل بلا خلاف.
نعم لو مات الشاهد قبل الاستفصال، فهل يجوز التوقف؟ قال الإمام: هذا هو الذي يظهر فيه تردد الأصحاب.
قلت: ويشهد لهذا التردد ما حكاه ابن أبي الدم: أن الشاهد إذا شهد بحق، وسأله الحاكم [عن] مستند شهادته، وكيفيتها، وهل يعرف المشهود عليه عينًا، أو اسمًا، أو نسبًا، أو يعرف مجموع ذلك، لكونه غير فقيه، أو توهم من الفقيه غفلة دلت عليها قرينة حاله، وارتاب الحاكم في ذلك، يجب على الشاهد تفصيل ما سأل عنه، فإن امتنع مع جهله توقف الحاكم في الإمضاء بشهادته، فلو مات الشاهد قبل التفصيل هل يتوقف؟ فيه خلاف، وسنذكر في الإقرار- إن شاء الله تعالى- تفصيلًا لم يذكره ابن أبي الدم هنا.
وهذا الذي ذكره الشيخ من التعرض لما ذكرناه لم يختلف الأصحاب فيه من العراقيين والمروازة، إذا وقعت الشهادة على فعل الرضاع، وقد صرح به الفوراني [وغيره].
أما إذا وقعت الشهادة بأن بينهما حرمة الرضاع، فقد قال ابن الصباغ: إن الحاكم لا يسمع هذه الشهادة، لما ذكرناه، بل لابد من ذكر الشرائط أيضًا.

وقال الفوراني وغيره: إنه لا يحتاج إلى ذكر الشرائط.
ولأجل ذلك قال الرافعي: قد أطلق جماعة- منهم الإمام- أن الشهادة المطلقة على أن بينهما رضاعًا محرمًا، أو حرمة الرضاع، أو أخوته، أو بنوته- مقبولة، ويؤكده قول الغزالي: ((ثم يشهد على البت: أن بينهما رضاعًا محرمًا)).
لكن الأكثرون على أنه لابد من التفصيل والتعرض للشرائط، وهو ظاهر النص.
وحكى في ((التهذيب)) الوجهين معًا، وقال: إن الصحيح اشتراط التفصيل.
قال الرافعي: ويحسن أن يقال: إن كان المطلق فقيهًا موثوقًا بمعرفته، فيقبل منه الإطلاق، وإلا فلابد من التفصيل، وينزل الكلامان على هاتين الحالتين، أو يخص الخلاف بما إذا لم يكن المطلق فقيهًا، وقد سبق مثله في الإخبار عن نجاسة الماء وغيره.
قلت: إن أراد بالفقيه فقهًا يوافق مذهبه مذهب القاضي في الرضاع فهو قريب، وقد ذكرنا مثله وجهًا ثالثًا فيما إذا شهد الشاهد بأن فلانًا يستحق على فلان كذا.
وإن أراد مطلق فقيه كيف كان، فلا يحسن التفصيل، لأن مادة الاشتراط اختلاف الناس في شرائطه، فقد يكون الفقيه والقاضي مختلفين فيها، فلا يحصل المقصود.
وإذا قلنا بما ذهب إليه الأكثرون فهل تسمع الشهادة على الإقرار بالرضاع مطلقة؟ فيه وجهان حكاهما المتولي وغيره.
ولو قال: هي أختي من الرضاع، فعن ((البحر)) وغيره: أنه لا حاجة إلى التعرض للشرائط إن كان من أهل الفقه، وإلا فوجهان.
وفرق بين الإقرار والشهادة بأن المقر يحتاط لنفسه، فلا يقر إلا عن تحقيق.
واعلم أنا إذا اشترطنا ذكر وصول اللبن إلى الجوف- كما هو ظاهر النص- فالشاهد قد يتيقين ذلك بأن يعاين الحلب وإيجار الصبي المحلوب وازدراده، وحينئذ يشهد به، ولا إشكال، وقد يشاهد القرائن الدالة عليه، وهي التقام الثدي من غير حائل- كما قاله المتولي- وامتصاصها، وحركة الحلق بالتجرع وبالازدراد بعد العلم بأنها ذات لبن، ومشاهدة هذه القرائن قد يفيد اليقين، فيشهد إذ ذاك به، وقد لا يفيده فيفيد الظن القوي، وذلك يجوز الشهادة- أيضًا- كما نقول في الشهادة بالملك المطلق، بناء على التصرف واليد والتسامع.
نعم: لو شاهد التقام الثدي والامتصاص، وهيئة الازدراد، ولم يعرف أن المرأة

ذات لبن- هل يحل له أن يشهد؟ فيه وجهان عن رواية أبي الفرج السرخسي، وأشبههما: المنع، لأن الأصل عدم اللبن.
ولا خلاف في أنه لا يجوز أن يشهد على الرضاع مستندًا إلى رؤية أخذ المرأة الصبي وجعله تحت ثيابها، وأدنته منها، كما يفعل المراضع وإن سمع صوت الامتصاص، لأنه قد يمص أصبعه، قاله المتولي.
ولو حكى الشاهد صورة الحال المسموعة له، للجزم بالشهادة ولم يجزم بها، لم يترتب على حكايته حكم، إن كنا نعلم أنه لا مستند للشاهد سوى ذلك، لأن معاينة الأحوال تفيد ما لا يمكن أن يعبر عنه، فإذا جزم الشهادة دل على أثرها في الظن، بخلاف ما إذا ذكر الحال من غير جزم.
قال: ومن شهد بالقتل ذكر صفة القتل، لما ذكرناه في الدعوى [به].
قال: فإن قال: ضربه بالسيف، فمات، لم يحكم به، لأنه ليس كل مضروب بالسيف ينجرح به، وإن انجرح احتمل أن يموت بسبب آخر.
قال: حتى يقول: فمات منه، أو يقول: ضربه بالسيف فقتله، لأنه حينئذ ينتفي الاحتمال المذكور.
وفي ((النهاية)): أن في طريق العراق ما يدل على أنه إذا قال: ضربه بالسيف فمات، أن القتل يثبت، وقد أقام [في] ((الوسيط)) ذلك وجهًا.
قال الإمام: وهذا إن لم يكن خلل من النسخة فهو خلل منهم ظاهر غير معتد به.
قال الرافعي: ويدل على الاختلاف أنك لا تجد في طريق [العراق] ذكر هذا الوجه.
ولو قال: ضربه بالسيف، فأنهر الدم، ومات مكانه- ثبت القتل، نص عليه في ((المختصر)).
قال الماوردي: فلو ادعى الجاني: أنه مات بسبب آخر ليس له تحليف الولي.

قال الشيخ أبو حامد: وهذا بخلاف ما لو قال: ضربه بالسيف، فسال دمه، ومات مكانه، فإنه لا يثبت القتل.
والفرق: أن إنهار الدم سبب ظاهر في الإفضاء إلى الموت، بخلاف السيلان.
قال الرافعي: وفي لفظ الإمام ما يشعر بالنزاع فيما إذا قال: ضربه بالسيف، فأنهر الدم، ومات مكانه، [فإنه قال: لو ضربه بالسيف، وأنهر دمه، ومات مكانه] بتلك [الجراحة]، ثبت القتل، فاعتر أن يقول: ((بتلك الجراحة)).
ويقوي النزاع أنه قال: الشاهد يعرف حصول القتل بقرائن يشاهدها تفيده العلم، فإذا حصل شهد به، فإن لم ير إلا الجراحة، وإنهار الدم، واتصال الموت به، فهذا عندي بمثابة الشهادة على الملك، تعويلًا على اليد، [بل الوجه عندي- وإن كانت مسألة الجرح في الصورة كمسألة اليد]- ألا يتحمل الشهادة على القتل، فإن معاينة القتل ممكنة، وتلقي العلم من قرائن الأحوال ليس يقينًا، والأملاك لا مستند لها، يعني: وغاية المتعلق بها مخايل علامات، على أن الرأي الظاهر: أن مجرد اليد لا يسلط على الشهادة بالملك ما لم ينضم إليها تصرف الملاك.
ولو قال: ضربه بالسيف، فأنهر دمه، ولم يشهد بموته، قال الماوردي: نظر [في موته]: فإن كان بعد زمان لا يجوز أن تندمل فيه الجراحة، حكم على الجارح بالقتل، فإن ادعى أنه مات من غيرها، فله تحليف الولي.
وإن كان موته بعدها بزمان يجوز أن تندمل فيه الجراحة، حكم عليه بالجراحة، ولم يحكم عليه بالقتل، حتى يقيم وليه البينة: أنه لم يزل ضمنًا مريضًا حتى مات [فيحكم عليه حينئذ بالقتل.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: ولو ادعى الجاني في هذه الحالة أنه مات] بسبب آخر، حلف الولي مع شهادتهما: أنه مات منها، لأنه الشهود شهدوا على الألم، ولم يشهدوا على الموت منه فيمينه لا تنافي شهادتهما، لجواز أن يكون ما ادعاه صحيحًا.

وهكذا الحكم- كما قال القاضي أبو الطيب وغيره- في الشهادة على ما دون النفس إذا قال: أشهد أنه ضربه بالسيف على رأسه عمدًا، واتضح أو فاتضح، أو قال: وجدناه متضحًا- لم تسمع، لأنه يجوز أن يكون ضربه ووجده متضحًا من شيء آخر، بل إنما تسمع إذا قال ضربه بالسيف فأوضحه، أو فاتضح من ضربه، أو وجدناه متضحًا من ضربه، وحينئذٍ يقال للشاهد: عين الموضع المتضح، وبين الطول والعرض، فإن بين ذلك مع آخر، ثبت القصاص، أو الدية عند تعذر القصاص.
وإن لم يعيناها، نظر: فإن لم يكن على رأسه غير موضحة واحدة، فالحكم كما لو عينا، قاله الماوردي.
وفي ((الرافعي)): أنه لا يثبت القصاص في هذه الحالة، لاحتمال أنه كانت على رأسه موضحة صغيرة، ووسعها، وإنما يجب القصاص إذا قالوا: أوضح هذه الموضحة.
وحكى في إيجاب الأرش وجهين.
وإن كان في رأسه موضحة أخرى فأكثر، حكم للمجني عليه بالدية دون القصاص، أي: إذا عجز الشاهدان عن تعيينها، قاله الماوردي، وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب وغيره، واختار الشيخ أبو محمد، وصححه الرافعي، وحكى وجهًا آخر: أنه لا يجب، وهو ما أورده الفوراني وحكاه الإمام عن اختيار القاضي الحسين، لأن هذه الجراحة لو ثبتت صفتها لوجب القصاص، وقد تعذر إثبات القصاص، فلا تثبت الجناية أصلًا، كما لو شهد رجل وامرأتان على موضحة لا يثبت الأرش كما لا يثبت القصاص.
والقائلون بالأول فرقوا بأن القصاص إنما لم يثبت، لتعذر رعاية المماثلة- فإن المحل مقصود فيها- لا لنقص في البينة، فإن الشاهد بها رجال، بخلاف صورة الاستشهاد.
وقد أيد بنص الشافعي في ((الأم)) على أنه لو شهد شاهدان أن فلانًا قطع يد فلان، ولم يعينا، والمشهود له مقطوع اليدين- لا يجب القصاص، وتجب الدية.

قال الرافعي: ولو كان مقطوع يد واحدة- والصورة هذه- فهل تنزل شهادتهم على ما تشاهد مقطوعة، أو يشترط تنصيصهم؟ يجوز أن يقدر فيه خلاف، والذي حكاه الماوردي الأول.
وقد اعتبر القاضي الحسين، وتبعه الإمام والغزالي في شهادة بالموضحة التعرض لوضوح العظم، [من حيث إن لفظ ((الموضحة)) مأخوذ من ((الإيضاح))، وليس فيها تعرض لإيضاح العظم]، والمطلوب إثبات العظم، وتنزيل لفظ الشاهد على الألقاب التي اصطلح عليها الفقهاء لا وجه له.
نعم، قد يخطر للفطن في هذا المقام: أن الشاهد لو كان فقيهًا وقد علم القاضي منه ذلك، وتبين له أنه لا يطلق الموضحة إلا على ما يوضح العظم فهذا موضع التردد، فيجوز أن يكتفي به، لفهم المقصود، ويجوز أن يقال: لابد من كشف الأمر لفظًا، فإن للشرع تعبدات في ألفاظ الشهادات وإن كان العلم قد يحصل بغيرها.
قال: وإن شهد بالزنى- ذكر الزاني- أي: من رجل وامرأة- لاحتمال أن يكون قد جهل إباحة أحدهما للآخر، لزوجية، أو ملك، فأقدم على الشهادة بذلك، أو رآه يطأ جارية ابنه، أو جارية مشتركة بينه وبين غيره، فظن أن ذلك مما يوجب الحد عليهما.
قال: وكيف زنى بها، لأنه ربما رآه قد وطئ فيما دون الفرج، أو عانق، أو قبل، أو لمس باليد، أو نظر بالعين، فاعتقد ذلك زنى يوجب الحد، لأنه روى أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: ((العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والفرج يصدق ذلك ويكذبه))، وقد شهد لاعتبار ذكر كيفية الزنى قصة المغيرة، فيحتاج الشاهد به أن يقول: أدخل ذكره، أو غيب حشفته في فرجها، فإن قال مع ذلك: مثل المردود في المكحلة، والخاتم في الإصبع أو الفم، أو الرشاء في البئر- كان آكد، كذا قاله القاضي أبو الطيب.
وقال القاضي الحسين في باب حد الزنى: وقد قيل: إن [ذكر] التشبيه بما ذكرناه واجب، لأنه لما غلظ بالعدد غلظ بالتشبيه، ليكون أبلغ، فلو ترك ذلك لم يجب الحد، وهذا ظاهر نصه في ((المختصر))، فإنه قال: ولا يجوز على الزنى

واللواط، وإتيان البائهم إلا أربعة يقولون: رأينا ذلك منه يدخل في ذلك منها دخول المردود في المكحلة، ويعضده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لماعز حين قال: جامعتها: ((أولجت ذكرك في فرجها كالمرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟)) قال: نعم، فأمر برجمه.
وإذا كان هذا في الإقرار ففي الشهادة أولى، لأن الشهادة بينة من غيره.
قال: وفي أي موضع زنى [بها]، لأن الشهود ربما اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: في هذه الزاوية، وقال الآخر: في زاوية أخرى، فيسقط الحد، ومن هنا نأخذ أنه يذكر في أي وقت زنى، وقد اعتبره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، وجعلوا ما يصرح به شاهد الزنى أربعة أشياء، هي ما ذكره الشيخ مع هذه، والشيخ في اقتصاره على الثلاثة متبع للشيخ أبي حامد، فإنه لم يذكر سواها كما حكاه في ((البحر)).
وحكى الماوردي ذلك لا عنه، ثم قال: وعلى قياس سؤالهم عن المكان يجب سؤالهم عن زمانه، وليس إطلاق هذا القول عندي صحيح، والواجب أن ينظر: فإن صرح بعض الشهود بذكر الزمان والمكان، وجب سؤال الباقين عنه.
وإن لم يصرح بعضهم به، لم يسألوا عنه، لأنه لو وجب سؤالهم عن المكان والزمان، لوجب سؤالهم عن ثيابه وثيابها، وعن لون المزني بها من بياض أو سواد، وعن سنها من صغر أو كبر، وعن قدها من طول أو قصر، لأن اختلافهم فيه موجب لاختلاف الشهادة، وهذا يؤدي إلى ما لا يتناهى، فهو غير معتبر في السؤال فكذلك في المكان والزمان.
وفي ((البحر)) في الفروع المذكورة قبل كتاب الشهادات ما يقتضي شرطًا آخر في الشهادة بالزنى، وهو تقدم لفظة ((أشهد)) على قوله: ((إنه زنى))، فلو قدم لفظ الزنى على لفظه ((أشهد)) لم تسمع شهادته، لأنه يصير متهمًا في دفع حد القذف عن نفسه.
قال: ويحتمل أن يقال: لا فرق بين تقديم قوله: ((أشهد)) وبين أن يقدم الزنى، ويعقبه بقوله: ((أشهد به))، لأن الكلمة واحدة عند الوصل، ولهذا قوله: ((لا إله إلا الله)) توحيد

وإن كان لو اقتصر على أوله يكون كفرًا، ويصح ((تعليق)) الأيمان بالصفة والاستثناء، ولا يقال: إنه متهم بوصل الصفة والاستثناء.
قال: فإن لم يبين الشاهد ذلك سأله الحاكم [عنه]، أي: وجوبًا، كما صرح به [القاضي] أبو الطيب، فإن به يندفع المحذور من إقامة الحد، وتبرئة العرض.
ولأن الحد يسقط بالشبهة فلا يجوز إيجابه بمطلق الشهادة، لاحتمال شبهة فيها.
قال في ((البحر)): فإن لم يبينوا حدوا بالقذف، لأنهم قذفة، ولم يصرحوا بالشهادة حتى يندفع حكم القذف، نص عليه الشافعي في ((الأم)).
وإن ذكروا ما ليس بزنى، قال الماوردي: فلا يحد المشهود [عليه]، وهل يحدون؟ ينظر: إن صرحوا في أول الشهادة بأنه زنى، حدوا قولًا واحدًا، [وإلا فلا يحدون قولًا واحدًا].
ولو فسر ثلاثة منهم الشهادة بما هو زنى، وفسر الرابع بما ليس بزنى، ففي حد الثلاثة القولان، والرابع إن قال في أول شهادته: إنه زنى حد قولًا واحدًا، وإلا فلا يحد قولًا واحدًا.؟ فرع: من شهد بالسرقة يحتاج في صحته شهادته أن يذكر جنس المال، وقدر النصاب، وصفة الحرز، وتسمية المسروق منه، كما قاله في ((التهذيب)).
قال القاضي أبو الطيب: ويذكر: أنه لا يعلم [أن] فيه شبهة له.
قال البن الصباغ: وينبغي أن يكون هذا تأكيدًا، لأن الأصل عدم الشبهة.
قال القاضي الحسين: ويحتاج أن يقول: هذا بعينه سرق، لأن الظاهر من مذهب الشافعي أن البينة لا تسمع على الغائب في حدود الله تعالى، وهذا منه يفهمك أمرين: أحدهما: أن هذا مطرد في جميع الحدود.
الثاني: أنه لو قال: فلان بن فلان الفلاني سرق، وكان حاضرًا مجلس الحكم

من غير أن يشير إليه، وعرفه القاضي بتلك النسبة- سمعت شهادته، لفقد العلة التي ذكرها، وسنذكر ما ينازع فيه.
فوائد: أحداها: هل تسمع البينة بالمجهول، ثم يطالب الشاهد بالبيان كما يطالب المقر بالمجهول به، أم لا، لأنها مأخوذة من البيان؟ فيه وجهان في ((الشامل))، و ((المهذب)) في كتاب الإقرار، وجزم ابن الصباغ بقبول الشهادة على الإقرار بالمجهول.
وقد حكيت عن القاضي الحسين في أوائل باب الدعاوى حكاية وجهين في سماع الشهادة على الإقرار بالمجهول، وبذلك يجتمع في المسألتين ثلاثة أوجه، ثالثها: تسمع على الإقرار بالمجهول، ولا تسمع بالشهادة بالمجهول.
الفائدة الثانية: هل تسمع الشهادة على حاضر من غير إشارة إليه؟ قال أبو إسحاق المروزي: نعم.
وهذا موافق لما أفهمه كلام القاضي الحسين الذي حكيته من قبل.
وقال غيره من أصحابنا: لا، إذا أمكنت الإشارة إليه.
صرح به القاضي أبو الطيب عند الكلام في شهادة الأعمى، وعلى هذا لا تسمع الشهادة على الحاضر بالسرقة من طريق الأولى.
الفائدة الثالثة: يشترط في صحة الشهادة أن يأتي الشاهد بلفظة: ((أشهد)) عند الأداء، فلو قال: ((أعلم))، أو: ((أتحقق))، ونحو ذلك- لم يقم مقام قوله: ((أشهد)) على الأصح تعبدًا كما تعبدنا بالعدد، وهذا ما جزم به الماوردي في [باب] ما على القاضي [في] الخصوم، وصاحب ((البحر)) في الفروع المذكورة قبل كتاب الشهادات.
وفي ((النهاية)) في كتاب الإقرار حكاية وجه أن ذلك يقوم مقام قوله: ((أشهد))، وضعفه.
الفائدة الرابعة: يشترط أن يؤدي كل شاهد ما تحمله من الشهادة مصرحًا به في لفظه حتى لو شهد شهادة صحيحة، فقال الشاهد الآخر: أشهد بمثل ما

شهد به هذا الشاهد، لم تصح شهادته، قاله الماوردي في أوائل باب ما على القاضي في الخصوم.
ووجهه بأنه موضع أداء، وليس موضع حكاية، وبهذا يظهر لك أنه لا فرق عنده بين أن يقول: (([أشهد] بمثل ذلك))، [أو] ((أشهد بذلك))، وإن كان العمل في وقتنا على الثاني.
الفائدة الخامسة: يستحب للشاهد استئذان الحاكم قبل الأداء، ليصغى إليه، فإن الشهادة عنده وهو غافل لا أثر لها، وقد اعتبر أبو عاصم العبادي الاستئذان فقال: لو شهد قبل [الاستئذان لا يعتد بشهادته قال القاضي أبو سعد: ولا وجه له، نعم لو أقام الشاهد الشهادة] قبل الإذن من القاضي، وذكر أنه لم يسمع الشهادة، بل كان ذاهل العقل عنها، فتلك الشهادة باطلة.
قال: وتجوز الشهادة [على الشهادة] في حقوق الآدميين، أي: التي لا تثبت إلا بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، أو بأربع نسوة، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ...﴾ [البقرة:282]، ولم يفرق بين أن تكون الشهادة أو غيرها من الحقوق، فهو على عمومة.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن شهود الواقعة قد يغيبون، أو يموتون.
ولأن الشهادة من حقوق الآدميين اللازمة للأداء، وحقوق الآدميين تثبت تارة بالإقرار، وتارة بالشهادة، والشهادة على الإقرار مقبولة، فكذلك على الشهادة.
قال: وفي حدود الله تعالى قولان: أصحهما: أنه يجوز، لأنها من الحقوق التي تثبت بالشهادة، ويجب استيفاؤها إذ ذاك، فجاز أن تثبت بالشهادة على الشهادة كغيرها من الحقوق، وهذا ما [قال] البندنيجي والإمام: إنه أقيس.
ومقابله: [أنه] لا يجوز، لأمرين: أحدهما: أنها تدرأ بالشبهات.

والثاني: أنه مندوب إلى سترها، لقوله- لقوله- عليه الصلاة والسلام-: ((من أصاب من هذه القاذورات شيئًا، فليستتر بستر الله، فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه حد الله تعالى)).
وإذا كان كذلك لم يكن بنا حاجة إلى سماع الشهادة فيها، وهذا ما صححه البغوي، والرافعي، والنواوي، واختاره في ((المرشد))، و [قد] قيل بطرده في القصاص وحد القذف، نظرًا إلى العلة الأولى، فإن هذه أيضًا تسقط بالشبهات، قاله الماوردي وغيره، ونسبه البغوي إلى تخريج ابن الحداد، وهو ضعيف باتفاق الكل، ومما استدل به على ضعفه: أن الشافعي نص- كما حكاه الإمام وغيره- على السماع في القصاص.
واقتصر في ((الإشراف)) عل حكاية هذه الطريقة الضعيفة، فقال: في جواز الشهادة على الشهادة في العقوبات قولان، سواء كانت لله تعالى أو للآدميين.
ولا يجري [القول] الثاني جزمًا- كما قاله ابن الصباغ- في الشهادة على الشهادة في استيفاء القاضي الحد، لأنها شهادة بحق آدمي، وهو [سقوط الحد عنه].
والقولان في الأصل جاريان في جواز كتاب القاضي إلى القاضي كما تقدم، وصرح به هنا القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم.
وقال ابن القاص: إنهما جريان في الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي: أن يطرد الوجه المذكور في القصاص، وحد القذف في الشهادة على الشهادة في كتاب القاضي إلى القاضي، وقد صرح به الغزالي تبعًا لإمامه، وقال: على هذا لا معنى للدعوى على الغائب بالقصاص.
وفيه نظر، لأنه قد يبغي إثباته، ليستوفي

منه عند حضوره، خشية من موت [شهود] الأصل أو غيبتهم.
تبنيه: عدول الشيخ عن قوله: ((وفي حقوق الله تعالى قولان)) إلى ما ذكره يعرفك أنهما لا يجريان في حقوق الله تعالى المالية: كالزكاة، والكفارة، وكذلك الوقف على الجهات العامة، والمساجد، بل تجوز الشهادة على الشهادة فيها وجهًا واحدًا، كما صرح به غيره.
فرع: هل يجب على شاهد الأصل أن يشهد على شهادته إذا طولب بذلك؟ أطلق الماوردي القول بعدم الوجوب، ووجهه بأن شاهد الأصل إن كان قادرًا على الأداء فالتحمل موجب لأدائها عند الحكام، إذ هو المقصود منه، وليس بموجب للإشهاد عليها، فلم يلزمه غير المقصود بتحملها.
وإن كان عاجزًا عن الأداء فكما ذكرناه.
ولأن الشهادة [على الشهادة] لا تسقط عنه فرض أدائها، فلم يلزمه بالتحمل فرضان.
ولأن المقر لما لم يلزمه الإشهاد على إقراره، كان الشاهد بالتحمل أولى ألا يلزمه الإشهاد على شهادته.
واختار لنفسه أن وجوب الإشهاد يعتبر بالحق المشهود به، فإن كان مما ينتقل إلى الأعقاب: كالوقف المؤبد، لزمه الإشهاد، وكذلك الإجارة المعقودة إلى مدة لا يعيش إلى انقضائها في الغالب بمثابة المنتقل في وجوب الإشهاد على شهادته، وكذلك الديون المؤجلة بالأجل البعيد.
وقال في ((المرشد)): لا يجب على شاهد الأصل أن يشهد على شهادته إلا أن يخاف ضياع الحق المشهود به.
وقال في ((الانتصار)): عندي أن يختلف باختلاف حال الشاهد، فإن كان في مرض مخوف، أو يريد الجهاد ونحو ذلك، وجب.
وقال الشاشي: عندي أنه لو بنى هذا على وجوب الإشهاد على الحاكم فيما حكم به وكتبه المحضر، كان أشبه.
قلت: وفيما ذكره نظر، لأنه جمع في كلامه بين الإشهاد على القاضي وكتبة

المحضر، والإشهاد على القاضي واجب بلا خلاف، والكتبة تقدم الخلاف [فيها]، فاقتضى كلامه أن يكون الإشهاد على شهادته واجبًا بلا خلاف في وجوبه خلاف، وهذا تناقض بين.
ثم لو سلم من ذلك لما كان التشبيه بكتب المحضر مناسبًا أصلًا.
وفي التشبيه بإشهاد القاضي نظر، لأن إشهاد القاضي يفيد أمرًا زائدًا على البينة، ولا كذلك الشهادة على الشهادة، والله أعلم.
قال: ولا يجوز أن يتحمل الشهادة على الشهادة، أي: إذا سمع الشاهد شاهدًا يقول في سوق أو طريق، [ونحو ذلك]-: أشهد أن لفلان [على فلان] كذا- لم يجز أن يجعل مستنده في التحمل ذلك، لأنه يحتمل [أن يكون] قد تساهل بذلك، أو قاله وعدًا وعد به، فلا يكون حقًا واجبًا، فلم يجز أن يشهد عليه به، ومن طريق الأولى لا يجوز أن يتحمل عليه إذا سمعه [يقول]: لفلان [على فلان] كذا، من غير لفظ الشهادة.
قال: إلا أن يسترعيه الشاهد بأن يقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا، فاشهد على شهادتي بذلك، لأنه إذا قال ذلك انتفى الاحتمال المذكور.
واعتبر في ((التهذيب)) أن يشهد عنده، وعليه ينطبق ما سنذكره عن الإمام.

[والاسترعاء]: هو قوله: ((فاشهد على شهادتي بذلك)).
قال الإمام: وهو ((استفعال)) من ((الرعاية)).
وقال النواوي: إنه مأخوذ من ((الرعية)) أو ((المراعاة))، كأنه يقول للمتحمل: أقبل على رعاية شهادتي، وتحملها.
واعتبار نطق شاهد الأصل بلفظ الشهادة عند استرعاء شاهد الفرع مفرع على المذهب في أن لفظ الشهادة متعين في الأداء للحاكم كما تقدم.
أما إذا قلنا: لا يتعين، ويقوم ما في معناه مقامه، فهو هنا أولى، وقد صرح به الإمام.
وفي معنى ما ذكره الشيخ قول شاهد الأصل: إني شاهد بكذا، وأشهدتك على شهادتي، أو يقول: إذا استشهدت على شهادتي فقد أذنت لك في أن تشهد.
قال البغوي حكاية عن القفال: وكذا لو قال: أشهدتك على شهادتي أن فلانًا أقر لفلان بكذا، أو قال: أشهد على شهادتي أن لفلان على فلان كذا- جاز.
ولو قال: أشهد أن لفلان على فلان كذا، فاشهد أنت بها- لم يكن استرعاء، حكاه الماوردي وابن الصباغ عن نصفه في ((الأم)).
وما ذكرناه من اعتبار الاسترعاء يخالف الإقرار حيث قلنا: إن المذهب الذي نص عليه الشافعي: أنه يجوز لمن سمع شخصًا يقر لآخر بحق أن يشهد عليه من غير استرعاء خلافًا لأبي إسحاق.
وفرق الأصحاب بينهما فريقين: [أحدهما:] أن الشهادة على المقر شهادة على [عين] من عليه الحق، فإقراره بالحق يقتضي أن يكون عليه فإن لم يكن عليه، فهو المفرط، ومن عليه

الحق هنا لا تفريط من جهته، والشاهد قد يتساهل، فلا يكون تقصيره سببًا لإضرار غيره.
والثاني: أن الإقرار إخبار، وشروط الشهادة أغلظ من شروط الخبر، ولذلك [يعتبر] رجوع الشاهد، ولا يعتبر رجوع المقر.
وفي ((تعليق)) أبي الطيب و ((والشامل)) حكاية وجه [آخر]، نسبه الماوردي إلى البصريين: أنه لا يصح التحمل بقوله: ((فاشهد على شهادتي بذلك))، ما لم يقل: ((وعن شهادتي))، ليكون إذنًا له في التحمل بقوله في التحمل بقوله: ((على شهادتي))، [والأداء بقوله: ((وعن شهادتي)).
والأصح في ((الشامل)) وغيره: الأول، وهو قول البغداديين.
ونسب الفوراني ذلك الوجه إلى بعض العلماء، واقتصر على حكاية مقابله عن المذهب.
قال: أو يسمع رجلًا يشهد عند الحاكم بحق، أو يسمع رجلًا يشهد على رجل بحق مضاف إلى سبب به الحق: كالبيع، والقرض، لأن ما ذكرناه من الاحتمال منتف هاهنا.
وفي معنى الشهادة عند الحاكم الشهادة عند المحكم.
قال في ((التهذيب)) - وتبعه الرافعي-: سواء جوزنا التحكيم، أو لم نجوزه، لأنه لا يشهد عند المحكم والقاضي إلا وهو جازم بالقول المشهود به.
وعن الإصطخري: أنه إنما يتحمل عند سماع الشهادة عند المحكم إذا جوزنا التحكيم، وهو ما أورده في ((الإشراف)).
ومن طريق الأولى جواز الشهادة للحاكم والمحكم على شهادة من شهد عنده إذا لم يتفق حكمه بذلك.
وألحق ابن القاص بلك ما إذا سمع الشاهد يحمل شاهدًا يصح تحمله على شهادته، مسترعيًا له، فقال: يجوز للسامع التحمل، لأن القصد معرفة عدم التساهل، وهو حاصل هنا، وبهذا يكمل سبعة مواضع يجوز للشاهد أن يشهد فيها على الشهادة.

وفي ((الحاوي)): أن بعض أصحابنا البصريين قال: لا يتحمل في صورة الإقرار، مع ذرك سبب الشغل [إلا] بالاسترعاء، وقد حكاه الإمام عن الأكثرين، ورآه الأظهر.
وروى الشيخ أبو حاتم القزويني وجهًا مثله في أنه لا يتحمل على ما رآه يشهد عند القاضي [إلا] بالاسترعاء.
والمشهور الأول.
قال القاضي الحسين: وكذا يجوز للشخص أن يتحمل الشهادة على القاضي إذا قال في [مجلس حكمه]: قضيت بذلك وإن لم يسترعه.
قال: ولا تجوز الشهادة على الشهادة إلا أن يتعذر حضور شهود الأصل.
وجه المنع في حالة عدم التعذر: أن الأقوى في باب الشهادة لا يترك مع إمكانه، كما تقدم دليله، وشهادة الأصل أقوى من شهادة الفرع، لوجهين: أحدهما: أنها تثبت نفس الحق، وشهادة الفرع إنما تثبت شهادة الأصل.
والثاني: أن احتمال الخطأ والخلل يكثر في شهادة الفرع، ويخالف الوكالة، [حيث يجوز تصرف] الوكيل مع حضور الموكل، لأنه قد يعجز عن تحصيل مقصوده، بخلاف شاهد الأصل، فإنه قادر على تحصيل المقصود.
ويفارق الرواية، لأن بابها أوسع، بدليل عدم اعتبار العدد فيها، وقبولها من العبد، والمرأة.
ووجه الجواز عند التعذر: دعاء الحاجة إليه، وهو الذي لأجله سوغت الشهادة على الشهادة كما تقدم.
قال: بالموت أو المرض، أي: الذي يجوز ترك الجمعة، لا ما يمنع الحضور، كما قاله الإمام، أو الغيبة إلى مسافة تقصر فيها الصلاة.
أما حصول التعذر بالموت فظاهر، وهو الغاية القصوى، ولهذا قال الشعبي: إنه لا يسمع شهادة الفرع إلا عند موت شاهد الأصل.
وحكى ابن يونس هذا المذهب عن المسعودي من أصحابنا، ولم أره في غيره.
وأما حصوله بالمرض الذي وصفناه، وبالغيبة في المسافة المذكورة، فلأن الأصل لو طلب للأداء فيهما لم يجب عليه الحضور، وذلك موجب للتعذر، ومنه

يظهر لك أن خوف الأصل من سلطان جائر ونحوه، واتصافه بعذر يسوغ له ترك الجمعة [ملحق بذلك، كما صرح به الأصحاب].
قال الرافعي: وهذا في الأعذار الخاصة دون العامة التي تشمل الأصل والفرع: كالمطر، والوحل الشديد.
قال الأصحاب: وتسمع شهادة الفرع إذا شهد بعجز شاهد الأصل عن الحضور، أو على قول الأصل: إن عاجز عن الحضور.
واعلم أن ما ذكره الشيخ من اعتبار مسافة القصر ليس منقولًا عن الشافعي، فإنه لا نص له في المسألة كما قاله البندنيجي والروياني، وإنما هو من تخريج القاضي أبو الطيب من نص الشافعي على أن ولي المرأة إذا كان غائبًا فيما دون ما تقصر فيه الصلاة، لم يجز لأحد تزويجها، وإن كان في موضع مسيرته أكثر مما تقصر فيه الصلاة، [جاز] للحاكم تزويجها، وقد حكاه القاضي الحسين وغيره [من المراوزة] وجهًا، حيث قالوا: إن كانت الغيبة في مسافة القصر سمعت شهادة الفرع.
ولفظه في ((الوجيز)): فوق مسافة القصر.
قال الرافعي: ولا حاجة إلى لفظة: ((فوق))، بل المعتبر مسافة القصر فما فوقها.
قلت: والغزالي في لك متبع للشافعي كما دل عليه النص السابق في غيبة الولي، ومراده مسافة القصر، قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:12]، أي: اضربوا الأعناق، وقال تعال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء:11]، أي: اثنتين فما فوقهما.

قالوا: وإن كانت الغيبة في مسافة العدوى- وهي التي إذا خرج من بيته لأداء الشهادة مبتكرًا يرجع إلى أهله قبل الليل- فلا تسمع.
وإن كانت دون مسافة القصر وفوق مسافة العدوى، كما إذا أدركه الليل قبل عوده إلى منزله- فوجهان.
وأجروا ذلك [كله] في تزويج المرأة في غيبة الولي الأقرب، وفي الاستعداد، وفي كتاب القاضي [إلى القاضي] [و] في وجوب الحضور للأداء على الشاهد إذا كان في مثل تلك المسافة، ومنه تخرج في مسألتنا وجه: أنه لا تسمع شهادة الفرع إلا في مسافة القصر كما ذكره الشيخ، وقد حكى عن ابن القطان- أيضًا- لكن في ((تعليق)) القاضي أبي الطيب وغيره من كتب العراقيين: أن أصحابنا اعتبروا في المسافة أن يكون في موضع يشق عليه الحضور إلى مجلس الحكم، لتعب يلحقه، ولا يلزمه الحضور.
وفي ((الشامل)) نسبة هذا القول للشيخ أبي حامد، [و] قال الماوردي: إنه [الظاهر من] مذهب الشافعي.
قال الرافعي: وهذا يجوز أن يحمل على المشقة اللاحقة بالمجيء مما فوق مسافة العدوى، ويجوز أن يجعل أعم من ذلك، وإلى المحمل الأول ميل ابن الصباغ.
قلت: ابن الصباغ لم يمل إلى الأول، وإنما المائل إليه الشيخ أبو حامد، لأن ابن الصباغ حكى أن يوسف اعتبر في هذه الغيبة ما فوق مسافة العدوة، ثم حكى عن الشيخ أبي حامد ما حكيناه عنه، وأنه قال: وهذا قريب مما قاله أبو يوسف، وكلام البندنيجي [مصرح] بالحمل الأول، فإنه قال: [قال] أصحابنا: المشقة كما قال أبو يوسف، لكن كلام الماوردي يميل إلى المحمل الثاني، لأن المأخذ في التعذر كما ذكرنا عدم إيجاب الحضور إلى الأداء على شاهد الأصل، وقد ذكرنا عن الماوردي أن الشاهد إذا دعي للأداء خارج البلد لا يلزمه

الإجابة، سواء قربت المسافة أو بعدت، وسواء كان ذا مركوب أو لم يكن، لأن مفارقة وطنه مشقة يسقط معها فرض الإجابة.
قلت: ويظهر أن يقال: إن الاعتبار في هذه المسألة بالمسافة التي لا يلزم الحضور منها إلى الجمعة على من هو خارج البلد، وهي التي لا يسمع منها النداء في الموضع الذي تقام فيه الجمعة بالشرائط المذكورة، لأن عدم إيجاب الحضور إلى الجمعة في هذه الحالة لأجل المشقة اللاحقة به، والأصحاب قد جعلوا المرض المانع من إيجاب الجمعة مجوزًا لسماع شاهد الفرع هنا، وكذا الأعذار المسوغة لترك الجمعة، فكذلك ينبغي أن تراعي المشقة التي تسقط بها الجمعة عند الخروج عن البلد هاهنا أيضًا.
وعلى كل حال فالأظهر هاهنا اعتبار ما فوق مسافة العدوى، لا مسافة القصر، وهو الذي اختاره النواوي، تبعًا للرافعي والروياني وغيرهما.
وإن كان الأظهر في تزويج مولية الغائب عندهم اعتبار مسافة القصر في الغيبة، وفرقوا بأن الولي إذا زوج لم يحتج إلى الحضور، بل يوكل، والشاهد يحتاج إلى الحضور.
وأيضًا: فإن الخصم قد يهرب فيفوت الحق، والنكاح لا يفوت غالبًا بهذا القدر من التأخير، ووراء ما ذكرناه وجه آخر محكي عن أبي الطيب بن سلمة: أنه يقبل شهادة الفرع وإن لم يتعذر حضور شهادة الأصل بما ذكرناه.
وقال ابن أبي الدم: إنه من تخريج صاحب ((التلخيص))، وإليه ذهب القفال الشاشي.
قلت: ويظهر أن يكون بناء على الوجه الذي حكيناه عن القاضي أبي حامد: أنه لا يجب على الشاهد الحضور عند القاضي للأداء، بل إذا اتفق اجتماعهما لزمه أن يؤدي، ثم ما ذكرناه [هاهنا في المسافة] يظهر جريان مثله في كتاب القاضي إلى القاضي، فإن الأصحاب متفقون على أنهما سواء حتى قال القاضي أبو الطيب [وابن الصباغ] وغيرهما: كل موقع قلنا: إن الحكم بالشهادة على

الشهادة جائز، قلنا: الحكم بكتاب القاضي إلى القاضي جائز، وكل موقع قلنا: إن الحكم بالشهادة على الشهادة لا يجوز، لم يجز الحكم بكتاب القاضي إلى القاضي، والله أعلم.
قال: وإذا أراد أن يؤدي الشهادة على الشهادة، فإن [كان قد] تحمل بالاسترعاء، قال: أشهد أن فلان بن فلان

-[أي: وقد عرفته باسمه ونسبه، كما قاله ابن الصباغ]-

يشهد على فلان بن فلان [بكذا]، وأشهدني على شهادته بذلك.
وإن رآه يشهد عند الحاكم [بحق]، قال: أشهد أن فلان [بن فلان] يشهد بكذا عند الحاكمز وإن رآه يشهد بحق مضاف إلى سبب، ذكر نحو ما ذكرناه، أي: فيقول: أشهد أن فلان بن فلان يشهد على فلان بن فلان بكذا من ثمن مبيع أو قرض، ونحو ذلك، على نحو ما سمع.
وكذا يحكي صورة الحال في باقي المواضع، ليكون مؤديًا لها على الوجه الذي تحملها، فيعرف الحاكم صحتها من فسادها.
ولفظ الإمام في الصورة الأولى: أن يقول: أشهاد أن فلانًا شهد عندي أن لفلان على فلان كذا، وأشهدني على شهادته، وأذن لي أن أشهد إذا استشهدت، وأنا الآن أشهد على شهادته.
وهذا ذكره على الوجه التام الذي لا خلاف فيه، وما ذكره الشيخ بناء على ما حكاه أولًا من مذهب البغداديين، وهو الأصح.
قال الأصحاب: وكذا إذا تحمل الشهادة على مقر إن كان تحمله بالاسترعاء، قال في شهادته: أشهد أنه أقر عندي، وأشهدني على نفسه.
ووجوب قوله: وأشهدني على نفسه، مفرع على مذهب أبي إسحاق كما تقدمن وإلا فلو اقتصر على قوله: أقر عندي، كفى على المذهب كما تقدم.
وإن كان تحمله لكونه رآه يتعاطى سبب الشغل من بيع، أو إتلاف، ونحوهما، ذكره.

وإن كان تحمله على الإقرار من غير استرعاء ولا حضور عنده، قال في شهادته: أشهد أني سمعته يقر بكذا، ولا يقولك أقر عندي، ليكون الحاكم هو المجتهد دون الشاهد.
فإن أراد الشاهد أن يجتهد رأيه في صحة الإقرار وفساده، لم يجز، وكان الحاكم أحق بهذا الاجتهاد.
وأن أراد أن يجتهد رأيه في لزوم الأداء وسقوطه عنه، فوجهان في الحاوي.
فرع: إذا لم يبين الشهاد كيفة التحمل، سأله الحاكم، فإن [كان فقيهًا]، قال الغزالي: يكفيه أن يقول: أشهد على شهادته، وله الإصرار عليه، [ولا يلزمه] بيانه.
وفي ((الحاوي)) ما يقتضي خلافه، فإنه عدد أداء الشهادة على الصفة التي تحملها شرطًا، وقال: لو قال شاهد الفرع: أشهد على فلان بكذا، لم يجز، لأن الحق على المقر لا على الشاهد.
قال: ولا تقبل الشهادة [على الشهادة] من النساء، أي: في الموضع الذي تقبل شهادتهن فيه أصلًا، لأن المقصود بشهادة الفرع إثبات شهادة الأصل، لا أصل الحق، وذلك ليس بمال، ولا يئول إلى المال، ويطلع عليه الرجال، فلم تسمع فيه شهادة النسوة، كالنكاح.
وفي رواية العمراني حكاية وجه عن رواية الطبري: أنها تقبل، و [هو] في ((البحر)) - أيضًا- وقال: إنه ليس بشيء.
وعن ابن كج حكايته في الولادة.
والمشهور- ما ذكره الشيخ، ومنه يظهر لك أنه لو أقام شاهدًا فرعًا على واحد، وأراد أن يحلف معه- لا تثبت شهادته، لأن ما لم تقبل شهادة النسوة، لا يثبت بالشاهد واليمين.
نعم، لو أقام شاهدين على أصل، وأراد أن يحلف معهما فيما ثبت بالشاهد واليمين- صح.
قال: ولا تثبت شهادة كل واحد من شاهدي الأصل إلا بشاهدين، لما ذكرناه في عدم سماع شهادة النسوة.

وحكى ابن أبي الدم: أن الشيخ أبا محمد حكى في ((السلسلة)) قولًا قديمًا للشافعي: أنها تثبت بشهادة فرع واحد، كالحر.
قال: ولم أر لغيره حكايته، فلا يعتد [به].
قال: فإن شهد اثنان على أحد الشاهدين، ثم شهدا على الآخر- ففيه قولان: أحدهما: يجوز، لأنها شهاة على شخصين، فجاز أن يجتمعا عليهما في حقين، كما لو شهدا على مقرين.
قال الرافعي: وهذا ما اختاره العراقيون، وهو كذلك، لأن البندنيجي، والروياني صححاه، واختاره في ((المرشد)).
والثاني: لا يجوز، لأنهما قاما مقام أحد الشاهدين، فلو قاما مقام الآخر أشبه ما لو شهد الواحد على الحق مرتين، وهذا ما اختاره المزني، وصححه القاضي الحسينن والسرخسي، والنواوي، وقال البغوي: إنه الجديد.
وفي ((الحاوي)): أن القولين ينبنيان على أن الحق يثبت بشهود الأصل، أو بشهود الفرع؟ وفيه قولان: أحدهما: يثبت بشهود الأصل، ويتحمله عنهم شهود الفرع، وهذا ما صححه القاضي الحسين، فعلى هذا: يصح أن يشهد شاهد الفرع عن كل واحد من شاهدي الأصل.
قلت: ولا تثبت شهادة الأصل بشهادة النسوة أيضًا، كما تقدم.
والقول الثاني: أن الحق يثبت بشهود الفرع، وهم متحملون للشهادة عن شهود الأصل، لجواز شهاداتهم بعد موت شهود الأصل، فعلى هذا لا يجوز أن

يشهد الفرع الواحد عن أصلين.
قلت: ويظهر بناء الوجه الصائر إلى سماع شهادة النسوة فيه عليه.
قال الماوردي: وقد عكس أبو حامد الإسفراييني ذلك، فجعل ثبوت الحق بشهود الأصل مانعًا من أن يشهد شاهد الفرع على كل واحد من شاهدي الأصل، وعليه جرى الشيخ أبو علي والبندنيجي، واستدل للقول بأن الحكم بشهود الأصل: بأن شهادة شهود الفرع تسمع على التضاد، فيجوز أن يشهد شاهدان على زيد بأن الدار لبكر، وعلى عمرو بأن الدار لخالد، ولو كان الحكم [بشهود الفرع] لما ساغ ذلك.
التفريع: إن قلنا بالأول، فلو كان المشهود به قصاصًا ونكاحًا ونحوهما- كفى شاهدان.
وعلى الثاني لابد من أربعة، [وعلى هذا: لو شهد أربعة] على كل من شاهدي الأصل فوجهان: أصحهما في ((الوسيط)): الجواز.
وقال الإمام: إنه [الذي] لا يجوز غيره، لأنه قد شهد اثنان على شهادة زيد، واثنان على شهادة عمرو، ولا [يضر] تعرض شاهدي زيد لشهادة عمرو، [و] بالعكس.
ولو كان المشهود به مما يثبت بشاهد وامرأتين: كالأموال، والأصل شاهد وامرأتان، فعلى الأول: يكفي شاهدان يشهدان على الرجل، وعلى كل من المرأتين.
وعلى الثاني: لابد من ستة.
ولو كان مما يثبت بأربع نسوة: كالرضاع، فعلى الأول، يكفي شاهدان يشهدان على كل امرأة منهن، وعلى الثاني: لابد من ثمانية.
قال الرافعي: وعلى الوجه الذي حكاه ابن كج في أن شهادة النسوة [على

شهادة النسوة] مقبولة فيما تقبل فيه شهادتهن، يجئ هاهنا وجهان: أحدهما: يكفي شهادة أربع، بناء على القول الأول.
والثاني: لابد من ستة عشر، فيشهد كل أربع منهن على امرأة، وهذا بناء على القول الثاني.
ولو كان مما لا يثبت إلا بأربعة من الرجال: كفعل الزنى، إذا قلنا: إنه يثبت بالشهادة [على الشهادة]، فعلى الأول هل يكفي شاهدان أم لابد من أربعة؟ فيه قولان ينبنيان على أن الإقرار بالزنى، هل يثبت باثنين أم لابد من أربعة؟ وفيه قولان.
ووجه الشبه: أنهم لا يشهدون على فعل الزنى، بل على قول بينته، فإن قلنا: يثبت الإقرار [باثنين]، كفى هاهنا اثنان يشهدان على كل واحد من الأربعة.
وإن قلنا: لا يثبت الإقرار إلا بأربعة، فكذا هنا لابد من أربعة يشهدون على كل واحد من شهود [الأصل].
وعلى القول الثاني فيما يكتفي به قولان ينبنيان- أيضًا- على أن الإقرار بالزنى يثبت باثنين أم لابد من أربعة؟ فإن قلنا: يثبت باثنين كفى هنا ثمانية يشهد كل اثنين على واحد، وإن قلنا: لا يثبت إلا بأربعة فلابد من ستة عشر كل أربعة منهم على واحد من شهود الأصل.
وإذا جمعت ذلك، حصل [لك] في المسالة أربعة أقوال: يكفي شاهدان.
يكفي أربعة.
يكفي ثمانية.
لابد من ستة عشر.
ولو شهد على شهادة الفروع فروع في القصاص ونحوه، فعلى الأول يكفي اثنان، وعلى الثاني لابد من [أن] يشهد على كل فرع من الفروع الأربعة فرعان، فيجتمع ثمانية، وعلى هذا فقس.

قال: ولا يحكم بالشهادة على الشهادة حتى تثبت عنده عدالة شهود الأصل والفرع، لأن عدالة الشهود شرط في الحكم، فلو كان شهود الفرع ثابتي التزكية عنده، وزكوا شهود الأصل- قبلت تزكيتهم، وقيل: ذلك شرط في الحكم بشهادة الفرع، حكاه البغوي، وعلى هذا لا تسمع شهادة الابنين على شهادة أبيهما إذا منعنا تزكية الأب لابنه، أما إذا قلنا بالمذهب، فالمذهب سماع شهادتهما على شهادته إذا كان معروف العدالة من غيرهما.
وفي ((البحر)) في الفروع المذكورة قبل كتاب الشهادات احتمال في عدم السماع، لأنهما قد يعلمان جرحه ويكتمانه، ولا يقال: إن هذا موجود فيما لو شهد الأب والابن بحق، [ومع هذا تسمع] شهادتهما، لأن أحدهما لو جرح الآخر والصورة هذه وعدله شخصان عمل بشهادتهم، بخلاف شاهد الفرع إذا جرح شاهد الأصل، فإنه لا يعمل بشهادته وإن عدله سائر الناس.
وقيل: لا يجوز لشاهد الفرع تزكية شاهد الأصل كما لا يجوز لأحد شاهدي الأصل تزكية الأصل الآخر من غيره، وهذا من تخريج القفال، ونقل عنه أنه خرج من هنا إلى ثم وجهًا آخر.
أنه تسمع تزكية أحد الأصلين للآخر، وجعل في المسألتين وجهين، والمشهور الفرق.
وقد فهم ابن أبي الدم من إيراد القاضي الحسين ما ذكرناه حكاية عن القفال أن الوجهين يجريان في أن الأب والابن إذا شهدا بحق هل تسمع شهادتهما أم لا؟ وليس الأمر كذلك، وهذا يفهمه من طالع كلامه، والله أعلم.
تنبيهان: أحدهما: ما المراد باعتبار عدالة شهود الأصل والفرع، هل حالة الأداء، أو حالة التحمل، أو في الحالتين، أو فيهما وما بينهما؟ المشهور: أنه لابد من اعتبار ذلك [فيهما] حالة أداء شهود الأصل، وهو المفهوم من قوة كلام الشيخ: أنه أراده.
وفي كلام القاضي الحسين ما يفهم أنه لا يعتبر عدالة شهود الأصل عند أداء الفرع كما سنذكره.

والمشهور: أنه لا يعتبر عدالة شهود الفرع حالة التحمل كما لا يعتبر ذلك فيما إذا أراد أن يتحمل على المقر نفسه، وتعتبر في شهود الأصل حالة تحمل شهود الفرع حتى لو كان الأصل إذ ذاك فاسقًا لا يصح التحمل لأن شهود الفرع يشهدون عند التقاضي: أشهدنا فلان بن فلان فإذا كان شهود الأصل فسقة، فلا يعتمد على قولهم، فلا يصح التحمل، كما لو شهدوا عند التقاضي وكانوا فسقة لا تقبل شهادتهم، وهذا مما خلاف فيه.
وعن [القاضي] الحسين في اعتبار عدالة شهود الفرع عند التحمل احتمال، لأن هذه ولاية، وقد حكاه ابن أبي الدم وجهًأ عن رواية الشيخ أبي علي، وفائدته: أنه لو حسن حالهم عند الأداء، لم تقبل، والمشهور اعتبار استمرار شهادة شاهد الأصل على العدالة إلى ما بعد الحكم بشاهد الفرع، بناء على أن شاهد الأصل إذا كان عدلًا في حالة التحمل، ثم فسق، ثم حسن حاله- لا يجوز لشاهد الفرع الأداء ما لم يجدد الشهادة على الأصل، كما هو الصحيح، وينسب إلى ابن سريج، ولم يحك في ((الإشراف)) غيره.
وقد حكى الرافعي أن في ((الجرجانيات)) لأبي العباس الروياني تفريعًا على هذا: أن شاهد الفرع يحتاج أن يقول- على وجه-: أشهدني على شهادته وكان عدلًا إلى اليوم، أو: إلى أن مات، إن كان قد مات.
أما إذا قلنا: لا يحتاج شاهد الفرع بعد توبة شاهد الأصل إلى تجديد التحمل- كما حكاه الإمام وجهً، وقال: أنه لا يعتد به وإن كان قضية إيراد ((التهذيب)) كما قال الرافعي: اختياره- فلا يعتبر في شاهد الأصل الاستمرار على العدالة، كما لا يعتبر استمرار شهود الفرع عليها.
التنبيه الثاني: في قوله: ((حتى تثبت عنده عدالة شهود الأصل)) ما يعرف أنه لابد من تسمية شهود الأصل حتى لو قال شاهد الفرع: أشهدني عدل رضي مقبول الشهادة لي على كذا، لم تصح هذه الشهادة، كما صرح به العراقيون، والمروازة، خلافًا لمحمد بن جرير الطبري المقول فيه: إنه من أصحابنا كما تقدم، لأنه قد يكون عدلًا عند الفرع، وفاسقًا عند غيره، فيصير مجهول الحال عند الحاكم، وهذا بخلاف الشهادة عند حاكم، لم يصرح الشاهد بتسميته على أحد

الوجهين، لأن الحاكم عدل بالنسبة إلى كل أحد، بخلاف شاهد الأصل.
قال: وإن شهد شهود الفرع، ثم حضر شهود الأصل [قبل أن يحكم]- لم يحكم حتى يسمع من شهود الأصل، كما لو وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة.
قال الإمام: ولا يكفيه تصديق شهود الفرع بل لابد من إنشاء الشهادة من الأصل.
وحكم [برء] شاهد الأصل قبل الحكم حكم قدومه.
ومن طريق الأولى إذا رجع شهود الأصل عند الشهادة [قبل الحكم]، أو قالوا: ما أشهدنا شهود الفرع- لا يحكم بشهادة الفرع، بخلاف ما لو كان ذلك بعد الحكم، فإنه لا يؤثر.
وفي ((تعليق)) القاضي الحسين إبداء احتمال أقامه وجهًا فيما إذا حضر شهود الأصل قبل الحكم: أنه يقضي بشهادة الفروع، ولا يؤثر حضور شهود الأصل كما لو حضروا بعد الحكم، والمشهور الأول.
فإن قلت: حضور شهود الأصل كاف في عدم قبول شهادة الفرع، فما فائدة تكذيبهم لشهود الفرع؟ قيل: فائدته أن شاهد الأصل لو غاب بعد ذلك، أو مرض لا تسمع شهادة [شاهد] الفرع عليه، لأن بتكذيبه بطلت شهادته، بخلاف حضوره، فإنه لا يبطل الشهادة، ولكن يمنعها، حتى لو غاب شاهد الأصل بعد ذلك، أو عجز عن الحضور عند الحاكم، وأعاد شاهد الفرع الشهادة- قبلت، وحكم بها.
ويقوم مقام تكذيب شهود الأصل للفروع شهادة شاهدين عليهم بذلك قبل الحكم.
ولو شهد بعد الحكم أن شهود الأصل كذبوا شهود الفرع قبل الحكم، نقض الحكم قولًا واحدًا.
قال الإمام: ولنا قولان فيما إذا قضى القاضي بشهادة شاهدين، ثم قامت بينة على فسقهما حالة الحكم، هل ينقض ذلك الحكم أم لا؟ وقد يعسر الفرق بينهما.

فروع: أحدهما: إذا طرأ على شهود الأصل ما يمنع من قبول شهادتهم قبل الحكم بشهادة الفرع، فهل يؤثر؟ قال الأصحاب: ينظر: فإن كان الطارئ موتًا، أو مرضًا أو غيبة، لم يؤثر، بل هو المراد بالتحمل وإن [كان] فسقًا أو عداوة أو ردة، منع.
قال الإمام: لأن هذه أمور لا تهجم دفعة واحدة، بل الفسق يورث الريبة فيما تقدم، والردة تشعر بخبث في العقيدة سابق، والعداوة لضغائن كانت مستكنة، وليس لمدة ((من قبل)) ضبط، فينعطف إلى حالة التحمل.
وللقاضي الحسين احتمال في طرآن الفسق [والردة]، لأنه قال: لو كان شهود الأصل عدولًا حالة التحمل للفرعيين، ثم طرأ عليهم فسق، أو ردة فالظاهر من المذهب أن ذلك يوقع ريبة في شهادة الفرع.
وللإمام احتمال في عدم إلحاق الردة بالفسق، مأخذه ما ذكرناه في باب حد القذف: أن طرآن الردة على المقذوف لا يقدح في الإحصان السابق، على النص، بخلاف طرآن الزنى، فإنه يقدح على النص.
ولو كان الطارئ جنونًا، أو عمى، فثلاثة أوجه، جمعها الإمام من كلام شيخه والصيدلاني: أحدها: أنه لا يؤثر كالموت، وهذا ما قال الإمام: إنه المذهب، وإنه الذي يجب القطع به، وما عداه تخيط في المذهب، ولأجل ذلك صححه الغزالي وغيره، ولم يحك البندنيجي وكذا البغوي عن شيخه غيره، وهو المذكور الإشراف، وألحق الخرس بالجنون.
والثاني: أنه يؤثر، إذ بطلت أهليتهما، لقبول شهادتهما، وإنما استثنى الموت، للضرورة.
والثالث: أن الجنون يمنع، بخلاف العمى، فإن الأعمى أهل، وإنما امتنع عليه التعيين، ولهذا لا يحكم ببطلان ما أداه قبل العمى إذ حصل العمى قبل الحكم بشهادته.

ثم إذا قلنا: تبطل، فلو زال المانع بأن أبصر الأعمى، وأفاق المجنون، قال ابن أبي الدم: فالمذهب: [أنه] لابد من إعادة التحمل، ومن أصحابنا من قال: لا يحتاج إلى الإعادة، قال في ((الوسيط)): وهذا أقيس، والأول أشهر.
والإغماء لا يؤثر في الغيبة، وفي الحضور ينتظر زواله، فلا يسلط شاهد الفرع على الشهادة.
قلت: ولو قيل: إنه يسلك بالشهادة على شهادته مسلك تزويج موليته كما ذكرناه في النكاح- لم يبعد، بل أولى، لما عرفت من الفرق بينهما.
الفرع الثاني: إذا قال شاهد الأصل لشاهدي الفرع: نسيت أني أشهدتكما على شهادتي على زيد بكذا، وأنا ذاكر لشهادتي على زيد به، فقال الفرعان: نحن ذاكران أنك أشهدتنا- قال ابن أبي الدم: فالذي وقع لي: أن شهادة الفرعين لا [تجوز إلا] أن يجدد التحمل، ثم رأيته كذلك في كتب الأصول.
الفرع الثالث: إذا حمل شهود الأصل شهود الفرع الشهادة على رجل لا يعلم الفروع اسمه ولا نسبه، جاز ولهم أن يشهدوا على عينه، وكذا على نسبه إن تعرفوا ونسبه بعد ذلك.
ولو كان الفروع لا يعرفون عين المشهود له، وتحملوا الشهادة له على نسبه، جاز.
قال القاضي الحسين، والفوراني: وكل ما جاءه، وادعى: إن فلان بن فلان، فعليه أن يؤدي الشهادة له، ثم ينظر: فإن أقر الخصمان بأنه هو فذاك، وإن تناكرا، فعلى المدعي إقامة البينة على اسمه ونسبه، فإن قامت بينة بذلك، حكم له.
في ((فتاوى)) القاضي: أنه لو أقر رجل، فقال: لفلان بن فلان علي كذا، وأشهد عليه شاهدين، فجاء رجل، وقال: أنا فلان بن فلان الذي أقر لي بالحق عندكما، فاشهدا لي- فليس لهما أن يشهدا حتى يعرفا أنه هو المقر [له]، فلو أقام الرجل بينة عند القاضي أنه فلان بن فلان حينئذ يشهدان له به، وهذا مناقض لما تقدم، فليكن في المسألتين جوابان، والله أعلم.
الفرع الرابع: إذا شهد [أصل] وشهد مع فرع على أصل [آخر]، لا يثبت

بشهادته شهادة ذلك الأصل، لأنه حينئذ يكون قد قام بثلاثة أرباع الشهادة والشهادة لا يثبت بشهادته أكثر من شطرها.
وقد نجز شرح مسائل الباب، فلنختمه بفرع يتعلق به، وهو أن الشاهد هل يجوز له أن يشهد باستحقاق زيد على عمرو درهمًا مثلا إذا عرف سبب شغل ذمته به أم لا؟ قال ابن أبي الدم في موضع من أدب القضاء له: فيه وجهان مشاعان في لسان أئمة المذهب، والمشهور فيما بينهم: أنها لا تسمع.
قال: وهذا لم أظفر به منقولًا مصرحًا به هكذا، غير أن الذي تلقيته من كلام المروازة، وفهمته من مدارج مباحثاتهم المذهبية، أن الشاهد ليس له أن يرتب الأحكام على أسبابها، بل وظيفته نقل ما سمعه من إقرار، أو عقد تبايع، وغير ذلك، أو شاهده من غصب، أو إتلاف، ونحو ذلك، ثم الحاكم ينظر فيما نقله الشاهد إليه، فإن كان سببًا صالحًا عنده، رتب عليه موجبه، وإن لم يره سببًا صالحًا، وهو مجتهد فيه، لم يعمل به، والسبب في ذلك أن الأسباب الملزمة متنوعة، مختلف فيها، فقد يظن الشاهد شيئًا سببًا، وليس هو سببًا عند أحد من الأئمة، أو عند الحاكم فقط، فكلف الشاهد نقل ما سمع أو رآه، لينظر الحاكم فيه.
والذي رأيته منقولًا ما حكاه الماوردي في مسألة رهن الشيء بدين، ثم رهنه بدين آخر عند المرتهن، مسألة الخلاف المشهور، وهو أنه إذا أقر الراهن والمرتهن عند شاهدين أن العبد رهن بألفين، نظر: إن قيدا إقرارهما بشرح أراد الشاهدان ألا يذكرا شرح الإقرار، بل يشهدان أن العبد رهن بالألفين- قال: فإن كان الشاهدان من غير أهل الاجتهاد، [لم يجز، ووجب عليهما شرح حال الإقرار.
وإن كان من أهل الاجتهاد] فهل يجوز لهما أن يجتهدا في الإقرار، ويؤديا الشهادة عند الحاكم على ما يصح في اجتهادهما؟ فيه وجهان: الأصح: أنه لا يجوز لهما ذلك، وعليهما نقل الإقرار إلى الحاكم مشروحًا

على صورته، وهكذا القول في كل شهادة طريقها الاجتهاد.
وإن كان إقرار المتراهنين مطلقًا بأن أقرا عندهما أن هذا العبد رهن بألفين مطلقًا، ولم يقيدا، لكن علم الشاهدان أن الذي وقع في الباطن هو رهن العبد أولًا على دين، ثم على دين آخر، فهل يجوز لهما، أو يجب عليهما أن يشهدا بالإقرار المطلق، وليس عليهما الإخبار بما علماه في الباطن؟ فيه وجهان، أصحهما: أن عليهما أن يشهدا بالإقرار المطلق، وعليهما- أيضًا – أن يشهدا بما علماه في الباطن.
وهكذا القول في كل ما علمه الشاهد مع ما تحمه إلا أن يكون ما علمه ينافي ما تحمله، أو يعتقد أنه منافٍ لما تحمله، فيلزمه الإخبار بما تحمله.
وهذا كله مبني على الوجهين في اختصاص الشاهد.
هذا كله كلام الماوردي، وملخصه أن العامي لا يجوز له إطلاق الشهادة المقيدة باجتهاده، وهل يجوز للشاهد المجتهد؟ فيه خلاف فيما طريقه الاجتهاد.
ومفهوم هذا: أن السبب إذا كان مجتمعًا عليه، جاز أن يشهد بالاستحقاق.
والذي أراه ألا يسمع هذا من الشاهد، وعليه بيان السبب كيف كان، سدًا لباب الاحتمال، ونفيًا للريب، كما فعلنا ذلك في شهادة النفي المحصور المضاف إلى زمن مخصوص محصور، فإن الشهادة مما ينبغي أن يحتاط لها.
وقال قبل ذلك بثلاث ورقات، أو أقل، أو أكثر: إن الشاهد لو قال: أشهد أن هذا يستحق في ذمة هذا درهمًا، هل تسمع هذه الشهادة؟ فيه ثلاثة أوجه حكيناها [عنه من قبل]: المذهب أنها تسمع، ويعمل بها.
والثاني: لا تسمع، لأن هذا من وظيفة الحاكم.
والثالث: إن كان الشاهد متمذهبًا بمذهب القاضي سمعت، وإلا فلا.
انتهى.
وقد يظن من رأى كلامه في الموضعين أنه متناقض، وهو مما لا شك فيه، نعم: كلام الماوردي مع هذا [لا تناقض فيه]، لأن ذلك محمول على جواز الإقدام للشاهد، وهذا في جواز الحكم بتلك الشهادة، والله أعلم.

باب اختلاف الشهود والرجوع عن الشهادة

إذا شهد شاهد أنه أقر بألف، وشهد آخر أنه أقر بألفين- وجب له الألف، لاتفاقهما على إثباته، كما لو شهد واحد على إقراره بالألف، وآخر بألف وخمسمائة، فإن الألف تثبت بوفاق الخصم وهو أبو حنيفة.
وفي الإشراف أن القاسم حكى أنه لا يأخذ الألف من غير يمين، قال: وهو غريب.
قال: وله أن يحلف ويستحق الألف الثاني، لأنه شهد له به شاهد واحد، وهكذا الحكم فيما لو شهد له شاهد أنه سرق منه كيسًا، وآخر أنه سرق [منه] كيسين، ثبت له الكيس المتفق عليه، ويحلف، ويستحق الثاني، قاله الماوردي، وأبو الطيب.
ولا فرق في مسألة الكتاب بين أن يطلق الشاهدان الشهادة، أو يذكرا سبب اللزوم، فيشهد أحدهما بألف من ثمن عبد، والآخر بألفين من ثمن عبد، أو يذكر أحدهما السبب، ويطلق الآخر، كما إذا شهد أحدهما بألف من ثمن عبد، وشهد الآخر بألفين مطلقًا، كما قاله القاضي أبو الطيب في كتاب الإقرار، وقال: إنه لو شهد أحدهما بألف من ثمن عبد، والآخر بألفين من ثمن ثوب- لم يلفق بين الشهادتين، ويحلف معهما، ويستحق الألفين، وهذا بخلاف ما لو شهد له شاهد أنه باعه هذا العبد بألف في وقت كذا، وآخر أنه باعه ذلك العبد [بعينه] في ذلك الزمان بألفين- فإن فيه وجهين حكاهما الماوردي في باب الشهادة على الحدود: أحدهما: أن شهادتهما سقطت، لتعارضهما، فيصير كأن لا بينة، كما لو شهد اثنان بالبيع [بألف، واثنان بالبيع] في ذلك الزمن، فإنهما يتعارضان ويسقطان.

والثاني: أنه يحلف مع الشاهدين، ويقضى له بالألفين.
وما ذكره الشيخ مصور بما إذا كان المدعي قد ادعى ألفين، أما إذا لم يدع إلا ألفا، فقد سبق الكلام في سماع شهادة الشاهد بالألفين.
وما ذكره الشيخ مصور بما إذا كان المدعي قد ادعى ألفين، أما إذا لم يدع إلا ألفًا، فقد سبق الكلام في سماع شهادة الشاهد بالألفين عند الكلام في الجمع في الشهادة بين ما يجوز وما لا يجوز، وعند الكلام في الشهادة بحق للآدمي قبل الاستشهاد، فليطلب منهما.
قال: وإن شهد شاهدان أنه زنى بها في زاوية، وشهد آخران أنه زنى بها في زاوية أخرى- لم يثبت الزنى، أي: بالنسبة إلى المرأة والرجل، لأنه لم يكمل على فعل واحد نصاب الشهادة، لكن هل يجب على الشهود حد القذف؟ أطلق البندنيجي والقاضي الحسين وغيرهما فيه القولين المذكورين فيما إذا لم يتم العدد.
وفي ((الحاوي)) في باب حد الزنى: أنا إذا لم نوجبه عند نقصان العدد فهاهنا أولى، وإن أوجبناه ثم فهاهنا وجهان، وأجراهما فيما لو شهد اثنان أنه زنى [بها] يوم الجمعة، وآخران أنه [زنى بها] يوم السبت.
ووجه المنع: أن الشهادة بالزنى قد كملت وإن اختلفت، فصارت كاملة في سقوط العفة وإن لم تكمل في وجوب الحد.
نعم: لو شهد اثنان أنه زنى بها يوم الجمعة بالبصرة، وآخران أنه [زنى بها] يوم السبت ببغداد، انعكس الحال، فإن قلنا بوجوب الحد عند نقصان العدد، فهاهنا أولى، وإن قلنا: لا يجب ثم، فهاهنا ثلاثة أوجه: أحدها: يحدون جميعًا، للقطع بالكذب في شهادتهم.
والثاني: لا يحدون جميعًا، لأن الكذب لا يتعين في أحد الجهتين.
والثالث: يحد الأخيران، لتقدم إكذاب الأولين لهما قبل شهادتهما.
قال الماوردي: وهذا صحيح.
وفي ((تعليق)) البندنيجي حكاية القولين المذكورين في نقصان العدد في هذه الصورة- أيضًا- من غير ترتيب، وطردهما فيما لو شهد شاهدان أنه زنى بها وعليه جبة، و [شهد] آخران أنه زنى بها وعليه قميص.

قال: وإن شهد اثنان أنه زنى بها وهي مطاوعة، وشهد آخران أنه زنى بها وهي مكرهة- لم يثبت الزنى، أي في حق المرأة [والرجل]، لأنهم لم يتفقوا على زنى واحد، فإن زناه بها مطاوعة غير زناه بها مكرهة، فلم تكمل البينة كما في المسألة قبلها.
وقيل: يثبت الزنى في حق الرجل، لأنهم اتفقوا على زناه طائعًا، وليس في الشهادتين تعارض، لأن الإكراه يجوز أن يكون في أول الفعل، والمطاوعة في آخره.
قال: وليس بشيء، لما ذكرناه.
وقد نسب البندنيجي هذا الذي بشيء إلى رواية ابن سريج [في ((التفريع)) على ((الجامع الصغير)) لمحمد وجهًا وحكاه القاضي الحسين عن رواية ابن سريج] وجهًا أيضًا، وقال في موضع آخر من كتاب حد الزنى: إن أبا ثور قال: سألت الشافعي عنه، فقال: يحد الرجل دونها.
على ذلك ينطبق قول الماوردي: إن الخلاف قولا رواهما أبو حامد المرودوذى.
[ثم] قال: إن أوجبنا الحد على الرجل لم يجد الشهود لها، ولا له، وإن قلنا: لا يجد الرجل [فإن لم] نوجب الحد على الشهود عند نقصان العدد، فهاهنا أولى، وإن أوجبناه ثم، فهاهنا وجهان.
فإن أوجبناه، قال القاضي الحسين، والماوردي: حددنا شاهدي الإكراه [للرجل] دون المرأة، وشاهدي الطواعية قد قذفا الرجل والمرأة، لكن بزنى واحد، فهل يجب عليهما حدان، أو حد واحد؟ فيه قولان: الجديد: الأول.
والقديم: الثاني.
عكس الإمام هذا الترتيب، فقال: الزنى لا يثبت في حق المرأة، ولا يحد شاهدا الإكراه لها، وهل يحد شاهدا الطواعية؟ فيه الخلاف: فإن حددناهما لم يحد الرجل قولًا واحدًا، وإن لم نحدهما فهل يحد الرجل؟ فيه وجهان، الذي ذهب إليه أكثرهم: الوجوب، وهو الذي رجحه الرافعي، ثم قال: وكذلك نوجب

وحكى فيما لو شهد اثنان على أنه أكرهها على الزنى: أن وجوب المهر ينبني على حدهما، فإن حددنا الشاهدين لم يثبت، وإلا ثبت، وادعى أنه لا خلاف في أنه لا يجب الحد على شاهدي الإكراه، وأنه لا يجب للرجل حد القذف: أما إذا حددناه فظاهر، وأما إذا لم نحده، فلأن عدد الشهود على زناه قد تم، وإنما رددنا الشهادة، لأنه مجتهد فيه، وهذا ما حكاه الإمام عن أهل التحقيق، بناء على أن المعلنين بالفسق المجتهد فيه، لا يحدون قولًا واحدًا.
فروع: أحدها لو شهد أربعة على أنه زنى بها، وشهد أربع نسوة على أنها عذراء، لا يجب عليها حد الزنى، لشبهه بقاء العذرة، ولو قذفها قاذف، لم يلزمه الحد، لقيام الشهادة على الزنى، واحتمال أن العذرة زالت، ثما عادت، لترك المبالغة في الافتضاض.
ومن طريق الأولى: لا يجب الحد على الشهود، كذا أطلقه الاصحاب.
وخص القاضي الحسين ذلك بما إذا كان بين الشهادتين زمان بعيد ممكن عودة العذرة فيه.
لو أقامت هي أربعة على أنه أكرهها على الزنى، وطلبت المهر، وشهد أربع نسوة على أنها عذراء- فلا حد عليه، للشبهة، وعليه المهر، ولا يجب عليها له حد القذف، لشهادة الشهود.
ولو شهد اثنان على أنه وطئها بشبهة، وشهد أربع نسوة على أنها عذراء فكذلك يجب المهر.
قال ابن كج: ولو شهد على امرأة أربعة بالزنى، وشهد أربع نسوة على أنها رتقاء، فليس عليها حد الزنى، ولا عليهم حد القذف، لأنهم رموا بالزنى من لم يتأتى منه الزنى.
وفي ((الحاوي)) في هذه الصورة: أننا ننظر: فإن كان الرتق- وكذا القرن- لا يمنع من إيلاج الحشفة في الفرج- حدت بخلاف العذرة، وإن كان يمنع ذلك لم تحد، ثم تكون هذه الشهادة مسقطة

لعفتها، فلو قذفها قاذف من بعد، لم يحد، لكما الشهادة بالزنى، وسقوط الحد بالشبهة.
قال: وإن شهد أحدهما: أنه قذفه بالعجمية، وشهد الآخر أنه قذفه بالعربية، أو شهد أحدهما أنه قذفه يوم السبت، وشهد الآخر أنه قذفه يوم الأحد- لم يثبت القذف، لأنهما لم يتفقا على قذف واحد، لأن القذف بالعجمية غير القذف بالعربية، والقذف [في] يوم السبت غير القذف [في] يوم الأحد، فأشبه ما لو شهد شاهد أنه عقد عقد النكاح على فلانة يوم الأحد، وآخر أنه عقد عليها يوم الاثنين، وقد وافق الخصم- وهو أبو حنيفة- على عدم التلفيق فيها.
وهكذا القول لو شهد أحدهما أنه قذفه بمكان كذا، وشهد الآخر أنه قذفه بمكان آخر، أو شهد أحدهما أنه قذف بزناه بزينب، وشهد الآخر [أنه قذفه بزناه بعمرة، أو شهد أحدهما: أنه قال له: زنيت، وشهد الآخر]: أنه قال له: يا زاني، قاله الماوردي في كتاب اللعان، والأخير شبيه بما قاله القاضي أبو الطيب في كتاب الوكالة: أنه لو شهد شاهد بأنه قال لزيد: وكلتك في كذا، وقال الآخر: أشهد أنه قال: أذنت لك في التصرف-[لم تثبت الوكالة، لأن العقد بقوله: وكلتك غير العقد بقوله: أذنت له في التصرف]، فلم تتفق شهادتهما على عقد واحد.
قال: وكذلك إذا شهد أحدهما أنه قال: جعلتك وكيلًا، وقال الآخر: أشهد أنه قال: جعلتك جريًا- والجري: الوكيل- بخلاف ما لو شهد أحدهما: أنه وكله في التصرف، وشهد الآخر: أنه أذن له في التصرف، فإن الوكالة تثبت، لأنهما لم يحكيا لفظ العقد، واختلافهما في أداء اللفظ لا يؤثر في الشهادة.
لكن في ((أدب القضاء)) لابن أبي الدم: أن ابن القاص حكى عن ابن سريج أنه قال تخريجًا على مذهب الشافعي فيما إذا شهد أحدهما: أنه جعله وكيلًا في هذه الخصومة، وآخر: أنه جعله وصيًا في هذه الخصومة في حياته، أو أحدهما: أنه وكله بقبض المال، والآخر: أنه سلطه عليه- أنه ينظر:

فإن كانت شهادتهما على الإقرار، ثبتت الوكالة.
وإن كانت على العقد، لم تثبت.
وعلى قياس ما ذكره الشيخ في إحدى مسألتي الفصل يتخرج ما إذا شهد أحدهما أنه غصب منه داره في يوم الجمعة، وشهد الآخر أنه غصبها منه [في] يوم السبت، أو شهد أحدهما: أنه غصب داره بالكوفة، وشهد الآخر: أنه غصب داره بالبصرة- مع أن الغصب لا يثبت، لأنها شهادة على فعل لم يتفقا عليه، فيحلف مع أحد الشاهدين في الأولى، ومعهما في الثانية، ويستحق الدارين.
وحكى ابن أبي الدم عن أبي القاسم الداركي، [أنه] قال: يثبت الغصب، وأن الشيخ أبا علي قال: وهذا غفلة منه.
قلت: وقول الداركي قد حكاه الإمام- أيضًا- في كتاب الإقرار، فإنه حكى أن صاحب التقريب روى أن الشافعي نص على أنه لو شهد شاهد أنه طلق زوجته يوم السبت، وشهد الآخر أنه طلقها يوم الأحد- لا يثبت الطلاق بشهادتهما، وأن بعض الأصحاب خرج قولًا من النص الذي سنذكره إلى هنا، وجعل في ثبوت الطلاق قولين، ولا وجه للقول المخرج هنا، وهو في نهاية البعد من طريق النقل والقياس.
قال: وإن شهد أحدهما أنه أقر بالقذف بالعجمية- أي: كان إقراره عند الشاهد بالعجمية- وشهد الآخر: أنه أقر بالقذف بالعربية- أي: كان إقراره عند الشاهد بالعربية- أو شهد أحدهما: أنه أقر بالقذف يوم السبت- أي: تاريخ إقراره يوم السب- و [شهد] الآخر: أنه أقر [بالقذف] يوم الأحد

-[أي تاريخ إقراره يوم الأحد]-

وجب الحد، لأن [الظاهر أن] المقر به قذف واحد وإن اختلف الإخبار عنه، فكملت فيه الشهادة، ووجب به الحد وهذا ما حكاه البندنيجي وغيره، وهو يوافق ما حكاه الإمام في كتاب الإقرار عن رواية صاحب ((التقريب)) عن نص الشافعي: أنه إذا شهد أحدهما على إقرار شخص بغصب دار يوم السبت، والتاريخ للإقرار لا للغصب، [وشهد آخر على إقراره بأن غصبها يوم الأحد، والتاريخ للإقرار لا للغصب] أنه يثبت الغصب.

لكن من الأصحاب من خرج في هذه المسألة قولًا من نص الشافعي في مسألة الطلاق السابقة، وجعل في ثبوت الغصب قولين.
قال الإمام: والقول المخرج هنا بعيد جدًا من طريق النقل، ولكن قد يتجه من طريق القياس.
وقضية هذا التخريج أن يطرد في مسألتي الكتاب.
وقد حكى ابن يونس أن الإصطخري حكاه وجهًا فيهما، وقال: أنه لا يثبت القذف.
والذي رأيته في ((الشامل)) في باب اللعان، وفي ((الحاوي))، ((تعليق)) أبي الطيب، [والبندنيجي] في باب الشهادة على الحد: أن الإصطخري حكى فيما لو شهد شاهد: أنه قال: القذف الذي كان مني كان بالعربية، وشهد الآخر: أنه قال: القذف الذي كان مني كان بالمعجمية- وجهين: أحدهما: لا تتم الشهادة، لأنهما قذفان، وهذا ما اختاره القاضي أبو الطيب، وصححه البندنيجي.
والثاني: تتم.
قال الماودري: ولا أجد له وجهًا.
قلت: ومن العجب قوله ذلك، وقد جزم في باب الشهادة على الجناية بأنه إذا شهد شاهدان على إقرار شخص بالقتل، فقال أحدهما: أقر عندي أنه قتله عشية، وقال الآخر: أقر عندي: أنه قتله غدوة، أو قال أحدهما: أقر عندي أنه قتله بسيف، وقال الآخر: أقر عندي أنه قتله بعصا، أو قال أحدهما: أقر عندي أنه قتله بالبصرة، وقال الآخر: أقر عندي أنه قتله بالكوفة- أن هذه الشهادة صحيحة لا تعارض فيها، ويثبت القتل، ثم إن كان كل واحد من الفعلين عمدًا يوجب القود، أقدناه، وإن كان كل واحد منهما خطأ، لزمته الدية في ماله، وإن كان أحدهما موجبًا للقود، والآخر خطأ، صار كما لو شهد أحدهما على إقراره بقتل العمد، وشهد الآخر على إقراره بقتل الخطأ، وقد مضى.
ولا يظهر لي فرق بين مسألة الإصطخري وهذه المسألة.
وقد قاس القاضي أبو الطيب الوجه بالتلفيق في مسألة الإصطخري على ما [لو] أقر عند أحد الشاهدين باللغة العجمية: أنه قذف، وعند الآخر باللغة

العربية: أنه قذف، كما صورت مسألة الكتاب، وهذا يدل على أنه لا خلاف عند الإصطخري فيها.
وابن الصاغ وجهه بأن أقر بالقذف، وقوله بعد هذا: بالعربية، أو بالعجمية فيه إسقاط لإقراره، فلا يلتفت إليه.
وقريب مما حكيناه عن [ابن] الصباغ وغيره- أو هو هو- ما حكاه القاضي الحسين والإمام في باب اللعان: أنه لو شهد شاهد: أنه أقر أنه قذف بالعربية، والآخر: أنه [أقر أنه] قذف بالعجمية- فالمراوزة يقولون: يلفق بينهما، لأن الأخبار يدخلها الصدق والكذب، فلعله كذب في أحد الإقرارين، وهذا ما حكاه في باب الإقرار، وذكر أن القاضي لم يحك عن الأصحاب غيره، ثم قال في كتاب اللعان: وقال العراقيون: لا يلفق بينهما، فإنه أخبر عن قذفين مختلفين.
قال: وهذا أوفق، وأجرى على القياس المرعي، وأبدى هذا في باب الإقرار احتمالا للقاضي، ثم قال: والأمر على ما ذكره [القاضي]، وكان شيخي لا يحكي سواه، ويقطع به.
وبه- أيضًا- جزم ابن الصباغ قبل حكايته ما نقله عن الإصطخري في فصل منفرد.
قال: وإن شهد أحدهما: أنه سرق كبشًا أبيض، وشهد الآخر: أنه سرق كبشًا أسود- لم يجب الحد، لأنهما لم يتفقا على سرقة واحدة، فلم يكمل النصاب.
وما ذكره الخصم من أنه يجوز أن يكون أحد جنبيه أبيض، والآخر أسود، فشهد كل واحد بما رآه- مندفع بأن الشهادة اقتضت وصف كله، لا وصف بعضه.
وهذا [اللفظ] الذي ذكره الشيخ هو المنصوص عليه، قال ابن الصباغ وغيره: ومن أصحابنا من يقول: إذا سرق كيسًا، وليس كذلك، لأن الشافعي قال في ((الأم)): لو شهد أحدهما: أنه سرق منه كبشًا أقرن، وقال الآخر: أجم.
والحكم لا يختلف بالكيس والكبش.

قال: فإن حلف المسروق منه مع الشاهد، أي: الذي وقعت شهادته موافقة لدعواه، أو بالحق في زعمه- قضي له، أي: بالغرم، لأنه ثبت بالشاهد واليمين.
[ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في استحقاقه الغرم باليمين مع الشاهد] في هذه الصورة بين أن يكون الشاهدان قد أطلقا السرقة، أو أضافاها إلى وقت واحد، فقال أحدهما: أشهد أنه سرق له كبشًا أبيض مع طلوع الشمس في يوم كذا، وقال الآخر: أشهد أنه سرق له كبسًا أسود مع طلوع الشمس من ذلك اليوم.
وهو قول الشيخ أبي حامد، لأن الماوردي جزم القول بذلك في حالة إطلاق الشهادتين، وقال: لأن الغرم يثبت بالشاهد واليمين، ولا تعارض، لأنه يجوز أن يكون قد سرق منه كبشين بالصفتين.
وحكى في حالة إضافة السرقتين إلى وقت واحد وجهين في استحقاق الغرم، بناء على [أن] التعارض يقع بين شاهد وشاهد في الصورة التي ذكرناها، كما يقع فيما لو شهد [على] كل سرقة اثنان، أو لا يقع، لأنه إنما يكون في البينة الكاملة، وبالشاهد الواحد لا تكمل البينة؟ وفيه اختلاف بين الأصحاب: فإن قلنا بالثاني، وهو قول الشيخ أبي حامد، والذي ادعى أبو الطيب الإجماع عليه- ثبت له الغرم عند حلفه.
وإن قلنا بمقابله: فلا، لأن الشهادة سقطت، فصار كما لو لم تكن له بينة.
قلت: وقد يستشهد بهذا الاختلاف بالقولين المذكورين فيما إذا شهد شاهد أنه قتل فلانًا بالسيف، وشهد آخر أنه قتله بالعصا- هل يكون ذلك لوثا أم لا؟ فإن لم يجعل ذلك لوثًا، جعل شهادة أحدهما معارضة للأخرى، فأسقطهما، ومن جعله لوثا، لم يثبت المعارضة.
قال الماوردي: والوجهان يجريان فيما لو شهد شاهد: أنه سرق منه كيسا أبيض في أول النهار، وشهد آخر أنه سرق ذلك الكيس في آخر النهار، فإن قلنا بالتعارض [صار] كما لو لم تقم له بينة، وإن قلنا بقول أبي حامد، حلف

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل